أوسلو أمام اختبار الواقع
قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في ضوء تصريحات محمد اشتية والتحولات الجارية في الضفة الغربية
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تثير التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد اشتية، التي تحدث فيها عن واقع السلطة الفلسطينية في ظل أزمة الرواتب والوقود والاقتصاد وانسداد الأفق السياسي، ووصف التطورات الجارية في الضفة الغربية بأنها تمثل مساراً من «الضم التدريجي الصامت»، أسئلة تتجاوز حدود النقد السياسي للأداء الحكومي أو توصيف الأزمة المالية الراهنة.
فأهمية هذه التصريحات لا تنبع فقط من مضمونها، وإنما أيضاً من موقع صاحبها داخل التجربة الفلسطينية الحديثة. اشتية شارك في مراحل من مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وتولى رئاسة المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار «بكدار»، ثم ترأس الحكومة الفلسطينية بين عامي 2019 و2024. ولذلك فإن حديثه الراهن يمكن قراءته بوصفه شهادة سياسية من داخل المنظومة التي تشكلت في مرحلة أوسلو، مع ضرورة إخضاع هذه الشهادة نفسها للمساءلة والتقييم، وعدم إعفاء صاحبها أو غيره من المسؤولية عن الخيارات التي اتخذت خلال سنوات تولي المسؤولية.
غير أن السؤال الأهم ليس: هل قال اشتية إن أوسلو فشل أم لا؟
السؤال الأعمق هو: هل ما زالت البنية السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي نشأت في إطار المرحلة الانتقالية قادرة على أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها، أم أن المرحلة الانتقالية تحولت، بفعل الزمن وتغير الوقائع، إلى بنية حكم دائمة داخل واقع الاحتلال؟
أوسلو: مرحلة انتقالية لم تصل إلى نهايتها
لفهم الأزمة الراهنة لا بد من العودة إلى الوظيفة الأصلية لاتفاقات أوسلو.
فإعلان المبادئ الموقع عام 1993 أنشأ سلطة فلسطينية للحكم الذاتي خلال فترة انتقالية كان يفترض ألا تتجاوز خمس سنوات، تمهيداً لمفاوضات الوضع النهائي التي تشمل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود وغيرها.
وجاء اتفاق أوسلو الثاني عام 1995 ليكرس الإطار المؤسسي للمرحلة الانتقالية، مع استمرار تقسيم الصلاحيات والمسؤوليات على أساس ترتيبات مؤقتة.
كان المنطق السياسي واضحاً:
نقل تدريجي للصلاحيات، بناء مؤسسات فلسطينية، مفاوضات حول الوضع النهائي، ثم الوصول إلى تسوية سياسية تنهي المرحلة الانتقالية.
لكن المشكلة التاريخية تتمثل في أن الجزء الانتقالي من المعادلة استمر، بينما لم تتحقق التسوية النهائية.
وهنا نشأت المفارقة الأساسية: مؤسسات صممت لتكون انتقالية أصبحت تدير حياة ملايين الفلسطينيين لعقود، في حين بقيت قضايا السيادة والحدود والقدس والمستوطنات والموارد والحركة خارج نطاق السيطرة الفلسطينية الكاملة.
وبالتالي فإن القضية ليست فقط في نص أوسلو بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما في استمرار بعض ترتيباته داخل بيئة سياسية وجغرافية وقانونية مختلفة جذرياً عن البيئة التي نشأ فيها.
من سلطة انتقالية إلى إدارة شؤون السكان تحت الاحتلال
تحولت السلطة الفلسطينية مع مرور السنوات إلى جهاز إداري ومؤسسي واسع يتولى التعليم والصحة والأمن الداخلي والإدارة المدنية والرواتب والخدمات والتنمية الاقتصادية والقضاء وجزءاً كبيراً من الحياة اليومية.
لكن اتساع المسؤوليات لم يقابله امتلاك أدوات السيادة.
فالحدود والمجال الجوي والسيطرة على أجزاء واسعة من الأرض والموارد وحركة الأشخاص والبضائع، إضافة إلى عناصر أساسية من البيئة الأمنية والاقتصادية، بقيت خارج السيطرة الفلسطينية الكاملة.
وهكذا تشكلت معادلة شديدة التعقيد:
مسؤوليات واسعة في إدارة المجتمع، مقابل سيادة محدودة على الأرض والموارد.
وهذه المعادلة تفسر جانباً مهماً من مأزق السلطة: فهي مطالبة بتوفير الخدمات ودفع الرواتب وإدارة المؤسسات، لكنها لا تمتلك جميع الأدوات التي تسمح لها بالتحكم في الموارد التي تحتاجها للقيام بهذه الوظائف.
«الضم التدريجي» وتغيير الجغرافيا
حين يتحدث اشتية عن «ضم تدريجي صامت»، فإن هذا التعبير ينبغي ألا يُقرأ بمعزل عن التطورات التي وثقتها الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
فالتوسع الاستيطاني، والهدم والإخلاء، والتهجير، ومصادرة الأراضي، وتغيير أنماط السيطرة على الأرض، كلها عناصر متداخلة في التحول الجاري في الضفة الغربية.
وتشير تقارير أممية خلال عام 2026 إلى استمرار التوسع الاستيطاني وعمليات التهجير والعنف المرتبط بالمستوطنين، فضلاً عن إجراءات وتدابير مرتبطة بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وهنا تكمن أهمية البعد الجغرافي.
فالصراع لم يعد يدور فقط حول المفاوضات والنصوص، بل حول من يملك القدرة على تغيير الواقع المادي على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.
وهذه النقطة شديدة الخطورة؛ لأن أي عملية تفاوض مستقبلية لا تجري في فراغ، وإنما في جغرافيا تتغير باستمرار.
ومن هنا فإن الاستيطان لا يمثل فقط قضية سكانية أو عمرانية، وإنما يرتبط مباشرة بإمكانية قيام تسوية سياسية قابلة للحياة وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
القانون الدولي: التحول الأهم في طبيعة النقاش
أضاف رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 بعداً مهماً إلى النقاش.
فالمحكمة خلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في ضوء السياسات والممارسات التي تناولها الرأي، يتعارض مع قواعد القانون الدولي، وربطت بين السياسات المتعلقة بالاستيطان والضم وتغيير الوضع القانوني والجغرافي والديموغرافي للأرض وبين المساس بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
كما أكدت المحكمة أن اتفاقات أوسلو لا تمنح إسرائيل حق ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا تبرر استمرار وضع دائم يتعارض مع قواعد القانون الدولي.
ومن المهم هنا التمييز قانونياً بين الرأي الاستشاري والحكم القضائي في دعوى نزاع ثنائية؛ فرأي المحكمة في هذه الحالة استشاري، لكنه صادر عن أعلى جهاز قضائي تابع للأمم المتحدة، ويحمل أهمية قانونية كبيرة في تفسير قواعد القانون الدولي وتحديد الآثار المترتبة عليها.
وهكذا أصبح النقاش حول مستقبل الأراضي الفلسطينية لا يستند فقط إلى التفاوض السياسي، وإنما أيضاً إلى منظومة قانونية دولية أكثر وضوحاً بشأن الاحتلال والاستيطان والضم وتقرير المصير.
الأزمة المالية: أزمة سيولة أم أزمة بنيوية؟
تصريحات اشتية بشأن الرواتب والوقود والاقتصاد تفتح كذلك ملفاً أكثر عمقاً يتعلق بالبنية المالية للسلطة الفلسطينية.
فالسلطة تعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات المقاصة التي تجمعها إسرائيل نيابة عنها في إطار الترتيبات الاقتصادية المرتبطة ببروتوكول باريس.
وهذا الاعتماد يجعل المالية الفلسطينية شديدة الحساسية تجاه القرارات المتعلقة بتحويل هذه الإيرادات أو اقتطاع أجزاء منها أو احتجازها.
ومن هنا فإن الأزمة المالية لا ينبغي اختزالها في سؤال: لماذا لا تستطيع السلطة دفع الرواتب؟
السؤال الأعمق هو:
هل تمتلك السلطة نموذجاً مالياً مستقلاً ومستداماً يسمح لها بممارسة وظائف الحكم دون أن تكون مواردها الأساسية معرضة بصورة مباشرة لقرارات خارج نطاق سيطرتها؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة تتجاوز نقص السيولة إلى أزمة بنيوية في القدرة على الحكم.
فالاستقلال السياسي لا يمكن فصله عن الاستقلال المالي، كما أن المؤسسات لا تستطيع الاستمرار في أداء وظائفها إذا كانت مواردها الأساسية خاضعة بصورة مستمرة لعوامل خارجية.
الوقود والخدمات: مؤشر على القدرة على الحكم
قد يبدو الحديث عن الوقود مسألة اقتصادية يومية، لكنه في القراءة الاستراتيجية يمثل مؤشراً على قدرة النظام السياسي على توفير مستلزمات الحياة الأساسية.
الدولة أو السلطة القادرة على الحكم تحتاج إلى ضمان تدفق الطاقة والسلع والسيولة والخدمات.
وعندما تصبح هذه القطاعات معرضة للاضطراب بسبب القيود المالية أو التجارية أو المصرفية أو السياسية، فإن الأزمة تتحول من مشكلة قطاعية إلى أزمة في القدرة على ممارسة الحكم.
ومن هنا يمكن فهم عبارة «لا بنزين» باعتبارها، في بعدها السياسي، تعبيراً عن هشاشة منظومة الاعتماد الاقتصادي التي تراكمت خلال المرحلة الانتقالية.
هل انتهت أوسلو؟
هنا ينبغي التحلي بأقصى درجات الدقة.
هناك فرق بين انتهاء اتفاق قانونياً وبين تآكل وظيفته السياسية أو فشل ترتيباته في تحقيق أهدافها الانتقالية.
لا يمكن إعلان انتهاء اتفاق دولي بمجرد تصريح سياسي.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار بعض الترتيبات أو الآليات المرتبطة بأوسلو لا يعني أنها ما زالت تؤدي الوظيفة التي أنشئت من أجلها.
فالمرحلة الانتقالية صممت لفترة محددة، بينما استمرت لأكثر من ثلاثة عقود دون الوصول إلى تسوية نهائية.
لذلك فإن التعبير الأكثر دقة هو أن:
الوظيفة الانتقالية الأصلية لنظام أوسلو تعرضت لتآكل عميق، بينما استمرت أجزاء من ترتيباته داخل واقع سياسي وقانوني وجغرافي تغير بصورة جوهرية.
وهذا أكثر دقة من القول إن «أوسلو انتهى بالكامل» أو أنه «ما زال قائماً كما كان».
مسؤولية الاحتلال ومسؤولية القيادة الفلسطينية
التحليل الجاد لا يختزل الأزمة في طرف واحد.
هناك مسؤولية مرتبطة بالاحتلال والسياسات الإسرائيلية، بما في ذلك الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير والهدم والقيود على الحركة والسيطرة على الموارد والإيرادات، وهي مسائل وثقتها مؤسسات الأمم المتحدة وأجهزة دولية مختلفة.
لكن وجود الاحتلال لا يلغي المسؤولية الفلسطينية عن إدارة المؤسسات والنظام السياسي والمال العام والاقتصاد والشرعية والمساءلة.
كما أن الانقسام الفلسطيني، وتراجع الحياة الديمقراطية، واستمرار البنية الانتقالية، وضعف آليات المحاسبة، وعدم بناء بدائل اقتصادية كافية، كلها مسائل تستحق مراجعة فلسطينية جدية.
ومن ثم فإن السؤال المهني ليس:
من المسؤول وحده؟
بل:
ما الذي نتج عن سياسات الاحتلال؟ وما الذي نتج عن خيارات القيادة الفلسطينية؟ وما الذي كان يمكن تغييره في كل مرحلة؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تقود إلى مراجعة وطنية حقيقية بدلاً من تبادل الاتهامات.
أزمة الشرعية والتمثيل
لا يمكن مناقشة مستقبل السلطة دون معالجة مسألة الشرعية السياسية والتمثيل الوطني.
فمنظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني التاريخي لتمثيل الشعب الفلسطيني، بينما نشأت السلطة الفلسطينية باعتبارها بنية حكم انتقالية في إطار أوسلو.
ومع مرور الزمن حدث تداخل واسع بين المنظمة والسلطة والحكومة والرئاسة والفصائل، فيما أدى الانقسام الفلسطيني إلى واقع سياسي ومؤسساتي وجغرافي بالغ التعقيد.
ولهذا فإن سؤال «ما بعد أوسلو» لا ينبغي أن يقتصر على مستقبل السلطة.
بل يجب أن يشمل سؤالاً أكثر جوهرية:
كيف يعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشرعية والتمثيل والمساءلة، وما طبيعة العلاقة الدستورية والسياسية بين منظمة التحرير والسلطة والحكومة؟
فإعادة تعريف السلطة دون إعادة بناء النظام السياسي قد تعني إعادة إنتاج المشكلة في صورة جديدة.
اشتية بين الشهادة والمسؤولية
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر حساسية في قراءة تصريحات محمد اشتية.
فليس من الدقة التعامل معه فقط باعتباره مسؤولاً سابقاً «اكتشف» أزمة أوسلو بعد مغادرته الحكومة.
وفي الوقت نفسه، ليس من المنصف تجاهل قيمة شهادته بحكم مشاركته في مراحل من التفاوض وبناء المؤسسات وإدارة السلطة.
الأدق هو وضعه في موقعين متلازمين:
شاهد على التجربة، ومسؤول سياسي عن جزء منها.
وهذا يعني أن أي مراجعة وطنية جدية يجب أن تشمل شهادته وشهادة غيره من المسؤولين الذين شاركوا في صناعة القرار.
ما الذي كان معروفاً عند اتخاذ القرارات؟
ما البدائل التي كانت متاحة؟
لماذا استمر الاعتماد على المقاصة؟
لماذا لم يتحقق استقلال اقتصادي أكبر؟
لماذا تعذر إنهاء الانقسام؟
ما الذي جرى في مسارات التفاوض؟
وما الدروس التي يمكن استخلاصها اليوم؟
بهذه الطريقة تتحول تصريحات المسؤولين السابقين من مادة للاستهلاك الإعلامي إلى مادة للتقييم المؤسسي والتعلم السياسي.
ما بعد أوسلو: السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل
عبارة «ما بعد أوسلو» لا تكفي وحدها.
فأي تصور للمستقبل يجب أن يقدم إجابات محددة عن ستة ملفات رئيسية:
أولاً: الأمن.
ما طبيعة الترتيبات الأمنية المستقبلية، ومن يحدد نطاقها ووظيفتها؟
ثانياً: الاقتصاد.
هل يمكن استمرار العلاقة الاقتصادية بالصيغة ذاتها، أم أن هناك حاجة إلى إعادة بناء تدريجية للقدرة الاقتصادية الفلسطينية؟
ثالثاً: الجغرافيا.
ما مستقبل تقسيمات A وB وC، وما أثرها على وحدة الأرض الفلسطينية؟
رابعاً: المؤسسات.
هل تبقى السلطة في إطارها الحالي، أم يعاد تعريف وظائفها وموقعها داخل النظام السياسي؟
خامساً: الشرعية والتمثيل.
كيف يعاد بناء المؤسسات التمثيلية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وقانونية؟
سادساً: الاستراتيجية الدولية.
كيف يمكن الجمع بين المسار السياسي والدبلوماسي والقانوني الدولي، بحيث لا يبقى القانون الدولي مجرد أداة لإصدار البيانات، بل يتحول إلى جزء من استراتيجية وطنية متكاملة؟
البدائل ليست شعارات
يمكن تصور عدة مسارات للنقاش الوطني، دون افتراض مسبق لنجاح أي منها.
المسار الأول هو إصلاح السلطة، عبر إعادة بناء مؤسساتها وماليتها وتعزيز الشفافية والمساءلة وإعادة إطلاق مسار سياسي.
والمسار الثاني هو إعادة تعريف وظيفة السلطة وعلاقتها بمنظمة التحرير، بحيث تصبح الوظائف المؤسسية أكثر وضوحاً وتوازناً.
والمسار الثالث هو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من خلال إصلاح المؤسسات التمثيلية وتطوير آليات الشرعية والمساءلة ومعالجة الانقسام.
والمسار الرابع هو تعزيز المسار القانوني والدولي وربطه بملفات الاستيطان والضم والتهجير وتقرير المصير.
أما المسار الأكثر تركيباً فيتمثل في الجمع بين الإصلاح الداخلي وإعادة البناء الاقتصادي والمؤسسي، بالتوازي مع استراتيجية سياسية وقانونية ودبلوماسية متكاملة.
والأهم أن أي مسار لن يكون قابلاً للاستمرار إذا بقي مجرد شعار سياسي بلا مؤسسات وأدوات وموارد وخطة تنفيذ.
المطلوب: مراجعة وطنية لا مجرد خطاب سياسي
إذا كانت تصريحات اشتية نقطة انطلاق، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون مراجعة وطنية مؤسسية لا مجرد سجال إعلامي.
وهذه المراجعة يمكن أن تتضمن:
1. لجنة وطنية مستقلة لمراجعة تجربة أوسلو
تضم خبراء في القانون الدولي والاقتصاد والسياسة والتفاوض، وتقدم تقييماً موثقاً لما نفذ وما لم ينفذ وما بقي من التزامات وترتيبات.
2. مراجعة شاملة للمالية العامة
بهدف تقليل هشاشة النظام المالي أمام احتجاز المقاصة أو تقلب المساعدات الخارجية.
3. قاعدة بيانات وطنية للتغيرات الجغرافية
توثق بصورة دقيقة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والهدم والتهجير وتغيرات السيطرة على الأرض منذ عام 1993.
4. مراجعة سياسية ودستورية
لتحديد العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والحكومة والرئاسة والفصائل، ومنع استمرار التداخل المؤسسي الذي يضعف المساءلة.
5. إعادة بناء الشرعية
من خلال آليات تمثيلية وديمقراطية واضحة، بما في ذلك الانتخابات عندما تسمح الظروف القانونية والسياسية والأمنية.
6. استراتيجية قانونية دولية متكاملة
تحول الوثائق والأدلة المتعلقة بالاستيطان والضم والتهجير إلى ملفات قانونية وسياسية مترابطة أمام المؤسسات الدولية ذات الصلة.
الخلاصة
إن تصريحات محمد اشتية تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تحسم بمفردها الحكم على تجربة أوسلو، وإنما لأنها تصدر عن شخصية شاركت في مراحل من التفاوض وبناء المؤسسات وإدارة السلطة، ثم أصبحت تنظر إلى التجربة من موقع سياسي مختلف.
لكن القيمة الحقيقية لهذه التصريحات تظهر عندما توضع إلى جانب الوثائق الدولية والوقائع الاقتصادية والتحولات الجغرافية والقانونية.
فالمشهد الراهن يكشف عن أزمة مركبة:
سلطة تتحمل وظائف حكومية واسعة دون امتلاك أدوات السيادة الكاملة، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات يمكن التأثير في تدفقها من خارج القرار الفلسطيني، وأرض تتعرض لتغيرات جغرافية متسارعة، ونظام سياسي يعاني أزمة في الشرعية والتمثيل والانقسام، ومسار تفاوضي لم ينجح خلال أكثر من ثلاثة عقود في الوصول إلى تسوية نهائية.
وفي المقابل، فإن هذه الحقائق لا تعفي القيادة الفلسطينية من مسؤوليتها عن الخيارات التي اتخذتها، ولا تجعل نقد الاحتلال بديلاً عن مراجعة الأداء الفلسطيني.
لقد تغيرت البيئة التي نشأ فيها نموذج أوسلو بصورة عميقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط:
هل انتهت أوسلو؟
بل:
هل يمكن الاستمرار في إدارة السلطة الفلسطينية بالوظيفة نفسها، وبالإطار الاقتصادي والسياسي والمؤسسي نفسه، بينما تغيرت الجغرافيا والقواعد القانونية والبيئة السياسية بصورة جوهرية؟
إذا كانت الإجابة تستدعي المراجعة، فإن المطلوب ليس إعلاناً سياسياً بنهاية مرحلة، وإنما إعادة بناء مشروع وطني مؤسسي يحدد وظيفة السلطة، ويعيد تنظيم العلاقة مع منظمة التحرير، ويعالج أزمة الشرعية، ويعزز الاستقلال المالي، ويحمي المؤسسات، ويستخدم أدوات القانون الدولي والدبلوماسية بصورة استراتيجية، ويضع إنهاء الاحتلال وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ضمن إطار سياسي وقانوني قابل للتنفيذ.
وهنا تحديداً تتجاوز تصريحات اشتية حدود التصريح السياسي لتصبح مدخلاً إلى سؤال وطني أوسع:
ماذا بعد المرحلة الانتقالية؟
فالقيادة السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على تشخيص الأزمة، وإنما بقدرتها على تحويل التشخيص إلى مراجعة مؤسسية، والمراجعة إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام النظام السياسي الفلسطيني بأكمله: ليس إعادة إنتاج خطاب «أوسلو» أو إعلان القطيعة معه، وإنما الإجابة القانونية والسياسية والمؤسسية عن سؤال المستقبل، في ضوء واقع فلسطيني ودولي لم يعد هو الواقع الذي أنشئت فيه تلك الترتيبات قبل أكثر من ثلاثة عقود.
المحامي علي أبوحبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في ضوء تصريحات محمد اشتية والتحولات الجارية في الضفة الغربية
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
تثير التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد اشتية، التي تحدث فيها عن واقع السلطة الفلسطينية في ظل أزمة الرواتب والوقود والاقتصاد وانسداد الأفق السياسي، ووصف التطورات الجارية في الضفة الغربية بأنها تمثل مساراً من «الضم التدريجي الصامت»، أسئلة تتجاوز حدود النقد السياسي للأداء الحكومي أو توصيف الأزمة المالية الراهنة.
فأهمية هذه التصريحات لا تنبع فقط من مضمونها، وإنما أيضاً من موقع صاحبها داخل التجربة الفلسطينية الحديثة. اشتية شارك في مراحل من مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وتولى رئاسة المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار «بكدار»، ثم ترأس الحكومة الفلسطينية بين عامي 2019 و2024. ولذلك فإن حديثه الراهن يمكن قراءته بوصفه شهادة سياسية من داخل المنظومة التي تشكلت في مرحلة أوسلو، مع ضرورة إخضاع هذه الشهادة نفسها للمساءلة والتقييم، وعدم إعفاء صاحبها أو غيره من المسؤولية عن الخيارات التي اتخذت خلال سنوات تولي المسؤولية.
غير أن السؤال الأهم ليس: هل قال اشتية إن أوسلو فشل أم لا؟
السؤال الأعمق هو: هل ما زالت البنية السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي نشأت في إطار المرحلة الانتقالية قادرة على أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها، أم أن المرحلة الانتقالية تحولت، بفعل الزمن وتغير الوقائع، إلى بنية حكم دائمة داخل واقع الاحتلال؟
أوسلو: مرحلة انتقالية لم تصل إلى نهايتها
لفهم الأزمة الراهنة لا بد من العودة إلى الوظيفة الأصلية لاتفاقات أوسلو.
فإعلان المبادئ الموقع عام 1993 أنشأ سلطة فلسطينية للحكم الذاتي خلال فترة انتقالية كان يفترض ألا تتجاوز خمس سنوات، تمهيداً لمفاوضات الوضع النهائي التي تشمل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود وغيرها.
وجاء اتفاق أوسلو الثاني عام 1995 ليكرس الإطار المؤسسي للمرحلة الانتقالية، مع استمرار تقسيم الصلاحيات والمسؤوليات على أساس ترتيبات مؤقتة.
كان المنطق السياسي واضحاً:
نقل تدريجي للصلاحيات، بناء مؤسسات فلسطينية، مفاوضات حول الوضع النهائي، ثم الوصول إلى تسوية سياسية تنهي المرحلة الانتقالية.
لكن المشكلة التاريخية تتمثل في أن الجزء الانتقالي من المعادلة استمر، بينما لم تتحقق التسوية النهائية.
وهنا نشأت المفارقة الأساسية: مؤسسات صممت لتكون انتقالية أصبحت تدير حياة ملايين الفلسطينيين لعقود، في حين بقيت قضايا السيادة والحدود والقدس والمستوطنات والموارد والحركة خارج نطاق السيطرة الفلسطينية الكاملة.
وبالتالي فإن القضية ليست فقط في نص أوسلو بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما في استمرار بعض ترتيباته داخل بيئة سياسية وجغرافية وقانونية مختلفة جذرياً عن البيئة التي نشأ فيها.
من سلطة انتقالية إلى إدارة شؤون السكان تحت الاحتلال
تحولت السلطة الفلسطينية مع مرور السنوات إلى جهاز إداري ومؤسسي واسع يتولى التعليم والصحة والأمن الداخلي والإدارة المدنية والرواتب والخدمات والتنمية الاقتصادية والقضاء وجزءاً كبيراً من الحياة اليومية.
لكن اتساع المسؤوليات لم يقابله امتلاك أدوات السيادة.
فالحدود والمجال الجوي والسيطرة على أجزاء واسعة من الأرض والموارد وحركة الأشخاص والبضائع، إضافة إلى عناصر أساسية من البيئة الأمنية والاقتصادية، بقيت خارج السيطرة الفلسطينية الكاملة.
وهكذا تشكلت معادلة شديدة التعقيد:
مسؤوليات واسعة في إدارة المجتمع، مقابل سيادة محدودة على الأرض والموارد.
وهذه المعادلة تفسر جانباً مهماً من مأزق السلطة: فهي مطالبة بتوفير الخدمات ودفع الرواتب وإدارة المؤسسات، لكنها لا تمتلك جميع الأدوات التي تسمح لها بالتحكم في الموارد التي تحتاجها للقيام بهذه الوظائف.
«الضم التدريجي» وتغيير الجغرافيا
حين يتحدث اشتية عن «ضم تدريجي صامت»، فإن هذا التعبير ينبغي ألا يُقرأ بمعزل عن التطورات التي وثقتها الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
فالتوسع الاستيطاني، والهدم والإخلاء، والتهجير، ومصادرة الأراضي، وتغيير أنماط السيطرة على الأرض، كلها عناصر متداخلة في التحول الجاري في الضفة الغربية.
وتشير تقارير أممية خلال عام 2026 إلى استمرار التوسع الاستيطاني وعمليات التهجير والعنف المرتبط بالمستوطنين، فضلاً عن إجراءات وتدابير مرتبطة بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وهنا تكمن أهمية البعد الجغرافي.
فالصراع لم يعد يدور فقط حول المفاوضات والنصوص، بل حول من يملك القدرة على تغيير الواقع المادي على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.
وهذه النقطة شديدة الخطورة؛ لأن أي عملية تفاوض مستقبلية لا تجري في فراغ، وإنما في جغرافيا تتغير باستمرار.
ومن هنا فإن الاستيطان لا يمثل فقط قضية سكانية أو عمرانية، وإنما يرتبط مباشرة بإمكانية قيام تسوية سياسية قابلة للحياة وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
القانون الدولي: التحول الأهم في طبيعة النقاش
أضاف رأي محكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 بعداً مهماً إلى النقاش.
فالمحكمة خلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في ضوء السياسات والممارسات التي تناولها الرأي، يتعارض مع قواعد القانون الدولي، وربطت بين السياسات المتعلقة بالاستيطان والضم وتغيير الوضع القانوني والجغرافي والديموغرافي للأرض وبين المساس بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
كما أكدت المحكمة أن اتفاقات أوسلو لا تمنح إسرائيل حق ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا تبرر استمرار وضع دائم يتعارض مع قواعد القانون الدولي.
ومن المهم هنا التمييز قانونياً بين الرأي الاستشاري والحكم القضائي في دعوى نزاع ثنائية؛ فرأي المحكمة في هذه الحالة استشاري، لكنه صادر عن أعلى جهاز قضائي تابع للأمم المتحدة، ويحمل أهمية قانونية كبيرة في تفسير قواعد القانون الدولي وتحديد الآثار المترتبة عليها.
وهكذا أصبح النقاش حول مستقبل الأراضي الفلسطينية لا يستند فقط إلى التفاوض السياسي، وإنما أيضاً إلى منظومة قانونية دولية أكثر وضوحاً بشأن الاحتلال والاستيطان والضم وتقرير المصير.
الأزمة المالية: أزمة سيولة أم أزمة بنيوية؟
تصريحات اشتية بشأن الرواتب والوقود والاقتصاد تفتح كذلك ملفاً أكثر عمقاً يتعلق بالبنية المالية للسلطة الفلسطينية.
فالسلطة تعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات المقاصة التي تجمعها إسرائيل نيابة عنها في إطار الترتيبات الاقتصادية المرتبطة ببروتوكول باريس.
وهذا الاعتماد يجعل المالية الفلسطينية شديدة الحساسية تجاه القرارات المتعلقة بتحويل هذه الإيرادات أو اقتطاع أجزاء منها أو احتجازها.
ومن هنا فإن الأزمة المالية لا ينبغي اختزالها في سؤال: لماذا لا تستطيع السلطة دفع الرواتب؟
السؤال الأعمق هو:
هل تمتلك السلطة نموذجاً مالياً مستقلاً ومستداماً يسمح لها بممارسة وظائف الحكم دون أن تكون مواردها الأساسية معرضة بصورة مباشرة لقرارات خارج نطاق سيطرتها؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة تتجاوز نقص السيولة إلى أزمة بنيوية في القدرة على الحكم.
فالاستقلال السياسي لا يمكن فصله عن الاستقلال المالي، كما أن المؤسسات لا تستطيع الاستمرار في أداء وظائفها إذا كانت مواردها الأساسية خاضعة بصورة مستمرة لعوامل خارجية.
الوقود والخدمات: مؤشر على القدرة على الحكم
قد يبدو الحديث عن الوقود مسألة اقتصادية يومية، لكنه في القراءة الاستراتيجية يمثل مؤشراً على قدرة النظام السياسي على توفير مستلزمات الحياة الأساسية.
الدولة أو السلطة القادرة على الحكم تحتاج إلى ضمان تدفق الطاقة والسلع والسيولة والخدمات.
وعندما تصبح هذه القطاعات معرضة للاضطراب بسبب القيود المالية أو التجارية أو المصرفية أو السياسية، فإن الأزمة تتحول من مشكلة قطاعية إلى أزمة في القدرة على ممارسة الحكم.
ومن هنا يمكن فهم عبارة «لا بنزين» باعتبارها، في بعدها السياسي، تعبيراً عن هشاشة منظومة الاعتماد الاقتصادي التي تراكمت خلال المرحلة الانتقالية.
هل انتهت أوسلو؟
هنا ينبغي التحلي بأقصى درجات الدقة.
هناك فرق بين انتهاء اتفاق قانونياً وبين تآكل وظيفته السياسية أو فشل ترتيباته في تحقيق أهدافها الانتقالية.
لا يمكن إعلان انتهاء اتفاق دولي بمجرد تصريح سياسي.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار بعض الترتيبات أو الآليات المرتبطة بأوسلو لا يعني أنها ما زالت تؤدي الوظيفة التي أنشئت من أجلها.
فالمرحلة الانتقالية صممت لفترة محددة، بينما استمرت لأكثر من ثلاثة عقود دون الوصول إلى تسوية نهائية.
لذلك فإن التعبير الأكثر دقة هو أن:
الوظيفة الانتقالية الأصلية لنظام أوسلو تعرضت لتآكل عميق، بينما استمرت أجزاء من ترتيباته داخل واقع سياسي وقانوني وجغرافي تغير بصورة جوهرية.
وهذا أكثر دقة من القول إن «أوسلو انتهى بالكامل» أو أنه «ما زال قائماً كما كان».
مسؤولية الاحتلال ومسؤولية القيادة الفلسطينية
التحليل الجاد لا يختزل الأزمة في طرف واحد.
هناك مسؤولية مرتبطة بالاحتلال والسياسات الإسرائيلية، بما في ذلك الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير والهدم والقيود على الحركة والسيطرة على الموارد والإيرادات، وهي مسائل وثقتها مؤسسات الأمم المتحدة وأجهزة دولية مختلفة.
لكن وجود الاحتلال لا يلغي المسؤولية الفلسطينية عن إدارة المؤسسات والنظام السياسي والمال العام والاقتصاد والشرعية والمساءلة.
كما أن الانقسام الفلسطيني، وتراجع الحياة الديمقراطية، واستمرار البنية الانتقالية، وضعف آليات المحاسبة، وعدم بناء بدائل اقتصادية كافية، كلها مسائل تستحق مراجعة فلسطينية جدية.
ومن ثم فإن السؤال المهني ليس:
من المسؤول وحده؟
بل:
ما الذي نتج عن سياسات الاحتلال؟ وما الذي نتج عن خيارات القيادة الفلسطينية؟ وما الذي كان يمكن تغييره في كل مرحلة؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تقود إلى مراجعة وطنية حقيقية بدلاً من تبادل الاتهامات.
أزمة الشرعية والتمثيل
لا يمكن مناقشة مستقبل السلطة دون معالجة مسألة الشرعية السياسية والتمثيل الوطني.
فمنظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني التاريخي لتمثيل الشعب الفلسطيني، بينما نشأت السلطة الفلسطينية باعتبارها بنية حكم انتقالية في إطار أوسلو.
ومع مرور الزمن حدث تداخل واسع بين المنظمة والسلطة والحكومة والرئاسة والفصائل، فيما أدى الانقسام الفلسطيني إلى واقع سياسي ومؤسساتي وجغرافي بالغ التعقيد.
ولهذا فإن سؤال «ما بعد أوسلو» لا ينبغي أن يقتصر على مستقبل السلطة.
بل يجب أن يشمل سؤالاً أكثر جوهرية:
كيف يعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشرعية والتمثيل والمساءلة، وما طبيعة العلاقة الدستورية والسياسية بين منظمة التحرير والسلطة والحكومة؟
فإعادة تعريف السلطة دون إعادة بناء النظام السياسي قد تعني إعادة إنتاج المشكلة في صورة جديدة.
اشتية بين الشهادة والمسؤولية
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر حساسية في قراءة تصريحات محمد اشتية.
فليس من الدقة التعامل معه فقط باعتباره مسؤولاً سابقاً «اكتشف» أزمة أوسلو بعد مغادرته الحكومة.
وفي الوقت نفسه، ليس من المنصف تجاهل قيمة شهادته بحكم مشاركته في مراحل من التفاوض وبناء المؤسسات وإدارة السلطة.
الأدق هو وضعه في موقعين متلازمين:
شاهد على التجربة، ومسؤول سياسي عن جزء منها.
وهذا يعني أن أي مراجعة وطنية جدية يجب أن تشمل شهادته وشهادة غيره من المسؤولين الذين شاركوا في صناعة القرار.
ما الذي كان معروفاً عند اتخاذ القرارات؟
ما البدائل التي كانت متاحة؟
لماذا استمر الاعتماد على المقاصة؟
لماذا لم يتحقق استقلال اقتصادي أكبر؟
لماذا تعذر إنهاء الانقسام؟
ما الذي جرى في مسارات التفاوض؟
وما الدروس التي يمكن استخلاصها اليوم؟
بهذه الطريقة تتحول تصريحات المسؤولين السابقين من مادة للاستهلاك الإعلامي إلى مادة للتقييم المؤسسي والتعلم السياسي.
ما بعد أوسلو: السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل
عبارة «ما بعد أوسلو» لا تكفي وحدها.
فأي تصور للمستقبل يجب أن يقدم إجابات محددة عن ستة ملفات رئيسية:
أولاً: الأمن.
ما طبيعة الترتيبات الأمنية المستقبلية، ومن يحدد نطاقها ووظيفتها؟
ثانياً: الاقتصاد.
هل يمكن استمرار العلاقة الاقتصادية بالصيغة ذاتها، أم أن هناك حاجة إلى إعادة بناء تدريجية للقدرة الاقتصادية الفلسطينية؟
ثالثاً: الجغرافيا.
ما مستقبل تقسيمات A وB وC، وما أثرها على وحدة الأرض الفلسطينية؟
رابعاً: المؤسسات.
هل تبقى السلطة في إطارها الحالي، أم يعاد تعريف وظائفها وموقعها داخل النظام السياسي؟
خامساً: الشرعية والتمثيل.
كيف يعاد بناء المؤسسات التمثيلية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وقانونية؟
سادساً: الاستراتيجية الدولية.
كيف يمكن الجمع بين المسار السياسي والدبلوماسي والقانوني الدولي، بحيث لا يبقى القانون الدولي مجرد أداة لإصدار البيانات، بل يتحول إلى جزء من استراتيجية وطنية متكاملة؟
البدائل ليست شعارات
يمكن تصور عدة مسارات للنقاش الوطني، دون افتراض مسبق لنجاح أي منها.
المسار الأول هو إصلاح السلطة، عبر إعادة بناء مؤسساتها وماليتها وتعزيز الشفافية والمساءلة وإعادة إطلاق مسار سياسي.
والمسار الثاني هو إعادة تعريف وظيفة السلطة وعلاقتها بمنظمة التحرير، بحيث تصبح الوظائف المؤسسية أكثر وضوحاً وتوازناً.
والمسار الثالث هو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من خلال إصلاح المؤسسات التمثيلية وتطوير آليات الشرعية والمساءلة ومعالجة الانقسام.
والمسار الرابع هو تعزيز المسار القانوني والدولي وربطه بملفات الاستيطان والضم والتهجير وتقرير المصير.
أما المسار الأكثر تركيباً فيتمثل في الجمع بين الإصلاح الداخلي وإعادة البناء الاقتصادي والمؤسسي، بالتوازي مع استراتيجية سياسية وقانونية ودبلوماسية متكاملة.
والأهم أن أي مسار لن يكون قابلاً للاستمرار إذا بقي مجرد شعار سياسي بلا مؤسسات وأدوات وموارد وخطة تنفيذ.
المطلوب: مراجعة وطنية لا مجرد خطاب سياسي
إذا كانت تصريحات اشتية نقطة انطلاق، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون مراجعة وطنية مؤسسية لا مجرد سجال إعلامي.
وهذه المراجعة يمكن أن تتضمن:
1. لجنة وطنية مستقلة لمراجعة تجربة أوسلو
تضم خبراء في القانون الدولي والاقتصاد والسياسة والتفاوض، وتقدم تقييماً موثقاً لما نفذ وما لم ينفذ وما بقي من التزامات وترتيبات.
2. مراجعة شاملة للمالية العامة
بهدف تقليل هشاشة النظام المالي أمام احتجاز المقاصة أو تقلب المساعدات الخارجية.
3. قاعدة بيانات وطنية للتغيرات الجغرافية
توثق بصورة دقيقة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والهدم والتهجير وتغيرات السيطرة على الأرض منذ عام 1993.
4. مراجعة سياسية ودستورية
لتحديد العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والحكومة والرئاسة والفصائل، ومنع استمرار التداخل المؤسسي الذي يضعف المساءلة.
5. إعادة بناء الشرعية
من خلال آليات تمثيلية وديمقراطية واضحة، بما في ذلك الانتخابات عندما تسمح الظروف القانونية والسياسية والأمنية.
6. استراتيجية قانونية دولية متكاملة
تحول الوثائق والأدلة المتعلقة بالاستيطان والضم والتهجير إلى ملفات قانونية وسياسية مترابطة أمام المؤسسات الدولية ذات الصلة.
الخلاصة
إن تصريحات محمد اشتية تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تحسم بمفردها الحكم على تجربة أوسلو، وإنما لأنها تصدر عن شخصية شاركت في مراحل من التفاوض وبناء المؤسسات وإدارة السلطة، ثم أصبحت تنظر إلى التجربة من موقع سياسي مختلف.
لكن القيمة الحقيقية لهذه التصريحات تظهر عندما توضع إلى جانب الوثائق الدولية والوقائع الاقتصادية والتحولات الجغرافية والقانونية.
فالمشهد الراهن يكشف عن أزمة مركبة:
سلطة تتحمل وظائف حكومية واسعة دون امتلاك أدوات السيادة الكاملة، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات يمكن التأثير في تدفقها من خارج القرار الفلسطيني، وأرض تتعرض لتغيرات جغرافية متسارعة، ونظام سياسي يعاني أزمة في الشرعية والتمثيل والانقسام، ومسار تفاوضي لم ينجح خلال أكثر من ثلاثة عقود في الوصول إلى تسوية نهائية.
وفي المقابل، فإن هذه الحقائق لا تعفي القيادة الفلسطينية من مسؤوليتها عن الخيارات التي اتخذتها، ولا تجعل نقد الاحتلال بديلاً عن مراجعة الأداء الفلسطيني.
لقد تغيرت البيئة التي نشأ فيها نموذج أوسلو بصورة عميقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط:
هل انتهت أوسلو؟
بل:
هل يمكن الاستمرار في إدارة السلطة الفلسطينية بالوظيفة نفسها، وبالإطار الاقتصادي والسياسي والمؤسسي نفسه، بينما تغيرت الجغرافيا والقواعد القانونية والبيئة السياسية بصورة جوهرية؟
إذا كانت الإجابة تستدعي المراجعة، فإن المطلوب ليس إعلاناً سياسياً بنهاية مرحلة، وإنما إعادة بناء مشروع وطني مؤسسي يحدد وظيفة السلطة، ويعيد تنظيم العلاقة مع منظمة التحرير، ويعالج أزمة الشرعية، ويعزز الاستقلال المالي، ويحمي المؤسسات، ويستخدم أدوات القانون الدولي والدبلوماسية بصورة استراتيجية، ويضع إنهاء الاحتلال وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ضمن إطار سياسي وقانوني قابل للتنفيذ.
وهنا تحديداً تتجاوز تصريحات اشتية حدود التصريح السياسي لتصبح مدخلاً إلى سؤال وطني أوسع:
ماذا بعد المرحلة الانتقالية؟
فالقيادة السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على تشخيص الأزمة، وإنما بقدرتها على تحويل التشخيص إلى مراجعة مؤسسية، والمراجعة إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام النظام السياسي الفلسطيني بأكمله: ليس إعادة إنتاج خطاب «أوسلو» أو إعلان القطيعة معه، وإنما الإجابة القانونية والسياسية والمؤسسية عن سؤال المستقبل، في ضوء واقع فلسطيني ودولي لم يعد هو الواقع الذي أنشئت فيه تلك الترتيبات قبل أكثر من ثلاثة عقود.
المحامي علي أبوحبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة