عرض محمد عباس محمد عرابي – السمات الأسلوبية لكتاب "لا تحزن" للدكتور عائض القرني*

عرض محمد عباس محمد عرابي



كتاب "لا تحزن" للدكتور الشيخ عائض القرني كتاب شهير في علاج الهموم والغموم، وهو كتاب يواكب مئات الرسائل، وفي ذلك يقول الدكتور عائض القرني في مقدمة الكتاب: "كتاب لا تحزن دراسةٌ جادةٌ أخّاذةٌ مسؤولةٌ، تعنى بمعالجةِ الجانبِ المأسوي من حياةِ البشريةِ، جانب الاضطرابِ والقلق، وفقدِ الثقةِ، والحيرة، والكآبةِ والتشاؤمِ، والهمِّ والغمِّ، والحزنِ، والكدرِ، واليأس والقنوطِ والإحباطِ.
وهو حلٌّ مشكلاتِ العصر على نورٍ من الوحي، وهدي من الرسالة، وموافقةٍ مع الفطرةِ السويَّةِ، والتجاربِ الراشدةِ، والأمثالِ الحيَّةِ، والقصصِ الجذَّابِ، والأدبِ الخلَّابِ، وفيه نقولاتٌ عن الصحابة الأبرار، والتابعين الأخيارِ، وفيه نفحاتٌ من قصيِدِ كبارِ الشعراء، ووصايا جهابذةِ الأطباءِ، ونصائحِ الحكماءِ، وتوجيهاتِ العلماء. وفي ثناياه أُطروحاتٌ للشرقيين والغربيين، والقدامى والمحدثين. كلُّ ذلك مع ما يوافقُ الحقَّ مما قدَّمَتْه وسائلُ الإعلام، من صحفٍ ومجلات، ودورياتٍ وملاحق ونشرات. إن هذا الكتاب مزيجٌ مرتَّبٌ، وجهدٌ مهذَّبٌ مشذَّبٌ. وهو يقولُ لك باختصار: اسعدْ واطمئنَّ، وأبشرْ وتفاءلْ، ولا تحزن"(1).
أبرز السمات الأسلوبية لكتاب لا تحزن:
وفي هذا المقال عرضٌ لأبرز السمات الأسلوبية لكتاب "لا تحزن"، حيث يمتاز أسلوب الدكتور الشيخ عائض القرني بصفه عامة بالسهولة والبساطة، ووضوح العبارة والإقناع والتبرير بالشواهد والأدلة، واتسم أيضاً بالسمات التالية:
التنوع في عتبة العنوان:
نوَّع الدكتور عائض القرني في تسمية كل موضوع تحدث عنه في كتابه، فمرة يكون الكتاب آية قرآنية، وأخرى جملة اسمية، وثالثة جملة فعلية، ورابعة تعجب، وخامسة نداء، وسادسة أمر، وسابعة استفهام، وثامنة نهي، وتاسعة شرط، وغير ذلك.
وفيما يأتي نماذج من عناوين مقالات كتاب "لا تحزن":
أولا: العنوان آية قرآنية: أو جزء من آية كما في المقالات التي عنوانها: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)، (حسبنا الله ونعم الوكيل)، (قل سيروا في الأرض)، (فصيرٌ جميلٌ)، (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)، (أمن يجيب المضطر إذا دعاه؟!)، (اهدنا الصراط المستقيم.. سر الهداية)، (عليه توكلت)، (وقل اعملوا)، (ألم نشرح لك صدرك)، (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى)، (هذان خصمان اختصموا في ربهم)، (الله ولي المؤمنين)، (وإذا مرضت فهو يشفين)، (خذوا حذركم)، (فتبينوا)، (الله لطيف بعباده)، (ويرزقه من حيث لا يحتسب)، (وهو الذي ينزل الغيث)، (ألهاكم التكاثر)، (كل يوم هو في شأن)، (ومن يؤمن بالله يهد قلبه)، (لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون)، (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، (وإن من شيء إلا يسبح بحمده)، (وقل اعملوا)، (كلًّا نمد هؤلاء وهؤلاء)، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت).
ثانيًا: العنوان حديث نبوي أو جزء منه: كما في المقالات التي عنوانها: (ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام)، أو مقتبس من حديث (حاسب نفسك)، (من سخط فله السخط)، (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، (عوضه الله خيرا منه)، (إذا سألت فاسأل الله)، (كما تدين تدان)، (رفقًا بالقوارير)، (عوضه الله خيرًا منه)، (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)، (اثبُتْ أُحُدُ).
ثالثًا: العنوان حكم أو مثل: كما في المقالات التي عنوانها: رب ضارةٍ نافعة، الأيام دول، ما هكذا تورد الإبل.
رابعًا: العنوان شطر من بيت شعري:
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله، كن جميلًا تر الوجود جميلا،
أو شطر بيت مع تغيير كلمة: وخير جليس في الأنامِ كتابُ
رُوَيداً رُوَيدًا: كما في قوله: لَحظَها لَحظَها رُوَيداً رُوَيدًا، كَم إِلى كَم تَكيدُ لِلروحِ كَيدا، فربما صحت الأجسام بالعلل.
خامسًا: تعجب: (يا سعادة هؤلاء!!)، (يا شقاوة هؤلاء!!)
سادسًا: العنوان أسلوب شرط: إن فقدت جارحة من جوارحك فقد بقيت لك جوارح، إذا لم تستطع شيئا فدعه، إذا وجدت القوت والعافية فعلى الدنيا السلام، إذا سألت فاسأل الله، كما تدين تدان.
سابعًا: أمر: اطمئنوا أيها الناس، اطلب الرزق ولا تحرص، اعتنِ بالظاهر والباطن، أنصت لكلام الله، اكتب تاريخك بنفسك، اطرح المحاكاة المتكلفة.
ثامنًا: نهي: لا تكن فوضويًا في حياتك، لا تحط من مكانة أحد، لا تصادر جهود الآخرين، لا تحزن واطرد الهم.
وهناك قرابة من مئة مقال تمت تسميتها بـ"لا تحزن"، ويتم اتباعها بما يطمئن مثل "لا تحزن من محنة فقد تكون"...
وبصفة عامة أكثر القرني في كتابه (لا تحزن) من أنواع الإنشاء: الاستفهام، والأمر، والنهي، والنفي.
تاسعًا: نداء: مثل عناوين المقالات (يا الله) (يا الله يا الله)
عاشرًا: جملة اسمية: مثل عناوين المقالات: الوسطية نجاة من الهلاك، (المرء بصفاته الغالبة، أنت أرفع من الأحقاد، الرفق يعين على حصول المقصود، الراحة في الجنة، الإيمان أعظم دواء، عشر زهرات للحياة الطيبة، الذكر الجميل عمر طويل، السلامة مع الرضا.
حادي عشر: جملة فعلية: تنقل في الديار واقرأ آيات القدرة، يدرك الصبور أحمد الأمور.
اثنا عشر: جمل منفية: لا ينفعك القلق شيئًا، لا يجدي الحرص، لا هذا ولا هذا، لا فائدة في السخط
ثلاثة عشر: الاستفهام: من لنا وقت الضائقة؟ إذن فما هي السعادة؟ كيف كانون يعيشون؟ كيف تشكر على الكثير وقد قصرت؟ من هم الأولياء؟
يتضح لنا تنوع عناوين مقالات كتاب "لا تحزن"، ولكن أغلبها: أمر ونهي بهدف توجيه النصح، وآيات قرآنية أو جزء منها، وحديث نبوي أو جزء منه لما تتضمن من نصائح وإرشادات وتوجيهات تحقق السعادة وتجعلنا نتغلب على الحزن.
استخدام المؤكدات: لتأكيد أن الحزن والهم لا يدوم، وبيان أهمية السعادة استخدم القرني المؤكدات مثل التوكيد:
-بقد مع الفعل الماضي: "فقد اعتاد كثير من المؤلفين ذكر الإقبال على مؤلفاتهم،
-التوكيد بإن الناسخة: إن قضية السعادة قضية عالمية.
-أن المقصد من الكتاب جلب السعادة والهدوء والسكينة وانشراح الصدر.
-إن الأطباء يوصون بالرفق في تناول العلاج. إن الرفق من البشر مفتاح لكل خير
*الإكثار من أسلوب الشرط:
وذلك لبيان أهمية اللجوء إلى الله في زوال الهم والغم والضيق:
*إذا بارت الحيل وضاقت السبل وانتهت الآمال وتقطعت الحبال نادوا يا الله.
*إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك نفسك بما حملت فاهتف يا الله.
فأسلوب الشرط يحمل دلالات توضيحية تبين المعنى العام الذي يهدف إليه الكتاب "أن الهم لا يدوم فهو إلى زوال، وخاصة حينما يتمسك الإنسان بالمنجيات وما يقي من الهموم والغموم.
الإكثار الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث القدسية والنبوية والشعر والقصص، وأقوال العلماء والصالحين، وأقوال الغرب والكتب المترجمة، وفيما يأتي نماذج لذلك:
فمن المقالات التي تم استهلالها بالآيات القرآنية: مقال "يا الله": (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، واستهل مقال: (يا سعادة هؤلاء!!) أبو بكر (رضي الله عنه) بآية: (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى)،
واستهل مقال (يا شقاوة هؤلاء!!) فرعون: (النارُ يُعْرَضُونَ عليها غُدوًّا وعَشِيًّا).
واستهل مقال (لا تحزن وأكثر من الاستغفار فإن ربك غفار) بقوله تعالى: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً* يرسل السماء عليكم مدراراً* ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً),
واستهل مقال "تفاؤل وتشاؤم": (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة124-125).
وافتتح مقال: "وقفة" بقوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق2-3).
الاستهلال بالأحاديث القدسية والنبوية:
وافتتح مقال: "وقفة " بالحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء". وقد استهل مقال: "لا تعجب من الأشرار وكثرتهم"، بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): "اليد العليا خير من اليد السفلى".
وجاء في مقال "وقفة" الحديث النبوي الشريف: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا".
وورد في مقال "لا تحزن.. الله يجيب المضطر المشرك" الحديث النبوي الشريف: "اللهم إني أسألك خير هذا اليوم، وبركته ونصره ونوره وهدايته".
وورد في مقال "لا تحزن.. مع الاعتداء الصارخ عليك"، وفي الحديث "لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب".
وفي مقال بعنوان وقفة (ص211) عن أسماء بنتِ عُميْسٍ رضي اللهُ عنها قالتْ: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أُعلِّمكِ كلماتٍ تقولِينهُن عند الكرْبِ، أو في الكرْبِ: اللهُ ربِّي لا أُشركُ به شيئاً). وفي لفظٍ: (منْ أصابهُ همٌّ أو غمٌّ أو سقمٌ أو شِدَّةٌ، فقال: اللهُ ربي، لا شريك له، كُشِف ذلك عنه).
كثر الاستشهاد بالشعر:
ففي مقال "الرفق يعين على حصول المقصود":
ترفق أيها القمر المنير = ولا تك كالرياح لها زئير
فإنك بالسناء ملأت وجهي = ووجهك في دياجينا نضير
وتك الرياح هاجت في عتو ٍ= فزلزلت المنازل والقصور.
وفي مقال "لا تتوقف متفكرا أو مترددا" يستشهد بقول محمد إقبال في بيان أهمية الإيمان:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان = ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين = فقد جعل الفناء لها قرينا
وورد في مقال "لا تحزن.. الله يجيب المضطر المشرك "قول ثابت بن زهير الملقب "تأبط شرا":
إِذا المَرءُ لَم يَحتَل وَقَد جَدَّ جَدُّهُ = أَضاعَ وَقاسى أَمرُهُ وَهوَ مُدبِرُ
وَلكِن أَخو الحَزمِ الَّذي لَيسَ نازِلاً = بِهِ الأَمرُ إِلّا وَهوَ لِلأَمرِ مُبصِرُ
فَذاكَ قَريعُ الدَهرِ ماعاشَ حُوَّلٌ = إِذا سُدَّ مِنهُ مِنخَرٌ جاشَ مِنخَرُ
الاستشهاد بأقوال العلماء والصالحين:
حيث يستشهد في مقال "وخير جليس في الأنام ِ كتاب" بأقوال العلماء والصالحين في بيان فضل الكتاب: قال أبو عبيدة: قال المهلب بن أبي صفرة لبنيه في وصية: "يا بني، لا تقوموا في الأسواق إلا على زاد أو وراق.
وورد في مقال "لا تحزن.. مع الاعتداء الصارخ عليك": قال رجل لأبي بكرٍ: "والله لأسبنك سبًّا يدخل معك قبرك! فقال أبو بكر: بل يدخل معك قبرك أنت".
أقوال الغرب والكتب المترجمة:
فيما يلي نماذج من أقوال الغرب والكتب المترجمة:
ففي مقال (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) يقول آينشتاين: "من ينظر إلى الكون يعلم أن المبدع حكيم لا يلعب بالنرد.
أقوالٌ عالميةٌ ونُقولاتٌ من تجاربِ القومِ:
كتب روبرت لويس ستيفنسون: "فكل إنسان يستطيع القيام بعمله مهما كان شاقّاً في يوم واحد، وكل إنسانٍ يستطيعُ العيش بسعادة حتى تغيب الشمسُ. وهذا ما تعنيه الحياة".
قال أحدهم: "ليس لك من حياتِك إلا يومٌ واحد، أمس ذهب، وغَدٌ لم يأتِ".
كتب ستيفن ليكوك: فالطفل يقول: حين أصبح صبيّاً، والصبيُّ يقول: حين أُصبح شابّاً. وحين أُصبح شابّاً أتزوج، ولكن ماذا بعد الزواج؟ وماذا بَعْدَ كل هذه المراحل؟ تتغيرُ الفكرة نحو: حين أكون قادراً على التقاعُد. ينظر خلفه، وتلفحه رياح باردة، لقد فقد حياته التي ولَّت دون أن يعيش دقيقةً واحدة منها، ونحن نتعلَّم بعد فواتِ الأوانِ أنَّ الحياة تقعُ في كل دقيقة وكلِّ ساعة من يومنا الحاضرِ".
وكذلك المسوّفُون بالتوبة.
قال أحد السلف: "أنذرتُكم (سوف)، فإنها كلمةٌ كم منعت من خير، وأخَّرت من صلاح". (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر3).
يقول الفيلسوف الفرنسي مونتين: "كانت حياتي مليئة بالحظِّ السيئ الذي لم يرحمْ أبداً".
قلتُ: هؤلاء لم يعرفوا الحكمة من خلْقهم، على الرغم من ذكائهم ومعارفهم، لكن لم يهتدوا بهدي الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً).
يقول دانسي: "فكِّرْ، إن هذا اليوم لن ينبثق ثانيةً".
قلتُ: وأجملُ منه وأكملُ حديث: (صلِّ صلاةَ مودِّعٍ).
ومن جعل في خلدِهِ أن هذا اليوم الذي يعيشُ فيه آخرُ أيامِهِ، جدَّدَ توبته، وأحسن عمله، واجتهد في طاعِة ربِّهِ واتباعِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم.(2)
الاستهلال بالقصة:
فقد استهل مقال: "ثمنك إيمانك وخلقك" بقصة جلبيب الفقير الذي نصحه الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يتزوج من بيت شرف وأسرة موقرة من الأنصار، وهو جائع البطن، حافي القدم، مغمور النسب، لا جاه ولا مال ولا عشيرة، ليس له بيت يأوي إليه، فحصل الزواج المبارك، والذرية المباركة، والبيت العامر المؤسس على تقوى من الله ورضوان، وقد استشهد جلبيب في إحدى المعارك فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنت مني، وأنا منك)، ويكفي جلبيب هذا الوسام النبوي.
فقد استهل مقال "لا تحزن إذا كان معك كسرة خبز" بقصة البحَّار تقول القصة: "ضل أحد البحارة في المحيط الهادي وبقي واحدًا وعشرين يومًا، ولما نجا سأله الناس عن أكبر درس تعلمه، فقال: إن أكبر درس تعلمه من تلك التجربة هو: إذا كان لديك الماء الصافي، والطعام الكافي، يجب ألا تتذمر أبدًا".
واستهل مقال: "لا تحزن فالحياة أقصر مما تتصور" بقصة هاني الذي كان يعاني من قرحة في معدته، وحدد الأطباء موعد وفاته، ولكنه تجاهل ذلكن وبدأ رحلة مشبعة بالمرح والسرور، يقول ديل كارينجي: إنه شُفي من علته، وإن الأسلوب الذي سار عليه أسلوب ناجع في قهر الأمراض ومغالبة الآلام.
استهلال مقالات الكتاب بأقوال ومشاهير الغرب المفيدة
فقد استهل مقال: "لا تعجب من الأشرار وكثرتهم" بقول أرسطو: "إن الرجل المثالي يفرح بالأعمال التي يؤديها للآخرين، ويخجل إن أدى الآخرون الأعمال له".
واستهل مقال "لا تحزن من محنة فقد تكون منحة" بقول الدكتور صموئيل جونسون: "إن إعادة النظر إلى الجانب الصالح من كل حادثة لهو أثمن من الحصول على ألف جنيه في السنة".
واستهل مقال "رب ضارةِ نافعةٌ"، بقول وليم جيمس: "عاهاتنا تساعدنا إلى حد غير متوقع، ولو لم يعش دوستيوفسكي وتولستوي حياة أليمة لما استطاعا أن يكتبا رواياتهما الخالدة".
واستهل مقال "لا تقلق من النصح البناء الهادف"، بقول أندريه مورو: "إن كل ما يتفق مع رغباتنا الشخصية يبدو حقيقيا، وكل ما هو غير ذلك يثير غضبنا".
نُقل عن «كانط» الفيلسوف الألماني أنه قال: "إن مسرحيَّة الحياة الدنيا لم تكتملْ بَعْدُ، ولابدَّ من مشهدٍ ثانٍ؛ لأننا نرى هنا ظالماً ومظلوماً، ولم نجد الإنصاف، وغالباً ومغلوباً ولم نجد الانتقام، فلابدَّ إذن من عالمٍ آخر يتمُّ فيه العَدْلُ".
قال الشيخ علي الطنطاوي معلِّقاً: وهذا الكلام اعتراف ضمني باليوم الآخر والقيامة، من هذا الأجنبي.
إذا جارَ الوزيرُ وكاتبِاهُ = وقاضي الأرضِ أجحف في القضاءِ
فَوَيْلٌ ثم وَيْلٌ ثُمَّ ويْلٌ = لقاضي الأرضِ من قاضي السماءِ
(لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
ذكر أقوال من الكتب المترجمة، ومن نماذج ذلك:
اشتمل مقال "لا تحزن، فإن الحزن يحطم القوة ويهد الجسم"، على العديد من الأقوال المفيدة الواردة في الكتب المترجمة: يقول الدكتور "جوزيف ف. مونتاغيو مؤلف كتاب "مشكلة العصبية" يقول فيه: "أنت لا تُصاب بالقرحة بسبب ما تتناول من طعام، بل بسبب ما يأكلك".
وفي ترجمة لكتاب د.كارل مانينغر أحد الأطباء المتخصصين في الطب النفسي وعنوانه: "الإنسان ضد نفسه يقول: "لا يعطيك الدكتور مانينغر قواعد حول كيفية اجتناب القلق، بل تقريراً مذهلاً عن كيف نحطم أجيادنا وعقولنا بالقلق والكبت والحقد والازدراء والثورة والخوف".(3)
وفي مقال "لا تتوقف متفكرا أو مترددا" يستشهد بقول الدكتور ريتشاردز كابوت، أستاذ الطب في جامعة (هارفرد) في كتابه بعنوان بم يعيش الإنسان: "بصفتي طبيبًا، أنصح بعلاج (العمل) للمرضى الذين يعانون من الارتعاش الناتج عن الشكوك والتردد والخوف.. فالشجاعة التي يمنحها العمل لنا هي مثل الاعتماد على النفس الذي جعله (أمرسون) دائم الروعة". وبصفة عامة يحث القرني على القراءة والاستفادة من قراءة الكتب، فإنها تبدد الحزن.
*الإقناع بتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية:
يقول في مقال "الأيام دول":
يُروى أنّ أحمد بن حنبل -رحمه الله- زار بقيَّ بن مخلدٍ في مرضٍ له، فقال له: "يا أبا عبد الرحمن، أبشرْ بثوابِ اللهِ، أيامُ الصِّحِّةِ لا سُقمَ فيها، وأيامُ السقمِ لا صحَّة فيها".
والمعنى: أن أيام الصحةِ لا يعرضُ المرضُ فيها بالبالِ، فتقوى عزائمُ الإنسانِ، وتكثر آمالُه، ويشتدُّ طموحُه. وأيامُ المرضِ الشديدِ لا تعرضُ الصحةُ بالبالِ، فيخيِّم على النفسِ ضعف الأملِ، وانقباض الهمَّةِ، وسلطان اليأس.
وقولُ الإمامِ أحمد مأخوذٌ من قولهِ تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (هود9-10).
قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: "يخبرُ اللهُ تعالى عن الإنسانِ وما فيهِ من الصفاتِ الذميمةِ، إلا منْ رحم اللهُ من عبادِهِ المؤمنين، أنه إذا أصابتْه شدَّةٌ بعد نعمةٍ، حصل له يأسٌ وقنوطٌ من الخيرِ بالنسبةِ إلى المستقبلِ، وكفرٌ وجحودٌ لماضي الحالِ، كأنه لم ير خيراً ولم يرجُ فرجاً". وهكذا إن أصابتهُ نعمةٌ بعد نقمةٍ: (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي)، أي يقولُ: ما ينالني بعد هذا ضيمٌ ولا سوءٌ، (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)، أي فرح بما في يدِهِ، بطرٌ فخورٌ على غيره. قال اللهُ تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).(4)
وورد تفسير أحاديث نبوية في مقال "رويدا رويدا":
إنّ من إضفاء السعادة على المُخاطبين بكلمة الوعي، التَّدرُّجُ في المسائلِ، الأهمُّ، يصدِّقُ هذا وصيتُه صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ رضي اللهُ عنه لمَّا أرْسَلَه إلى اليمنِ: "فليكُنْ أوَّل ما تدعوهمْ إليه، أنْ لا إله إلا الله وأني رسولُ اللهِ...)) الحديث. إذن في المسألة أولٌ وثانٍ وثالثٌ، فلماذا نُقحمُ المسائل على المسائل إقحاماً؟! ولماذا نطرحُها جملةً واحدةً؟! (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)، إنَّ الصحابيَّ كان يطلبُ من الرسولِ صلى الله عليه وسلم وصيتهُ، فيُخبرُه بحديثٍ مختَصَرٍ الحاضر والبادي، فإذا الواقعيةُ ومراعاةُ الحالِ واليُسْرُ هي السمةُ البارزةُ في تلك النصائحِ الغاليةِ.(5)
وفي مقال "وقفة" نجد شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ، يعرفك في الشِّدَّة"، يعنى أنَّ العبد إذا اتَّقى الله وحفظ حدودهُ، وراعى حقوقهُ في حالِ رخائِه، فقد تعرَّف بذلك إلى اللهِ، وصار بينه وبين ربِّه معرفةٌ خاصَّةٌ، فمعرفهُ ربُّه في الشِّدَّةِ ورعى له تعرُّفهُ إليه في الرخاءِ، فنجَّاهُ من الشدائدِ بهذِه المعرفة، وهذه معرِفة خاصَّةٌ، تقتضي قُرب العبدِ من ربِّهْ ومحبَّته له وإجابتهُ لدعائِه".(6)
*تفسير معاني المفاهيم الواردة في الكتاب:
فسر لنا المؤلف المقصود بخير الأسماء لفظ الجلالة في مقاله (يا الله) فقال: الله أحسن الأسماء، وأجمل الحروف، وأصدق العبارات، وأغلى الكلمات (هل تعلم له سميًّا)
مهما رسمنا في حلالك أحرفا = قدسية تشدو بها الأرواح
فلأنت أعظم والمعاني كلها = يا رب عند جلاكم تنداح
فإذا اللطف والعناية والغوث والمدد والود والإحسان: (وما بكم من نعمة فمن الله). الله ذو الجلال والعظمة والهيبة والجبروت:
ولقد ذكرتك والخطوب كوالح = سود ووجه الدهر أغبر قاتم
فهتفت بالأسحار باسمك صارخا = فإذا محيا كل فجر باسم
إليه تمد الأكف في الأسحار، والأيادي في الحاجات، والأعين في الملمات، باسمه تشدو الألسن وتستغيث، وبذكره تطمئن القلوب، وتسكن الأرواح، وتهدأ المشاعر، وتبرد الأعصاب، ويثوب الرشد، ويستقر اليقين: (الله لطيف بعباده).(7)
وفي مقال بعنوان "وقفةٌ" وضح معنى لا إله إلا اللهُ: أيْ لا معبود بحقٍّ إلا اللهُ سبحانهُ وتعالى، لتفرُّدِهِ بصفاتِ الألوهيَّةِ، وهي صفاتُ الكمالِ.
روحُ هذه الكلمةِ وسرُّها: إفرادُ الربِّ -جلَّ ثناؤه وتقدَّستْ أسماؤُه، وتبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، ولا إله غيرُهُ- بالمحبةِ والإجلالِ والتعظيمِ، والخوفِ والرجاءِ، وتوابعِ ذلك من التوكّلِ والإنابةِ والرغبةِ والرهبةِ، فلا يُحَبُّ سواهُ، وكلُّ ما يُحَبُّ غيرُه فإنما يُحَبُّ تبعاً لمحبتِه، وكونِه وسيلةً إلى زيادةِ محبتِه، ولا يُخافُ سواهُ ولا يُرجى سواهُ، ولا يُتوكَّل إلا عليهِ، ولا يُرغبُ إلا إليهِ، ولا يُرهبُ إلا منهُ، ولا يُحلفُ إلا باسمِهِ، ولا يُنذرُ إلا لهُ، ولا يُتابُ إلا إليهِ، ولا يُطاعُ إلا أمرُه، ولا يتحسَّبُ إلا بهِ، ولا يُستغاثُ في الشدائدِ إلا به، ولا يُلتجأ إلا إليهِ، ولا يُسجدُ إلا لهُ، ولا يُذبحُ إلا له وباسمِهِ، ويجتمعُ ذلك في حرفٍ واحدٍ، وهو: أنْ لا يُعبد إلا إياهُ بجميعِ أنواعِ العبادةِ.(8).
ختم الكتاب بنصائح نثرية وشعرية
- من الحكم والنصائح النثرية:
الصلاة خير معين على المصائب –العلم يشرح الصدر، ويوسع مدارك النظر، السعادة في التضحية وإنكار الذات –حافظ القرآن التالي له لا يشكو مللا ولا فراغا ولا سأما؛ لأن القرآن ملأ حياته سعادة –الاستغفار يفتح الأقفال، ويشرح البال – لا تحزن لأن القضاء مفروغ منه – الرضا يكسب في القلب السكينة والدعة واراحة والأمن والطمأنينة. - الحياة قصيرة فلا تقصرها أكثر بالنكد. ارض عن نفسك وتقبلها – اشغل نفسك دائما.
- من الحكم والنصائح الشعرية:
دع المقادير تجري في أعنّتها = ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها = يغير الله من حال إلى حالِ
وكل الحادثات وإن تناهت = فموصول بها فرج قريب
عسى فرج يكون عسى = نعلل أنقسنا بعسى
إن ربا كفاك ما كان بالأمس = سيكفيك في غد ما يكون
ولست أرى السعادة جمع مالٍ = ولكن التقي هو السعيدُ
***
الهوامش:
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، الرياض، مكتبة العبيكان، 1422م، ص23.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص100-101.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص160-161.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص32.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص420-421.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص418.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص32.
عائض القرني: كتاب "لا تحزن"، ص200.
* تنويه
نشر هذا المقال في العدد 154 * المجلة الإلكترونية*
مجلة رابطة الأدب الإسلامي
اﻷحد, 13 سبتمبر, 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى