علي سيف الرعيني -| من صور الإنسانية !!

لو فكرت معي ولو للحظة أن تنزل من مقعد المتفرج إلى الشارع فقد تكتشف أن الحياة لا تحتاج دائما إلى أفعال عظيمة كي تصبح أكثر إنسانية ربما يكفي أن تمد يدك لطفل يعبر الطريق أوتقف إلى جوار عامل أنهكه التعب أو تسند جارا أثقلته الأيام أو تفسح مكانا لمن ضاقت به الطريق
أفعال تبدو صغيرة في أعيننا لكنها في حياة الآخرين قد تكون فارقة لأن الإنسان لا يعرف دائما مقدار الأثر الذي يتركه موقف بسيط في قلب إنسان آخر نحن نخطئ حين ننظر إلى الخير باعتباره منّة نقدمها للآخرين وكأننا نملك فضلا عليهم حين نساعدهم الحقيقة أكثر عمقا من ذلك فالخير ليس يدا عليا تستعرض قدرتها على العطاء ولا وسيلة لنشعر بالتفوق على من يحتاجون إلينا بل هو جزء من توازننا الإنساني وما يستقيم به ظهورنا نحن قبل أن يستقيم به حال الآخرين
حين تساعد شخصا لا تستطيع أن تغير حياته كلها فأنت على الأقل تقول له إن العالم لم يفقد إنسانيته بالكامل وحين ترفع عن عامل لحظة من التعب أوتحمل عن كبير سن بعض مشقته أوتحمي طفلا من خطر الطريق فأنت لا تمنحه شيئا من فائض حياتك فقط بل تستعيد شيئا من إنسانيتك أنت
في الشوارع المزدحمة حيث يمضي الجميع مسرعين خلف أعمالهم ومواعيدهم وهمومهم تمر أمامنا يوميا فرص كثيرة لفعل الخير قد نراها ولا نلتفت إليها لأننا اعتدنا أن نربط الخيربالمشروعات الكبيرة والتضحيات الاستثنائية بينما قد يكون الخير الحقيقي مختبئا في تفاصيل تمرامام اعيننا كل يوم لا تحتاج سوى قلب يقظ
ربما يكون الخير أن تنتظر قليلا حتى يعبر أحدهم الطريق أن تقول كلمة طيبة لشخص يبدو عليه الانكسار أن تعيد إلى إنسان ثقته بنفسه بعد أن أرهقته الظروف أن تحفظ كرامة محتاج بدل أن تذكّره بحاجته أن تساعد دون تصوير وتعطي دون إعلان وتفعل المعروف لأنك تؤمن بأنه الصواب لا لأنك تنتظر مقابله إن أجمل الخير ذلك الذي لا يجعل الآخر يشعر بأنه مدين لك فالإنسان الذي يسند غيره لا يخسر شيئا من قامته بل يزداد استقامة والذي يمد يده لإنقاذ متعب لا ينحني بل يرتفع أخلاقيا والذي يفتح نافذة أمل في قلب إنسان أنهكته الحياة إنما يفتح في داخله نافذة أخرى
ولعلنا نحتاج اليوم وسط هذا الضجيج وكثرة الأزمات ونشوب الحروب وتراجع العلاقات الإنسانية إلى أن نعيد اكتشاف قيمة الأشياء الصغيرة أن ننتبه إلى أن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها وإنما أيضا بذلك السلوك اليومي البسيط الذي يجعل الإنسان يشعر أنه يعيش بين بشر لا بين غرباء
لا أحد يستطيع أن يحمل أوجاع العالم كلها ولا أحد مطالب بأن ينقذ الجميع لكن كل واحد منا يستطيع أن يخفف وجعًا واحدا أو يزيح حجرًا من طريق إنسان أويمنح لحظة أمان لشخص يحتاجها
وهنا يصبح الخير أكثر من فعل مألوف يصبح طريقة في النظر إلى الحياة
فحين ننزل من أبراج اللامبالاة ونقترب من الناس كما هم بتعبهم وحاجاتهم وانكساراتهم سنكتشف أن الخير ليس منّة نمنحها للآخرين وإنما هو ما يستقيم به ظهورنا نحن لأن الإنسان لا يصبح كبيرا بما يملك ولابما يعلو به على غيره بل بما يتركه من أثر طيب في الطريق الذي مر به
ربمالا يتذكر الطفل من ساعده على عبور الطريق وقد ينسى العامل من وقف إلى جواره وقد لا يعرف الجار كم أسندته ذات يوم دون أن يشعر لكن شيئا ما في داخلك سيبقى يعرف أنك في لحظة كان بإمكانك فيها أن تمرّ وتغض الطرف اخترت أن تتوقف
وهذه في جوهرها واحدة من أجمل صور الإنسانية!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى