أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٦ أيلول من كل عام

١
تقاليد جامعية :

في قسم اللغة العربية حبث أدرس حصل أكثر من عضو هيأة تدريس على رتبة بروفيسور وأنهى كثير منهم عمله لبلوغه سن 65 .
لم يعقد لأي منهم مؤتمر تكريم ، ولم يصدر أيضا لأي منهم أي كتاب تكريمي .
أحيانا أتساءل عن السبب . أهو عدم وجود تقاليد جامعية ؟
ألهذا مثلا لم تحترم إدارة الجامعة من هم برتبة أستاذ ، فرفعت عبئهم التدريسي ؟
أهو عقوق الزملاء ، فلم يقدروا زملاءهم وتخلصوا منهم ، فقد كانوا عبئا عليهم ؟
أم أن النتاج العلمي للأساتذة هزيل وبائس ولا يستحق عقد مؤتمر له أو إصدار كتاب تكريمي ؟
أم الأمر يعود إلى هذه العوامل معا ؟
صباح الخير
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
حنظلة
٢٠١٣

٢
هذا الصباح تذكرت صديقي الشاعر علي الخليلي :

كنت أصغي إلى محطة أجيال وهي تحكي عما فعله مدير مدرسة بطالب فقير لم يدفع أربعين شيكلا للمدرسة .
عرفت أن الطالب أخ لثلاثة وتقيم أسرته في بيت بائس في البلدة القديمة .
في الفجر في 70 ق 20 نشرت مقالة عن ديوان علي " الضحك من رجوم الدمامة " نعته فيه بأنه شاعر الأزقة والفقراء ، لأنه كتب عن أزقة نابلس وفقرائها .
هناك فقراء كثر في فلسطين .
أين هي الشركات والبنوك التي تحقق أرباحا بالملايين ، كما أقرأ في الجرائد ؟
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
. حنظلة

٣
حيرة :
هل أنت مع المقاومة ؟ مع قتل الجندي في الخليل ؟
الخليل تحاصر لهذا .
هل ما أقدم عليه ( غولدشتاين )1994
كان رد فعل لقتل جندي ؟
لو. لم يقاوم المقاومون هل كان الاسرائيليون
سيتركوننا نحيا بهدوء ؟
هذا الصباح أتذكر بيت ابراهيم طوقان :
أجلاء عن البلاد تريدون / ام سحقنا والإزالة "
يريدوننا أن نجلو ، فإن لم نجل ف " سحقنا والإزالة "
حنظلة
٢٠١٣

٤
يجب الدفاع عن الغلط :

من الغلط أصلا ؟ نحن أم دولة اسرائيل .
الحكايات تروى الآن عما جرى في قلقيلية .
تروى عن قتل جندي اسرائيلي أو مشروع جندي .
أحسن الإسرائيلي للفلسطيني ، فاستدزج الأخير الأول وقتله .
" نحن بدو " علق استاذ التاريخ .
هل نحن بدو وهمج ؟
اليهود أسسوا دولتهم على أنقاض شعبناوطردونا وقتلونا في دير ياسين ؟
من الغلط فينا ؟
نحن أم هم ؟
الحكاية تحتاج الى تفكير وكتابة مفصلة.
أليس كذلك يا سامية ؟
أنا مربك محتار .

٥
في الحافلة استدرجت العامل لأصغي منه للحكاية وتحملت فضوله وسوء تصرفه .
أريد أن أستمع إلى الحكاية من غير طرف .
الأب الفلسطيني يتبرأ من ابنه، لأنه قتل الجندي .
حياتنا لوحة سريالية والله . كل ما فيها سريالي . لا بد من أن أكتب دفتر الاحد في
الأيام في الموضوع .
لعلني أوفق .
النظر لا يساعدني ، فالهاتف الجهاز صغير ومزعج .
حنظلة

٦
كان في ذهني أن أكتب عن رسالةالدكتوراة الخاصة بجهينة الخطيب .
في محاضرة الأدب الفلسطيني جاءتني فكرة جديدة هي أن أسائل الفكرة الصهيونية حول أحقية اليهود بفلسطين وعدم جدارتنا بها .
في منتصف النهار قررت أن أكتب عن اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير .
ما شاء الله ! ما شاء الله !
ولقدكتبت ، فهل كانت كتابتي ساخرة أم جادة.
الأمر متروك للقراء .
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
حنظلة

٧
اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير :

ما إن انتهيت من كتابة مقال الأحد حتى خرجت اتمشى ليلا كي أحرق بعض السكر في دمي . قررت أن أشتري( ايريال ) للغسيل وهكذا تجاذبت أطراف الحديث مع البائع وجاره العامل ، وأتينا على مقتل اليهودي الطيب .
هل عرض الجندي على الفلسطيني العمل مع المخابرات ؟
هذه رواية بعضهم يرددها .
علينا أن نتريث قبل أن نتبرأ من الفلسطئني الشرير .
هل هذه تتمة لمقال الأحد ؟ ربما !
المقال أنجز على أية حال ...
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
حنظلة

٨
هل حقا منح الجندي القتيل العامل الفلسطيني الشرير تصريح عمل عليه علامات استفهام ؟ وهل طلب منه أشياء وأشياء ؟
لأول مرة أسمع عن تصريح أصفار يعطى للمتعاونين ؟
تصريح صفر صفر .
حكايات عجيبة في وضعنا السيريالي .
الفلسطيني شرير واليهودي طيب .
ما شاء الله ! ما شاء الله !
حكايتنا حكاية بلا بداية وبلا نهاية .
حنظلة

٩
عمال الدأخل وماجرى في قلقيلية :

ماذا يقول عمالنا في الدأخل عن قتل الجندي ؟
هل ألحقت العملية ضررا بهم ؟
لماذا لا يستاء يهود الداخل مما يفعله المستوطنون بأهل الضفة أم أنه يجوز قتل الفلسطينين لأنهم كلهم أشرار ولأن دمهم ليس دما يهوديا ؟
العمال يبحثون عن خبزهم اليومي ومن حقهم هذا ، ولكن ...
كل شيء في فلسطين سيريالي . كل شيء عجيب غريب ..
والحكاية تتكرر .
هل تذكرون رواية سحر خليفة "الصبار" وقصة غريب عسقلاني " الجوع " ؟.
حنظلة

١٠
( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٤ )

خسارات القصة والرواية الفلسطينية :
في وداع رشاد أبو شاور

في الثامن والعشرين من أيلول الماضي فارقنا الروائي رشاد ابوشاور ، كأنما أصر أن يودع الحياة في اليوم نفسه الذي ارتقى فيه الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أحبه وظل يكتب عنه في ذكرى رحيله ، وكأنما أراد أيضا أن يفارق في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه السيد حس. ن نص .ر االله ، وكان رشاد في مقالاته من المدافعين عن نهجه ؛ نهج المقاومة ، بقوة . وأنا لا أعرف أديبا فلسطينيا مقيما في العالم العربي أفصح بوضوح عن مواقفه السياسية ، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، كرشاد الذي أقام في العقدين الأخيرين في الأردن .
ربما لا تتجاوز لقاءاتي برشاد عدد أصابع اليد الواحدة أغلبها في عمان في مكتبة دار الشروق ، ومرة واحدة التقينا ، بعد مجيء السلطة الفلسطينية ، في مدينة نابلس على هامش مناسبة أدبية أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية . ولكني عرفت رشاد أديبا منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين ، فقد قرأت بعض قصصه القصيرة وروايته " العشاق " وقصصه الطويلة الأقرب إلى النوفيلا وهي " أيام الحب والموت " و " البكاء على صدر الحبيب " و " أرض العسل " و " شبابيك زينب " . وغالبا ما كنت آتي على ذكر أعماله في كتاباتي عن موضوعات وظواهر في الأدب الفلسطيني . وفي العقدين الأخيرين ، وبعد التعرف إليه قرأت رواياته الأربعة الأخيرة وكتبت عنها . " سأرى بعينيك يا حبيبي " ( ٢١٠٢ ) و " وداعا يا زكرين " ( ٢٠١٦ ) وليالي الحب والبوم " ( ٢٠١٨ ) و" ترويض النسر " ( ٢٠١٩ ) .
وربما يكون قراء الأرض المحتلة عرفوه من خلال روايته " العشاق " التي أعادت وزارة الثقافة الفلسطينية طباعتها ، وربما لم يقرأ له غيرها ، هنا في الأرض المحتلة ١٩٤٨ و ١٩٦٧ ، إلا الأدباء والنقاد ، ولذلك لم اتفاجأ مما قالته لي أمل نمر مرقص في مقابلة أجرتها معي مؤخرا لبرنامجها " أثير الأمل " ، بعد وفاة الكاتب ، عن عدم انتشار اسمه بين القراء . فرشاد لم تعد طباعة أعماله هنا ، ولم يشارك هنا كثيرا في المؤتمرات الأدبية والندوات ، ولم يكتب عمودا ثابتا في الصحف الصادرة في فلسطين التاريخية . Amal Nimer Murkus
غالبا ما كنت أتذكر رشاد ونصوصه في كتاباتي التي تعالج موضوعا محددا في الأدب الفلسطيني أو ظاهرة فنية ما ، كأن أكتب عن اليهود أو المخيم أو استحضار الماضي أو ظاهرة النقد السياسي في الأدب الفلسطيني أو الروح المرحة في الرواية الفلسطينية .
كانت " أرض العسل " مهمة لي وأنا أكتب عن اليهود ، وكانت " العشاق " تحضر باستمرار كلما أتيت على المخيم ، أما " أيام الحب والموت " فغالبا ما أشرت إليها أنها الأولى في الكتابة عن مجزرة الدوايمة في العام ١٩٤٨ ، بل وغالبا ما رددت أن كاتبها سبق المؤرخين الإسرائيليين الجدد في الكتابة عن المجزرة المنسية ، وأما " البكاء على صدر الحبيب " فغالبا ما أشير إليها كلما تحدثت أو كتبت عن ظاهرة النقد السياسي الذاتي للثورة الفلسطينية ، وكانت هذه القصة من أبكر القصص التي انتقد فيها كاتب فلسطيني نهج الثورة ، وإذ التفت مرة إلى الروح المرحة في حياة الفلسطينيين ، وندرة حضورها في أدبياتنا ، لم أغفل الإشارة إلى رشاد إلى جانب توفيق زياد وإميل حبيبي .
وغالبا ما أتيت على ذكر قصته الطويلة " شبابيك زينب " التي كتب فيها عن مدينة نابلس في الانتفاضة الأولى ، مقارنا الكتابة عن المدينة المذكورة في روايات سحر ابنتها ورشاد الذي لم يكن زارها .
والتفت إلى رشاد روائيا أكثر من التفاتي إليه كاتب قصة قصيرة ، علما بأنه عرف كاتب قصة أكثر مما عرف روائيا .
في السنوات العشرة الأخيرة قرأت رواياته الأربعة والتفت إليها وكانت موضع أسئلة عديدة أثرتها شغلت ذهني في الكتابة النقدية .
لم يكتب رشاد في أكثر كتاباته عن طفولته ، وفي القصتين اللتين استحضر فيهما التاريخ ، وهما " أرض العسل " و " أيام الحب والموت " كتب عن أحداث وأمكنة لم يرها ولم يكن شاهدا عليها . وهو ما اختلف في باقي أعماله كلها ، فالمبكرة منها مثل " العشاق " و " البكاء على صدر الحبيب " كتب عن بيئته وتجاربه التي عاشها ؛ عن مخيمات أريحا التي عاش فيها وكان قريبا منها ، وعن تجربته في الثورة في المنفى ، وواصل هذا فيما كتبه بعد الخروج من بيروت ، في " آه يا بيروت " و" الرب لم يسترح في اليوم السابع " .
في " وداعا يا زكرين " و " ليالي الحب والبوم " استرجع رشاد حياة القرية زكرين التي ولد فيها في العام ١٩٤٢ وغادرها في عام النكبة ١٩٤٨ ، وفي الثانية واصل الكتابة عن اللجوء إلى الخليل فمخيمات بيت لحم وأريحا وكتب عن حياته وحياة والده فيها حتى العام ١٩٦٧ . إن الروايتين أقرب إلى السيرة الروائية لفترة من حياته وحياة والده وأسرته .
أما روايتاه " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " فتتطابق فيهما أزمنة السرد الثلاثة ؛ زمن الكتابة وزمن السرد والزمن الروائي ، ويكتب فيهما عن ثنائيات البداوة والمدنية وزحف العاصمة نحو البادية واختلاط القيم وتضاربها ، والسلطة والمثقف الكاتب المعارض الذي يقتل بسبب مقالاته ، ثم محاولات الشركات رشوة صاحب الضمير وترويضه دون أن تنجح مع قليلين في ذلك .
والروايتان المشار إليهما تثيران أسئلة حول لجوء الكاتب في شرق المتوسط للتعميم وعدم التحديد تحسبا لردة فعل السلطة تجاهه ، وهذا عموما ما تجادلت ورشاد حوله .
في السنوات الأخيرة من حياته عاد رشاد إلى طفولته ليكتب عنها قصصا قصيرة وردت في " وداعا يا زكرين " و " أيام الحب والموت " ، وغالبا ما عقبت عليها بعبارة " وردت هذه القصة في رواية ... .
برحيل رشاد أبو شاور تكون الرواية والقصة القصيرة الفلسطينية خسرت علما مهما من أعلامها وعلاماتها .

( الثلاثاء ٨ / ١٠ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٤ )

١١
الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه :

كثير من رسائل الماجستير التي تناقش ضعيفة جدا ، ولا يتحمل الطالب وحده المسؤولية ، فللمشرف دور مهم في توجيه الطالب وعلى المشرف أن يتابع كل صغيرة وكبيرة في رسالة الطالب . ويأتي بعد ذلك دور المناقشين ويفترص أن يكونوا ملمين بالموضوع .
للأسف فإن أكثر المشرفين ليس لديهم الوقت لمتابعة الطالب ، ويعود هذا إلى أسباب عديدة منها :
- تدريس المشرف ساعات إضافية كثيرة
- عمل كثير من المشرفين مدرسين في جامعات ومعاهد أخرى
- غالبا ما يتم اختيار مناقشين ليس لهم بموضوع الرسالة صلة ، تلافيا لمشاكل قد تدين المشرف .
- ضعف المشرفين علميا فأبحاثهم التي كتبوها ركيكة وهزيلة وغالبا ما تكون تلخيصا لكتب يتلافى أصحاب الأبحاث ذكرها، وغالبا ما تقيم هذه الأبحاث من مقيمين ضعاف علميا .
أكثر أساتذة الجامعات الذين أعرفهم يدرسون ساعات إضافية ويعملون في أكثر من جامعة.
بعين الله.
26 أيلول 2019

١٢
مذكرات حمامة :

في 1943 كتب اسحق موسى الحسيني روايته الوحيدة "مذكرات دجاجة" ، وفيما بعد كتب عبد الرحمن عباد روايته "مذكرات خروف" فهل سأكتب أنا " مذكرات حمامة " ؟
طبعا سيذهب كثيرون إلى البحث عن معنى الدال ، وسوف أمر بما مر به الحسيني :
- هل الرواية رمزية؟ولربما أقول ما قاله اسحق موسى الذي لم يرق له تأويل فاروق وادي فادعى أن الرواية تخلو من أي بعد رمزي . والحمامة ومدلولاتها تساعدني على فهم أشعار درويش ولغته الآيحائية المجازية حيث الدال له مدلولات عديدة .
لكني أنتظر بلوغ ال 65 عاما حتى أشرع في كتابة الرواية حتى لا تتكرر معي تجربة نص " ليل الضفة الطويل " حيث شكلت لي لجنة تحقيق وحيث كادوا يضربونني ليلا عند عيون الحرامية . إن ضربت في 2019 فآمل أن تكون الضربة القاضية حتى أستريح من أوجاع الشيخوخة .
الحمامة هي حمامة أبي فراس وهي الحمامة التي بحثت عنها مفاوضتنا في مدريد ، فقد شاعت نكتة عن سبب اختفاء المفاوضة لفترة :
- " إنها تبحث عن حمامة السلام " ،
وهي الحمامة التي قطشت في طفولتنا ... الخ
بقي أن يفكر فلسطيني رابع في كتابة رواية عنوانها " مذكرات عصفور " والعصفور في ثقافتنا له مدلولات متعددة ، وهناك عصفور مالك النابلسي في " نابلسيات " حيث كان يذهب طفلا مع أمه إلى الحمام ، وعصفور السجن وعصفور أغنية مارسيل: "عصفور طل من الشباك " .
الآن بدأت أفهم لغة المجاز في أشعار محمود درويش .

١٣
في الذكرى الاولى لرحيل الشاعر على الخليلي :

هذه الأيام تصادف الذكرى الأولى لرحيل الشاعر على الخليلي .
مر عام مرا سريعا .
من يذكر الآن أبا سري ؟
ومن سيكتب في ذكراه؟
أعيدت طباعة أعماله الكاملة وصدرت عن بيت الشعر ، وكأنها لم تصدر . مرت هكذا حتى دون مراجعة لافتة في صحافتنا المحلية ، فأنا أتابع الأيام الثقافية ، وغالبا " الحياة الجديدة " .
أسهم أبو سري في حياتنا الثقافية ، ولكنه لم يحظ بمراجعات وكتابات تعطيه حقه .
أمس بدأت أفكر في كتابة مقالة عن( رونالدو ) و ( ميسي ) وإدارات الجامعات العربية ، ويبدو أن هناك في حركتنا الأدبية ظاهرة هذين ، وما دونهما كش ملك .
هل نحن جميعا ضحية ( رونالدو ) الفلسطيني ؟
خسرنا علي كاتب مقالة ومهتما بالتراث الشعبي ، وكنا خسرناه محررا أدبيا يهتم بالأقلام الشابة والناشئة ويقدر أصحابه من الكتاب ، وأشك في أن محررا أدبيا لأي ملحق ثقافي يقدر الأصدقاء ويحترم نتاجهم مثل علي .
كان يفترض أن أكتب مقال أول تشرين عن رحيله ، ولكن ، للأسف ، فان الجريدة ستحتجب بمناسبة عطلة عيد الأضحى المبارك . في ذكرى رحيله هذه كلمة .
٢٠١٤

١٤
زليخة و ( فالتر )
يوسف وأنا :

كلما أصغيت إلى عبد الباسط يقرأ سورة يوسف - كما في هذا الصباح - عادت بي الذاكرة إلى ( بامبرغ ) .
أتذكر السيدة ( .... ) والمكتبة والشقة والزوج الغائب . ولم أكن أعاني من عقدة أوديب وإلا ( كانت في الخامسة والاربعين تقريبا ، وتكبرني بعشر سنوات ، ومع اناقتها واهتمامها اللافت بنفسها لم أنجح في أن أكون أوديب ..... ...
من وحي تلك التجربة في 1990 استوحيت قصتي " لماذا كنت يوسف ؟ من قال إني يوسف ؟ " .
هذا الصباح تذكرت السيدة ( .... )و ( بامبرغ ) وزليخة ويوسف .و....قالت :
( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، وقال نسوة في المدينة:امرأة العزيز تراود . ....قد شغفها حبا ) .
أحيانا كثيرة يكون ( يونج ) صادقا فهو يرى أن " الآثار اﻷدبية صدى ﻷساطير قديمة تتردد في حياة البشر " . ولكن :
- لماذا كنت يوسف ؟ من قال إني كنت يوسف ؟
إن قصة ( السيدة ) - وأتيت عليها بإيجاز في " تداعيات ضمير المخاطب " - تلح علي ﻷكتبها من جديد .
هل أفلست اﻷفكار؟

١٥
ر 2012 .. جبور الدويهي .. شريد المنازل - عادل الأسطة
date:
Sun, 01/13/2013
"شريد المنازل" (2010) هي الرواية الخامسة للبناني جبور الدويهي، فقد أصدر من قبل "اعتدال الخريف" (1955) و"ريا النهر" (1998) و"عين وردة" (2002) و"مطر حزيران" (2006)، ولو لم يرشح لقائمة (بوكر) القصيرة للعام 2012 لربما ما قرأت له أو سمعت باسمه، من فضائل (بوكر) أنها تجعلنا نقرأ لروائيين عرب مختلفين لم نقرأ لهم من قبل ـ وروايته "شريد المنازل" هي الوحيدة التي لم أخصها بزاوية من زوايا "دفاتر الأيام" العام المنصرم، فلم أعثر على نسخة منها في كانون الثاني حين زرت عمان، وظل الأمر على ما هو عليه حتى حزيران 2012 حيث اقتنيت نسخة لم أقرأها إلاّ بداية هذا الشهر، وحين فرغت من قراءتها شعرت بالندم لأنني تأخرت في قراءتها.
الروايات الخمس لبوكر 2012 كانت للمصريَيْن ناصر عراق وعز الدين شكري فشير "العاطل" و"عناق عند جسر بروكلين" وللتونسي الحبيب السالمي "نساء البساتين" وللجزائري بشير مفتي "دمية النار" وللبناني ربيع جابر "دروز بلغراد" والأخيرة هي التي فازت، ولو كان الأمر عائداً لي لفوزت "شريد المنازل" بلا أدنى تفكير. عبثاً حاولت قراءة "دروز بلغراد"، وبمتعة كبيرة أقدمت على "شريد المنازل" وأنهيتها في يومين متتاليين.
كتب ناصر عراق عن مواطن مصري يعاني من أبيه يسافر إلى دبي، وأتى فشير على أستاذ تاريخ مصري أقام في أميركا ولم ترق له بلاده مصر، بل لم يرق له العرب لبؤسهم، فيما كان بطلُ الحبيب السالمي مواطناً تونسياً استقر في باريس وأخذ يزور تونس في الإجازات، وأما بشير مفتي فنقد الحكم في الجزائر وتسلط الطبقة الحاكمة، وعاد ربيع جابر إلى التاريخ، فخص روايته بالكتابة عن مواطن لبناني بسيط وجد نفسه على ظهر باخرة نيابة عن آخر، وعانى ما عانى كأنه يوسف . ث في رواية (فرانز كافكا) "المحاكمة". وسيكتب جبور الدويهي عن الحرب الأهلية اللبنانية، وهي موضوع لطالما خاض فيه الكتاب اللبنانيون، حتى أن رفيف رضا صيداوي كتب في الموضوع رسالة دكتوراه عنوانها "النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية 1975ـ1995" (دار الفارابي 2003)، وبعد كتابه الذي درس روايات كثيرة صدرت روايات عديدة عن الحرب اللبنانية منها رواية الياس خوري "يالو" وروايته ""سينالكول"" ورواية نجوى بركات "يا سلام" ورواية ربيع جابر "اعترافات" ورواية علوية صبح "مريم الحكايا". هل رواية جبور دويهي "شريد المنازل" هي آخر الروايات اللبنانية عن الحرب الأهلية؟ بالتأكيد لا، فرواية "سينالكول" أنجزت بعدها، وهي مرشحة هذا العام لقائمة (بوكر) الطويلة، وربما فازت بالجائزة! ربما!
شريد المنازل:
من هو شريد المنازل في رواية جبور الدويهي، الرواية التي يرويها راوٍ شبه كلي المعرفة، فأحياناً يبدو غير كليّ المعرفة؟ إنه نظام محمود العلمي الذي يقتل في الحرب الأهلية عن عمر يناهز الثالثة والعشرين. ونظام هو مسلم سني لوالده محمود بيت في الشام، وكان في 50 ق20 يذهب إلى حورا في لبنان، قرب طرابلس، وليصطاف، مثله مثل عشرات العرب الذين كان لبنان مصيفاً لهم. وكان سكان حورا ـ المسيحيون ـ يؤجرون المصطافين بيوتهم المعدّة لذلك، دون أن ينظروا في هويتهم الدينية، فقد كان الوطن للجميع، ولم يكن سؤال الهوية الديني يبرز كثيراً، كما أخذ يبرز منذ حادثة عين الرمانة التي فجرت الحرب الأهلية.
يرعى والد نظام محمود العلمي وزوجته صباح ابنهما نظاماً وأخته ميسلون، ولكنهما يتركانه ينفق وقتاً طويلاً في بستان توما ورخيمة مع هذين اللذين يفرحان بالطفل، فهما لا ينجبان الأطفال، وهكذا يغدوان له والدين آخرين، ومع انشغال محمود العلمي بالتجارة والتهريب والسفر والعودة إلى حمص يولى توما ورخيمة نظاماً عنايتهما، ويربيانه كما لو أنه ولدهما، ومع مرور الأيام يحرصان عليه كل الحرص حتى أنهما لا يمانعان في أن ينفقا عليه بسعة وبذخ، بل ويرضخان لمطالبه، فحين يقرر الإقامة في بيروت لدراسة الحقوق لا يمانعان شرط أن يتعمد، ويوافق هو على ذلك، ومع بداية إقامته في بيروت تبدأ الحرب الأهلية التي يقتل فيها المواطن بناء على ديانته.
"هل أنت مسلم أم مسيحي؟" سيسأل نظام هذا السؤال مراراً، وسيحتار أهله أيضاً في أمره، فأخواه التوأمان؛ خالد وبلال ـ ولم ينشأ معهما كما نشأ مع أخته ميسلون ـ حين يموت أبوهما محمود، لا يدرجان اسم أخيهما الكبير في بيان النعوة، ويفكران في حرمانه من الميراث، لظنهما أنه ما عاد مسلماً، فقد تعمّد، حين يعود إليهما ميتاً، حيث تأخذ جثته أخته ميسلون ليدفن في طرابلس، إلى جانب أبيه، يريدان إنجاز الدفن بأسرع ما يكون، فالقتيل عبء عليهما، إذ كيف سيدفنان مسيحياً في مقبرة المسلمين، وتختلف أختهما ميسلون عنهما، فهو شقيقها الذي نشأت معه قبل أن يكون مسلماً أو مسيحياً. والطريف أنها، بعد أن يصلي عليه أخواها وآخرون، تتفق مع كاسترو الذي أحبها ولم يتزوجها على أن يقل جثمانه بسيارة الإسعاف لتدفنه في حورا ببستان والده الذي تبناه: توما، هذا الذي لم ير في نظام عبئاً عليه، كما رأى أخوا نظام نظاماً عبئاً عليهما. وربما تذكر المرء وهو يقرأ الرواية حكاية سيدنا سليمان مع المرأتين؛ الأم التي أنجبت والأم التي ربت، وربما تذكر المرء مسرحية (برتولد بريخت) "دائرة الطباشير القوقازية" ورواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" ورواية ربيع جابر "اعترافات".
سيتكرر سؤال الهوية في "شريد المنازل" مراراً، وسيسأله غير واحد. أخته وأخواه والكتائبي جورج الذي كاد يقتله أيضاً، وسيكون الختان سؤال هوية أيضاً، فنظام طهر في طفولته، وظل يحمل آية الكرسي وايقونة "حبل بلاذس"، فهل هو مسلم أم مسيحي؟ (ص57/ 58/ 61/ 81/ 103/ 152ـ154/ 239/ 242/ 244/ 251)، ولقد صار عدواً مستباحاً، لا حدود له، وهذه عبارة دالة، فهو الذي انتمى إلى الجبهة الديمقراطية وتدرب في مخيم تل الزعتر قبل تدميره قتل، للامبالاته، من القوى الوطنية.
ولنظام غير اسم: نظام محمود العلمي ونانو وغافروش (105)، وسيقيم في شقة (أولغا) الروسية، الشقة التي تغدو سكناً شيوعياً لخلية فرج الله الحلو الشيوعية، حيث يقيم فيها المسلم والمسيحي واليهودي و.. و.. وحين يأخذ جورج الكتائبي منه هويته التي كانت خانة الدين فيها فارغة، حيث تعمّد توما إسقاط ديانة نظام، سيخرج له والد الرسامة جنان سالم هوية باسم جوزف صافي، وسيقتل عليها اعتقاداً من الآخرين أنه يتجسس لصالح القوات اللبنانية.
كم من منزل أقام فيه نظام الذي قتل وهو في الثالثة والعشرين من عمره، حتى يستحق لقب "شريد" المنازل؟
من الشام حيث أهل أبيه إلى بيت أبيه في الميناء في طرابلس إلى شقة الاصطياف في حورا إلى بيت توما ورخيمة إلى فندق زهرة الشمال في بيروت إلى شقة (أولغا) شقة المنارة إلى شقة/ محترف جنان سالم، والعودة إلى حورا ثم مغادرتها خوفاً من القتل لأن أهلها يعرفون أنه مسلم ولادة، إلى بيروت حيث يقتل هناك.
"شريد المنازل" إلى جانب "مريم الحكايا" و"سينالكول" و"يا سلام" روايات يرى فيها دارس الأدب دراسة اجتماعية مجالاً خصباً له، ويقرؤها قارئ الرواية الاجتماعية بمتعة، فكيف إذا كان القارئ شريد منازل أيضاً؟ "شريد المنازل" رواية تستحق أن تقرأ!!

١٦
دمية النار.. وبوكر 2012
عادل الأسطة
18 آذار 2012

"دمية النار" عنوان رواية الكاتب الجزائري بشير مفتي الذي صدرت له الروايات التالية "بخور السراب" و"أشجار القيامة" و"خرائط شهوة الليل" و"أرخبيل الذباب". وروايته "دمية النار" (2010، مرشحة لنيل جائزة (بوكر) لهذا العام، فقد حظيت بأن تكون واحدة من الروايات الست المتنافسة.
في فلسطين لم نقرأ لبشير مفتي، فلم تُعد دور نشرنا طباعة رواياته، وهو بذلك يختلف عن الطاهر وطار الذي أعيدت طباعة أعماله كلها، وعن أحلام مستغانمي التي حظيت بما حظي به وطار، وعن فضيلة الفاروق التي نشرت لها، في فلسطين، رواية واحدة هي "اكتشاف الشهوة". وإن فازت رواية بشير مفتي، هذا العام، فسوف يغدو واحداً من الأدباء الجزائريين المعروفين في فلسطين، لا لقناعة دور النشر بطروحاته، كما كان حال الطاهر وطار، وإنما لكونه فاز بـ(بوكر).

بنية الرواية:
هل تختلف "دمية النار" في أسلوبها وبنائها كثيراً عن "عزازيل" يوسف زيدان و"ترمي بشرر" عبده خال؟ هذا سؤال يخطر ببال قارئ الرواية حين ينتهي من قراءتها، وربما قال مطمئناً: لا، فالروايات الثلاث تلجأ إلى اللعب الفني، حيث المؤلف لا يفعل شيئاً تقريباً، فهو يصغي إلى غيره يقص القصة، قصة القاص / السارد، لا المؤلف طبعاً.
في "عزازيل" هناك مترجم عثر على لفائف باللغة السريانية يقوم بنقلها إلى العربية، وفي "ترمي بشرر" يتعرف الشخص الرئيس إلى الكاتب في مكان عام ويطلب منه أن يستمع إلى تجربته، فيستمع عبده خال، ثم يكتب ما استمع إليه، وفي "دمية النار" يتعرف بشير إلى "رضا شاوش" الذي يتشابه ثقافةً، وربما موقفاً سياسياً، مع بشير، ويعطيه مخطوطاً، فيقوم بشير بنشره "دون زيادة أي حرف" واكتفى بكتابة تقديم من خمس عشرة صفحة هي التي يمكن أن ينسبها إليه، أما بقية الرواية (ص23 - ص165) فهي لرضا شاوش يتركه بشير يحكي قصته كما كتبها هو، وعلى لسانه، "ومتمنياً طبعاً أن يكون الرجل على قيد الحياة، وأنه سيقرأ كتابه كما تركه لي بلا أي تغيير أو رتوش".

فما هي قصة رضا شاوش "دمية النار"؟
إنه لا يختلف إطلاقاً عن طارق في "ترمي بشرر"، ويستطيع الدارس أن يعقد موازاة بين الشخصين، منذ دخولهما القصر حتى خروجهما منه، ليلحظ أن هناك توازياً كبيراً، قد يدفع القارئ إلى التساؤل إن كان بشير تأثر بعبده خال وهو يكتب روايته، فيما يخص بناء الشخصية: نموها وتطورها ومآلها.
رضا شاوش كان يكره أباه لأنه - أي الأب - كان يدور في فلك النظام، نظام الرئيس الجزائري هواري بومدين. كان الأب مؤيداً للزعيم ومخلصاً له، فيم الابن كان كارهاً ومعارضاً، ولكنه مع مرور الأيام يغدو جزءاً من النظام ودمية له، كما كان أبوه دمية. "صرت الشر، ودمية الشر، صرت الشيطان ودمية الشيطان، صرت تلك النار اللاهبة والمستعرة، النار الجارفة والمسعورة، صرت مثل دمية النار، تحرق من يسكنها، صرت اللاشيء، والفارغ من أي معنى، والذي لن يعيش إلا عندما يقدر على مص دماء الأبرياء الذين يواجههم" (ص 119/120). كان دميتي هو الآخر، مثلما كنت دمية الآخرين" (ص148) "لكنا دمى تتحرك لغايات، وأغراض محددة، وعندما تنتهي مدة عملها، أو تهدأ أدواتها سرعان ما تستبدل بدمية أخرى، هناك المئات من ينتظرون دورهم لكي ينسفوا هذه الدمية القديمة، ويحتلوا مكانها.." (ص164).
وسيقتل رضا شاوش الرجل السمين الذي قتل والده. لماذا يقتله وهو رجل سمين وكان من الجماعة الحاكمة؟ الرجل السمين كبر في السن وبدأ يخرف، بدأ يحرك بيادقه في الشارع للثورة علينا، لا بد أنه جن، أو أنّ قرب الرحيل جعله يفكر بطريقة جنونية (ص135). صحا ضميره فجأة وما عاد صالحاً للجهاز، وسيعترف الرجل السمين لرضا، حين يذهب الأخير لتصفيته بناء على أوامر المسؤولين الأعلى منه، سيعترف له بحقيقة رجال الثورة في الجزائر:
"اليأس والإحباط هما اللذان جعلاننا نفجر الثورة وننتصر، وهما اللذان سيقلبان موازين الوضع اليوم، هم لا يسمعون، لم يعد أحد يسمع، لقد أعمتهم السلطة والقوة والمال على السماع لأي شيء، أما أنا فلقد قمت بما يجب القيام به، لقد اتصلت بمن سيفجر الأمور لاحقاً وهم يعرفون كيف سيهدمون كل شيء على رؤوس هؤلاء الأوغاد" (ص137) وسيطلق رضا شاوش رصاصة على الرجل السمين، فليس أمامه إلا أن ينفذ وإلا فسيقتل هو. إنه دمية حتى تنجو من النار لا بد من أن تطلق النار.
وكما غدا طارق في "ترمي بشرر" شخصاً بلا أخلاق، إذ ليس أمامه، إن أراد أن يبقى على قيد الحياة فاعلاً لا مفعولاً به، ترهبه أشرطة التسجيل، ليس أمامه إلا أن ينفذ ما يطلبه منه صاحب القصر وإلا.. وهكذا يتحول إلى سادي يتلذذ بتعذيب الآخرين، حتى لو اضطر، بل إنه اضطر، لممارسة الشذوذ الجنسي معهم، كما غدا طارق هكذا، فإن رضا شاوش ينحدر إلى الدرك الأسفل، فيلاحق الفتاة التي أحبها، رانية، ويغتصبها، على الرغم من أنها متزوجة، ولا يكترث لطلاقها بسببه، ولتحولها إلى عاهرة يصطادها النظام ويسخرها لخدمته. حين أحبها وهو مراهق وشى بها لأخيها، فمنعها أخوها من الذهاب إلى المدرسة ومن العمل - نتذكر فدوى طوقان وما ألم بها طفلة. لقد منعت من الذهاب إلى المدرسة بسبب وشاية، وإذا كان المنع قاد فدوى إلى عالم آخر، بسبب أخيها إبراهيم، فإن منع رانية قادها إلى التمرد، ولأن أخاها يختلف عن إبراهيم وعياً وثقافة، فقد انحرف هو وسجن، ثم تحول لاحقاً إلى متدين، ولكن أخته، في أثناء غيابه تمردت وتزوجت ولم تنج من ملاحقة الواشي ومن اغتصابه، فقد كان نذلاً.
يرى رضا أن الحب كان هزيمته المنكرة في هذه الحياة، وقد قال له عمه العربي: "انزع من قلب الإنسان الحب يقدر على ارتكاب كل شيء" (ص155)، وحين ذهبت رانية إلى شخص آخر، وكان هو ربط قلبه بها، فقد نزف دماً ولم يبرأ أبداً.. وحين غدا جزءاً من الجماعة تنعم بكل شيء إلا الحب، "لقد اخترت، وانتسبت للشر دون نقاش أو جدل، لم يدفعني لا القدر ولا الظروف، ولكن بالتأكيد لعب كل ذلك دوراً، إن الإنسان هو محصلة بيئته وتاريخه الشخصي" (156)
وسيحس فجأة بأنه ضحية مؤامرة، فقد يفعلون به ما فعلوه بالرجل السمين، وقد يرسلون له من يقتله، كما أرسلوه هو من قبل لقتل الرجل السمين، ولكنه هو لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى منزله، وكانت غرفة نومه مكانه السري وحياته الخالصة من الشوائب، ومن خلالها ينعم بلذته الصامتة في عدم التكلم مع أحد آخر غيره. وسيتذكر، وهو على هذه الحالة، والده وسيشعر بأنه ضحيته.
تنتهي الرواية بذهاب رضا إلى الأحراش لمقابلة عدنان، وسنعرف أن عدنان هذا ابن رضا من رانية، فقد حملت منه يوم اغتصبها، ولهذا طلقها زوجها علام الذي اكتشف أنه لا ينجب، فعرف بخيانتها له، وهاجر إلى الغرب، تنتهي الرواية بذهاب رضا لمقابلة ابنه عدنان الذي التحق بالجماعات الإسلامية، وسيصفي الجيش الجماعة كلها، وهكذا يظل الحاكمون حاكمين.

بشير مفتي والطاهر وطار وأحلام مستغانمي:
لو قارنّا بين بطل هذه الرواية وبعض أبطال روايات الطاهر وطار وقصصه، وبطل رواية أحلام مستغانمي "ذاكرة الجسد" وما تبعها من أجزاء، فماذا نجد؟
في رواية "الزلزال" لوطار تعلو نغمة الانتقاد للدولة. الذي ينتقد هناك هو الشيخ عبد المجيد بو الأرواح الإقطاعي ذو التفكير الديني الذي لا تروق له الاشتراكية ومَن يقوم عليها. هكذا ينقم عليها لأنها تريد مصادرة أراضيه وتوزيعها على الفقراء. كان الطاهر وطار مقرباً من الرئيس بومدين، وبالتالي فإنه قتل بو الأرواح وانحاز للثورة.
وفي رواية "ذاكرة الجسد" يغادر خالد بن طوبال الجزائر إلى فرنسا. عمل في سلك الإعلام ولكنه لاحظ الانحرافات، فآثر الاستقالة ومغادرة الجزائر، والعيش بعيداً، فالوطن الذي قاتل من أجل حريته أخذ يحفل بالانتهازيين، وهذا ما لاحظناه في قصة الطاهر وطار "الشهداء يعودون هذا الأسبوع"، وهذا ما تبدى في رواية مستغانمي من خلال شخصية الضابط الذي تزوجته حياة في الرواية.
في "دمية النار" يصل نقد نظام بومدين مداه في الرواية الجزائرية، ربما بدا وطار رؤوفاً، وبدت مستغانمي جريئة، لكن مفتي يطلق النار على النظام، من خلال شخصية رضا شاوش، علماً أن رضا غدا من زمرة النظام: "دخلت البيت، أو القصر، وأنا لا أصدق، أنني أقترب من هؤلاء الذين سمعت عنهم أكثر مما يجب من حكايات وأساطير ترعب أي مجنون فما بالك بعاقل". (ص113). هل كان عسكر الجزائر الذين حكموا هكذا؟
وسيلخص الرجل السمين - أحد رموز الحكم في الجزائر قبل اختلافه معهم - سيلخص الأمر لرضا على النحو التالي:
"لقد بدأت الأمور هكذا بعد الاستقلال، التقينا، وتحدثنا، وكانت الفكرة تأسيس جماعة في الظل تحمي البلاد وتسيّرها من خلف ستار" "- لماذا سارت الأشياء بعدها عكس ذلك، لقد حاربنا في البداية المعارضين العملاء للإمبريالية، ولكننا أصبحنا العملاء، نحن مَن يخدم مصالحهم.." (127)
هذا هو واقع الحال في الجزائر بعد الاستقلال؟ هذه رواية تغتال بومدين ميتاً!!
فهل ستحصل على الجائزة لهذا، في هذه الأيام؟

١٧
زغرودة الفنجان :التعالي على العرب واحتقارهم(4)
في روايته يبرز حسام شاهين صورة لنظرة اليهود ﻷنفسهم وللعرب.
حتى الفلسطيني المتعاون الذي يقدم للمخابرات معلومات جمة مفيدة يبقى عربيا.إنه مهم بقدر ما يقدم معلومات ومقابل هذه المعلومات يأخذ أجرة وإذا أخفق قليلا يشتم ويعود عربيا قذرا لا فائدة منه ولا يساوي شيئا،بل إنه زبالة ،مجرد زبالة.يغدو كائنا عبئا وصفرا على اليسار.
هكذا يتعامل مودي مع مازن.إن قتل يهودي وأخفق مازن في إحضار المعلومة يشتمه أودي ويتعالى عليه ،وإذا أمده بالمعلومات أمده بالمال.
المال المال المال .هذا هو الإغراء ولا يساوي العربي إلا بضع مئات من الشواكل والدولة غنية وتدفع ،وحياة اليهودي غالية وأما العربي فرخيص رخيص ولا يهتم رجل المخابرات به.رجل المخابرات يهمه عمله والدم اليهودي وإسقاط الشباب من أجل إنقاذ اليهود.والعربي الذي يقدم المعلومات يأخذ المقابل:تصريح العمل وفرصة العمل ومزيد من الإغراءات .
هذا ما تعززه رواية حسام شاهين زغرودة الفنجان.وهذه الصورة لا تختلف كثيرا عنها في اﻷدبيات الصهيونية التي كتب عنها غسان كنفاني في كتابه :في اﻷدب الصهيوني.

الصورة المظلمة:(5)

هل تعد رواية زغرودة الفنجان لحسأم شاهين نموذجا لﻷدب المظلم في اﻷدب الفلسطيني،مثل روايتي سامية عيسى ،ومن قبل مثل نصي ليل الضفة الطويل وروايتي الوطن عندما يخون؟
يخرج المرء وهو يقرأ الرواية بانطباع سلبي جدا عن المجتمع الفلسطيني.هناك مقاومون ولكن الحضور الطاغي هو للعملاء الساقطين ،وتحديدا من أبناء المخيمات ؛ذكورا وإناثا.ولا يصحو ضمير مازن إلا حين يتعرض أهل بيته للسقوط كرأفت أو التهديد بإسقاط زوجته وبناته.
كل الذين أسقطهم لم يكترث لهم ،ولكنه حين يهدد بأن النار ستحرق بيته يثور ويصحو ضميره ويقرر الانتقام والتحول والتفكير بقتل مودي -ايهود قدري-رجل الشاباك المسؤول عنه الذي أسقطه.
حين يشاهد مازن أخاه رأفت في بيت رحاب التي أسقطها مازن ،وحين يشاهد فيلما ﻷخيه وزوجته بأوضاع مشينة يتعاطيان المخدرات يهدد رحاب التي أسقطها هو وتبدأ هي بإسقاط كثيرين وكثيرات.
عالم من السقوط رغم وجود مقاومين ومقاومة وأفلام الجنس التي صور فيها اﻷفراد لا ترحم وتجعلهم يتساقطون بسرعة.والمجتمع لا يرحم ويهرب هؤلاء من الخطأ إلى الخيانة.أما كان يمكن استيعاب اﻷخطاء.؟هكذا يكون المجتمع أيضا وراء مزيد من السقوط ودفع كثيرين إليه.
هذا مجتمع هش ضعيف وهذا مجتمع يقتل أبناءه أيضا ،وكما أن من مارس الخطيئة يرتعب من صوره عاريا فإنه يرتعب من المجتمع أكثر ويغرق في الوحل أكثر وأكثر.
الرواية مظلمة وصورة الفلسطينيين فيها أيضا مظلمة على الرغم من وجود المقاومة.
كم نسبة الكتابة عن السقوط وحفلات الجنس والجواسيس قياسا للكتابة عن المقاومة ؟
وكم نسبة الكتابة عن النماذج الآيجابية قياسا للكتابة عن النماذج السلبية؟
أسئلة تخطر على البال والمرء يقرأ الرواية.
أين صورة المرأة الفلسطينية منها في رواية كنفاني أم سعد؟لكننا في زمنين مختلفين ومكانين مختلفين.

:الساقط /البطل(6)

الشخصية المحورية في رواية حسام شاهين هي مازن.غدا هذا عميلا للشاباك وقدم له معلومات جمة وأسس شبكة مخبرين ومخبرات بعد أن أسقطهم في مستنقع الرذيلة وأوقعهم في عالم الشاباك وكلهم كانوا ،في باديء اﻷمر ،ضحايا ثم غدوا كلابا ضالة تضلل الآخرين وتسقطهم وتتلذذ بإسقاطهم ورحاب غدت سادية بامتياز.امرأة متزوجة لا تنجب أسقطها مازن الذي أسقط سميرا ونادرا وسميرة أخت سمير وأرادت رحاب أن تحمي رأسها فأخذت توقع الكثيرين والكثيرات في شباك الشاباك يدفعها أحيانا حقد طبقي وهو ما دفعها لتسقط ليلى المرأة المتزوجة التي انتحرت خوفا من الفضيحة.
مازن الذي ألمت به صحوة ضمير بعد أن شاهد أخاه رأفت مع مودي ضابط المخابرات وبعد أن رأى صور أخيه وزوجة أخيه ،مازن يبدأ يبوح بقصته للفدائي عمر ويغدو عميلا مزدوجا ﻷنه يريد قتل مودي الذي أوصله والآخرين إلى هذا المستنقع من السقوط الفاضح والمذل والمهين.
يتفق مازن مع عمر على التخلص مع مودي.هل سيغدو مازن بطلا بعد كل ما ارتكب؟وهل رأس مودي رجل الشاباك يعادل كل هذا الخراب والسقوط والتدمير شبه الكلي لعائلات بأكملها؟
سيقدم مازن على قتل مودي ولسوف يقتل مازن.ولسوف ترفع صور مازن على أنه بطل.أنا شخصيا أتساءل إن كان حقا بعد كل هذا السقوط والإسقاط يعد بطلا.ربما في اﻷمر وجهات نظر.ربما.
هل علينا أن نغرق في الرذيلة والعمالة ثم نصحو؟إنها ثقافة مجتمعنا الذي يرتكب فيه كثر الموبقات ثم يصحون ويحجون في آخر أيامهم ويتقربون من الله بعد خراب البصرة.
دمر صدام حسين العراق ثم بدأ يقرأ القرآن.ربما ذكره هنا يبدو غير عادل ولكن هذا ما يحدث غالبا.والله يحب التوابين.
إن اﻷمر ليستحق الجدل.
٢٠١٥

١٨
المنهج الوضعي :

من رواد المنهج الوضعي ، بالإضافة إلى ( هيوبوليت تين ) الفرنسي ( ويلهم شيرر ) ( Wilhem Scherer ) الألماني .
( شيرر ) أخذ مقولات ( تين ) : البيئة والعصر والجنس وأوردها على النحو التالي :
المشاهد
والمعيش.
والموروث.
وكتب أيضا :
الناقد مهمته ;
الوصف
والتحليل
والمقارنة .
واتى أيضا على :
تأثير النص على القراء
و تأثيره على الكتاب اللاحقين .
من ملاحظاتي على كتاب " مدخل إلى الأدب الألماني الحديث . ".

١٩
محمود درويش وصلاح الدين الأيوبي :

" هل خر مهرك يا صلاح الدين؟
هل صار سيفك صار مارق؟
هل هوت البيارق والسيوف؟
الويل للأكراد إن قالوا.." من قصيدة لمحمود درويش كتبها في 60 ق20 وأثارت ضجة لأنه وقف إلى جانب تمردهم ضد الحكم العراقي .
لم ير الشاعر أبناء العمومة يقفون بالباع والدراع إلى جانب الأكراد ولم يشاهد احتفاء قسم من الأكراد بقيادات إسرائيلية في كركوك ولم يعرف عن تنسيق القيادات الكردية مع قيادات الدولة العبرية .
لو..
هل خر سيفك يا صلاح الدين؟
هل صار سيفك صار......صهيونيا؟
عاموس عوز له رواية عنوانها " الحروب الصليبية " يأتي فيها على مقاومة اليهود للغزاة الصليبيين .
من يدري !!
ربما حرر صلاح الدين القدس بسيف عاموس عوز لا بقلم القاضي الفاضل .
أكيد لابن عمنا مسعود البورزان رأي في غوار الطوشة ؟
- أكيد .
( ترجمت دراسة قيمة عن الألمانية للأستاذ الدكتور Werner Ende عنوانها " من هو البطل المؤمن؟ من هو الملحد؟ صورة صلاح الدين في آداب العالم الإسلامي " مجلة "الكاتب "المقدسية/آيار ١٩٩٢ )
26/ 9 /2017

٢٠
الست كورونا : مرحلة المغص المعوي والإسهال والحفاضات ( 86 )

مع حلول فصل الخريف تزداد المخاوف من ازدياد حدة جائحة الكورونا . هكذا كانت الأخبار تذكر اتكاء على توقعات بعض المختصين ، ولسوف تزداد المخاوف من الكورونا لاختلاط الأمر على الناس مع تفشي الانفلونزا في قادم الأيام :
- هل أنت مفلوز أم مكورن ؟
وصار الإعلان عن الإصابة بالكورونا عند الأفراد الواعين أمرا عاديا ومسؤولا ، حرصا على سلامة الآخرين ، فأمس أعلن الأستاذ محمد طه أنه مصاب وطلب ممن خالطه أن يفحص نفسه حرصا على سلامته .
مع ازدياد عدد الإصابات تزداد وتيرة السخرية بالكاريكاتير ، فالصديق Ghassan Saffarini - إن لم يختلط الأمر علي - أرسل إلي رسما لرجل يشد وسطه بحزام يذكر ببيت الشنفرى في لاميته :
وأطوي على الخمص الحوايا
كما انطوت خيوطة ماري تغار وتفتل "
ولكن الرجل لا يضع الحزام لشدة جوعه ، وإنما للمغص المعوي والإسهال الشديد اللذين يلمان به . صاحب الرسم يعقب على صورة الرجل قائلا إن المرحلة القادمة من الكورونا هي مرحلة الحفاضات ( البامبرز ) لا مرحلة الكمامات ، فاستعدوا لتحفضوا أنفسكم .
في الأسواق الآن ازدهرت تجارة الكمامات وصار النداء عليها وعلى بيعها بالجملة يعلو ، فلا صوت يعلو على اسم الكمامة :
- احم نفسك من الكورونا وخمسين كمامة بثمانية شواكل والكمامة بآغورة وبآغورة لا تدفع مخالفة بمائة شيكل .
هل ستزدهر صناعة الحفاضات و تنشأ مصانع جديدة لها وستغطي الأسواق ويختلف النداء :
حفض نفسك بشيكل واحم نفسك من مخالفة بألف شيكل وهل سيقتصر عدد الركاب بالحافلة الواحدة على راكب يدفع الأجرة كلها .
تخيلوا أنفسكم محفضين ، وتخيلوا موظفي المؤسسات والبنوك ، وأنتم داخلون إليها ، يسألونكم عن الحفاضة ويقيسون حالة الإسهال لديكم !!
أمس نشرت الكاتبة شوقيه عروق منصور من فلسطين ١٩٤٨ مقالا طريفا عن فحص مؤخرات المسافرين العرب في المطارات الأميركية ، فذكرتها بفحص فروج بعض النسوة وبتعرية الرجال على الجسر أيام زمان وأحلتها إلى رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ الذي أتى على الموضوع وذكر بعسكر الآبار ونساء البلغار أو العكس ، حيث كان العسكر يدخلون أشياء في فروج النساء بحثا عن ذهب مخبأ .
الله المعافي والشافي ، واللهم احم مؤخرات المسلمين من الكورونا والمتفجرات !!
٢٦ أيلول ٢٠٢٠

٢١
العرب في تالي زمانهم :

تذكرني أغنية فيروز
" مين ما كان بيتمنظر علينا "
تذكرني بشعر شعبي فلسطيني شاع في 50 ق 20 في فلسطين المحتلة عام 1948 :

" أنا في تالي زماني
صرت رمزا للهوان " .

الشعر الشعبي نظم على لسان الفلسطينيين المتعاونين .
بعد شي 30 / 40 سنة صار الشعب الفلسطيني كله في تالي زمانه .
الآن الشعب الفلسطيني كله في تالي زمانه ، بل والعرب كلهم في تالي زمانهم .
الله الباقي والساتر
26 / 9 / 2017

٢٢
زياد خداش:
هذا الصباح قرأت ما كتبه زياد خداش عن الحب والمرأة.
هل راق لي ما كتب؟
في 1996 كتبت في "خربشات ضمير المخاطب " عن قلبي اليباس الذي لا يتحرك فيه الإحساس، علما بأن جميلات( بون) أيقظن في الميل نحو المرأة.
اقترحت على زياد خداش أن يترك المرآة والبحيرة والحب وأن يعود إلى مخيم الجلزون ويقيم فيه عاما ويكتب رواية عن المخيم الآن وأن يقرأ صورة مخيم الجلزون في أعمال الشاعر محمد القيسي.
بودي أن أقيم عاما في مخيم عسكر لاكتب عنه كتابة نثرية أجمعها في كتاب ولكن المقالة النقدية تشغلني وكذلك الإشراف على رسالتي ماجستير.
26 ايلول 2018

٢٣
يحيى 14:

وأنا أكتب عن رواية يحيى يخلف الأخيرة "اليد الدافئة"أثرت سؤالا عن العرابيد السامة والوحوش الضارة في الغابات التي اخترعها السارد أحمد أبو خالد.
هل العرابيد السود سامة؟ وهل ثمة وحوش ضارة كاسرة؟ وهل ثمة غابات في فلسطين؟
الليلة في المنام قبل أن أصحو في الثالثة فجرا رأيت عرابيد كما لو أنها طولا أفعى الشجاع الاقرع.
كنت في الأغوار حيث غابات شخصية رواية يحيى وكنت أرى العرابيد الضخمة من بعيد على الجبل الاجرد وكان زميلي الدكتور أحمد حامد يمازح ديناصورا صغيرا. شو نعمل؟ تأثير الأدب على نفسية المتلقي.
26 ايلول 2018

٢٤
مقهى رصيف في نابلس :

هل توجد في نابلس مقاهي أرصفة ؟
مرة تمنى أحد اصدقائنا ، ممن يسافرون باستمرار إلى فرنسا وبلجيكا ، تمنى ، وهو جالس ، في بلجيكا ، على مقهى رصيف ، أن يصبح ذات يوم في نابلس مقاهي رصيف .
أنا من رواد المقاهي في المدينة ، أو هكذا صرت بعد تقاعدي من الجامعة ، وصرت أتمنى لو أن هناك بالفعل مقاهي أرصفة .
في نابلس ليس ثمة مقهى رصيف واحد بمعنى الكلمة . هناك مقاه يمكن أن تجلس فيها كما لو أنك جالس في مقهى رصيف . مفهى الميناوي ومقهى السيد ومقهى الهموز ، وثمة مقهيان آخران قرب مبنى المقاطعة يرتادهما الرواد مساء ، فيجلسون على الرصيف يؤرجلون . ولكن هذه المقاهي كلها لا تعد مقاهي أرصفة وإن جلس روادها على الأرصفة .
ساحة باب الساحة ، لو تحولت إلى مقهى ، يمكن أن تكون مقهى رصيف لا بأس به ، ولكن بلدية المدينة تريدها مكانا عاما يجلس فيه المواطنون ، دون أن يجبروا على الخضوع لمستثمر يفرض عليهم شرب الشاي والقهوة أو أي مشروب .
مؤخرا رممت البلدية ساحة في شارع النصر قرب " المصلبة " لتكون شبيها بساحة باب الساحة ، ولكن مساحتها أصغر وليس قربها مكان لافت كالساعة في باب الساحة ولا محل مشهور كحلويات الأقصى التي يؤمها الزوار لشهرتها .
أحد المواطنين ، وهو أبو خميس السريسي لم يرق له المكان أجرد أقفر . لقد أحضر طاولتين ، صارتا أربعا ، وعددا من الكراسي ، ما شجع الناس على الجلوس واحتساء الشاي وشرب القهوة أو المشروبات الغازية .
قبل أيام جلست في الساحة ولم يسألني أبو خميس إن كنت أود شرب الشاي أو القهوة ، فاستغربت . عندما سألته لماذا لا يسأل الزبائن عن طلباتهم أجابني بأن المكان للبلدية وليس له ، فلا يحق له أن يفرض المشروبات على الزوار .
أمس مزح معي أبو خميس :
- لقد جاءني مهندس البلدية غسان يحذرني من بيع المشروبات في المكان بيعا إلزاميا ، وقال لي إنني أنا من أبلغهم بالأمر .
- ولكن هذا لم يحدث يا " أبو خميس " . الليلة سأكتب رأيي .
أبو خميس ينظف الساحة والطاولات وأحضر سلالا للقمامة . إنه يهتم بالمكان ليظل نظيفا يروق للجالسين .
قبل أن أجلس في مقهى الرصيف جلست في باب الساحة على المقاعد التي وضعتها بلدية نابلس ، ولكن ما إن بصق رجل على الأرض حتى وجدتني أغادر خوفا من عدوى الكورونا ، ولم يتبدد خوفي وأنا أذرع شارع النصر ، فقد مر بالقرب مني شاب تنفس بعمق دون أن يراعي أنه ، بتنفسه إن كان مكورنا ، قد ينقل العدوى للمارين .
أبو خميس الذي كتبت عنه ليس " أبو خميس " في كتابات Zakaria Mohammed ، فأنا مثل المرحوم نصري حجاج " أعتقد أنني أحب الحكومة " ، أما زكريا فيبدو واضحا أنه لا يحب الحكومة
٢٦ أيلول ٢٠٢١ .

٢٥
فاروق وادي وروايته الأخيرة " سوداد : هاوية الغزالة " :

لن تفهم عنوان رواية فاروق وادي الأخيرة إلا وأنت تستغرق في قراءتها ، ولسوف تجد فيها غير غزالة تهوي في المحيط ولسوف تجد غير صياد يطلق سهمه نحو غزالته التي يطاردها ليصطادها . تهرب منه أو تقترب منه لا اختلاف ، فالصياد صياد ؛ صياد الغزالة وصياد المرأة كلاهما يريد أن يوقعها في شباكه ولا يأبه لمصيرها .
منذ قرأت رواية ( جنكيز ايتماتوف ) " شجيرتي ذات منديل أحمر " في ٧٠ القرن ٢٠ لم يعلق بذهني نموذج نسوي مسحوق مظلوم إنساني . طبعا كنت قرأت رواية غسان كنفاني " أم سعد " من قبل .
جيزيلا في " سوداد : هاوية الغزالة " سوف تعلق في الذاكرة . أي امرأة جيزيلا هذه التي يتركها فاروق وادي تحكي حكايتها كما يترك ابنتها ياسمين تحكي حكايتها فتبكينا ؛ ياسمين التي ولدت في السجن ، ومرة أصغينا إلى معارض سوري مشهور ومعروف هو ميشيل كيلو يروي حكايته مع سجينة سورية ولدت طفلتها في السجن وحين قص عليها حكاية ذكر فيها الشمس استغرب أن الطفلة لا تعرف الشمس .
٢٦ أيلول ٢٠٢٢ا

لعائدون إثر اتفاق أوسلو ١٩٩٣ :

إذا ناقشنا شخصية ياسين في رواية المرحوم فاروق وادي الأخيرة " سوداد : هاوية الغزالة " (٢٠٢٢) نموذجا للعائدين الفلسطينيين إثر اتفاق أوسلو فسوف نتورط معهم ، وهات حلها .
ياسين انتهازي لا مبدأ له يسخر كل شيء لحساباته الخاصة فهو " لم يخض حربا في يوم من الأيام من أجل الوطن ، ... لم يبذل قطرة من الدماء الزكية التي بذلها آخرون من أجل الوطن . لم يرفع علما في مظاهرة ، أو يافطة احتجاج عند باب سفارة معادية ، ولم يرجم حجرا نحو قنصلية من قنصلياتها المعرضة للرجم في القدس . لم يهتف من أجل حرب أو زعيم يغدق بوعوده النارية بالعودة الوشيكة إلى فلسطين .. لم يبذل من عمره ليلة واحدة في سجن من السجون المترامية على الأرض الممتدة بين محيط وخليج ... لم يهدر قطرة واحدة من مداد لأجل الوطن " . كل ما كتبه هو ديوان " عطر الياسمين " وهو " قصائد مفرطة في رومانسيتها الساذجة ... لم يكتب ياسين بيتا واحدا من الشعر للوطن ، رغم أنه قضى عمره يتوق للعيش في أرض الوطن " .
الذي مكنه من العودة أنه حصل على رقم مالي من تنظيم فلسطيني أراد أن يسرقه في حين أراد التنظيم أن يستخدمه غطاء أيضا . لقد سوي الأمر بين الانتهازي اللص والتنظيم باعطائه رقما ماليا يحصل بموجبه على راتب شهري .
ومات ياسين في الوطن " كل ما عرفه الناس عنه بعد رحيله أنه مات غريبا وحيدا ومتروكا ... فوق تراب الوطن " .
هكذا تنتهي الرواية التي أعتقد أنها ستحظى بنقاشات وكتابات كثيرة ، ليس بخصوص موقعها في مسيرة كاتبها الروائية وحسب ، وإنما في مسيرة الرواية الفلسطينية وأدب العائدين .
لماذا لم يقم فاروق وادي بعد عودته إثر اتفاق أوسلو في رام الله ؟

( سوداد ) " :
معنى كلمة " سوداد " التي عنون بها فاروق وادي روايته الأخيرة " سوداد : هاوية الغزالة ":

الكلمة برتغالية متفردة ليس لها وجود في أية لغة كونية أخرى وتكتب Saudade .
أية ترجمة لها لن تفيها حقها ربما لأنها نابعة من عمق المشاعر والسيكولوجيا الجمعية التاريخية والخصوصية الثقافية للشعب البرتغالي ..
معان قريبة :
- الحنين ، مع أن المفردة تتجاوز معنى الحنين باحاسيسه الشائعة والمتداولة .
- نوسطولوجيا ، لكن النوسطولوجيا لا تفي تماما بالمعنى الدقيق لكلمة " سوداد "
- الشوق الاشتياق وتشير إلى أصعب أشكال الشوق والاشتياق.
هل تنطوي سوداد على متعة؟
إن كانت كذلك فإنها تبقى المتعة التي تكمن لنا في الألم وتمتزج فيه / النعيم الذي يتضمن العذاب ....
( تراجع ص ٧و٨ من الرواية ) .
ولمن يرغب في الاستماع إلى الأغنية فقد أدرجها الصديق Abed Agbarih في التعليقات على هذا المنشور .

الأدب بين الصحيفة الورقية والفيس بوك :

كتبت أمس إنني سأكتب عن الفرق بين زمن الصحيفة الورقية وزمن الفيس بوك . كان ذلك تحت عنوان " هل أسهم كتاب القصة القصيرة في موتها ؟ " .
الشاعر سميح محسن في تعقيبه قال ما أردت قوله ، وذكر ما كان يقوم به الكاتب وليد أبو بكر Walid Abu Bakr في الصحافة الكويتية حيث نشر سميح هناك أولى كتاباته ، فعرف شاعرا في الكويت أكثر مما عرف في فلسطين .
ولأن لي تجربة في تحرير صفحة " الشعب الثقافي " في جريدة " الشعب " المقدسية ، حيث أوكل إلي الصديق القاص أكرم هنية مهمة الإشراف عليها ، فيمكن هنا أن أكتب عن تجربتي وقد تتشابه مع تجربة وليد أبو بكر التي كتب عنها سميح .
عندما كنت أحرر صفحة الثقافة وصفحة ثانية خاصة بالأقلام الشابة كنت أستلم كل ما يصل إلى الجريدة من مواد أدبية ؛ أقرأه وأنظر في الصالح منه وما يستحق النشر وأكتب ردودا لمن لا يستحق نصه النشر ، وأحيانا كنت أنشر بعض فقرات وأقدم نصائح لصاحب المادة المرسلة . هذا كان يخص الناشئة لا الكتاب المحترفين ، فهؤلاء لمقالاتهم ودراساتهم الاحترام كله ، وكان منهم الدكتور جمال سلسع Dr-Jamal Salsa الذي كتب نقدا مختلفا غير مألوف للقراء .
ركام من الكتابات كان يصل إلى الصحيفة وقليله كان يجد طريقه إلى النشر وكثيره لا ينشر . وأغلب الظن أن الكثير مما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي لا يختلف عن الكثير الذي ما كان ينشر في الصحافة الورقية .
ما يجب الإشارة إليه هنا هو أن هذا الكثير الذي ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي يجد تشجيعا من أصحاب كاتبه وأهله ، وأغلب هؤلاء ليسوا متخصصين في الأدب ولا يتقنون لغة الكتابة وأساليبها ، وهات بعد نشر ما ينشر وتشجيع غير المتخصصين ومجاملات الأصدقاء هات أقنع من كتب بأن ما كتبه ليس جديرا بالنشر والإطراء .
مرة تواصلت مع كاتبة أصدرت عملين أدبيين ولاحظت لغتها . إنها لا تتقن الكتابة ولا تعرف النحو ولا تجيد الصياغة ولكن عمليها الصادرين مصوغان بلغة تخلو من الأخطاء فاستغربت ، وعندما سألتها إن كان هناك من صحح لها لغتها وأسلوبها عرفت أنها دفعت للناشر مبلغا من المال ، وتكفل هو بالطباعة والتصحيح والنشر .
أعتقد أن بعض دور النشر ، إن لم يكن أكثرها لها أيضا إسهامها في موت الشعر والقصة القصيرة وعما قريب الرواية .
ربما قلت شيئا وغابت عني أشياء ، ورحم الله الشاعر الحسن بن هانيء ( أبو نواس ) الذي هاجم المعتزلي النظام قائلا :
" فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء " .
كثر الكتاب ودور النشر وقل القراء وأغلقت مكتبات كثيرة أبوابها .
٢٦ / ٩ / ٢٠٢٣

يوميات غزة ولبنان ( ٣٥٦ ) :
دموع الصياد

ارتقى أمس في لبنان ما يربو على مانتي مواطن وجرح المئات ، ولم تتوقف المجازر بحق المدنيين في قطاع غزة ، ولا المداهمات والاعتقالات في الضفة الغربية ، وأما القدس فقد أقدم مستوطنون على إحراق مبان في حي الصوانة فيها ، والاخطبوط يضرب في كل مكان غير مكترث لأحد .
الطاعون الاستعماري ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا يدفعان باتجاه هدنة لواحد وعشرين يوما من أجل إيقاف الحرب على الجبهة اللبنانية ، تفضي في النهاية إلى إيقاف جبهة الإسناد وتعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب : عودة مستوطني الشمال الفلسطيني إلى مستوطناتهم وانسحاب قوات حزب الله إلى ما بعد الليطاني .
الطاعون الاستعماري يريد تطبيق قرار مجلس الأمن ١٧٠١ ، وأما القرارات السابقة فقد صارت من الماضي ومنها ٢٤٢ الناص على الانسحاب من المناطق المحتلة ١٩٦٧ .
في صغرنا علمونا قصة الصياد والعصفور ورفيقه وحفظنا المقولة عن ظهر قلب :
- لا تغرنك دموعه وانظر إلى ما فعلت يداه .
وأمريكا مجسدة في الرجل الأبيض هي من اصطادت الهنود الحمر عصافير ذلك الزمن .
النازحون الفلسطينيون في غزة ما زالوا في الخيام والشتاء على الأبواب وهجرة أهل الجنوب اللبناني متواصلة إلى الشمال . في فلسطين من الشمال إلى الجنوب وفي لبنان العكس وهذه الضفة لنا وتلك أيضا ، والخطابات الجميلة المنمقة لغويا تحتاج إلى أنفاق تمرغ الثور الهائج في الوحل .
بدأنا نخبص !
وثانية نكرر مع الشاعر :
" أمريكا هي الطاعون
والطاعون أمريكا
لأمريكا سنحفر ظلنا
ونشخ مزيكا " .
٢٦ / ٩ / ٢٠٢٤غزة

721 ::
غزة في كتابات أبنائها

مؤمن مقداد عرفناه من خلال ترجماته عن الصحف والمواقع العبرية ، وقليلا ما يكتب منشورات تصف الواقع الذي يعيشه . ربما كتب عبارات قليلة جدا .
في الحرب افدنا من صفحته الكثير الكثير وأشرنا إليها مصدرا نعتمد عليه . اكتفى بمهمة مترجم الخبر العبري إلى القاريء العربي . لم يحلل ولم يعقب ويبدو أنه ترك هذه المهمة لذوي الاختصاص مثل الدكتور تيسير عبد Taysir Abd .
اقرأوا ما كتبه عما يفعله الإسرائيليون في غزة منذ اليوم التالي لطوفان الأقصى وقد بلغ ذروته في " عربات جدعون " .
ما زلنا ننتظر معجزة ، فهل سيبعث الله لغزة " عصا موسى " لتشق الأرض وتبتلع الدبابات ؟
أيلول يقترب من نهايته والتوقعات قالت إن شيئا ما سيحدث ، علما بأن بعض أبناء قطاع غزة قالوا إن ليلى عبد اللطيف المتنبئة وقارئة الفنجان / الورق كانت وفايز الدويري وقناة الجزيرة الفضائية " خربوا بيت غزة " .
حالة تعبانة وأكثر !
٢٦ / ٩ / ٢٠٢٥

[ هذا ما يحدث لنا هنا في بضعة كيلومترات في #غزة

نسف بالمدرعات المفخخة
غارات وأحزمة نارية بالطيران الحربي
قصف بالطائرات المسيرة
استهدافات بالمسيرات المفخخة
إطلاق نار وتفجيرات بالكواد كابتر
عمليات قنص من رشاشات مثبتة على رافعات
إطلاق نار من الطيران المروحي
قصف وإطلاق نار من السفن الحربية
قصف بالمدفعية
قنابل غاز ودخان وإنارة
تدمير وتجريف ومسح مناطق واسعة
مراقبة جوية بعشرات الطائرات والمناطيد والأقمار الصناعية لحظة بلحظة
تجويع وحصار خانق لا غذاء ولا دواء

هذا ليس تهويل وتضخيم
هذا أقل ما أستطيع وصفه لما يجري لنا]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى