عبد الرحمن بسيسو*
موت الخيال ولا ضرورة الفن!
"العاطفة والخيال غير موجودين، وكلّ العواطف في طريقها إلى الزّوال" مراد وهبة
في سياق إجابته عن سؤال شائك ومتشابك يتأسّس على خلاصة موضوعية تقول إنّ الخيال بدا مقموعاً تماماً في تربيتنا العربية، يُوجَّهُ إلى المفكّر مراد وهبة مُسْتَوضِحَاً رأيه ورؤيته بشأن كيفية إنتاج الفنون، البسيط منها والمعقّد، في ظلّ غياب الخيال، أو بشأن إمكانية توفّر أي إمكانية أمام المجتمعات والأجيال العربية لأن تبدع أي شيء في ظلّ فقر الخيال، يشرع المفكّر الفيلسوف مراد وهبة، الذي إليه وجه السؤال، بتكثيفِ تعريفه للإبداع في عبارات موجزة تقول إنّ “الإبداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع”.
ويردف الفيلسوف قائلا “هذا التعريف فيه عنصران: عنصر الجدّة، وعنصر تغيير الواقع” ثمّ يخلص من ذلك إلى تحديد هدف الإنتاج الإبداعي، أي الإنتاج المنسوب إلى الإبداع وفق التعريف المحدّد الذي يعتمده ويتبنّاه، فيرى أنّ تغيير الواقع هو الهدف المفترض لأي إنتاج إبداعيّ، ثمّ يتساءل: عمّ إذا كان للفنون أن تسهم، بأي قدر أو قسط، في تغيّر الواقع؟ ليجيب من فوره عن سؤاله بتأكيد القول إنّ “الفنّ لا يوظّف في تغيير الواقع”، مضيفا إلى ذلك زعما مفاده أنّه حتّى في حالة قدرة الفنون على التّعبير عن الواقع فإنّها تفتقر الخيال، وذلك لأنّه لا يوجد خيال، ولأنّ الثورات ترفع الكتب الفكرية وليس اللّوحات.
ثمّ يطلعنا المفكّر الفيلسوف على معلومات ومعطيات، يبدو أنّها قد أسّست تعريفه للإبداع وأملت رأيه النّافي لأي دور يمكن للفنّ، القائم أصلا على إعمال الخيال، أن ينهض به في إثراء الحياة والحضارة الإنسانيتين، أو في تغيير الواقع القائم المرفوض وصولا إلى واقع ممكن، أو بحسب تعبيره، “واقع قادم” منشود. وهنا نقتبس كامل الفقرة التي توضّح الأمر لتنبئ بخلاصة صادمة ومتناقضة، في آن معا، مؤداها أنّه لا وجود، أبدا، لعاطفة أو خيال، وأنّ كلّ العواطف آيلة إلى زوال.
يقول مراد وهبة “تحليل الفنون عن طريق الثورة العلمية الإلكترونية يغني عن الخيال، ويثبت عدم جدواه، أعطوا لإنسان آلي مجموعة من القواعد لكتابة الشّعر، فوجدوا أنّه أنتج شعرا جيدا. قاموا بتحليل العاطفة والوصول إلى برنامج رياضي بالأرقام، العاطفة والخيال غير موجودين، كلّ العواطف في طريقها إلى الزّوال”.
هكذا وبحسم قاطع يقول الفيلسوف (!) حقيقة مطلقة أمسك بتلابيبها إذ قبض عليها في كفّه ليلقيها أمام أبصارنا وعقولنا، فيفتح عيوننا، ويزيل عن أبصارنا الخفش، كي يوقظ عقولنا من غفلتها إذ ينبئنا أن “لا وجود للخيال وأنّ العواطف جميعا في طريقها إلى الزّوال”، وأن لا ضرورة للفنّ لأنّ الفنّ لا يسهم في تغيير الواقع، أو لأنّ الإنسان الآلي كفيل بإبداعه، بإتقان لافت.
وبعيداً عن التناقضات الفادحة التي تفصح عنها، أو تنطوي عليها، تلك الأقاويل المغلوطة التي تتزيّا بقناع الفكر، والتي سيلحظ القارئ ظاهرها من فوره، وسيدرك باطنها إن هو قاربها في قراءة ثانية لا أكثر، فإننا ندرك مدى حاجة العقل العربي السّائد لتلقي صدمات ترجّ قناعاته التي تجافي العقل وتتسم برسوخ غير حميد، فتفكّكها وتستبدل بها ما يقرّه العقل إذ يؤصّله، بل إننا لنلحّ على ضرورة متابعة فعل ذلك في كلّ حيّز معرفيّ، وعبر كلّ تشكّل اجتماعيّ، وفي كلّ مجال ثقافيّ، وفي رحاب كلّ وطن، وفي أعماق وجدان كلّ إنسان، غير أنّنا، في الوقت نفسه، لا نرى في السّعي إلى صدم العقل بما يجافي العقل، أو إلى ترويع النّفس الإنسانية وتعتيم أنوارها عبر ملئها بخرافات وأساطير ومعتقدات زائفة وأيديولوجيات أصولية أو ظلامية مصطنعة من جهة ما يتقنه الأصوليون والظلاميون والتّكفيريون قاطعو الصّلة بين الأرض والسّماء، أو بمقولات زائفة وأقاويل باطله يتأبّى قبولها على العقل، ليس لكونها تجافي حقائق الواقع الموضوعي الملموس والمحسوس والمرئي والمعقول والمدرك، بل لكونها تكشف أمام العقل ضحالة مياه المستنقع الآسن الذي استنبتها فيه دعاة الفكر المقنّع باستنارة زائفة لا تبثّ من المقولات إلا ما يعتّم أنوار العقل ويجفف منابع الخيال، ليسدّ منافذ المستقبل كي يؤبّد الاستبداد، إلا مساريْن يتواكب خطو السائرين على دروبهما، والذّاهبين عبر هذه الدروب العرجاء، بوعي منهم أو من دون وعيّ، صوب مآل أخير يجمعهما معا في قاع جحيميّ، أو في سراديب قبو معتم بلا قرار.
وهل لهذا المآل أن يكون، بدوره، إلا مآلاً جحيمياً يأخذ الإنسان إلى نقيضه، والبشرية بأسرها إلى توحّش قديم وهلاك محتوم، وذلك إن عجز الإنسان الجوهريّ والبشرية الحقّة، عن سدّ منافذ كلا المسارين، وإعادة السائرين عليهما إلى رحاب العقل الحرّ، وفضاءات الإبداع الخلّاق، وسمو العواطف الإنسانية النبيلة الرّاقية، وسماوات الخيال المفتوحة على آفاق لا يكفّ مرتادوها من أحرار البشر ومبدعو الفنون جميعاً عن اكتشاف حقيقة إمعانها في وجود نبيلٍ لا يكفّ، ولن يكفّ أبدا، عن الوجود.
وإذ سيكون للكلام في هذا الشأن صلة، فإنّي لأتطلّع إلى تلقي تعقيبات القارئات والقارئين، ليتواصل الحوار في سياق يجعلنا نفكّر في المسكوت عنه، ويتيح لنا فرصة إعادة تفحّص أفكارنا وتدقيقها، بإمعان واستنارة عقلية حقّة، كي نتأكّد من حقيقتها فنتابع اعتناقها، أو ندرك زيفها فنلقي بها خارج الوجدان والعقل.
* ناقد أدبي وكاتب من فلسطين
ملاحظة: نُشر هذا المقال، لأول مرة، في صحيفة "العرب" اللندنية، بتاريخ 2015.12.12. والمقتبس من أقوال مراد وهبة، مأخوذ عن: تحرير العقل: المحرّمات الثقافية وسجون الماضي، حوار، أجرته مجلة “الجديد”، العدد الصادر في 11. 12. 2015، ص 66)
موت الخيال ولا ضرورة الفن!
"العاطفة والخيال غير موجودين، وكلّ العواطف في طريقها إلى الزّوال" مراد وهبة
في سياق إجابته عن سؤال شائك ومتشابك يتأسّس على خلاصة موضوعية تقول إنّ الخيال بدا مقموعاً تماماً في تربيتنا العربية، يُوجَّهُ إلى المفكّر مراد وهبة مُسْتَوضِحَاً رأيه ورؤيته بشأن كيفية إنتاج الفنون، البسيط منها والمعقّد، في ظلّ غياب الخيال، أو بشأن إمكانية توفّر أي إمكانية أمام المجتمعات والأجيال العربية لأن تبدع أي شيء في ظلّ فقر الخيال، يشرع المفكّر الفيلسوف مراد وهبة، الذي إليه وجه السؤال، بتكثيفِ تعريفه للإبداع في عبارات موجزة تقول إنّ “الإبداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع”.
ويردف الفيلسوف قائلا “هذا التعريف فيه عنصران: عنصر الجدّة، وعنصر تغيير الواقع” ثمّ يخلص من ذلك إلى تحديد هدف الإنتاج الإبداعي، أي الإنتاج المنسوب إلى الإبداع وفق التعريف المحدّد الذي يعتمده ويتبنّاه، فيرى أنّ تغيير الواقع هو الهدف المفترض لأي إنتاج إبداعيّ، ثمّ يتساءل: عمّ إذا كان للفنون أن تسهم، بأي قدر أو قسط، في تغيّر الواقع؟ ليجيب من فوره عن سؤاله بتأكيد القول إنّ “الفنّ لا يوظّف في تغيير الواقع”، مضيفا إلى ذلك زعما مفاده أنّه حتّى في حالة قدرة الفنون على التّعبير عن الواقع فإنّها تفتقر الخيال، وذلك لأنّه لا يوجد خيال، ولأنّ الثورات ترفع الكتب الفكرية وليس اللّوحات.
ثمّ يطلعنا المفكّر الفيلسوف على معلومات ومعطيات، يبدو أنّها قد أسّست تعريفه للإبداع وأملت رأيه النّافي لأي دور يمكن للفنّ، القائم أصلا على إعمال الخيال، أن ينهض به في إثراء الحياة والحضارة الإنسانيتين، أو في تغيير الواقع القائم المرفوض وصولا إلى واقع ممكن، أو بحسب تعبيره، “واقع قادم” منشود. وهنا نقتبس كامل الفقرة التي توضّح الأمر لتنبئ بخلاصة صادمة ومتناقضة، في آن معا، مؤداها أنّه لا وجود، أبدا، لعاطفة أو خيال، وأنّ كلّ العواطف آيلة إلى زوال.
يقول مراد وهبة “تحليل الفنون عن طريق الثورة العلمية الإلكترونية يغني عن الخيال، ويثبت عدم جدواه، أعطوا لإنسان آلي مجموعة من القواعد لكتابة الشّعر، فوجدوا أنّه أنتج شعرا جيدا. قاموا بتحليل العاطفة والوصول إلى برنامج رياضي بالأرقام، العاطفة والخيال غير موجودين، كلّ العواطف في طريقها إلى الزّوال”.
هكذا وبحسم قاطع يقول الفيلسوف (!) حقيقة مطلقة أمسك بتلابيبها إذ قبض عليها في كفّه ليلقيها أمام أبصارنا وعقولنا، فيفتح عيوننا، ويزيل عن أبصارنا الخفش، كي يوقظ عقولنا من غفلتها إذ ينبئنا أن “لا وجود للخيال وأنّ العواطف جميعا في طريقها إلى الزّوال”، وأن لا ضرورة للفنّ لأنّ الفنّ لا يسهم في تغيير الواقع، أو لأنّ الإنسان الآلي كفيل بإبداعه، بإتقان لافت.
وبعيداً عن التناقضات الفادحة التي تفصح عنها، أو تنطوي عليها، تلك الأقاويل المغلوطة التي تتزيّا بقناع الفكر، والتي سيلحظ القارئ ظاهرها من فوره، وسيدرك باطنها إن هو قاربها في قراءة ثانية لا أكثر، فإننا ندرك مدى حاجة العقل العربي السّائد لتلقي صدمات ترجّ قناعاته التي تجافي العقل وتتسم برسوخ غير حميد، فتفكّكها وتستبدل بها ما يقرّه العقل إذ يؤصّله، بل إننا لنلحّ على ضرورة متابعة فعل ذلك في كلّ حيّز معرفيّ، وعبر كلّ تشكّل اجتماعيّ، وفي كلّ مجال ثقافيّ، وفي رحاب كلّ وطن، وفي أعماق وجدان كلّ إنسان، غير أنّنا، في الوقت نفسه، لا نرى في السّعي إلى صدم العقل بما يجافي العقل، أو إلى ترويع النّفس الإنسانية وتعتيم أنوارها عبر ملئها بخرافات وأساطير ومعتقدات زائفة وأيديولوجيات أصولية أو ظلامية مصطنعة من جهة ما يتقنه الأصوليون والظلاميون والتّكفيريون قاطعو الصّلة بين الأرض والسّماء، أو بمقولات زائفة وأقاويل باطله يتأبّى قبولها على العقل، ليس لكونها تجافي حقائق الواقع الموضوعي الملموس والمحسوس والمرئي والمعقول والمدرك، بل لكونها تكشف أمام العقل ضحالة مياه المستنقع الآسن الذي استنبتها فيه دعاة الفكر المقنّع باستنارة زائفة لا تبثّ من المقولات إلا ما يعتّم أنوار العقل ويجفف منابع الخيال، ليسدّ منافذ المستقبل كي يؤبّد الاستبداد، إلا مساريْن يتواكب خطو السائرين على دروبهما، والذّاهبين عبر هذه الدروب العرجاء، بوعي منهم أو من دون وعيّ، صوب مآل أخير يجمعهما معا في قاع جحيميّ، أو في سراديب قبو معتم بلا قرار.
وهل لهذا المآل أن يكون، بدوره، إلا مآلاً جحيمياً يأخذ الإنسان إلى نقيضه، والبشرية بأسرها إلى توحّش قديم وهلاك محتوم، وذلك إن عجز الإنسان الجوهريّ والبشرية الحقّة، عن سدّ منافذ كلا المسارين، وإعادة السائرين عليهما إلى رحاب العقل الحرّ، وفضاءات الإبداع الخلّاق، وسمو العواطف الإنسانية النبيلة الرّاقية، وسماوات الخيال المفتوحة على آفاق لا يكفّ مرتادوها من أحرار البشر ومبدعو الفنون جميعاً عن اكتشاف حقيقة إمعانها في وجود نبيلٍ لا يكفّ، ولن يكفّ أبدا، عن الوجود.
وإذ سيكون للكلام في هذا الشأن صلة، فإنّي لأتطلّع إلى تلقي تعقيبات القارئات والقارئين، ليتواصل الحوار في سياق يجعلنا نفكّر في المسكوت عنه، ويتيح لنا فرصة إعادة تفحّص أفكارنا وتدقيقها، بإمعان واستنارة عقلية حقّة، كي نتأكّد من حقيقتها فنتابع اعتناقها، أو ندرك زيفها فنلقي بها خارج الوجدان والعقل.
* ناقد أدبي وكاتب من فلسطين
ملاحظة: نُشر هذا المقال، لأول مرة، في صحيفة "العرب" اللندنية، بتاريخ 2015.12.12. والمقتبس من أقوال مراد وهبة، مأخوذ عن: تحرير العقل: المحرّمات الثقافية وسجون الماضي، حوار، أجرته مجلة “الجديد”، العدد الصادر في 11. 12. 2015، ص 66)