في رحاب الفكر العربي المعاصر، يقف اسم الراحل علي زيعور شاهداً على جهد دؤوب امتد عقوداً طويلة، جمع بين التأمل الفلسفي العميق والتحليل النفسي الدقيق، وبين الانكباب على التراث والانفتاح على المعاصرة. وُلد علي زيعور عام 1937 في بلدة عربصاليم بإقليم التفاح جنوب لبنان، في بيئة ريفية شكلت جزءاً أصيلاً من تكوينه الوجداني والمعرفي. نشأ في أسرة ذات جذور عسكرية عثمانية، حيث كان والده صف ضابط في الجيش العثماني، فغرس فيه منذ الصغر حساً نقدياً تجاه الاستعمار والهيمنة الغربية، إلى جانب تعلق عميق بالقيم التقليدية والصناعات الريفية والحكايات الشعبية. هذه البيئة الأولى لم تكن مجرد خلفية جغرافية، بل صارت مختبراً حياً لدراساته اللاحقة حول القرية العربية كممثل للذات الجمعية في تحولات الحداثة. كما تلقى تعليمه الثانوي ثم انتقل إلى دار المعلمين في منتصف الخمسينيات، حيث بدأ يتبلور اهتمامه بالفلسفة والتربية. سافر بعدها إلى فرنسا، فنال شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة باريس، متأثراً بأساتذة بارزين في الفلسفة والنفسانيات. عاد إلى لبنان في مطلع السبعينيات ليصبح أستاذاً في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، حيث درّس الفلسفة وعلم النفس عقوداً، وشكل مع جيل من أساتذتها مثل موسى وهبة وجورج زيناتي نواة فلسفية مميزة. توفي في أيلول 2026 عن تسعة وثمانين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً يتجاوز الخمسين مؤلفاً، فضلاً عن ترجمات ومراجعات وإشراف أكاديمي واسع.
لم يكن علي زيعور فيلسوفاً تقليدياً ينحصر في التأمل الميتافيزيقي، ولا عالم نفس يقتصر على العيادة والمختبر. كان يقف في المنطقة الرمادية الخصبة بين الفلسفة وعلم النفس، يقرأ الإنسان في تعقيده الكلي: ما يقوله وما لا يقوله، ما يظهره وما يخفيه في لاوعيه، ما يعيشه في جسده ولغته وأحلامه وأساطيره. الإنسان عنده هو القضية المركزية، لا بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه ذاتاً متشابكة مع التاريخ والثقافة والحضارة. من هنا انطلق مشروعه الفكري الشاسع الذي يمكن تلخيصه في عنوانه الجامع: التحليل النفسي للذات العربية، مع تأسيس ما أسماه المدرسة العربية الراهنة في النفسانيات والفلسفات والإنسانيات. يبدأ المشروع من تشخيص حال الذات العربية المعاصرة. يضعها زيعور على أريكة التحليل، لا ليطبق عليها نظريات فرويد أو يونغ تطبيقاً آلياً، بل ليسائلها من داخل خبرتها الخاصة. يتفحص شخصيتها الافتراضية الجمعية، يسائل سيرة حياتها التاريخية، يكشف المكبوتات والدوافع اللاواعية، يرصد أنماط التكيف والاختلال إزاء الآخر. الذات العربية عنده ذات منجرحة قلقة متوترة، تعاني من عدم التوازن بين صورتها عن نفسها وواقعها، وبين تراثها ومتطلبات العصر. هذه الجراحات ليست مجرد أعراض فردية، بل هي بنيوية حضارية: خوف من الاندثار، عقد تاريخية طفولية، نرجسية جريحة، تذبذب بين الانبهار بالغرب والنفور منه، وبين التمسك الأصولي والحداثة السطحية.
يتفرع المشروع إلى محاور متكاملة. في محور التحليل النفسي للذات، يحلل أنماط السلوك والأساطير والرموز والأحلام. يدرس قطاع البطولة والنرجسية، وانجراحات السلوك والفكر، والكرامة الصوفية، والتصوف بوصفه تعبيراً عن حاجات نفسية عميقة. الحلم عنده ظاهرة جسدية نفسية اجتماعية تاريخية، يفسرها في ضوء التراث العربي الإسلامي وفي ضوء المسوح الميدانية المعاصرة. كذلك يهتم بالأوليائية والكرامات والتقديس الشعبي، معتبراً إياها مفاتيح لفهم اللاوعي الجمعي.
في محور الفلسفة، يسعى إلى بناء مدرسة عربية راهنة تتجاوز التقليد والتغريب معاً. يقرأ الفلسفة العربية الإسلامية قراءة موسعة تشمل العقل النظري والعقل العملي، الوجوديات والمعرفيات والقيميات. يعيد اكتشاف شخصيات مهمشة في التراث، ويحلل الأخلاق بين التراث والمعاصرة، والتدبير السياسي والاقتصادي والتربوي. الفلسفة عنده ليست ترفاً نظرياً، بل أداة للنهوض الحضاري والتنمية المستدامة، ونظر منظم في الحال والمآل للفرد والمجتمع. يدعو إلى فلسفة علمانية متغذية بالعلم، كونية مسكونية، واقعانية، تخدم الأنسنة والمعنى. كما يمتد المشروع إلى علم اجتماع التنمية وعلم نفس التحول الحضاري. يدرس حالات الانتقال من التقليدي إلى الحديث من خلال مونوغرافيا قريته عربصاليم، معتبراً إياها نموذجاً للريف العربي. يبحث في الصحة النفسية الروحية والأخلاقية والثقافية الحضارية، وفي التربية والتنمويات، وفي العلائقية بين الأنا والأنت والنحن والأنتم. يرفض التقليد الأعمى للنماذج الغربية، كما يرفض الانغلاق التراثي، داعياً إلى إعادة تأصيل العلوم الإنسانية تلبية لاحتياجات الذات العربية نفسها.
ما أضافه زيعور إلى الفكر العربي يتمثل أولاً في إدخال التحليل النفسي وتأصيله عربياً، لا بوصفه استيراداً بل بوصفه أداة لفهم الذات من داخلها. سبق كثيرين في نشر علم النفس والاختبارات الذاتية في المجلات والإذاعة اللبنانية منذ الستينيات، وألف كتباً رائدة بالعربية في مذاهب علم النفس والفلسفات النفسانية. ثانياً، جعل من الذات العربية مشروعاً معرفياً قائماً بذاته، لا مجرد موضوع للوصف الخارجي أو المقارنة. ثالثاً، دمج الفلسفة بالنفسانيات والأنثروبولوجيا والألسنية والسيميائيات، ففتح آفاقاً متعددة التخصصات نادرة في السياق العربي. رابعاً، أعاد قراءة التراث الفلسفي والتصوف الشعبي قراءة حية معاصرة، تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. خامساً، قدم تشخيصاً نقدياً للجراحات الحضارية مع اقتراح مسارات علاجية تنموية تربوية، تربط بين الصحة الفردية والصحة الجمعية.
ترك زيعور وراءه آثاراً مكتوبة غزيرة ومتنوعة: التحليل النفسي للذات العربية وأنماطها السلوكية والأسطورية، الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم، قطاع البطولة والنرجسية، انجراحات السلوك والفكر، تفسيرات الحلم وفلسفات النبوة، مذاهب علم النفس، النظريات في فلسفة الوجود والعقل والخير، ميادين العقل العملي في الفلسفة الإسلامية، الفلسفة في الهند، ميادين المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر، وغيرها عشرات العناوين التي تغطي الحلم والجسد واللغة والتربية والحضارة. كما أشرف على أبحاث وأسهم في مجلات متخصصة، وكرمته مؤسسات نفسية عربية بوصفه من الراسخين في علوم وطب النفس.
أما المتأثرون به فينقسمون إلى دوائر. في الجامعة اللبنانية تشكلت حوله مجموعة من الباحثين حاولت بناء التيار الذي دعا إليه، وإن لم يتوسع كثيراً بسبب الظروف. في الأوساط النفسية العربية، اعتبر رائداً للمدرسة النفسانية العربية، وألهم دراسات في التحليل النفسي الثقافي والاجتماعي. في الفكر الفلسفي، أثر في قراءات نقدية للعقل العربي والأخلاق والتنمية، حيث قارن بعض الباحثين مشروعه بمشروع مالك بن نبي في علم اجتماع الحضارة. كما ترك أثراً في طلاب أجيال متعاقبة شعروا بأن دروسه لم تكن تلقيناً بل ممارسة حية للنظر إلى الإنسان. امتد تأثيره إلى كتابات عن الصحة الحضارية والتحول من التقليد إلى الحداثة، وإلى اهتمام متجدد بالرموز الشعبية والأحلام في الدراسات الثقافية.
في ختام هذه المحضارة التأبينية، يتبدى علي زيعور مفكراً لم يسعَ إلى الشهرة السريعة أو التيارات الموضة، بل إلى بناء معرفة متأنية تنبثق من معاناة الذات العربية وتسعى إلى شفائها. مشروعه ليس مغلقاً على نفسه، بل مفتوح على الحوار والنقد والاستكمال. ترك وراءه دعوة مستمرة إلى قراءة الإنسان العربي في عمقه، لا في سطحه، وإلى ربط الفلسفة بالحياة، والنفس بالتاريخ، والتراث بالمستقبل. في زمن يبحث فيه الفكر العربي عن مفاتيح للنهوض، يبقى إرث زيعور منارة تشير إلى أن الشفاء يبدأ من فهم الجراح، وأن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تخدم كرامة الإنسان وصحته الحضارية. رحل علي زيعور الجسد يوم 18 سبتمبر 2026، لكن الصوت الذي قرأ الذات العربية من الداخل ما زال يتردد في صفحات كتبه وفي ضمائر من تأثروا به. فماذا ترتب عن تحليله للكرامة الصوفية؟
كاتب فلسفي