أ. د. عادل الأسطة - في احتساب الأعمار.. فلسطينياً

في صفحته يوم ٢ أيلول ٢٠٢٦، أدرج الصحافي محمد عمران الأسطل مراسل إذاعة أجيال في رام الله المنشور الآتي:
«عند سؤال الناس في غزة عن أعمارهم، يجيبون:
إما بخصم سنوات الحرب الثلاث.
أو بإضافتها باعتبارها عقودا ثلاثة».
عندما قرأت المنشور تذكرت الحكاية الشعبية المتداولة عن جبر، وهي حكاية لطالما رددناها في حياتنا كلما عشنا حصارا أو حربا أو مجزرة.
أذكر أنني كتبت في حصار ٢٠٠٢/ اجتياح ٢٠٠٢ قصة قصيرة عنوانها «اكتشافات جبر الفلسطيني في العيد» حكيت فيها عن أيامنا التي كنا نعيشها وكانت تتشابه: حصار. منع تجول. مواكب تشييع شهداء. اعتقالات.... إلخ. كنا نعيش كما لو أنه يوم طويل وكأن الأيام لا تتوالى.
في حرب طوفان الأقصى، كتبت فجر اليوم (١٦٠) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة تحت عنوان «جبر الفلسطيني ثانية: من بطن أمه للقبر»، فقد قرأت في اليوم السابق - ١٤/ ٣/ ٢٠٢٤ - ما كتبه الناقد طلعت قديح، تحت عنوان «ع المكشوف»، عن حياته منذ ولادته في غزة. عدد طلعت الحروب التي عاشها في غزة وقال، إنه - إن فتح المعبر - فسيهاجر مثل كثيرين من أهل غزة، تاركا القطاع لإسرائيل و»حماس»، فماذا يعني له هذا المسمى «وطن»؟
يومها تساءلت: هل نلومه على ما كتب؟
وقلت، لا أحد منا، نحن البعيدين عن أرض قطاع غزة، يمكن أن يزايد على أي مواطن هناك، ولكن....
وفي اليوم (٣١٢) - ١٣/ ٨/ ٢٠٢٤، كتبت تحت عنوان «جبر الغزاوي... من بطن أمه للقبر» وأتيت على قصة جبر التي لخصها المثل الشعبي.
مر جبر المسلم بمقبرة مسيحيين وأخذ يقرأ على شواهد القبور ما كتب عن أعمار الموتى، واستغرب من أنها كانت قصيرة لا تزيد على بضع سنوات، ما جعله يذهب إلى شماس الكنيسة ويسأله إن كان المكتوب صحيحا وإن كان فما السبب؟.
عندما أجابه الشماس موضحا له الأمر، وهي أنهم يحسبون فقط السنوات السعيدة التي عاشها المرء، ضحك جبر وأوصى أهله بأن يكتبوا على شاهد قبره:
- جبر من بطن أمه للقبر.
وفي كتابتي تساءلت:
- ماذا لو طبقنا الأمر على أهل قطاع غزة الذين عاشوا حروبا متتالية منذ انتفاضة الأقصى (٢٨/ ٩/ ٢٠٠٠)؟
من المؤكد أن العبارة الغالبة هي «من بطن أمه للقبر».
يوم كتابة المنشور، قرأت في صفحة مريم قوش فقرة تزينها صورة توأمين هما آسر وآيسل. تقول الفقرة، إن والد التوأمين محمد أبو القمصان ذهب ليخرج لهما شهادتي ميلاد، وعندما عاد وجدهما توفيا مع أمهما.
وقد عقبت مريم بأنه في غزة، وفي غزة فقط، تستخرج شهادة الوفاة قبل استخراج شهادة الميلاد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأنا أتمشى في شوارع المدينة وجدتني أسأل أحد معارفي ممن كان لهم نشاط وطني إن كانت الحرب ستندلع، وهو سؤال سألني إياه سائق الحافلة، فأجبت بأن علمها عند ربي، وأعربت له عن خشيتي من أن تفاجئ إسرائيل إيران و»حزب الله» وسورية أيضا بهجوم على غرار ما فعلته في ٥ حزيران ١٩٦٧.
أجواء الترقب التي نعيشها شبيهة بأجواء أيار وحزيران ١٩٦٧، ويا ساتر استر، وإن لم تستر فاكتبوا على شاهد قبري - إن حظيت بقبر-: عادل الأسطة من بطن أمه للقبر.
كل ما سبق ربما يناسب العبارة الأولى التي أوردها محمد عمران الأسطل، فماذا عن الحسبة الثانية - أي أن السنوات الثلاث تساوي ثلاثة عقود؟
هنا نتذكر الآية القرانية ونتذكر رسالة الغفران لأبي العلاء المعري وما ورد فيها عن يوم الحشر. تقول الآية، (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)
ويأتي أبو العلاء في «رسالة الغفران»، ساخرا، على يوم الحشر، واصفا طول الوقت ومعاناة منتظري الحساب من العطش والجوع وطول الانتظار، وأظن أن من قال من أهل قطاع غزة، إن الثلاث سنوات تقارب الثلاثة عقود لم يجانب الصواب ولم يشط بعيدا عن وصف أبي العلاء المعري.
في العام ١٩٨٥، أصدر سليم بركات روايته «فقهاء الظلام» وكتب عن «بيكاس» الذي يرى أن الإنسان يعيش حياته كما لو أنها يوم واحد. يولد بيكاس الآن ويكبر فجأة. يكبر في الساعة الواحدة ما يقارب ثلاث سنين، ويريد أن يتزوج مرة واحدة. يحاول أبوه التهرب منه، فتقترح زوجته أن يزوجه من ابنة أخيه مهمد «سيتم»، فالبنت ساذجة وقد جاوزت العشرين ولا تعرف العد للعشرين.
هكذا يخاطب بيكاس الفتاة «سيتم» التي سيقترن بها:
«عمر الإنسان، في الأصل، يوم واحد، ومن يعيشون لسنين هم استثناء».
ويتابع السارد وصف المشهد:
قالها هامسا، وقد توقف عن الدغدغة، غير أن الفتاة بادرت، حال توقفه، إلى التحرش بقدمه، بغية الاستزادة من هذه اللعبة التي أعجبتها، فاستسلم بيكاس لتحرشها، مكملا حديثه:
«يوم واحد يكفي. كم عمرك؟ عشرون سنة؟ كنت وفرت على نفسك مليارات من هذه الهأهأة لو عشت يوما واحدا فقط. لقد مللت من نظراتهم الفاحصة في ساعات، فماذا يحدث لو امتدت هذه النظرات لسنين؟ كل يوم، ستقابلين النظرات ذاتها من غريب يتشممك كالكلب، قبل أن يطمئن إليك».
«يوم واحد يكفي. أن تستمر في التذوق يعني أن تعيش أكثر. المعرفة تكفي، والإحساس بالطعم شواذ في القاعدة».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى