حزين عمر - تشكيليون ..لكن أدباء !! "المهدي" ..يوظف الخيال لمعالجة الواقع

كثيرا ما يرتبط الفن التشكيلي بالإبداع الأدبي .. وبعض المبدعين يتحققون وتزدهر مواهبهم في المجالين بالقدر نفسه .. وهذا ماهنالك مبدعون حائرون مترددون بين أجناس شتى ..يراهم الفنانون أدباء ويراهم الأدباء فنانين ..ولا يستقر لهم قرار : ما بين الشعر والرواية والمسرح والفن التشكيلي والسينما والموسيقى..وهم تجسيد لفكرة "تراسل الفنون" التي تعد أساسا متينا للتجديد في عصرنا الراهن ؛ كما أنهم يسيرون على درب الأقدمين في موسوعية الثقافة والتعبير ..فترى جل هؤلاء الأقدمين شاعرا وناقدا ومؤرخا و موسيقيا ورياضيا وفلكيا !! ..وربما تبدو المثلبة الوحيدة لدى بعضهم أنهم "غير متحققين" في أي من هذه الأجناس الأدبية والفنية ..فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ..كما يقال !!
لكن بعضهم الآخر نقش بصمته في كل درب شقه ..ولننظر إلى جيلين من هؤلاء المبدعين الشموليين لنطلع على نبوغهم هذا .. جيل قد رحل وجيل يعيش بيننا الآن .
النوابغ
ثلاثة من هؤلاء الراحلين مثلا .. هم التشكيليون الأدباء أو الأدباء التشكيليون : أحمد طوغان وصلاح جاهين عزالدين نجيب.. نوابغ في كل ما خاضوا من تجارب الإبداع التشكيلي والأدبي ..فطوغان - وقد تزاملنا في جريدة الجمهورية - يعد رمزا من رموز فن الكاريكاتير وهو كاتب مجيد كذلك وصحفي صاحب مغامرات كبرى ؛ منها سفره إلى الجزائر في أثناء ثورتها ؛ وقتاله مع الثوار ضد الاحتلال الفرنسي .. وعاد بعد مدة ليسرد وقائع ويوميات القتال ؛ بجريدة الجمهورية. هذا غير قتاله بالريشة فضحا للاستعمار ولكل أشكال العدوان علينا كمصريين وكعرب.
أما صلاح جاهين؛ فهو الأشهر من بين هؤلاء الرواد الثلاثة ..لا يتقدم على طوغان كرسام كاريكاتير؛ لكنه حظي بشهرة أوسع كشاعر عامية وكاتب أغان وأحيانا كممثل !! وربما طغى كونه شاعرا على صفته كفنان تشكيلي ..
ومن هذا الجيل يقف عزالدين نجيب متفردا بعدة أمور ..فهو رسام وناقد تشكيلي مهم جدا ؛ لا يقل عن صدقي الجباخنجي وصبحي الشاروني وهو ناقد أدبي كذلك وكاتب نقالة أدبية ؛ ورائد ثقافي مهم كأحد المؤسسين للثقافة الجماهيرية ..وربما تساوى حجمه أديبا مع حجمه تشكيليا.
أما جيل الأبناء - إبداعيا - لهذا الثلاثي فيمثله الفنانون الأدباء أو الأدباء الفنانون :عبدالرازق عكاشة و عماد جمعة ومريم الشناصي وإيمان مهران وماجدة جبر.. فكل منهم يمتلك رصيدا معتبرا من الإبداع التشكيلي ؛ وربما التأريخ والنقد الفني والعمل الأكاديمي ..وفي ساحة الأدب لا يقل رصيده عن الساحة التشكيلية ؛ ما بين الشعر والرواية والنقد والتأريخ . . في الرواية والقصة: عبدالرازق عكاشة ود.مريم الشناصي ..وفي الشعر : ماجدة جبر ..وفي المقال والتأريخ الأدبي : د.إيمان مهران وعماد جمعة.
بين التجريد والواقع
وفي هذا السياق : الأدبي التشكيلي يشق محمد مهدي المهدي طريقا خاصا لنفسه ؛ بحكم تجربته الحياتية والثقافية المغايرة ..فهو في بداياته رجل عسكري ؛ وقد أدى مهمته في مجاله ذاك ؛ ثم انحاز للفن وأخلص له ؛ حتى أنجز ٢٥٧ لوحة تشكيلية ؛ وشارك في ٥٠ معرضا بمصر والسعودية وامريكا وانجلترا ..وغيرها .
ويتحرك المهدي في إبداعه التشكيلي بحرية ؛ غير خاضع ؛ وربما غير معني باتجاه أو مذهب بعينه .. فهو يطوف بالواقعية - التي يبدو أنه بدأ إنتاجه بها - ثم يعرج على السريالية ؛ ثم يتوقف كثيرا عند التجريدية ..وهو في كل الأحوال يضع عينه على الواقع ؛ ويحاول التمرد عليه أو إعادة تشكيله عبر الخيال و الألوان والظلال . فتمرده على الواقع أو عدم رضاه عنه لا يأخذ شكلا تصادميا بل سلسا رومانسبا ناعما .. فالفن في كل أحواله جمال وليس صدامات عنيفة صارخة..
وفي سياق رؤيته هذه ؛ واتساقا كذلك مع رغبته في التعبير بكل الأدوات الفنية ؛ يبدع المهدي روايته :(الخاتم المعجزة) بما تحمل من تأثر أو تناص مع تراثنا الأدبي العربي كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ..ومع لغة سهلة وأحداث تبدو تلقائية ينقل لنا الكاتب رسالته بأن تحقيق المعجزات يعود لإرادتنا نحن وليس لعالم خيالي خارج أنفسنا .. وعلى مستوى الشكل تبدو الرواية - سريعة الوقع - كما لو كانت لوحة سريالية تغلب عليها الألوان الفاتحة الهادئة المريحة ..
ومازال سحر التعبير قسمة بين الأدب والتشكيل ..وإن رأينا أعظم التشكيليين من كانوا أدباء ؛ أو تأثروا بالأدب ؛ أو مروا من دروبه السحرية !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى