د. عبدالله ابراهيم - من حِيَلِ المؤلّفين: الإفراط في ذمّ الكِتاب بقصد الثناء عليه

من حِيَلِ المؤلّفين:
الإفراط في ذمّ الكِتاب بقصد الثناء عليه
………
سار ثربانتس في تقديمه لروايته (دون كيخوته) على هدي ما اختطّه كتّاب القرون الخالية من توطئات يرسمون فيها الأهداف العامة لمؤلّفاتهم، فيبخسونها حقّها بغرض لفت الأنظار إليها. ومعلوم بأن صيغ الخنوع، والتخاشع، كانت من لوازم مقدّمات الكتب في العصور القديمة والوسيطة، وهو أمر درج عليه مؤلّفو المعارف الإنسانية المختلفة. ولم يشذّ ثربانتس عنهم، فدبّج مقدّمة لروايته بعد أن انتهى من كتابتها، وهو في نحو الستين من عمره، فأفرط في ذمّها، وهو ذمّ أراد به الإيهام بصدق أحداث يمتنع تصديقها، وهو مطلب عسير في الكتابة السردية، ولم يوفّر ذمًّا عنه مؤلّفًا وعن كتابه إلا ورمى به في تلك المقدّمة، فما إن فرغ من تأليف كتابه حتى أصابه القنوط، إذ وجده كتابًا قاحلًا، وللتمويه على ذلك العيب، فكّر بتدبيج مقدّمة يتفادى بها مثالبه. وبخاصّة أنّه عزم على أن يُحبّر سِفرًا فريدًا يكون «أجمل، وأروع، وأظرف، ما يمكن تخيّله»؛ لكنه أخفق في سعيه؛ لأنه خالف نظام الطبيعة، وهو نظام لا يقبل المغالطة «يقضي بأن يلد الشيء شبهه»، فمادام الكاتب عقيم الموهبة فعلى هيئته يأتي كتابه أجدب لا خير فيه، إذ ما عسى «أن تلد قريحة عقيم فاسدة التهذيب مثل قريحتي، ألَلَّهُمَّ إلاّ تاريخ ولدٍ جافّ هزيل شاذّ مليء بالأفكار المتفاوتة لم يتخيّل مثله أحدٌ من قبل؟».
ثم مضى ثربانتس يوبّخ نفسه مستكثرًا عليها شرف الانتساب للمؤلّفين المرموقين؛ لأنه كتب كتابًا ضئيل الشأن عن فارس له ذِكر حسن في التاريخ، فجاء كتابه دون بطله في المقام، فقد خطّ «أسطورة جافّة جفاف عود الغاب، فقيرة من الإبداع، هزيلة الأسلوب، عارية من الأفكار، يعوزها التحصيل العلميّ والمذهب، خالية من الحواشي على الهامش، ومن الشروح في الآخر». وبعد أن اعترف بالمخازي التي اقترفها، عزم على دفن الكتاب في «أضابير محفوظات إقليم المانتشا، حتى تأذن السماء، فترسل مَنْ يزيّنه بكلّ هذه الأشياء التي تنقصه»؛ فلا يصحّ إظهاره للناس خشية التشهير به كاتبًا، ناهيك عن إهانة فارس لا يُشقّ له غبار. فهو لا يريد الإساءة إلى نفسه مؤلّفًا، ولا الانتقاص من مقام الفارس الجسور بطلًا. فارتاع مما هو فيه، فأصيب بالخور، وعرض مشكلته على صديق له عساه يقدّم له النصح، فسارع الصديق إلى تفنيد أوهامه، واقترح عليه تحرير توطئة يجاري بها مقدّمات الكتب الشائعة في عصره كالاقتباس من المتون الدينية، واستعارة أقوال المشاهير، فذلك يُضفي على الكتاب قدرًا جليلًا من المهابة والتأثير.
لم يبخل الصديق في النصح، لكنه انتبه إلى أنّ موضوع الكتاب هو هجاء كتب الفروسية، وقذفها، ولم يطرق بابه المفكّرون من قبل، فلا حاجة لترصيع الكتاب بأقوالهم «ما دام القصد من كتابك ليس إلاّ كبح، بل تحطيم ما لكتب الفروسيّة من تأثير وسلطان في عامّة الناس، فهل أنت في حاجة إلى استجداء أقوال الفلاسفة، ومواعظ الكتب المقدّسة، وأخيلة الشعراء، وخطب الخطباء، وكرامات الأولياء؟». حار المؤلّف، ولم يهتدِ للجواب المناسب، فنطق النصيح بقراره: «اجتهد أن تكون ألفاظك بسيطة، صافية، أمينة، حسنة السبك، وأن تكون فواصلك رنّانة، وحكايتك مسلّية موشّاة، وأن تكون معانيك مفهومة، لا غامضة، ولا مضطربة». تأمّل المؤلّف في النصائح، فرآها «سديدة تستوجب الثناء»، فباشر في كتابة توطئة تقدّم «قصّة دون كيخوته دلامانتشا الشهير بكلّ بساطتها، وبغير خلط ولا التواء. وإنّ جميع سكان إقليم سهل مونتيل ليعتقدون إنّه كان أعفّ عاشق، وأشجع فارس شوهد في هذه المنطقة طوال عدّة سنوات».
حاشية:
للاستزادة يُنظر الفصل الأخير من كتاب(الأرشيف السردي)
أعلى