أصيب الشاعر المجدد و الناقد و الأديب الياباني الكبير ماساوكا شيكي ( 1867 –
1902 ) بالسل الرئوي لأول مرة و هو في الواحد و العشرين من عمره , و كان ذلك
في شهر أيلول عام 1889 ( 1 ) , لما كان طالبا بالمدرسة التحضيرية لجامعة طوكيو
الإمبراطورية التي التحق بها عام 1890 ( 2 ) , و تفاقم بعدها مرضه على نحو بين و
سريع , فاضطر معه لترك الدراسة عام 1892 , لما كان في المرحلة الجامعية الثالثة
, و كان ينفث دما ( السعال المدمى ) , و لازمه الداء حتى مماته مشلولا , بعد صراع
مرير مع هذا المرض المقيت الذي انتشر أخيرا في هيكله العظمي المنهك ( التهاب
الفقار السلي – السل الفقري – بوت ) .
و كان ( شيكي ) خلال السنوات الأخيرة من عمره طريح الفراش , تغطيه الدمامل
السلية المؤلمة ( الخراج السلي النقيلي ) و مختلف التقرحات , عاجزا عن التقلب , و
محدود الحركة , و بخاصة حركة الجزء السفلي من بدنه الواهن , بسبب تلك الدمامل
التي كانت تفرز القيح دوما , و لكن دون فقدانه للقدرات العقلية و اللغوية , و دون تأثر
حباله الصوتية , مع احتفاظه بقدرته على الكتابة , إلا في أيامه الأخيرة حيث كان يملي
مؤلفاته على أخته ( ريتسو ) و والدته ( ياي ) ( 3 ) , مع الاعتماد على المورفين
بالدرجة الأساس , و على غيره من المسكنات المتوفرة آنذاك للتخفيف من آلامه
المبرحة .
و قد كتب ( ماساوكا شيكي ) خلال تلك السنوات ( 1895 – 1902 ) العديد من
الأعمال الأدبية الخالدة التي أدرج معظمها ضمن ( أدب المرض ) الذي يزخر به عموم
الأدب الياباني , و في جميع مراحله , مثل قصائد ( يامانؤويه نو أوكورا و ماتسوو
باشو و تاكوبوكو إيشيكاوا و كاتسوشيكا هوكوساي ) , ومنها قصائد تانكا و هايكو ,
وثق بها ( ماساوكا شيكي ) أوجاعه الشديدة و معاناته المريرة التي تحملها بصعوبة
بالغة , و لكن دون أن يستسلم , و دون أن يكف عن الكتابة , و ليبلغ بذلك ذروة
نضوجه الإبداعي , و تطبيقا لمبدأ ال ( شاسي ) الذي استحدثه , و سعى من أجله حتى
آخر أيامه , و يعني ( الرسم التخطيطي للحياة أو المحاكاة المباشرة للطبيعة و الواقع )
, بحسب وصف العالم اللغوي و المترجم المعروف ( د . دونالد كين ) ( 1922 –
2019 ) مؤلف ( شمس الشتاء تشرق في الداخل : حياة ماساوكا شيكي , مطبعة جامعة
كولومبيا 2013 ) الذي كتب قائلا : ( يمثل شعر المرض عند شيكي ذروة نتاجه
الإبداعي , و أحد مظاهر التحديث في الأدب الياباني المعاصر ) . و هناك وصف
قريب قدمه ( د . بيرتون واتسون ) في كتابه ( ماساوكا شيكي : قصائد مختارة ,
مطبعة جامعة كولومبيا 1997 و 1998 ) و آخر قدمته ( د . جانين بيشمان ) في
كتابها ( ماساوكا شيكي : حياته و أعماله , دار تواين للنشر 1982 ) . و أوصاف إشادة
و ثناء قدمها ( هيرواكي ساتو , إيتشيكاوا سايشوه , شيبا ريوتارو , و تسوبوي شيجيو )
و غيرهم كثر . و نقدم أدناه إضمامة من ( قصائد المرض ) ل ( شيكي ) الموزعة بين
التانكا و الهايكو , و المترجمة من اللغة الإنكليزية , و هي كما يلاحظ غير ( قصائد
الموت – وداع الحياة - الجيسي ) الثلاث المشهورة التي كتبها ( 4 ) , و التي سنتناولها
قريبا في مقال آخر :
( 1 )
لا أعلم
متى سينتهي ألمي
و لكنني جعلتهم يزرعون
بذور الزهور الخريفية
في الجنينة الصغيرة
كتب شيكي هذه القصيدة في أواخر ربيع 1901 , و كان ملازما لفراشه المتواضع
بطول ستة أقدام يابانية تقليدية ( شاكو ) أي ( 180 سم ) ( 5 ) , بسبب تطور السل
الرئوي لديه إلى السل العظمي الشديد , و كان متقبلا لفكرة الموت المحتوم في حالته
التي انقطع الأمل تماما من إصلاحها أو شفائها .
( 2 )
رأيت زهور الوستارية
في كاميدو
في ربيع العام الماضي
تذكرتها الآن
عند رؤيتي لها مجددا
أعرب فيها الشاعر عن شوقه البين لمحاسن الطبيعة التي ما عاد يستمتع بها , و هو
على هذا الحال , و مقارنا اياها عند رؤيته لها مع تلك التي في معبد ( كاميدو تينجين )
بطوكيو الزاخر بمثل هذه الزهور الآسرة التي طالما جذبت الزوار من كل صوب ,
ومستخدما هنا أسلوبه المبتكر المعروف بشاسي الذي يعني الرسم أو التخطيط من واقع
الحياة .
( 3 )
لم يعد موجودا
الرجل الذي كنت التقيه
في المرآة
أشاهد الآن وجها ضالا
يذرف الدمع
( 4 )
ثمة شجرة برتقال بالقرب من نافذتي
حيث أتمدد بجانبها سقيما
تتفتح و تتناثر أزهارها
ثم تثمر
لم أزل مريضا ها هنا
كتبها في خريف عام 1897 , و يقارن فيها بين حالة جسده المنهك جراء المرض و
بين الدورة الحيوية المعطاءة الخصيبة و النماء المستدام .
( 5 )
ستائر الشباك مسحوبة
ما برح الإمبراطور
يخفي حبه
تسقط أشعة شمس الصباح
على زهرة الفاوانيا القرمزية
يعرب فيها الشاعرعن عجزه الشديد عن الحركة داخل غرفته شبه المعتمة , و التي ما
عاد يستطيع مغادرتها , و تعزله الستائر عن العالم الخارجي , و تمنعه من الفوز برؤية
زهرة الفاوانيا القرمزية الأخاذة و الاستمتاع بنور الشمس في الخارج .
( 6 )
أحلم ببناء
عريشة من القصب
لتعتليها زهور القمر
و لكن هل سيطول بي العمر
حتى أرى الخريف ؟
تعتبر هذه القصيدة واحدة من أشهر القصائد التي كتبها شيكي , ممزجا بين الأمنية و
الواقع , وهو الأسلوب الذي طغى على أعماله في أواخر حياته . أما زهور القمر , فهي
أزهار ليلية بيضاء جميلة على شكل بوق , تتفتح عند الغسق و حتى شروق الشمس .
تتسلق بسهولة و تحتاج إلى دعامات لتسهيل ذلك , و ترمز إلى الجمال المؤقت و
البريق في العتمة .
( 7 )
وضعت إضمامة
من زهور الوستارية
في المزهرية
و لكنها قصيرة جدا
و لا تبلغ حصائر التاتامي
يعرف عن التاتامي بأنه حصير ياباني تقليدي له العديد من الاستخدامات , نسج قديما
من لب قشر الأرز و نبات الأسل .
( 8 )
انسكب ماء الجردل
قطرة إثر قطرة
و ذهب سدى
ما أشبه قطرات الندى على زهور الخريف
بحبات اللؤلؤ
ربط ( شيكي ) في قصيدته هذه بين حادثة بسيطة , و هي انسكاب ماء الجردل و
خسارة الماء الموجود فيه و المنظر الطبيعي الجميل السائد خارج غرفته التي لا
يستطيع مغادرتها و إن لفترة قصيرة , و ذلك تطبيقا لمبدأ ( الشاسي – التصوير من
واقع الطبيعة ) أيضا , و الذي طرحه رسميا و للمرة الأولى من خلال مقاله النقدي و
النظري الشهير ( السرد – النثر السردي - جوجيبون ) المنشور في جريدة ( نيهون )
عام 1990 كأداة فعالة مؤثرة لتحديث الهايكو و التانكا , و الذي أعده النقاد الحجر
الأساس في تحديث الأدب الياباني في عصر ( ميجي ) ( 1868 – 1912 ) . و هو
مبدا تعددت آراء و قراءات النقاد و الكتاب بخصوصه , و لم تزل , و منهم ( ماكوتو
أودا ) ( 1933 – 2007 ) الذي أنصف ( شيكي ) على نحو بين , و ( كانيكو توتا ) (
1919 – 2018 ) الذي انتقد طريقة فهم هذا المبدأ عند البعض , و تلميذه ( تاكاهارا
كيوشي ) ( 1874 – 1959 ) الذي اعتمد مبدأ الموضوعية التامة في الشاسي , و (
هارو شيراني ) ( 1951 - ؟ ) الذي نظر إلى ( الشاسي ) كضرورة لإنجاء الهايكو و
التانكا و لحمايتهما من الفناء .
( 9 )
إنها تثلج
باستطاعتي رؤية ذلك من خلال
الثقب الموجود في النافذة الورقية
( 10 )
كل ما يشغلني
في هذا المنزل المغطى بالثلج
هو تمددي ها هنا
( 11 )
أتناول التفاح الأخضر
بإزاء زهرة الفاوانيا
سأقضي نحبي
كتبها شيكي في شهر أيار 1899 , و كان عليلا , شاعرا باقتراب أجله , و تم ذلك
بكل بساطة و بوعي مباشر . و هو يصف هنا كيفية تناوله التفاح الأخضر الذي أحبه
بالاضافة إلى فواكه أخرى مثل البرسيمون ( الكاكي ) الذي يحتفل به في اليابان في
26 تشرين الأول من كل عام , و منذ عام 2005 بعد أن استحدثه ( الاتحاد الوطني
لبحوث الفاكهة ) تكريما له , و ذلك استنادا إلى حدث مهم يعود إلى اليوم الذي كتب فيه
شاعرنا قصيدة أخرى حول الكاكي في عام 1895 عند زيارته لمعبد ( هوريوجي )
في ( نارا ) ( 6 ) . و هناك إشارة إلى هذا الجانب من صديقه المقرب الروائي (
ناتسومي سوسيكي ) ( 1867 – 1916 ) عندما أشار في روايته ( سانشيرو ) إلى
تناول ( شيكي ) ل ( 16 ) حبة منها في وجبة واحدة ( 7 ) , و لذلك سمي ب ( عاشق
الهايكو الآكل للكاكي – كاكي كوو هايكو كا ) بناء على وصيته قبل وفاته , و إشارة
إلى عبارة وردت في مقالة له جاء فيها ( أخبركم , كنت آكلا للكاكي , و محبا للهايكو )
.
-----------------------
( 1 ) – بين ( 1888 – 1889 ) وفقا لبعض المصادر .
( 2 ) – عرفت هذه المدرسة باسم ( يوبيمون ) , و كانت تهدف إلى تأهيل الطلاب
علميا و لغويا قبيل دخولهم بالجامعة , وفقا للنظام التعليمي الحديث السائد في عصر (
ميجي ) .
( 3 ) - ابنة العالم والمفكر الكونفوشيوسي المعروف ( أوهارا كانزان ) ( 1818 -
1875 ) . تعلم منه خارج المدرسة حفيده ( شيكي ) أسس الأدب و الشعر الكلاسيكي
لما كان في السابعة من العمر .
( 4 ) – ينظر : ( قصائد الموت اليابانية ) , ترجمة بنيامين يوخنا دانيال , ( حانة
الشعراء ) , عدد يوم 29 / 8 / 2026 . و ( الموت .. قصائد يابانية ) , ترجمة
بنيامين يوخنا دانيال , مجلة ( المنار ) , عدد يوم 1 سبتمبر 2026 .
( 5 ) – بحسب وصفه في مذكراته ( فراش مريض طوله ستة أقدام – بيوشو
روكوشاكو ) التي كتبها عام 1902 . و له أيضا مذكرات بذات الموضوع بعنوان (
قطرة حبر بوكوجو إيتيكي 1901 ) و ( ملاحظات متفرقة أثناء الاستلقاء على ظهري
– جيوغا مانروكو 1901 – 1902 ) .
( 6 ) – ترجمنا من الإنكليزية و نشرنا قصيدة الهايكو تلك و ثماني قصائد أخرى
لشيكي حول الكاكي في عدد يوم 20 أيار 2024 من ( الأنطولوجيا ) .
( 7 ) – أشار سوسيكي إلى شيكي في الفصل الأول من الرواية المذكورة من باب
التكريم الرمزي , و ذلك خلال حديث أجراه البطل ( سانشيرو ) على متن القطار مع
الأستاذ ( هيروتا ) عن حب ماساوكا شيكي لفاكهة الكاكي ( البرسيمون ) , و كيفية
تناوله تلك الكمية منها في وجبة واحدة . و الرواية مترجمة إلى الإنكليزية من قبل (
جاي روبين ) و صادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة جامعة واشنطن 1977 .
1902 ) بالسل الرئوي لأول مرة و هو في الواحد و العشرين من عمره , و كان ذلك
في شهر أيلول عام 1889 ( 1 ) , لما كان طالبا بالمدرسة التحضيرية لجامعة طوكيو
الإمبراطورية التي التحق بها عام 1890 ( 2 ) , و تفاقم بعدها مرضه على نحو بين و
سريع , فاضطر معه لترك الدراسة عام 1892 , لما كان في المرحلة الجامعية الثالثة
, و كان ينفث دما ( السعال المدمى ) , و لازمه الداء حتى مماته مشلولا , بعد صراع
مرير مع هذا المرض المقيت الذي انتشر أخيرا في هيكله العظمي المنهك ( التهاب
الفقار السلي – السل الفقري – بوت ) .
و كان ( شيكي ) خلال السنوات الأخيرة من عمره طريح الفراش , تغطيه الدمامل
السلية المؤلمة ( الخراج السلي النقيلي ) و مختلف التقرحات , عاجزا عن التقلب , و
محدود الحركة , و بخاصة حركة الجزء السفلي من بدنه الواهن , بسبب تلك الدمامل
التي كانت تفرز القيح دوما , و لكن دون فقدانه للقدرات العقلية و اللغوية , و دون تأثر
حباله الصوتية , مع احتفاظه بقدرته على الكتابة , إلا في أيامه الأخيرة حيث كان يملي
مؤلفاته على أخته ( ريتسو ) و والدته ( ياي ) ( 3 ) , مع الاعتماد على المورفين
بالدرجة الأساس , و على غيره من المسكنات المتوفرة آنذاك للتخفيف من آلامه
المبرحة .
و قد كتب ( ماساوكا شيكي ) خلال تلك السنوات ( 1895 – 1902 ) العديد من
الأعمال الأدبية الخالدة التي أدرج معظمها ضمن ( أدب المرض ) الذي يزخر به عموم
الأدب الياباني , و في جميع مراحله , مثل قصائد ( يامانؤويه نو أوكورا و ماتسوو
باشو و تاكوبوكو إيشيكاوا و كاتسوشيكا هوكوساي ) , ومنها قصائد تانكا و هايكو ,
وثق بها ( ماساوكا شيكي ) أوجاعه الشديدة و معاناته المريرة التي تحملها بصعوبة
بالغة , و لكن دون أن يستسلم , و دون أن يكف عن الكتابة , و ليبلغ بذلك ذروة
نضوجه الإبداعي , و تطبيقا لمبدأ ال ( شاسي ) الذي استحدثه , و سعى من أجله حتى
آخر أيامه , و يعني ( الرسم التخطيطي للحياة أو المحاكاة المباشرة للطبيعة و الواقع )
, بحسب وصف العالم اللغوي و المترجم المعروف ( د . دونالد كين ) ( 1922 –
2019 ) مؤلف ( شمس الشتاء تشرق في الداخل : حياة ماساوكا شيكي , مطبعة جامعة
كولومبيا 2013 ) الذي كتب قائلا : ( يمثل شعر المرض عند شيكي ذروة نتاجه
الإبداعي , و أحد مظاهر التحديث في الأدب الياباني المعاصر ) . و هناك وصف
قريب قدمه ( د . بيرتون واتسون ) في كتابه ( ماساوكا شيكي : قصائد مختارة ,
مطبعة جامعة كولومبيا 1997 و 1998 ) و آخر قدمته ( د . جانين بيشمان ) في
كتابها ( ماساوكا شيكي : حياته و أعماله , دار تواين للنشر 1982 ) . و أوصاف إشادة
و ثناء قدمها ( هيرواكي ساتو , إيتشيكاوا سايشوه , شيبا ريوتارو , و تسوبوي شيجيو )
و غيرهم كثر . و نقدم أدناه إضمامة من ( قصائد المرض ) ل ( شيكي ) الموزعة بين
التانكا و الهايكو , و المترجمة من اللغة الإنكليزية , و هي كما يلاحظ غير ( قصائد
الموت – وداع الحياة - الجيسي ) الثلاث المشهورة التي كتبها ( 4 ) , و التي سنتناولها
قريبا في مقال آخر :
( 1 )
لا أعلم
متى سينتهي ألمي
و لكنني جعلتهم يزرعون
بذور الزهور الخريفية
في الجنينة الصغيرة
كتب شيكي هذه القصيدة في أواخر ربيع 1901 , و كان ملازما لفراشه المتواضع
بطول ستة أقدام يابانية تقليدية ( شاكو ) أي ( 180 سم ) ( 5 ) , بسبب تطور السل
الرئوي لديه إلى السل العظمي الشديد , و كان متقبلا لفكرة الموت المحتوم في حالته
التي انقطع الأمل تماما من إصلاحها أو شفائها .
( 2 )
رأيت زهور الوستارية
في كاميدو
في ربيع العام الماضي
تذكرتها الآن
عند رؤيتي لها مجددا
أعرب فيها الشاعر عن شوقه البين لمحاسن الطبيعة التي ما عاد يستمتع بها , و هو
على هذا الحال , و مقارنا اياها عند رؤيته لها مع تلك التي في معبد ( كاميدو تينجين )
بطوكيو الزاخر بمثل هذه الزهور الآسرة التي طالما جذبت الزوار من كل صوب ,
ومستخدما هنا أسلوبه المبتكر المعروف بشاسي الذي يعني الرسم أو التخطيط من واقع
الحياة .
( 3 )
لم يعد موجودا
الرجل الذي كنت التقيه
في المرآة
أشاهد الآن وجها ضالا
يذرف الدمع
( 4 )
ثمة شجرة برتقال بالقرب من نافذتي
حيث أتمدد بجانبها سقيما
تتفتح و تتناثر أزهارها
ثم تثمر
لم أزل مريضا ها هنا
كتبها في خريف عام 1897 , و يقارن فيها بين حالة جسده المنهك جراء المرض و
بين الدورة الحيوية المعطاءة الخصيبة و النماء المستدام .
( 5 )
ستائر الشباك مسحوبة
ما برح الإمبراطور
يخفي حبه
تسقط أشعة شمس الصباح
على زهرة الفاوانيا القرمزية
يعرب فيها الشاعرعن عجزه الشديد عن الحركة داخل غرفته شبه المعتمة , و التي ما
عاد يستطيع مغادرتها , و تعزله الستائر عن العالم الخارجي , و تمنعه من الفوز برؤية
زهرة الفاوانيا القرمزية الأخاذة و الاستمتاع بنور الشمس في الخارج .
( 6 )
أحلم ببناء
عريشة من القصب
لتعتليها زهور القمر
و لكن هل سيطول بي العمر
حتى أرى الخريف ؟
تعتبر هذه القصيدة واحدة من أشهر القصائد التي كتبها شيكي , ممزجا بين الأمنية و
الواقع , وهو الأسلوب الذي طغى على أعماله في أواخر حياته . أما زهور القمر , فهي
أزهار ليلية بيضاء جميلة على شكل بوق , تتفتح عند الغسق و حتى شروق الشمس .
تتسلق بسهولة و تحتاج إلى دعامات لتسهيل ذلك , و ترمز إلى الجمال المؤقت و
البريق في العتمة .
( 7 )
وضعت إضمامة
من زهور الوستارية
في المزهرية
و لكنها قصيرة جدا
و لا تبلغ حصائر التاتامي
يعرف عن التاتامي بأنه حصير ياباني تقليدي له العديد من الاستخدامات , نسج قديما
من لب قشر الأرز و نبات الأسل .
( 8 )
انسكب ماء الجردل
قطرة إثر قطرة
و ذهب سدى
ما أشبه قطرات الندى على زهور الخريف
بحبات اللؤلؤ
ربط ( شيكي ) في قصيدته هذه بين حادثة بسيطة , و هي انسكاب ماء الجردل و
خسارة الماء الموجود فيه و المنظر الطبيعي الجميل السائد خارج غرفته التي لا
يستطيع مغادرتها و إن لفترة قصيرة , و ذلك تطبيقا لمبدأ ( الشاسي – التصوير من
واقع الطبيعة ) أيضا , و الذي طرحه رسميا و للمرة الأولى من خلال مقاله النقدي و
النظري الشهير ( السرد – النثر السردي - جوجيبون ) المنشور في جريدة ( نيهون )
عام 1990 كأداة فعالة مؤثرة لتحديث الهايكو و التانكا , و الذي أعده النقاد الحجر
الأساس في تحديث الأدب الياباني في عصر ( ميجي ) ( 1868 – 1912 ) . و هو
مبدا تعددت آراء و قراءات النقاد و الكتاب بخصوصه , و لم تزل , و منهم ( ماكوتو
أودا ) ( 1933 – 2007 ) الذي أنصف ( شيكي ) على نحو بين , و ( كانيكو توتا ) (
1919 – 2018 ) الذي انتقد طريقة فهم هذا المبدأ عند البعض , و تلميذه ( تاكاهارا
كيوشي ) ( 1874 – 1959 ) الذي اعتمد مبدأ الموضوعية التامة في الشاسي , و (
هارو شيراني ) ( 1951 - ؟ ) الذي نظر إلى ( الشاسي ) كضرورة لإنجاء الهايكو و
التانكا و لحمايتهما من الفناء .
( 9 )
إنها تثلج
باستطاعتي رؤية ذلك من خلال
الثقب الموجود في النافذة الورقية
( 10 )
كل ما يشغلني
في هذا المنزل المغطى بالثلج
هو تمددي ها هنا
( 11 )
أتناول التفاح الأخضر
بإزاء زهرة الفاوانيا
سأقضي نحبي
كتبها شيكي في شهر أيار 1899 , و كان عليلا , شاعرا باقتراب أجله , و تم ذلك
بكل بساطة و بوعي مباشر . و هو يصف هنا كيفية تناوله التفاح الأخضر الذي أحبه
بالاضافة إلى فواكه أخرى مثل البرسيمون ( الكاكي ) الذي يحتفل به في اليابان في
26 تشرين الأول من كل عام , و منذ عام 2005 بعد أن استحدثه ( الاتحاد الوطني
لبحوث الفاكهة ) تكريما له , و ذلك استنادا إلى حدث مهم يعود إلى اليوم الذي كتب فيه
شاعرنا قصيدة أخرى حول الكاكي في عام 1895 عند زيارته لمعبد ( هوريوجي )
في ( نارا ) ( 6 ) . و هناك إشارة إلى هذا الجانب من صديقه المقرب الروائي (
ناتسومي سوسيكي ) ( 1867 – 1916 ) عندما أشار في روايته ( سانشيرو ) إلى
تناول ( شيكي ) ل ( 16 ) حبة منها في وجبة واحدة ( 7 ) , و لذلك سمي ب ( عاشق
الهايكو الآكل للكاكي – كاكي كوو هايكو كا ) بناء على وصيته قبل وفاته , و إشارة
إلى عبارة وردت في مقالة له جاء فيها ( أخبركم , كنت آكلا للكاكي , و محبا للهايكو )
.
-----------------------
( 1 ) – بين ( 1888 – 1889 ) وفقا لبعض المصادر .
( 2 ) – عرفت هذه المدرسة باسم ( يوبيمون ) , و كانت تهدف إلى تأهيل الطلاب
علميا و لغويا قبيل دخولهم بالجامعة , وفقا للنظام التعليمي الحديث السائد في عصر (
ميجي ) .
( 3 ) - ابنة العالم والمفكر الكونفوشيوسي المعروف ( أوهارا كانزان ) ( 1818 -
1875 ) . تعلم منه خارج المدرسة حفيده ( شيكي ) أسس الأدب و الشعر الكلاسيكي
لما كان في السابعة من العمر .
( 4 ) – ينظر : ( قصائد الموت اليابانية ) , ترجمة بنيامين يوخنا دانيال , ( حانة
الشعراء ) , عدد يوم 29 / 8 / 2026 . و ( الموت .. قصائد يابانية ) , ترجمة
بنيامين يوخنا دانيال , مجلة ( المنار ) , عدد يوم 1 سبتمبر 2026 .
( 5 ) – بحسب وصفه في مذكراته ( فراش مريض طوله ستة أقدام – بيوشو
روكوشاكو ) التي كتبها عام 1902 . و له أيضا مذكرات بذات الموضوع بعنوان (
قطرة حبر بوكوجو إيتيكي 1901 ) و ( ملاحظات متفرقة أثناء الاستلقاء على ظهري
– جيوغا مانروكو 1901 – 1902 ) .
( 6 ) – ترجمنا من الإنكليزية و نشرنا قصيدة الهايكو تلك و ثماني قصائد أخرى
لشيكي حول الكاكي في عدد يوم 20 أيار 2024 من ( الأنطولوجيا ) .
( 7 ) – أشار سوسيكي إلى شيكي في الفصل الأول من الرواية المذكورة من باب
التكريم الرمزي , و ذلك خلال حديث أجراه البطل ( سانشيرو ) على متن القطار مع
الأستاذ ( هيروتا ) عن حب ماساوكا شيكي لفاكهة الكاكي ( البرسيمون ) , و كيفية
تناوله تلك الكمية منها في وجبة واحدة . و الرواية مترجمة إلى الإنكليزية من قبل (
جاي روبين ) و صادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة جامعة واشنطن 1977 .