محمد شبانة - حين يواجه الأنبياءُ الآثارَ: مصر القديمة بين المقدس والحقيقة

«أنبياء الله ومصر القديمة» كتاب من تأليف الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، وصادر عن مركز إنسان للنشر والتوزيع في القاهرة. وهو كتاب يقتحم منطقة شائكة تتقاطع فيها الذاكرة الدينية مع التاريخ، وتلتقي الروايات المقدسة بالشواهد الأثرية، وهي منطقة كثيرًا ما وقعت الكتابة عنها بين التقديس المطلق والإنكار المطلق.

تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يتعامل مع النصوص الدينية باعتبارها سجلات تاريخية بالمعنى الحديث، ولا مع الآثار باعتبارها قادرة على إثبات كل ما ورد في الموروث المقدس. إنه يحاول أن يضع كل مصدر في مجاله، وأن يسأل السؤال الأصعب: ماذا نستطيع أن نعرف فعلًا؟

وهذا السؤال هو المدخل الحقيقي إلى الكتاب.

فالنصوص الدينية مصادر أساسية لفهم تاريخ الأفكار والذاكرة الدينية، لكنها تحتاج إلى قراءة تاريخية ولغوية وسياقية. أما علم الآثار فيتعامل مع المادة التي بقيت من الماضي: مبانٍ ونقوش ولقى ومقابر ومواقع وطبقات حضارية. وبين المصدرين توجد منطقة واسعة لا يجوز ملؤها باليقين المصطنع.

ومن هنا تأتي قيمة موقف عبد البصير من قضايا الأنبياء في مصر القديمة.

في قضية آدم، لا تقدم لنا المصادر المصرية القديمة أي دليل على الشخصية كما ترد في الروايات الإبراهيمية. لكن هذا الغياب لا يعني أن المصريين لم يملكوا تصورات عميقة عن أصل الكون والإنسان؛ فقد أنتجت هليوبوليس ومنف والأشمونين تصورات متعددة للخلق، تكشف عن عالم فكري شديد الثراء. والمقارنة بينها وبين روايات الخلق في التقاليد الإبراهيمية تحتاج إلى دراسة التشابه والاختلاف، لا إلى البحث عن تطابقات جاهزة.

والأمر نفسه ينطبق على إدريس وأوزيريس. فالتشابه الصوتي بين الأسماء لا يصنع هوية تاريخية، ولا توجد أدلة مصرية قديمة تربط إدريس بأوزيريس. وأوزيريس شخصية مصرية موثقة في النصوص والطقوس والفن عبر قرون طويلة، ولا يصح تحويله إلى نبي لمجرد تقارب أسماء أو بعض أوجه التشابه الرمزي.

وفي شأن إبراهيم ويوسف، تروي النصوص الدينية وجودهما في مصر، لكن لا نملك حتى الآن أدلة أثرية مباشرة تسمح بإثبات وجودهما كشخصيتين تاريخيتين في مصر. أما ربط يوسف بعصر الهكسوس، فظل في نطاق الفرضيات التي تحاول المواءمة بين الرواية والسياق التاريخي، وليس نتيجة أثرية حاسمة.

وتزداد حساسية المسألة مع موسى والخروج. فحتى الآن لا توجد وثيقة مصرية معاصرة تثبت وجود موسى، ولا دليل أثري مباشر يثبت الخروج الجماعي بالصورة التي ترويها النصوص الدينية. لذلك فإن تحديد رمسيس الثاني باعتباره فرعون موسى لا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة تاريخية مثبتة. رمسيس الثاني ملك موثق بصورة استثنائية، لكن كثرة آثاره لا تقدم الدليل الذي يربطه بقصة الخروج.

وهنا يلفت الكتاب النظر إلى فارق أساسي بين «الإمكان التاريخي» و«الإثبات التاريخي». قد يكون عصر معين ملائمًا لبعض عناصر رواية ما، لكن الملاءمة الزمنية لا تجعل الرواية حقيقة مثبتة.

وتحتل تجربة أخناتون مكانًا خاصًا في هذه المناقشة. فقد أحدثت عبادة آتون تحولًا دينيًا وسياسيًا وفنيًا بالغ العمق، وارتبطت بإعادة تنظيم العلاقة بين الملك والمؤسسات الدينية، خصوصًا مؤسسة آمون. لكن اختزال التجربة في فكرة «التوحيد» وحدها يحجب تعقيدها؛ كما أن الربط المباشر بينها وبين توحيد بني إسرائيل يحتاج إلى دليل يتجاوز التشابه الفكري.

أما فرضية سيجموند فرويد في «موسى والتوحيد»، التي ربطت موسى بالتجربة الآتونية، فهي بناء فكري ونفسي مثير للاهتمام، لكنها ليست دليلًا أثريًا على أصل موسى أو ديانته.

وهنا ينجح الكتاب في وضع حد فاصل بين التشابه والتأثير. فليس كل تشابه بين عقيدتين دليلًا على أن إحداهما أخذت عن الأخرى.

وتبدو قضية اليهود في مصر مثالًا آخر على ضرورة الدقة. فوجود جماعات ذات أصول شامية أو كنعانية في مصر القديمة أمر مختلف عن إثبات وجود كتلة يهودية متجانسة في مصر خلال الفترة المفترضة للخروج. كما أن الأدلة التي توثق وجود جماعات يهودية في مصر في عصور لاحقة لا يجوز إسقاطها تلقائيًا على عصور أقدم.

ومن أكثر المواضع أهمية في هذا السياق المقارنة بين حملة شاشانق الأول على بلاد الشام والرواية التوراتية عن شيشق. هنا نمتلك مصدرًا مصريًا أثريًا مهمًا، يتمثل في نقوش الكرنك وقائمة الأماكن المرتبطة بحملته، إلى جانب الرواية التوراتية. وهذه حالة نموذجية لكيفية عمل التاريخ: لا نبحث عن انتصار نص على نص، وإنما نقارن المصادر، ونحدد ما يؤكده كل منها وما يظل خارج نطاقه.

وهذا ربما يكون أهم ما يقدمه «أنبياء الله ومصر القديمة»: ليس إجابات نهائية بقدر ما يقدم تدريبًا على التفكير التاريخي.

فغياب الدليل لا يساوي بالضرورة دليلًا على الغياب، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بتحويل الرواية إلى حقيقة أثرية. والتشابه ليس إثباتًا للتأثير، والإمكان ليس برهانًا، والرواية الدينية ليست نقشًا ملكيًا، والنقش الملكي نفسه لا يخلو من أهدافه السياسية والدعائية.

بهذا المعنى، يخرج الكتاب من سؤال «هل حدثت القصة كما ترويها النصوص؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «ماذا نستطيع أن نثبت عنها، وما الذي يظل في دائرة الإيمان أو الاحتمال أو البحث؟»

وهنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقية. فهو لا يجعل علم الآثار محكمة للإيمان، ولا يجعل الإيمان بديلًا عن البحث العلمي، وإنما يضع القارئ أمام حدود المعرفة نفسها.

وربما يكون أجمل ما يتركه الكتاب وراءه أن بعض الأسئلة القديمة لا تزال مفتوحة.

وفي التاريخ، كما في الآثار، ليست المشكلة دائمًا في ألا نعرف، وإنما في أن ندّعي أننا نعرف ما لم نستطع إثباته بعد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى