١
خريفنا يدنو من اﻷبواب :
أجلس في حديقة منزلنا فأتذكر أدب أمريكا اللاتينية:غابرييل غارسيا ماركيز . في أية رواية من رواياته كتب عن عزلة بطل الرواية ؟
" ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " أو " خريف البطريرك " أو في " مائة عام من العزلة " أو في روايته عن سيمون بوليفار - إن لم تخني الذاكرة -؟
قرأت ماركيز قبل ثلاثين عاما وعامين . كنت مثل كثيرين معجبا به وآخر ما قرأته له كان قبل أربعة أعوام : " ذاكرة غانياتي الحزينات " .
لم ترق لي سيرته: " عشت ﻷروي " لسببين هما سوء الترجمة المصريه وﻷغراقه في تفاصيل لا تعني الكثير وليس من ورائها طائل .
الآن وأنا في حديقة منزلي أجلس على المرجيحة أتمرجح.كان أحد أبطال إحدى رواياته يمارس هذه العادة في أوقات الظهيرة .
هل هو الكولونيل؟
هل هو البطريرك أم أنه بطل روايته التاريخية التي نسيت حقا عنوانها الدقيق ؟
خريفنا يدنو من اﻷبواب ونحن في أيلول وطرفه مبلول و ..و ..
بحر ﻷيلول ..... الغزاوي هذا العام وكان الله في عون أهل غزة .
٢٠١٤
٢
إلى زياد خداش
" ههنا في صحبة المعنى .. تمردنا على الشكل " .
محمود درويش :
" ههنا الآن،هنا الآن " من :
" لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " .
٣
مناقشة رسالة ماجستير
مبدئيا
الاحد 20/9/2015
في مبنى الأكاديمية في العاشرة والنصف صباحا
الطالبة (آلاء قرمان):"سرديات رام الله في الأدب الفلسطيني المعاصر ‘
مريد البرغوثي وفاروق وادي نموذجا"
المشرف:ا.د.عادل الأسطة /جامعة النجاح الوطنية
المناقش الخارجي :د.زين العواودة/جامعة بيت لحم
المناقش الداخلي :د.نادر قاسم/جامعة النجاح الوطنية
٤
فما أطال النوم عمرا
ولا قصر في الأعمار طول السهر
( رباعيات الخيام )
وفي أمثالنا ، كما رددت سكرتيرة ، " عمر شدة ما قصرت عمر "
٥
بلاغة البساطة..بساطة البلاغة
( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية )
في الفترة الأخيرة قرأت روايتين و بدأت أقرأ الثالثة، لثلاثة كتاب فلسطينيين يقيمون في الضفة الغربية والقدس، وهم وليد الشرفا "وارث الشواهد"٢٠١٧ ،وقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية (بوكر) ،وإياد شماسنة "الرقص الوثني"٢٠١٦ ، ويوسف العيلة "أحدب نابلس "٢٠١٨ ولفت نظري في الروايات الثلاثة التي أنجزها كتاب لهم باع في الكتابة بذل جهد واضح في الكتابة يحسب لأصحابها.
ولا أعرف شخصيا كيف استقبلت الروايات الثلاثة؛ نقدا وقراءة وإعادة طباعة ، وهل صدرت لها طبعات جديدة؛ ثانية وثالثة ورابعة.والرواية الوحيدة بينها التي حققت حضورا على مستوى الوطن العربي هي، كما أشرت "وارث الشواهد" التي حظيت بدراسة موسعة من الناقد عبد الرحيم الشيخ ، ولا أعرف إن ترجمت أية منها إلى لغة ثانية .
ولكي أكون صريحا أقول إنني أتممت روايتي وليد وإياد بتثاقل ، لا بشغف ، ولم أتشجع كثيرا لرواية يوسف ، وفي حالات مثل هذه صرت أعزو الأمر إلى ذائقتي الشخصية ، وإلا كيف حققت رواية وليد نجاحا وراقت لناقد معروف ؟ وأقر بأن فكرة رواية إياد راقت لي كثيرا .
إن كنت مصيبا في اجتهادي فإنني أرى أن الالتفات إلى الصنعة المفرطة وكتابة الرواية بوعي روائي هما ما أثرا علي وعلى تثاقلي في القراءة، علما بأن الوعي الروائي ضروري جدا . هل أفسدت الصنعة العمل الروائي ؟
مرة كتب غسان كنفاني مقالة عنوانها " كيف تفسد قصة ناجحة ؟ " ناقش فيها مجموعة قصصية عنوانها " القميص المخطط " لتوما الخوري ولاحظ أن الكاتب أفسد قصصه الجميلة ببعض عبارات وباستغباء القاريء ، ولاحقا تذكر أحمد دحبور مقالة غسان وهو يثير السؤال :
" كيف تبني قصيدة ؟ "
"فأخشى آن يكون جوابي عن هذا السؤال الهام " كيف تبني قصيدة ؟ " هو : كيف تهدم قصيدة ناجحة ؟ " واعتقد أنه بمزيد من العناية قد يفسد قصيدته ، والأمر يحتاج إلى تحقق ، فالذاكرة خداعة . ولكن ما لا يغيب عن الذهن هو حكاية غسان كنفاني مع روايته "ما تبقى لكم " و" أم سعد " والصنعة في الأولى والبساطة في الثانية وتفضيل غسان البساطة ، ف " يمكن أن تقول الأشياء العميقة بأسلوب سهل بسيط " (بتصرف).
في 70 القرن العشرين كنا نقرأ الأدب الروسي بكثرة لأسباب عديدة أهمها توفر الروايات الروسية الكلاسيكية والحديثة، وقوة حضور الفكر اليساري وميلنا إليه، وستجد في مكتبتي مثلا أعمال (دوستوفسكي)و(تشيخوف) و (غوركي) و (بوشكين) و( جنكيز ايتماتوف) وقد سحرتنا روايات الأخير : " جميلة " و " المعلم الأول " و " شجيرتي ذات منديل أحمر " و " وداعا يا غولساري "و " السفينة البيضاء " وسأتابع أعماله ، وقد قرأتها بشغف .
لم يكتب ( ايتماتوف ) في رواياته عن خطته وما سيفعله ، ولم يتكيء في كتابتها على الكتب ولم يستعن بخرائط عن المكان ، كما فعل علي بدر في " مصابيح أورشليم " . كانت روايات ( ايتماتوف ) خارجة من الحياة ومكتوبة للقراء المثقفين ولقراء الرواية بعامة ، فترجمت وأعيدت طباعتها وتركت أثرا في النفوس ، وتركت تأثيرا كبيرا في سلوكي كما كتبت في مقال الأسبوع الماضي .
فكرة الكتابة عن الواقع ومنه والكتابة من الكتب والفرق بينهما التفت إليها غسان كنفاني في مقال عنوانه " شولوخوف والالتزام و أدب صح يا رجال" وقد أعيد نشره في كتاب " فارس فارس " ١٩٩٨ الذي أعده الناقد محمد دكروب .
قارن كنفاني في كتابه بين خمس قصص صدرت معا في كتاب ل ( ميخائيل شولوخوف ) و بين كثير من إصدارات بيروت والمطابع العربية في 60 القرن العشرين، وانحاز إلى القصص الخارجة من الحياة، لا المؤلفة من وراء المكاتب واختتم مقاله بالآتي :
" إن روعة هذه المجموعات من القصص هي أنها تأتي في وقت يتدفق فيه إنتاج " الموهوبين " العرب حول قضايا مماثلة تقريبا، وهو أدب أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه " أدب الهوهو " ، أدب فهد بلان " وصح يا رجال " أدب " الآويها " وال" ولي" ، وربما كان سبب ذلك هو فقدان الموهبة أولا ، وثانيا أن معظم كتابنا " لا يحيون حياة الشعب، لا يتألمون لآلام الناس ولا يفرحون لأفراحهم ، لا يدخلون إلى اهتمامهم وحاجاتهم (ولذلك) فإنه لا يخرج من بين أيديهم كتاب حقيقي يثير الانفعال في قلوب القراء ".
صح يا رجال "
طبعا لا يجوز لي أن أضع الروايات الثلاث موضع الكتب التي قصدها غسان فأنا لم أقرأها ، عدا أنني لم أقل إن الروائيين الثلاثة لا يعيشون هموم الناس. كان قصدي هو أن الصنعة وإشغال القاريء بطريقة الكتابة والكتابة بوعي نظري قد يؤثر سلبا على القاريء وقد عانيت منه شخصيا، ولكن من قال إنني الصح وغيري الخطأ ؟ هذا من ناحية ومن ناحية ثانية ربما يقول الروائيون الذين يصنعون رواياتهم إن الكتابة بلا جهد لا تعدو سرد أحداث . قد . هنا أعود ثانية إلى رأي توفيق الحكيم في كتابه " زهرة العمر " ، حيث يرى أن الكاتب الجيد هو من يبذل جهدا دون أن يظهر مقدار ما بذله ، ويضرب الحكيم بابن المقفع في " كليلة ودمنة " والجاحظ في " البخلاء " مثلا ، ويشبه اسلوبهما بالراقصة التي تبهر الآخرين برقصها ، دون أن تقول لنا مقدار الوقت الذي أنفقته في تعلم الرقص .
هل أصبت الرأي ؟
إنني أتساءل !
الجمعة 14 ايلول 2018
٦
الست كورونا : عودة إلى فكرة الإغلاق الشامل ( 73 )
لا جديد في شوارع المدينة . كل شيء على ما هو عليه في نابلس . حركة تجارية متوسطة الحال ، والفواكه والخضار " على قفا من يشيل " والأسعار لمن يملك " ببلاش " ولمن لا يملك " الله يفرجها " والكمامات في كل مكان ؛ في الشوارع وعلى بسطات البيع ، إلا أقلها على الأنوف والأفواه ، ودولة أبناء العمومة تشدد الإجراءات والأعياد اليهودية على الأبواب ، وكل شيء سياسة مع أن أكثر الناس تقول " السياسة ما إليش فيها " وفيها يبدو هؤلاء أفهم من محمد حسنين هيكل ومن الفهيم عبد الباري عطوان .
أعداد الإصابات في ازدياد وأعداد الموتى كذلك وبعض الأصدقاء ما زالوا يرون فيها لعبة ، وثمة نعي في وسائل التواصل الاجتماعي لنساء ورجال وأطفال و ...
التوصية التي رفعت إلى مجلس الوزراء الإسرائيلي توصي بالإغلاق لمدة ثلاثة أسابيع - ونابلس المدينة التي ولدت فيها ، وفيها أقمت أكثر من ٥٢ عاما من عمري المديد ، قد تغلق - والإغلاق قد يبدأ اعتبارا من منتصف يوم الجمعة .
صار الإغلاق بالجملة كما صارت الكمامات تباع بالجملة .
عليكم ب " الشلولو " من جديد وبالليمون والثوم والفلفل - يعني عليكم بخلطة خاصة بالفول لقاحا ، فالخريف على الأبواب . هل سترتكب الست كورونا مجزرة بالفلسطينيين ، أسوة بما ارتكب بحقهم في عام النكبة وعام النكسة وأيلول وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا واجتياح الضفة الغربية في ٢٠٠٢ وحروب إسرائيل على غزة أم أنها ستثأر لهم ؟
الأخبار الواردة من الأردن تقول إن الأوضاع عادت تتدهور صحيا وهذا يعني أن التنقل بين الضفتين سيظل صعبا جدا .
خد معود على اللطيم وطول عمرك يا زبيبة بطيزك هالعودة .
١٤ أيلول ٢٠٢٠
٧
مقهى ( جيفارا ) في البلدة القديمة :
غلب على وسائل التواصل الاجتماعي إظهار صور الفدائي زكريا الزبيدي والإشارة إلى زملائه من حركة الجهاد الإسلامي ، وكتب قليلون جدا عن الأسيرين المحررين اللذين ما زالا يتنفسان هواء الحرية الطلق . كتب قليلون أنهما صارا في لبنان حرين ، وكتب أيضا أنهما صارا في الضفة الغربية ، ولكن هذه الكتابة مرت مرور نسمة صيف في تموز أو آب أو أيلول .
كل من أعرف أو أتابع مشغول بمتابعة آخر أخبار الأسرى الأربعة ، وقسم يتساءل عن مصير زميليهما ، والدولة الإسرائيلية مشغولة بالبحث والتحقيق والضرب والتعذيب ، وملامح وجه زكريا تفصح عن مقدار الحقد الصهيوني على ما قام به الستة ، وآخر ما قرأت أن زكريا نقل إلى المشفى حيث يقبع في غرفة العناية المركزة ، وهذه - أي غرفة العناية المركزة - عنوان إحدى قصائد الشاعر محمود درويش التي نشرها في مجموعة " هي أغنية .. هي أغنية "( ١٩٨٦ ) تحت عنوان " أربعة عناوين شخصية ، وكم مرة أقام فيها محمود درويش !!
لقد صار زكريا وزملاؤه الأغنية الفلسطينية الأكثر رواجا وتداولا في هذه الأيام ، وأظن أنهم سيبقون كذلك لفترة طويلة ، ولعلهم صاروا جيفارا فلسطينيا .
أمس وأنا أجلس على الرصيف قرب دكان أخي التفت إلى لافتة وصورة جيفارا وعرفت من ابن أخي أن أبناء أبو العز حلاوة رمموا المطعم والمخبز وسوف يفتتحونه يوم الخميس مقهى ، وبعد أن سألني ابن أخي عن جيفارا ؛
- من هو ؟
عرض علي أن يريني المقهى من الداخل ، فقد راق له وسحره .
في البلدة القديمة الآن مبان كثيرة رممت وصارت متاحف أو مقاهي ، وقد سخا مرمموها ليجعلوا منها أماكن مريحة جدا .
هل زار أي منكم مقهى " جفرا " في عمان وشاهد الصور التي علقت فيه ؟
هكذا سيكون مقهى جيفارا .
صورة لياسر عرفات وثانية لحنظلة ناجي العلي وثالثة للشهيد أبو علي مصطفى ورابعة لسعد صايل وخامسة للشهيدة للينا النابلسي وسادسة لعبد الحليم حافظ وسابعة لدلال المغربي وثامنة ل ... والذاكرة تنسى .
ستكسب البلدة القديمة كثيرا وستتحول إلى مكان سياحي عاجلا أم آجلا .
هل خطر ببالي أن أقترح على الشباب الذين كانوا يعدون ليوم الافتتاح ويستعدون أن يستبدلوا اسم زكريا الزبيدي أو اسم ناجي العلي باسم جيفارا ؟!
هناك أيقونات فلسطينية أيضا تستحق أن تطلق أسماؤها على الأماكن ، وهي الأسماء التي شاهدت صورها
١٤ أيلول ٢٠٢١
٨
يوميات غزة ( ٣٤٤ ) :
مقاومة دائمة
فجر أمس حول إلي صديق شريط فيديو يظهر سادية الاحتلال في التعامل مع شباب شمال قطاع غزة ممن ظلوا في بيوتهم رافضين ، في بداية الحرب ، الانصياع لأوامر الجيش ، من خلال منشوراته ومنسقه ، في أن يتجهوا إلى الجنوب .
الشباب بالعشرات ، وربما يقارب عددهم المائتين ، جردوا من جميع ملابسهم ، باستثناء الكلاسين ، وحفاياتهم إلى جانبهم وأيديهم إلى رؤوسهم ، جالسين على الأرض يصغون إلى جندي يتكلم بالعربية - ويبدو أنه من مواطني الداخل الملتحقين بالجيش الإسرائيلي - يسألهم :
- لماذا لم تهاجروا في بداية الحرب إلى الجنوب ؟ ألم يطلب منكم مغادرة الشمال إلى الجنوب ؟
وهات ردود أفعال من قسم منهم . ذكرني شخص منهم بزكريا في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ عن احتلال ١٩٥٦ ، وذكرني أيضا بكتاب معين بسيسو " يوميات غزة : مقاومة دائمة " ١٩٧١ عن احتلال ١٩٦٧ وما تلاه .
الذي أرسل الشريط إلي كتب " إذلال ما بعده إذلال " فرددت عليه بعبارة كان أبي يكررها دائما " القوي عايب " واضفت " مش عايب وبس و ... " .
يبدو أنني سأخصص مثال الأحد ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٤ للكتابة عن الشريط وغسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش و ... واقرأوا هذه العبارات الدالة من كتاب " يوميات غزة : مقاومة دائمة / معين بسيسو " :
" لقد أصبح كل شيء في غزة معاديا للسامية بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي : كتاب التاريخ والمصور الجغرافي وكلمة فلسطين أيضا "
" وأصبحت غزة كطائر البجع .. حينما يجوع ولا يجد ما يطعم به فراخه .. يغرس منقاره في صدره ... ويطعم تلك الفراخ أحشاءه ... "
وكم من شريط فيديو شاهدت لأب يجلس على الأرض وحوله أبناؤه يغمس لهم الزعتر والزيت ويطعمهم .
١٤ / ٩ / ٢٠٢٤
٩
" على الحائط كتابة بالطباشير :
" هم يريدون الحرب "
والذي كتبها خر صريعا " ( برتولد بربخت ).
إسرائيل تقرر خوض الحرب على الجبهة الشمالية / الجبهة اللبنانية - أي مع حزب الله !
١٤ / ٩ / ٢٠٢٤
١٠
هوامش من وحي ما يجري في غزة : عيسى العوام
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة قصيرة عنوانها " هل مات العوام غرقا ؟ " عبرت فيها عن الواقع من خلال استلهام التاريخ ، وكان الدافع للكتابة بالدرجة الأولى التهرب من الرقابة الإسرائيلية على الصحافة الأدبية ، إذ كان الرقيب يشطب كثيرا من القصص ذات الأسلوب الواقعي ، رائيا فيها تحريضا ، ما ترك أثرا سلبيا على بعض الكتاب وحال بينهم والنشر .
ولما كنت درست الأدب العربي وقرأت بعض قصص كتاب وظفوا التاريخ للتعبير عن الواقع ، مثل جمال أبو حمدان ، ومثل زكريا تامر و جمال الغيطاني اللذين أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض أعمالهما مثل " النمور في اليوم العاشر " و " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " ، فقد سلكت مسلك هؤلاء ، وأسعفني في ذلك دراسة مادة أدب الحروب الصليبية ، فقد تماثلت بعض أحداث تلك الفترة مع الأحداث المعاصرة . ولعل أهم حدث هو توقبع اتفاقية كامب ديفيد التي ذكرتني بقصة الملك الكامل والصلح الذي عقده مع الصليبيين ، وكان ذلك قبل أن أقرأ قصة الكاتب الإسرائيلي ( أ. ب. يهوشع ) " أمام الغابات " وكتاب أمين معلوف " الحروب الصليبية " .
من الشخصيات التي استحضرتها عيسى العوام الذي أسهم في تخفيف الحصار عن عكا المحاصرة . استحضرتها لأكتب من خلالها عن حصار الاحتلال الإسرائيلي على مواطني الضفة الغربية ، حيث ضيق الخناق على من يحضرون الأموال من الخارج ويوزعونها على بعض أهل الضفة الغربية ، ممن قاوموا الاحتلال .
عندما أعدت مؤخرا قراءة قصتي لاحظت أنها تكتب عن الواقع المعاصر وقليلا ما كتبت عن فترة حصار عكا ، إذ اقتصرت الكتابة على استحضار الحدث وشخصية عيسى العوام . ويعود السبب في ذلك إلى أنني لم أقرأ بما فيه الكفاية عن شخصية عيسى وعن عكا تحت الحصار ، وعندما نشرت في آخر اب ٢٠٢٥ فقرة عن عيسى وما قام به كتب لي الدكتور جمال جودة أستاذ التاريخ الفقرة التالية :
" أهل غزة الآن بحاجة إلى عيسى ذو الأنفاق !!!
ويذكر ابن شداد أنه لما حاصر الإفرنج عكا ، فإلى جانب مهمات عيسى العوام ، قام أهل بيروت أو أهل لبنان بتجهيز مركب بالمواد التموينية والأسلحة ، ولبس الذين في المركب الصلبان ، وحملوا معهم الخنازير ، ولبس الجميع لباس الفرنجة ، واتجهوا بمركبهم هذا إلى عكا ، وانخدع الفرنجة بهم وظنوهم منهم ، ودخلوا عكا ليلا ، وأمدوا سكانها المحاصرين بما يحتاجونه ؟!؟! ... أيذكرنا هذا بوقوف بيروت ولبنان إلى جانب غزة ومساندتهم !؟!؟!؟ هذه جوانب إيجابية سجلها مؤرخونا ، ولكن اذا درس تاريخنا بمنهجية علمية ستنقلب الطاولة على غالبية .... !؟!؟ " .
والسؤال هو ما علاقة ما سبق بما يجري في غزة ؟
عندما فاجأت حماس العالم بطوفان الأقصى وحاصرت إسرائيل القطاع وشنت عليه حرب إبادة وجوعت سكانه أخذوا يستنجدون بالعرب والمسلمين ، لعل هؤلاء يساعدون في فك الحصار ومنع التجويع بمد أهل القطاع بالمواد الصحية والمواد الغذائية التي صارت تنقصهم بشكل لافت ، ولا أريد أن أتحدث عن شعور الفلسطينيين بالخذلان وتخلي العرب عنهم .
بعض الدول العربية قامت - بموافقة إسرائيلية طبعا - بإنزال مساعدات على المحاصرين من خلال الجو . كأنما تقول هذا هو أقصى ما نستطيعه أو ما نقدر عليه أو كأنما تريد أن تسجل موقفا للتاريخ أنها لم تتخل عن الفلسطينيين في حصارهم .
هل كان ما قامت به هذه الدول يشبه ما قام به عيسى العوام ؟ وهل سيكتب التاريخ لاحقا إن روح الرجل حلت بمن قام بإنزال المساعدات ؟ وهل رأت حركة حماس في عملية الإنزال موقفا إيجابيا أم أنها رأت فيها حركة مسرحية ؟
وأنا أصغي إلى شريط فيديو لمقدم برنامج في تلفاز عربي لاحظت أنه أتى على مسؤول حماس خليل الحية وموقفه من الإنزال . هاجم مقدم البرنامج الحية هجوما قاسيا مدافعا عن بلده ، وهذا ذكرني بمواطنة مصرية هاجمت في بداية الحرب حركة حماس وما أقدمت عليه فردحت متسائلة إن كانت الحركة أخذت رأي مصر فيما أقدمت عليه ، وذهبت إلى أن الفلسطينيين ورطوا أنفسهم ويريدون توريط العرب .
المشهد هذا كله دفعني لأن أكتب تحت عنوان :
" التاريخ حين تكذبه الوقائع "
وقد أتيت على بعض أشرطة تصور ما يجري في غزة ؛ أشرطة يعبر فيها المتحدثون عن شعورهم بالمرارة والخذلان من العرب والمسلمين . في أحد هذه الأشرطة تري امرأة ما حصلت عليه لتطعم زوجها المريض وأطفالها ، وما حصلت عليه ليس سوى كراتين فارغة ، وفي شريط ثان تصرخ امرأة ثانية في وجه الصحفية مريم أبو دقة التي استشهدت لاحقا :
- لمين بتصورينا ،؟ لمين ؟ حسبي الله في اللي كان السبب "
فيما كتبته أنا تساءلت :
- ماذا سيكتب مؤرخو الأنظمة العربية عما يجري في غزة ؟
وتذكرت ما قاله ( كارلوس فونتيس ) لكاظم جهاد في مقابلة أجراها الأخير مع الأول نشرت في مجلة الكرمل في العدد ١٨ وكنت كتبت عن المقابلة مقالا في جريدة الشعب المقدسية في ٢٠ / ١ / ١٩٨٧ استعرت عنوانه من عنوان المقابلة وهو :
" كارلوس فونتيس : تقول الرواية ما يحجبه التاريخ " ، وهذا يعني أن ما قرأناه من تاريخ رسمي حجب تاربخ الناس العاديين . هل ستقرأ الأجيال القادمة عما قام به عيسى العوام في حصار غزة ؟
ربما وجب أن يكتب روائيوها روايات الناس العاديين الذين نزحوا وتقطعت أوصالهم وقتلوا وجرحوا وجاعوا ونهشت جثث موتاهم الكلاب و .. !
لقد صدق ( فونتيس ) حقا .
( الأربعاء ٣ / ٩ والثلاثاء ٩ / ٩ / ٢٠٢٥ )
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
١١
غزة 709 :
محو الفلسطيني
في مشاهد أشرطة الفيديو التي نشاهدها من غزة في هذا الصباح نستحضر كلمة " المحو " .
كان الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان هو أول من استخدمها في قوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟! "
وبما أن غدا هو الذكرى الأولى للكاتب اللبناني / الفلسطيني إلياس خوري فما يجب الإشارة إليه هو أنه أكثر من كتب عن دال " المحو " في رواياته ، ومرة اقترحت على دارس أن يتتبع الدال فيها . وممن أكثر من استخدام دال المحو في مقالاته الكاتبة Mary Rai وانظر صفحتها في ٢٢ / ٧ / ٢٠٢٥
إنهم يمحوننا ويمحون معنا ملامح قرانا ومدننا . إنهم يريدون دولة يهودية بملامح أوروبية كما بدا في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ( ١٩٠٢ ) .
ما يجري وما يفعلونه في غزة يقول كم كان طوقان ذا بصيرة ورؤية كما لو أنه كان يوحى إليه :
" يا قوم ! ليس عدوكم ممن يلين ويرحم
يا قوم ليس أمامكم إلا الجلاء فحزموا " .
الحالة أكثر من تعبانة ! الحالة خربانة جدا .
١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
١٢
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
عن الدموع والعواطف والبكاء
في صباح ١٤ أيلول كتب الناشط الغزاوي عبد الكريم عاشور الذي عاش أخوه في بيروت ، أيام حصارها في العام ١٩٨٢ وخرج مع الخارجين ، ومن المؤكد أنه قص عليه الكثير عن النزوح ، كتب هو الذي سينزح في ١٨ / ٩ / ٢٠٢٥ من غزة نحو جنوب القطاع ، في يومياته " يحدث في غزة " ، الآتي :
" عالم المصالح لا يعرف الرحمة ،
وغزة منسية
كما الأفراد ، تحرك الدول المصالح فقط ، لا القيم والمباديء . فلا تغرنكم الشعارات الغربية عن "الشرعية الدولية " ، و " حقوق الإنسان " ، و " القيم الإنسانية المشتركة ". كل هذه الخطب ليست سوى ستار مزخرف يخفي الحقيقة العارية :
في عالم اليوم ، لا يحكم سوى المصالح ، ولا شيء غير المصالح .
الشعارات بلا وزن ، والعواطف بلا قيمة . وحدها القوة الملموسة تمنح الاعتبار .
وان لم تمتلك بلدك تميزا نسبيا في أحد المجالات التالية :
- إنتاج صناعي أو سلعي متطور / - موارد طبيعية فريدة /- صناعة فكر وثقافة " قوة ناعمة " /- موقع جغرافي استراتيجي ، فإنك ستجد نفسك عاريا منبوذا بلا قيمة بلا تأثير .. ضائعا في هذا العالم القاسي "
ويرى أن غزة لا تملك أيا من هذه المزايا ، ولهذا فإن مصيرها مكشوف وعجزها كذلك . إنها ليست مكانا ، بل صرخة في صمت المصالح يتجاهلها الأقربون كما القوى الكبرى . إنها لا تعني ، للعالم الخارجي ، شيئا. ، وإن كانت للغزي كل شيء . إن العواطف والبكاء والدموع بلا قيمة ، وهذا موقف شخص كلاسيكي ، والكلاسيكية بخلاف الرومانسية ، فقد حلت الأخيرة المشاكل بذرف الدموع وقدمت العاطفة على العقل ، وكانت لذلك موضع سخرية الأولى .
ويبدو أن ما رآه عاشور يصيب كبد الحقيقة ، فبعد العام ١٩٤٨ بكى الفلسطينيون الديار في حياتهم وفي أكثر أدبياتهم ولم يفعلوا شيئا ، وظلوا قابعين في خيامهم أولا وفي بيوتهم الاسمنتية لاحقا ، ولم يدقوا جدران الخزان . إن هذه العبارة التي وردت في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " تختصر مرحلة كاملة ، وإن لم يكن كنفاني الوحيد الذي عبر عن ذلك . إن كل من درس أدب النكبة خلص إلى أن ظاهرة البكاء والحنين صبغت نصوص الأدباء ، ومنهم الشاعرة فدوى طوقان في قصيدتها " لن أبكي " التي كتبتها بعد حزيران ١٩٦٧ ، بعد لقائها بشعراء الأرض المحتلة . لقد خاطبتهم قائلة :
" يمينا بعد هذا اليوم لن أبكي " .
موقف طوقان تجسد معكوسا في رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " على لسان خلدون / دوف الذي تركه والداه في حرب ١٩٤٨ وربته عائلة يهودية .لقد خاطب والده البيولوجي سعيد . س ، بعد لقائه به بعد ١٩ عاما ، قائلا :
"- مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل ! لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون ! الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات ! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود .. ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي .. ! أهذا ما تقوله لي الآن ؟ هذا هو سلاحك التافه المفلول ؟" .
ويدرك سعيد. س ما أدركته فدوى ويتوصل إلى أن الحل لن يتحقق إلا بين ندين لا بين منتصر ومهزوم ، وتكون البداية في رواية لاحقة له هي " أم سعد " . لقد انتظر أبو سعد عشرين عاما ولم يحقق شيئا . بكى وحن وانتظر وظل في المخيم .
منذ عامين وشعوب كثيرة ومنها الشعوب العربية تتعاطف مع أهل قطاع غزة وتدبج المقالات وتكتب القصائد ، وهذا كله لم يوقف الحرب ولم يطعم الجوعى المحاصرين ولم يداو الجرحى ولم يوقف الإبادة وتدمير المباني ، والسبب معروف وواضح ، فالأمة العربية كلها لا تملك مما عدده عبد الكريم عاشور في منشوره ، إذا استثنينا النفط الذي لم تعد تستخدمه منذ ١٩٧٣ كسلاح ، شيئا .
في مقال نثري كتبه محمود درويش تحت عنوان " في وصف حالتنا " ١٩٨١ توصل إلى أن الدعاء لم يوقف العبث بمصير الشعب الفلسطيني ، وفيه شخص أيضا حال الأمة العربية :
" إن الصلاة ، / خير من التفكير بالبلد البعيد وبالضحايا ، / إن الزكاة / بفارق الأسعار والبترول خير من مساعدة السبايا / خبأت جسمي في الشظايا / والشظايا ملء جسمي / فاختلطنا : المعدن البشري واللحم الحديدي / اختلطنا / أنا لا أريد دعاءكم ... أنا لا أريد سيوفكم / فدعاؤكم ملح على عطشي / وسيفكم علي " .
وكان مظفر النواب في قصيدته " تل الزعتر " أتى على فكرة الدموع والعواطف التي لا يهتم الغرب بها ، فقال :
" ويقول القبطان بدون عويل شرقي وببطء :
....
....
آباء الغرب المحترمين سلاما
نحن النجس الشرقي
جئنا لنقدم هذا الشكر لكم
فوق سفينتنا همس القبطان :
- بدون عويل وبدون صراخ شرقي ... صفا صفا ، فالغرب يحب التنظيم
ولا يهتم بعاطفة متأخرة يذرفها الشرق البائس " .
هل نقول إن تعاطف الشعوب الغربية مع غزة لم يوقف أيضا الحرب ، علما بأن مواقف حكوماتها بدأت تتغير ؟
الحالة تعبانة ومربكة .
( الكتابة : الأحد والجمعة ١٤ و ١٩ / ٩ / ٢٠٢٥ ) .
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ٢١ / ٩ / ٢٠٢٥ )
خريفنا يدنو من اﻷبواب :
أجلس في حديقة منزلنا فأتذكر أدب أمريكا اللاتينية:غابرييل غارسيا ماركيز . في أية رواية من رواياته كتب عن عزلة بطل الرواية ؟
" ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " أو " خريف البطريرك " أو في " مائة عام من العزلة " أو في روايته عن سيمون بوليفار - إن لم تخني الذاكرة -؟
قرأت ماركيز قبل ثلاثين عاما وعامين . كنت مثل كثيرين معجبا به وآخر ما قرأته له كان قبل أربعة أعوام : " ذاكرة غانياتي الحزينات " .
لم ترق لي سيرته: " عشت ﻷروي " لسببين هما سوء الترجمة المصريه وﻷغراقه في تفاصيل لا تعني الكثير وليس من ورائها طائل .
الآن وأنا في حديقة منزلي أجلس على المرجيحة أتمرجح.كان أحد أبطال إحدى رواياته يمارس هذه العادة في أوقات الظهيرة .
هل هو الكولونيل؟
هل هو البطريرك أم أنه بطل روايته التاريخية التي نسيت حقا عنوانها الدقيق ؟
خريفنا يدنو من اﻷبواب ونحن في أيلول وطرفه مبلول و ..و ..
بحر ﻷيلول ..... الغزاوي هذا العام وكان الله في عون أهل غزة .
٢٠١٤
٢
إلى زياد خداش
" ههنا في صحبة المعنى .. تمردنا على الشكل " .
محمود درويش :
" ههنا الآن،هنا الآن " من :
" لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " .
٣
مناقشة رسالة ماجستير
مبدئيا
الاحد 20/9/2015
في مبنى الأكاديمية في العاشرة والنصف صباحا
الطالبة (آلاء قرمان):"سرديات رام الله في الأدب الفلسطيني المعاصر ‘
مريد البرغوثي وفاروق وادي نموذجا"
المشرف:ا.د.عادل الأسطة /جامعة النجاح الوطنية
المناقش الخارجي :د.زين العواودة/جامعة بيت لحم
المناقش الداخلي :د.نادر قاسم/جامعة النجاح الوطنية
٤
فما أطال النوم عمرا
ولا قصر في الأعمار طول السهر
( رباعيات الخيام )
وفي أمثالنا ، كما رددت سكرتيرة ، " عمر شدة ما قصرت عمر "
٥
بلاغة البساطة..بساطة البلاغة
( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية )
في الفترة الأخيرة قرأت روايتين و بدأت أقرأ الثالثة، لثلاثة كتاب فلسطينيين يقيمون في الضفة الغربية والقدس، وهم وليد الشرفا "وارث الشواهد"٢٠١٧ ،وقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية (بوكر) ،وإياد شماسنة "الرقص الوثني"٢٠١٦ ، ويوسف العيلة "أحدب نابلس "٢٠١٨ ولفت نظري في الروايات الثلاثة التي أنجزها كتاب لهم باع في الكتابة بذل جهد واضح في الكتابة يحسب لأصحابها.
ولا أعرف شخصيا كيف استقبلت الروايات الثلاثة؛ نقدا وقراءة وإعادة طباعة ، وهل صدرت لها طبعات جديدة؛ ثانية وثالثة ورابعة.والرواية الوحيدة بينها التي حققت حضورا على مستوى الوطن العربي هي، كما أشرت "وارث الشواهد" التي حظيت بدراسة موسعة من الناقد عبد الرحيم الشيخ ، ولا أعرف إن ترجمت أية منها إلى لغة ثانية .
ولكي أكون صريحا أقول إنني أتممت روايتي وليد وإياد بتثاقل ، لا بشغف ، ولم أتشجع كثيرا لرواية يوسف ، وفي حالات مثل هذه صرت أعزو الأمر إلى ذائقتي الشخصية ، وإلا كيف حققت رواية وليد نجاحا وراقت لناقد معروف ؟ وأقر بأن فكرة رواية إياد راقت لي كثيرا .
إن كنت مصيبا في اجتهادي فإنني أرى أن الالتفات إلى الصنعة المفرطة وكتابة الرواية بوعي روائي هما ما أثرا علي وعلى تثاقلي في القراءة، علما بأن الوعي الروائي ضروري جدا . هل أفسدت الصنعة العمل الروائي ؟
مرة كتب غسان كنفاني مقالة عنوانها " كيف تفسد قصة ناجحة ؟ " ناقش فيها مجموعة قصصية عنوانها " القميص المخطط " لتوما الخوري ولاحظ أن الكاتب أفسد قصصه الجميلة ببعض عبارات وباستغباء القاريء ، ولاحقا تذكر أحمد دحبور مقالة غسان وهو يثير السؤال :
" كيف تبني قصيدة ؟ "
"فأخشى آن يكون جوابي عن هذا السؤال الهام " كيف تبني قصيدة ؟ " هو : كيف تهدم قصيدة ناجحة ؟ " واعتقد أنه بمزيد من العناية قد يفسد قصيدته ، والأمر يحتاج إلى تحقق ، فالذاكرة خداعة . ولكن ما لا يغيب عن الذهن هو حكاية غسان كنفاني مع روايته "ما تبقى لكم " و" أم سعد " والصنعة في الأولى والبساطة في الثانية وتفضيل غسان البساطة ، ف " يمكن أن تقول الأشياء العميقة بأسلوب سهل بسيط " (بتصرف).
في 70 القرن العشرين كنا نقرأ الأدب الروسي بكثرة لأسباب عديدة أهمها توفر الروايات الروسية الكلاسيكية والحديثة، وقوة حضور الفكر اليساري وميلنا إليه، وستجد في مكتبتي مثلا أعمال (دوستوفسكي)و(تشيخوف) و (غوركي) و (بوشكين) و( جنكيز ايتماتوف) وقد سحرتنا روايات الأخير : " جميلة " و " المعلم الأول " و " شجيرتي ذات منديل أحمر " و " وداعا يا غولساري "و " السفينة البيضاء " وسأتابع أعماله ، وقد قرأتها بشغف .
لم يكتب ( ايتماتوف ) في رواياته عن خطته وما سيفعله ، ولم يتكيء في كتابتها على الكتب ولم يستعن بخرائط عن المكان ، كما فعل علي بدر في " مصابيح أورشليم " . كانت روايات ( ايتماتوف ) خارجة من الحياة ومكتوبة للقراء المثقفين ولقراء الرواية بعامة ، فترجمت وأعيدت طباعتها وتركت أثرا في النفوس ، وتركت تأثيرا كبيرا في سلوكي كما كتبت في مقال الأسبوع الماضي .
فكرة الكتابة عن الواقع ومنه والكتابة من الكتب والفرق بينهما التفت إليها غسان كنفاني في مقال عنوانه " شولوخوف والالتزام و أدب صح يا رجال" وقد أعيد نشره في كتاب " فارس فارس " ١٩٩٨ الذي أعده الناقد محمد دكروب .
قارن كنفاني في كتابه بين خمس قصص صدرت معا في كتاب ل ( ميخائيل شولوخوف ) و بين كثير من إصدارات بيروت والمطابع العربية في 60 القرن العشرين، وانحاز إلى القصص الخارجة من الحياة، لا المؤلفة من وراء المكاتب واختتم مقاله بالآتي :
" إن روعة هذه المجموعات من القصص هي أنها تأتي في وقت يتدفق فيه إنتاج " الموهوبين " العرب حول قضايا مماثلة تقريبا، وهو أدب أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه " أدب الهوهو " ، أدب فهد بلان " وصح يا رجال " أدب " الآويها " وال" ولي" ، وربما كان سبب ذلك هو فقدان الموهبة أولا ، وثانيا أن معظم كتابنا " لا يحيون حياة الشعب، لا يتألمون لآلام الناس ولا يفرحون لأفراحهم ، لا يدخلون إلى اهتمامهم وحاجاتهم (ولذلك) فإنه لا يخرج من بين أيديهم كتاب حقيقي يثير الانفعال في قلوب القراء ".
صح يا رجال "
طبعا لا يجوز لي أن أضع الروايات الثلاث موضع الكتب التي قصدها غسان فأنا لم أقرأها ، عدا أنني لم أقل إن الروائيين الثلاثة لا يعيشون هموم الناس. كان قصدي هو أن الصنعة وإشغال القاريء بطريقة الكتابة والكتابة بوعي نظري قد يؤثر سلبا على القاريء وقد عانيت منه شخصيا، ولكن من قال إنني الصح وغيري الخطأ ؟ هذا من ناحية ومن ناحية ثانية ربما يقول الروائيون الذين يصنعون رواياتهم إن الكتابة بلا جهد لا تعدو سرد أحداث . قد . هنا أعود ثانية إلى رأي توفيق الحكيم في كتابه " زهرة العمر " ، حيث يرى أن الكاتب الجيد هو من يبذل جهدا دون أن يظهر مقدار ما بذله ، ويضرب الحكيم بابن المقفع في " كليلة ودمنة " والجاحظ في " البخلاء " مثلا ، ويشبه اسلوبهما بالراقصة التي تبهر الآخرين برقصها ، دون أن تقول لنا مقدار الوقت الذي أنفقته في تعلم الرقص .
هل أصبت الرأي ؟
إنني أتساءل !
الجمعة 14 ايلول 2018
٦
الست كورونا : عودة إلى فكرة الإغلاق الشامل ( 73 )
لا جديد في شوارع المدينة . كل شيء على ما هو عليه في نابلس . حركة تجارية متوسطة الحال ، والفواكه والخضار " على قفا من يشيل " والأسعار لمن يملك " ببلاش " ولمن لا يملك " الله يفرجها " والكمامات في كل مكان ؛ في الشوارع وعلى بسطات البيع ، إلا أقلها على الأنوف والأفواه ، ودولة أبناء العمومة تشدد الإجراءات والأعياد اليهودية على الأبواب ، وكل شيء سياسة مع أن أكثر الناس تقول " السياسة ما إليش فيها " وفيها يبدو هؤلاء أفهم من محمد حسنين هيكل ومن الفهيم عبد الباري عطوان .
أعداد الإصابات في ازدياد وأعداد الموتى كذلك وبعض الأصدقاء ما زالوا يرون فيها لعبة ، وثمة نعي في وسائل التواصل الاجتماعي لنساء ورجال وأطفال و ...
التوصية التي رفعت إلى مجلس الوزراء الإسرائيلي توصي بالإغلاق لمدة ثلاثة أسابيع - ونابلس المدينة التي ولدت فيها ، وفيها أقمت أكثر من ٥٢ عاما من عمري المديد ، قد تغلق - والإغلاق قد يبدأ اعتبارا من منتصف يوم الجمعة .
صار الإغلاق بالجملة كما صارت الكمامات تباع بالجملة .
عليكم ب " الشلولو " من جديد وبالليمون والثوم والفلفل - يعني عليكم بخلطة خاصة بالفول لقاحا ، فالخريف على الأبواب . هل سترتكب الست كورونا مجزرة بالفلسطينيين ، أسوة بما ارتكب بحقهم في عام النكبة وعام النكسة وأيلول وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا واجتياح الضفة الغربية في ٢٠٠٢ وحروب إسرائيل على غزة أم أنها ستثأر لهم ؟
الأخبار الواردة من الأردن تقول إن الأوضاع عادت تتدهور صحيا وهذا يعني أن التنقل بين الضفتين سيظل صعبا جدا .
خد معود على اللطيم وطول عمرك يا زبيبة بطيزك هالعودة .
١٤ أيلول ٢٠٢٠
٧
مقهى ( جيفارا ) في البلدة القديمة :
غلب على وسائل التواصل الاجتماعي إظهار صور الفدائي زكريا الزبيدي والإشارة إلى زملائه من حركة الجهاد الإسلامي ، وكتب قليلون جدا عن الأسيرين المحررين اللذين ما زالا يتنفسان هواء الحرية الطلق . كتب قليلون أنهما صارا في لبنان حرين ، وكتب أيضا أنهما صارا في الضفة الغربية ، ولكن هذه الكتابة مرت مرور نسمة صيف في تموز أو آب أو أيلول .
كل من أعرف أو أتابع مشغول بمتابعة آخر أخبار الأسرى الأربعة ، وقسم يتساءل عن مصير زميليهما ، والدولة الإسرائيلية مشغولة بالبحث والتحقيق والضرب والتعذيب ، وملامح وجه زكريا تفصح عن مقدار الحقد الصهيوني على ما قام به الستة ، وآخر ما قرأت أن زكريا نقل إلى المشفى حيث يقبع في غرفة العناية المركزة ، وهذه - أي غرفة العناية المركزة - عنوان إحدى قصائد الشاعر محمود درويش التي نشرها في مجموعة " هي أغنية .. هي أغنية "( ١٩٨٦ ) تحت عنوان " أربعة عناوين شخصية ، وكم مرة أقام فيها محمود درويش !!
لقد صار زكريا وزملاؤه الأغنية الفلسطينية الأكثر رواجا وتداولا في هذه الأيام ، وأظن أنهم سيبقون كذلك لفترة طويلة ، ولعلهم صاروا جيفارا فلسطينيا .
أمس وأنا أجلس على الرصيف قرب دكان أخي التفت إلى لافتة وصورة جيفارا وعرفت من ابن أخي أن أبناء أبو العز حلاوة رمموا المطعم والمخبز وسوف يفتتحونه يوم الخميس مقهى ، وبعد أن سألني ابن أخي عن جيفارا ؛
- من هو ؟
عرض علي أن يريني المقهى من الداخل ، فقد راق له وسحره .
في البلدة القديمة الآن مبان كثيرة رممت وصارت متاحف أو مقاهي ، وقد سخا مرمموها ليجعلوا منها أماكن مريحة جدا .
هل زار أي منكم مقهى " جفرا " في عمان وشاهد الصور التي علقت فيه ؟
هكذا سيكون مقهى جيفارا .
صورة لياسر عرفات وثانية لحنظلة ناجي العلي وثالثة للشهيد أبو علي مصطفى ورابعة لسعد صايل وخامسة للشهيدة للينا النابلسي وسادسة لعبد الحليم حافظ وسابعة لدلال المغربي وثامنة ل ... والذاكرة تنسى .
ستكسب البلدة القديمة كثيرا وستتحول إلى مكان سياحي عاجلا أم آجلا .
هل خطر ببالي أن أقترح على الشباب الذين كانوا يعدون ليوم الافتتاح ويستعدون أن يستبدلوا اسم زكريا الزبيدي أو اسم ناجي العلي باسم جيفارا ؟!
هناك أيقونات فلسطينية أيضا تستحق أن تطلق أسماؤها على الأماكن ، وهي الأسماء التي شاهدت صورها
١٤ أيلول ٢٠٢١
٨
يوميات غزة ( ٣٤٤ ) :
مقاومة دائمة
فجر أمس حول إلي صديق شريط فيديو يظهر سادية الاحتلال في التعامل مع شباب شمال قطاع غزة ممن ظلوا في بيوتهم رافضين ، في بداية الحرب ، الانصياع لأوامر الجيش ، من خلال منشوراته ومنسقه ، في أن يتجهوا إلى الجنوب .
الشباب بالعشرات ، وربما يقارب عددهم المائتين ، جردوا من جميع ملابسهم ، باستثناء الكلاسين ، وحفاياتهم إلى جانبهم وأيديهم إلى رؤوسهم ، جالسين على الأرض يصغون إلى جندي يتكلم بالعربية - ويبدو أنه من مواطني الداخل الملتحقين بالجيش الإسرائيلي - يسألهم :
- لماذا لم تهاجروا في بداية الحرب إلى الجنوب ؟ ألم يطلب منكم مغادرة الشمال إلى الجنوب ؟
وهات ردود أفعال من قسم منهم . ذكرني شخص منهم بزكريا في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ عن احتلال ١٩٥٦ ، وذكرني أيضا بكتاب معين بسيسو " يوميات غزة : مقاومة دائمة " ١٩٧١ عن احتلال ١٩٦٧ وما تلاه .
الذي أرسل الشريط إلي كتب " إذلال ما بعده إذلال " فرددت عليه بعبارة كان أبي يكررها دائما " القوي عايب " واضفت " مش عايب وبس و ... " .
يبدو أنني سأخصص مثال الأحد ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٤ للكتابة عن الشريط وغسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش و ... واقرأوا هذه العبارات الدالة من كتاب " يوميات غزة : مقاومة دائمة / معين بسيسو " :
" لقد أصبح كل شيء في غزة معاديا للسامية بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي : كتاب التاريخ والمصور الجغرافي وكلمة فلسطين أيضا "
" وأصبحت غزة كطائر البجع .. حينما يجوع ولا يجد ما يطعم به فراخه .. يغرس منقاره في صدره ... ويطعم تلك الفراخ أحشاءه ... "
وكم من شريط فيديو شاهدت لأب يجلس على الأرض وحوله أبناؤه يغمس لهم الزعتر والزيت ويطعمهم .
١٤ / ٩ / ٢٠٢٤
٩
" على الحائط كتابة بالطباشير :
" هم يريدون الحرب "
والذي كتبها خر صريعا " ( برتولد بربخت ).
إسرائيل تقرر خوض الحرب على الجبهة الشمالية / الجبهة اللبنانية - أي مع حزب الله !
١٤ / ٩ / ٢٠٢٤
١٠
هوامش من وحي ما يجري في غزة : عيسى العوام
في العام ١٩٧٩ كتبت قصة قصيرة عنوانها " هل مات العوام غرقا ؟ " عبرت فيها عن الواقع من خلال استلهام التاريخ ، وكان الدافع للكتابة بالدرجة الأولى التهرب من الرقابة الإسرائيلية على الصحافة الأدبية ، إذ كان الرقيب يشطب كثيرا من القصص ذات الأسلوب الواقعي ، رائيا فيها تحريضا ، ما ترك أثرا سلبيا على بعض الكتاب وحال بينهم والنشر .
ولما كنت درست الأدب العربي وقرأت بعض قصص كتاب وظفوا التاريخ للتعبير عن الواقع ، مثل جمال أبو حمدان ، ومثل زكريا تامر و جمال الغيطاني اللذين أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض أعمالهما مثل " النمور في اليوم العاشر " و " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " ، فقد سلكت مسلك هؤلاء ، وأسعفني في ذلك دراسة مادة أدب الحروب الصليبية ، فقد تماثلت بعض أحداث تلك الفترة مع الأحداث المعاصرة . ولعل أهم حدث هو توقبع اتفاقية كامب ديفيد التي ذكرتني بقصة الملك الكامل والصلح الذي عقده مع الصليبيين ، وكان ذلك قبل أن أقرأ قصة الكاتب الإسرائيلي ( أ. ب. يهوشع ) " أمام الغابات " وكتاب أمين معلوف " الحروب الصليبية " .
من الشخصيات التي استحضرتها عيسى العوام الذي أسهم في تخفيف الحصار عن عكا المحاصرة . استحضرتها لأكتب من خلالها عن حصار الاحتلال الإسرائيلي على مواطني الضفة الغربية ، حيث ضيق الخناق على من يحضرون الأموال من الخارج ويوزعونها على بعض أهل الضفة الغربية ، ممن قاوموا الاحتلال .
عندما أعدت مؤخرا قراءة قصتي لاحظت أنها تكتب عن الواقع المعاصر وقليلا ما كتبت عن فترة حصار عكا ، إذ اقتصرت الكتابة على استحضار الحدث وشخصية عيسى العوام . ويعود السبب في ذلك إلى أنني لم أقرأ بما فيه الكفاية عن شخصية عيسى وعن عكا تحت الحصار ، وعندما نشرت في آخر اب ٢٠٢٥ فقرة عن عيسى وما قام به كتب لي الدكتور جمال جودة أستاذ التاريخ الفقرة التالية :
" أهل غزة الآن بحاجة إلى عيسى ذو الأنفاق !!!
ويذكر ابن شداد أنه لما حاصر الإفرنج عكا ، فإلى جانب مهمات عيسى العوام ، قام أهل بيروت أو أهل لبنان بتجهيز مركب بالمواد التموينية والأسلحة ، ولبس الذين في المركب الصلبان ، وحملوا معهم الخنازير ، ولبس الجميع لباس الفرنجة ، واتجهوا بمركبهم هذا إلى عكا ، وانخدع الفرنجة بهم وظنوهم منهم ، ودخلوا عكا ليلا ، وأمدوا سكانها المحاصرين بما يحتاجونه ؟!؟! ... أيذكرنا هذا بوقوف بيروت ولبنان إلى جانب غزة ومساندتهم !؟!؟!؟ هذه جوانب إيجابية سجلها مؤرخونا ، ولكن اذا درس تاريخنا بمنهجية علمية ستنقلب الطاولة على غالبية .... !؟!؟ " .
والسؤال هو ما علاقة ما سبق بما يجري في غزة ؟
عندما فاجأت حماس العالم بطوفان الأقصى وحاصرت إسرائيل القطاع وشنت عليه حرب إبادة وجوعت سكانه أخذوا يستنجدون بالعرب والمسلمين ، لعل هؤلاء يساعدون في فك الحصار ومنع التجويع بمد أهل القطاع بالمواد الصحية والمواد الغذائية التي صارت تنقصهم بشكل لافت ، ولا أريد أن أتحدث عن شعور الفلسطينيين بالخذلان وتخلي العرب عنهم .
بعض الدول العربية قامت - بموافقة إسرائيلية طبعا - بإنزال مساعدات على المحاصرين من خلال الجو . كأنما تقول هذا هو أقصى ما نستطيعه أو ما نقدر عليه أو كأنما تريد أن تسجل موقفا للتاريخ أنها لم تتخل عن الفلسطينيين في حصارهم .
هل كان ما قامت به هذه الدول يشبه ما قام به عيسى العوام ؟ وهل سيكتب التاريخ لاحقا إن روح الرجل حلت بمن قام بإنزال المساعدات ؟ وهل رأت حركة حماس في عملية الإنزال موقفا إيجابيا أم أنها رأت فيها حركة مسرحية ؟
وأنا أصغي إلى شريط فيديو لمقدم برنامج في تلفاز عربي لاحظت أنه أتى على مسؤول حماس خليل الحية وموقفه من الإنزال . هاجم مقدم البرنامج الحية هجوما قاسيا مدافعا عن بلده ، وهذا ذكرني بمواطنة مصرية هاجمت في بداية الحرب حركة حماس وما أقدمت عليه فردحت متسائلة إن كانت الحركة أخذت رأي مصر فيما أقدمت عليه ، وذهبت إلى أن الفلسطينيين ورطوا أنفسهم ويريدون توريط العرب .
المشهد هذا كله دفعني لأن أكتب تحت عنوان :
" التاريخ حين تكذبه الوقائع "
وقد أتيت على بعض أشرطة تصور ما يجري في غزة ؛ أشرطة يعبر فيها المتحدثون عن شعورهم بالمرارة والخذلان من العرب والمسلمين . في أحد هذه الأشرطة تري امرأة ما حصلت عليه لتطعم زوجها المريض وأطفالها ، وما حصلت عليه ليس سوى كراتين فارغة ، وفي شريط ثان تصرخ امرأة ثانية في وجه الصحفية مريم أبو دقة التي استشهدت لاحقا :
- لمين بتصورينا ،؟ لمين ؟ حسبي الله في اللي كان السبب "
فيما كتبته أنا تساءلت :
- ماذا سيكتب مؤرخو الأنظمة العربية عما يجري في غزة ؟
وتذكرت ما قاله ( كارلوس فونتيس ) لكاظم جهاد في مقابلة أجراها الأخير مع الأول نشرت في مجلة الكرمل في العدد ١٨ وكنت كتبت عن المقابلة مقالا في جريدة الشعب المقدسية في ٢٠ / ١ / ١٩٨٧ استعرت عنوانه من عنوان المقابلة وهو :
" كارلوس فونتيس : تقول الرواية ما يحجبه التاريخ " ، وهذا يعني أن ما قرأناه من تاريخ رسمي حجب تاربخ الناس العاديين . هل ستقرأ الأجيال القادمة عما قام به عيسى العوام في حصار غزة ؟
ربما وجب أن يكتب روائيوها روايات الناس العاديين الذين نزحوا وتقطعت أوصالهم وقتلوا وجرحوا وجاعوا ونهشت جثث موتاهم الكلاب و .. !
لقد صدق ( فونتيس ) حقا .
( الأربعاء ٣ / ٩ والثلاثاء ٩ / ٩ / ٢٠٢٥ )
مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
١١
غزة 709 :
محو الفلسطيني
في مشاهد أشرطة الفيديو التي نشاهدها من غزة في هذا الصباح نستحضر كلمة " المحو " .
كان الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان هو أول من استخدمها في قوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟! "
وبما أن غدا هو الذكرى الأولى للكاتب اللبناني / الفلسطيني إلياس خوري فما يجب الإشارة إليه هو أنه أكثر من كتب عن دال " المحو " في رواياته ، ومرة اقترحت على دارس أن يتتبع الدال فيها . وممن أكثر من استخدام دال المحو في مقالاته الكاتبة Mary Rai وانظر صفحتها في ٢٢ / ٧ / ٢٠٢٥
إنهم يمحوننا ويمحون معنا ملامح قرانا ومدننا . إنهم يريدون دولة يهودية بملامح أوروبية كما بدا في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ( ١٩٠٢ ) .
ما يجري وما يفعلونه في غزة يقول كم كان طوقان ذا بصيرة ورؤية كما لو أنه كان يوحى إليه :
" يا قوم ! ليس عدوكم ممن يلين ويرحم
يا قوم ليس أمامكم إلا الجلاء فحزموا " .
الحالة أكثر من تعبانة ! الحالة خربانة جدا .
١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
١٢
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
عن الدموع والعواطف والبكاء
في صباح ١٤ أيلول كتب الناشط الغزاوي عبد الكريم عاشور الذي عاش أخوه في بيروت ، أيام حصارها في العام ١٩٨٢ وخرج مع الخارجين ، ومن المؤكد أنه قص عليه الكثير عن النزوح ، كتب هو الذي سينزح في ١٨ / ٩ / ٢٠٢٥ من غزة نحو جنوب القطاع ، في يومياته " يحدث في غزة " ، الآتي :
" عالم المصالح لا يعرف الرحمة ،
وغزة منسية
كما الأفراد ، تحرك الدول المصالح فقط ، لا القيم والمباديء . فلا تغرنكم الشعارات الغربية عن "الشرعية الدولية " ، و " حقوق الإنسان " ، و " القيم الإنسانية المشتركة ". كل هذه الخطب ليست سوى ستار مزخرف يخفي الحقيقة العارية :
في عالم اليوم ، لا يحكم سوى المصالح ، ولا شيء غير المصالح .
الشعارات بلا وزن ، والعواطف بلا قيمة . وحدها القوة الملموسة تمنح الاعتبار .
وان لم تمتلك بلدك تميزا نسبيا في أحد المجالات التالية :
- إنتاج صناعي أو سلعي متطور / - موارد طبيعية فريدة /- صناعة فكر وثقافة " قوة ناعمة " /- موقع جغرافي استراتيجي ، فإنك ستجد نفسك عاريا منبوذا بلا قيمة بلا تأثير .. ضائعا في هذا العالم القاسي "
ويرى أن غزة لا تملك أيا من هذه المزايا ، ولهذا فإن مصيرها مكشوف وعجزها كذلك . إنها ليست مكانا ، بل صرخة في صمت المصالح يتجاهلها الأقربون كما القوى الكبرى . إنها لا تعني ، للعالم الخارجي ، شيئا. ، وإن كانت للغزي كل شيء . إن العواطف والبكاء والدموع بلا قيمة ، وهذا موقف شخص كلاسيكي ، والكلاسيكية بخلاف الرومانسية ، فقد حلت الأخيرة المشاكل بذرف الدموع وقدمت العاطفة على العقل ، وكانت لذلك موضع سخرية الأولى .
ويبدو أن ما رآه عاشور يصيب كبد الحقيقة ، فبعد العام ١٩٤٨ بكى الفلسطينيون الديار في حياتهم وفي أكثر أدبياتهم ولم يفعلوا شيئا ، وظلوا قابعين في خيامهم أولا وفي بيوتهم الاسمنتية لاحقا ، ولم يدقوا جدران الخزان . إن هذه العبارة التي وردت في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " تختصر مرحلة كاملة ، وإن لم يكن كنفاني الوحيد الذي عبر عن ذلك . إن كل من درس أدب النكبة خلص إلى أن ظاهرة البكاء والحنين صبغت نصوص الأدباء ، ومنهم الشاعرة فدوى طوقان في قصيدتها " لن أبكي " التي كتبتها بعد حزيران ١٩٦٧ ، بعد لقائها بشعراء الأرض المحتلة . لقد خاطبتهم قائلة :
" يمينا بعد هذا اليوم لن أبكي " .
موقف طوقان تجسد معكوسا في رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " على لسان خلدون / دوف الذي تركه والداه في حرب ١٩٤٨ وربته عائلة يهودية .لقد خاطب والده البيولوجي سعيد . س ، بعد لقائه به بعد ١٩ عاما ، قائلا :
"- مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل ! لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون ! الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات ! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود .. ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي .. ! أهذا ما تقوله لي الآن ؟ هذا هو سلاحك التافه المفلول ؟" .
ويدرك سعيد. س ما أدركته فدوى ويتوصل إلى أن الحل لن يتحقق إلا بين ندين لا بين منتصر ومهزوم ، وتكون البداية في رواية لاحقة له هي " أم سعد " . لقد انتظر أبو سعد عشرين عاما ولم يحقق شيئا . بكى وحن وانتظر وظل في المخيم .
منذ عامين وشعوب كثيرة ومنها الشعوب العربية تتعاطف مع أهل قطاع غزة وتدبج المقالات وتكتب القصائد ، وهذا كله لم يوقف الحرب ولم يطعم الجوعى المحاصرين ولم يداو الجرحى ولم يوقف الإبادة وتدمير المباني ، والسبب معروف وواضح ، فالأمة العربية كلها لا تملك مما عدده عبد الكريم عاشور في منشوره ، إذا استثنينا النفط الذي لم تعد تستخدمه منذ ١٩٧٣ كسلاح ، شيئا .
في مقال نثري كتبه محمود درويش تحت عنوان " في وصف حالتنا " ١٩٨١ توصل إلى أن الدعاء لم يوقف العبث بمصير الشعب الفلسطيني ، وفيه شخص أيضا حال الأمة العربية :
" إن الصلاة ، / خير من التفكير بالبلد البعيد وبالضحايا ، / إن الزكاة / بفارق الأسعار والبترول خير من مساعدة السبايا / خبأت جسمي في الشظايا / والشظايا ملء جسمي / فاختلطنا : المعدن البشري واللحم الحديدي / اختلطنا / أنا لا أريد دعاءكم ... أنا لا أريد سيوفكم / فدعاؤكم ملح على عطشي / وسيفكم علي " .
وكان مظفر النواب في قصيدته " تل الزعتر " أتى على فكرة الدموع والعواطف التي لا يهتم الغرب بها ، فقال :
" ويقول القبطان بدون عويل شرقي وببطء :
....
....
آباء الغرب المحترمين سلاما
نحن النجس الشرقي
جئنا لنقدم هذا الشكر لكم
فوق سفينتنا همس القبطان :
- بدون عويل وبدون صراخ شرقي ... صفا صفا ، فالغرب يحب التنظيم
ولا يهتم بعاطفة متأخرة يذرفها الشرق البائس " .
هل نقول إن تعاطف الشعوب الغربية مع غزة لم يوقف أيضا الحرب ، علما بأن مواقف حكوماتها بدأت تتغير ؟
الحالة تعبانة ومربكة .
( الكتابة : الأحد والجمعة ١٤ و ١٩ / ٩ / ٢٠٢٥ ) .
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ٢١ / ٩ / ٢٠٢٥ )