أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٧ أيلول من كل عام

١
بنيامين تموز " منافسة سباحة :

الليلة الماضية بدأت بقراءة قصة (بنيامين تموز ) الكاتب الإسرائيلي " منافسة سباحة " لأقنع نفسي بأننا لسنا وحوشا وبدوا ، كما قال أستاذ التاريخ ومن قبله الكاتب الاسرائيلي (يزهار سميلانسكي) صاحب " خربة خزعة " .
غلبني النعاس فنمت .
الليلة رأيتني في حيفا أزورها بدعوة من أبناء العمومة لأرى كيف حولوا فلسطين إلى جنة ليقنعوني بأنهم أجدر بها منا .
لم أر كنفاني أو حبيبي أو درويش ، ولكني وجدتني أكرر ما قاله الأخير في " طللية البروة " ، لا ما قاله كنفاني أو حبيبي .
سأكتب في الموضوع مقالا مفصلا للأيام .
" ارفع رأسك فأنت فلسطيني " .
حنظلة.
صباح الخير للجميع وللكاتبين محمود الريماوي ومحمودشقير .
٢٠١٣

٢
اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير :

اليهودي الذي قتل طيب جدا والفلسطيني الذي قتل شرير جدا جدا جدأ .
العامل الذي التقيته بالحافلة والعامل الذي التقيته في الدكان أفاضا فيما جرته حادثة القتل من عواقب على العمال ، فقد أخذ بعض أبناء عمنا ينظرون إلينا باحتقار ويلاحقون من لا يملك تصريحا .
عامل الظهيرة في الباص كله أخلاق عربية أصيلة شهمة ، فقد استكثر قتل ضيف . ألم ينظر اباؤنا وأجدادنا إلى المستوطنين الأوائل على أنهم ضيوف ؟ لماذا طردوهم لاحقا ؟
عامل المساء تحدث عن مضايقات جديدة سيعاني منها العمال وعن تشديدات على فتحات الجدار ، ونادرا ما تحدث عامل عن ضغوط تعرض لها العامل مثلا . هذا احتمال .
هل نسينا ما حدث مع أحد سكان نابلس قبل سنوات ، وما فعله به رب عمله اليهودي حين أغواه لفتاة ، فالتقطت لهما الصور وغدا النابلسي جاسوسا ، فدل على بعض قادة صفاهم الموساد .
أنا لا أدعو إلى القتل ولا أشجعه ، ولكني أنظر إلى الصورة كلها .
هناك خلل ما ، خلل بدأ منذ مائة وثلاثين عاما .
حلها يا حلال و "دبرها يا ( مستر دل ) بركن على إيدك تنحل " .وما جاب خبرنا إلا مستر دل وجده بلفور .
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
حنظلة
٢٠١٣

٣
اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير :

هل يختلف اليهودي الطيب عن جدنا الفلسطيني الطيب الذي تعامل بود مع المستوطن الأول وكان مصير جدنا وأحفاده مثل مصير اليهودي الطيب إن كان طيبا حقا.
وهل يختلف الفلسطيني الشرير إن كان شريرا عن قادة الصهيونية في 1948 حيث قتلوا الحوامل في دير ياسين والعمال في كفر قاسم.
تلح علي قضية قتل اليهودي الطيب وأقلبها على جميع وجوهها .
ارفع رأسك فأنت فلسطيني .
حنظلة
٢٠١٣

٤
اﻷدب المظلم /اﻷسود في اﻷدب الفلسطيني:
مرة كتب محمود درويش :
" لماذا تكون القصيدة بيضاء واﻷرض سوداء جدا؟ "
وأجاب نفسه:
" ﻷن ثلاثين بحرا تصب بقلبي " .
هذا يعني أن الواقع الفلسطيني أسود وأننا إذا أردنا أن نصور الواقع اتكاء على الواقعية النقدية فيجب أن تحفل نصوصنا بالسواد.
محمود درويش تربى في أحضان الحزب الشيوعي والواقعية الاشتراكية ولهذا حفلت نصوصه المبكرة بالتفاؤل ولم يتخلص كليا من تربيته الشيوعية وظل يربي اﻷمل.
أنا على خلافه.اقتربت من اليسار ولم أنجح في أن أكون يساريا مخلصا.كنت دائما أنظر في الواقع وأمعن النظر في الهوة بين الواقع والنظرية ولما زرت برلين الشرقية ،وفيما بعد براغ،لم أقتنع بما أخذت أسمعه من اليسار الفلسطيني،وإن بقيت أتمنى أن تنجح الشيوعية،وربما كانت حياتي في المخيم تنشد قدرا من العدالة .البيت الجيد وفرص العمل والرخاء والسعادة.
وحين أنظر في قصصي التي كتبتها بعد مجموعتي اﻷولى أراها سوداء مثل الواقع.أحيانا أقول :أنا برجوازي صغير.
في1993 و1996 كتبت نصين حفلا بالسواد .إنهما ليل الضفة الطويل والوطن عندما يخون،والعنوانان يقولان إن النصين من اﻷدب اﻷسود.
منذ أربع سنوات بدأت أقرأ نصوصا روائية يغلب عليها السواد وربما كانت هناك أسبق مثل رواية أحمد حرب بقايا ورواية أحمد رفيق عوض مقامات العشاق والتجار.
تعد روايتا سامية عيسى :حليب التين وفسحة في كوبنهاجن ورواية حسام زهدي شاهين نموذجا لهذا اللون من اﻷدب.والمخيم هو البيئة الغالبة وإن لم يكن البيئة الوحيدة.
حقا لماذا تكون القصيدة بيضاء واﻷرض سوداء جدا؟
٢٠١٣

٥
زغرودة الفنجان وراي ادوارد سعيد في المثقف:
لو قرا ادوارد سعيد رواية حسام زهدي شاهين ولاحظ ما فيها .هل كان سيكتب مخاطبا الفلسطينيين بالتالي:
كل من صور باوضاع مشينة لابتزازه بالتعاون مع الشاباك عليه مواجهة المجتمع ،وعلى المجتمع ان يغفر له ،والا يراجعه اطلاقا بالامر.
ولو فعل الشعب الفلسطيني هذا وجعله امرا مقدسا ،فهل كانت نسبة العملاء تذكر؟
اعتقد ان على القيادة الفلسطينية السياسية والدينية والمجتمعية ،وان على الاهالي ايضا، ان يصدروا فتوى يتفهمون فيها شجاعة من يواجه الشعب بحقيقة ما حدث معه،وان يتقبلوا اعلانه،حتى لا يغرق في الوحل ،وحتى لا يغرق معه كثيرين.
٢٠١٥

٦
أكثر ما أزعجني في حياتي:
طبعا بعد حياة الشتات واللجوء ومآسي العالم العربي وما أكثرها.
أكثر ما أزعجني ويزعجني تذاكي السذج وتدخلهم في حياتي الشخصية.
هناك كثر لا يساوون شيئا تصوروا أنفسهم أذكياء ،وكلما تدخلوا في أموري ازداد احتقاري لهم حتى لو ابتسمت في وجوههم البائسة الكالحة المكلحة.
إنني لا احترم كل من تدخل في أموري الشخصية حتى لو كان ال....
٢٠١٥

٧
ادوارد سعيد :

لم ألتق ادوارد سعيد أبدا . زار الضفة الغربية في 90 ق 20 مرارا وعقدت له غير ندوة ولم أحضر أية واحدة منها ولا أعرف ما السبب . لم أقتبس من كتاباته إلا اقتباسا واحدا ، وذلك في دراستي " إشكالية الشاعر والسياسي في اﻷدب الفلسطيني ، فقد توقف أمام قصيدة درويش " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد اﻷندلسي " . ولا يعني هذا أن لي موقفا منه.
على العكس فقد كنت أتابع أكثر ما يكتب .
في 80 ق 20 قرأت ترجمة كمال أبو ديب لكتاب " الاستشراق " وراقت لي مقدمة المترجم واشتقاقاته اللغوية . وقد تحدثت عن كتاب الاستشراق بإعجاب وأحضرت نسخا منه لزميلتي في المكتب أ . وسام عبد الهادي وربما للسيدة ساهرة فخر الدين رحمهما الله .
ما زالت لدي نسخة الاستشراق في طبعتها اﻷولى .
بعد عودتي من ألمانيا اقتنيت " اﻷمبريالية والثقافة "وهو أيضا من ترجمة أبي ديب .
وقرأت " المثقف والسلطة " ولدي طبعة دار النهار.
في 90 ق 20 تابعت مقالاته عن اتفاق غزة - أريحا وقصة منع كتبه من السلطة الوطنية وتتبعت أيضا أخبار محاصرته وتهميشه حين كان يزور مناطق السلطةو.
غريب أنني لم أسع لمقابلته .
كان يكتب عن أوسلو وبدأت أكتب عن أدب ما بعد أوسلو ولا أعرف إن كان يعرف عني أو إن كان سمع بي .
كنت التقيت بهشام شرابي في نابلس وبابراهيم أبو لغد في نابلس وبير زيت وكانا يعرفان قصتي من طقطق حتى سلام عليكم . ومثلهما المرحوم صالح برانسي الذي طلب أن يتعرف بي . تناولنا طعام الغداء معا في بيت د.عبد الستار قاسم ،بصحبة د . عادل سمارة واستكتبني لمجلة " كنعان " .
كما لو كانت العلاقة مع هؤلاء متينة وعميقة وسحيقة ، ولما التقيت بهشام شرابي تحادلت والمرحوم إميل حبيبي الذي حضر من حيفا إلى مركز اﻷبحاث في نابلس .
حقا لا أعرف لم لم أسع إلى التعرف إلى إدوارد سعيد . هل كنت أخشى أن انفضح أمام هذا الهرم .
قرأت أكثر أعماله ولم أتعمق في " خارج المكان " ولهذا لم أكتب عنه . لم ترق لي التفاصيل عن حياته مع طنطة .. الخ في القاهرة . وحين طلب مني العام الماضي أن أحاضر فيه ترددت .
هناك كاتبان لا بد من إعادة قراءتهما : ادوارد سعيد وحسين البرغوثي . وغالبا ما أسأل عن سبب عدم الإتيان عليهما .
لدي نسخة مصورة من كتاب إدوارد : العالم ، النص ، الناقد .
تصفحت الكتاب ولم أدرسه دراسة وقد أتيت على إدواردرسعيد في روايتي " الوطن عندما يخون " وأشرت إلى ما ردد حوله : دولت القضية الفلسطينية ثلاثة أعلام : ياسر عرفات ومحمود درويش وإدوارد سعيد.
مع أنني قرأت قصيدة درويش في رثاء سعيد " طباق " إلا أنني لم أكتب عنها أيضا .
اﻷمر يحتاج إلى إمعان نظر حقا .
كم أنا بائس . كم !
الآن أقرأ " أولاد الغيتو " لإلياس خوري وفيها إتيان على إدوارد . هل سأخص إلياس وإدوارد بمقالة؟من يدري مع أنني لم أكمل الكتابة عن " سؤال الهوية في الرواية العربية ".
27 / 9 / 2016

٨
"ألا لا تلوماني ، كفى اللوم ما بيا
فما لكما في اللوم خير ولا ليا. "

أي والله.
فما لكما في اللوم خير

ولا لي فيه خير وكفى ما بيا من هموم.
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله.
فكيف بما أنزل علي من هموم؟ - حالتي مثل حالة شعبي وشعبي الضحية مثل اليهود: -تحولوا من ضحية إلى.....ساديين- أي والله.
-المفاتيح تسرق.
-أوراق المحاضرات تسرق.
-المقالات والمقابلات تسرق.
-كتبي ومقالاتي يعبث بها.
- المسيح كان له من بين طلابه يهوذا اسخريوطي واحد وأنا على العكس منه.يصعب أن أعد الاسخريوطيين من بين طلابي ومنهم من سيصبح دكتورا ولعله سيوظف في الداخلية لا في الجامعة ،فهو عبقري في الملاحقة والرصد و..و..واكثر من لي صلة بهم يمتون بصلة إلى يهوذا الاسخريوطي ويبدو أن أصله فلسطين والمسيح أيضا فلسطيني.
صباح الخير وهذا الصباح أنا ماغوطي على ما يبدو.
27/ 9/2017

٩
من الأسباب التي أدت إلى شيوع المنهج الاجتماعي الماركسي في دراسة الأدب
-الالتفات إلى العامل الاقتصادي وامتداده إلى الفعاليات الاجتماعية والسياسية.
-يعني تأثير الجانب الاقتصادي في الجوانب الأخرى.
-عدم النظر إلى الشاعر كخالق شبيه بالاله.
ويعمل هذا المنهج على محاربة الاستغلال وإزالة الفوارق الطبقية و إيجاد مجتمع تسوده العدالة.

لهذا لا يحب أساتذة جامعاتنا الماركسية وما ينتج عنها.
في بعض أقسام بعض الجامعات يدرس بعض الأساتذة عشر ساعات إضافية فوق نصابهم.
السبب أن مجتمعنا لا يعاني من البطالة إطلاقا .وأن هناك نقصا في الكفاءات.
ما شاء الله. ما شاء الله.
هناك نقص في عدد المواليد وأخشى أن ننقرض مثل الألمان.
Sterben die Deutschen Aus ?
ربما ينقرض الألمان.
27/ 9 / 2017

١٠
هيبة الجامعة وهيبة أستاذ الجامعة:

أمس صعد معي ،في الحافلة، أحد الطلاب المشاكسين الذين علمتهم في الجامعة ، و سألني عن سر تشددي في التعامل مع الطلاب وعدم قبول واسطة أو الرضوخ لسلطة فصيل أو حتى لإدارة الجامعة إلا بما يقر به القانون.
قلت للطالب إنها هيبة الجامعة وهيبة أستاذها والحرص على مستقبلكم. كيف سينظر إلى شهادتك لو لم تكن للجامعة التي تمنحها هيبة؟
إن هيبة الجامعة و أستاذها أفضل لخريجيها ومستقبلهم الوظيفي، والطلاب الذين يغشون ويوسطون و"يهيلمون"ومثلهم الأساتذة الذين يعينون بالواسطة ويقبلون الواسطة و"يهيلمون"غالبا، بل دائما، ما يفتخرون بغشهم وتمشيتهم أمورهم بالواسطة و"الهيلمة"،وهكذا يسيئون لعشرات آلاف الخريجين. هل عرفت لماذا التشدد؟
هيبة الجامعة وهيبة التعليم والتشدد في التدريس هو لصالح مستقبل طلابها،وهذا يفيدها أكثر من طاعة عمياء لإدارتها.
27 ايلول 2018

١١
سهيل كيوان واميل حبيبي:

هل ترك اميل حبيبي أثرا في الرواية الفلسطينية في الأرض المحتلة في العام 1948؟
أحتاج إلى طالب ماجستير أو دكتوراه صبور لديه جلد ليكتب رسالته في تأثير اميل حبيبي في الرواية العربية.
مؤخرا بدأت اقرأ في رواية الكاتب سهيل كيوان "بلد المنحوس"2018 وخطرت رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل "بذهني.
كنت قرأت للكاتب كيوان من قبل ثلاث روايات ورأيت أنه لم يستطع أن ينجو من تأثير حبيبي.
هل استطاع في روايته الأخيرة أن ينجو؟
كلما قرأت دال المنحوس/النحس/ سنة النحسة تذكرت أبا النحس.وثمة مناص في العنوان.
تحضر عكا في عام 1948 في الروايتين ولكن التفاصيل مختلفة.
ثمة تقاطعات فالتجربة هي التجربة نفسها ولكن الأسلوب مختلف.
الأمر ليس بهذه البساطة وهو يستحق أكثر من خربشة.
المهم في رواية سهيل هو:"المصلاح "ولا أدري إن كان سهيل قرأ روايتي "الوطن عندما يخون" فالمصلاح حاضر هناك أيضا بدال "الصغير".
ينقل سهيل في روايته روح الشعب الفلسطيني ومزاحه ودعاباته وأمثاله في زمن النحس .
الرواية ممتعة للقراءة.
27 ايلول 2018

١٢

الست كورونا : مأساة دير العسل ( 87 )

كما لو أن الست كورونا تعتب علي وعلينا وبالأخص على من يحمل حواء المسؤولية عن خروجنا من الجنة .
أتخيل الست كورونا اليوم تمد لسانها ساخرة .
هذا الصباح لا رغبة في الكتابة عن الكورونا ، فأخبار أمس واليوم تركز على إطلاق القوات المصرية النار الصيادين الفلسطينيين وقتلهم وتتساءل إن كانت هذه القوات ستفعل الشيء نفسه لو كان الصيادون إسرائيليين .
" يا دمنا ! "
وفي الضفة الغربية ، في دورا الخليل في دير العسل ، توفي ستة فلسطينيين من آل الشوامرة نتيجة وقوعهم في حفرة امتصاصية .
" من لم يمت بالكورونا مات بغيرها
تعددت الأسباب والموت واحد " والفلسطينيون يموتون بالرصاص الإسرائيلي والرصاص العربي وبالكورونا وأمس قرأت قصة قصيرة للقاصة شوقيه عروق منصور عنوانها " الموت في إسرائيل " من مجموعتها " مأذون من الليكود " تأتي فيها على معاناة الفلسطينيين بالحصول على جثة الفقيد الشهيد حين يقتل في أثناء العمل في فلسطين المحتلة .
لا جديد إلا أن ملاعب كرة القدم في أوروبا بدأت تشهد حضور عدد من المشاهدين ، وأن الشرطة الفلسطينية في جنين تهاجم سبعة أعراس وتغلق ست صالات وتحرر ٦٢ مخالفة لعدم الالتزام بشروط الصحة العامة .
عدد الإصابات في الكورونا في الأردن في ارتفاع ولا حول ولا قوة إلا بالله .
٢٧ أيلول ٢٠٢٠ .

١٣

ما جدوى الكتابة ؟
خمسة شهداء أمس والقتل يتكرر :

في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية كتب محمود درويش في إحدى قصائد مجموعته " أعراس " ( ١٩٧٧ ) :

" - ستقول طالبة : ما نفع القصيدة ؟
شاعر يستخرج الألفاظ والبارود من حرفين والعمال مسحوقون في حربين . ما نفع القصيدة في الظهيرة والظلال ؟ "

وبعد ثلاث سنوات كتب :

" لم أجد جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات في تغيير صاحبها " .

يبدو أنني الآن أمر بما مر به ، فما جدوى الكتابة حقا ؟
أمس صباحا صفى أبناء العمومة خمسة شباب في الضفة الغربية .
وأمس سمعت إحصائية عن عدد القتلى في المجتمع العربي في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ ، فقد بلغ منذ بداية العام ٧٩ قتيلا والحبل على الجرار .
لا اتفاقية أوسلو أوقفت القتل ، ولا النشاط الثقافي لدى الفلسطينيين في الداخل أوقف الجريمة في المجتمع ، ولا هذا وذاك حل مشكلة اللاجئين ، و " تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي " وأوضاع الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة في انحدار .
والد الشهيد أسامة صبح كفنه وأخذ يتحدث معه قائلا له :
- طول عمرك رأسك عنيد " اللي في رأسك بدك تمشيه " ، فماذا أقول لخطيبتك التي تنتظر العرس ؟ وماذا أفعل بالعجول التي اشتريتها لذبحها يوم زفافك ؟ وقم أنظر جنازتك . الذين يحبونك ساروا فيها والذين يكرهونك ساروا فيها ليحتفل الطرفان بزفافك . الله يرضى عليك يا يابا . هذا ما قرأته تقريبا ، وأصغيت إلى الأم تتحدث بثبات عن ابنها شهيدا . هم يقتلون ونحن ننجب ونربي و ... .
في العاشرة مساء كان شباب مخيم بلاطة وبلاطة البلد وعسكر البلد وربما مخيم عسكر يتجمعون على دوار الحسبة استعدادا لمواجهة المستوطنين القادمين إلى قبر يوسف / مسمار جحا .
في العام ١٩٧٣ صفى أبناء العمومة في بيروت القادة الثلاثة كمال ناصر وكمال عدوان ويوسف النجار ( عملية فردان ) وفيهم كتب محمود درويش :
" - من أي عام جاء هذا الحزن ؟
- من سنة فلسطينية لا تنتهي .
هذا هو العرس الفلسطيني ،
لا يصل الحبيب إلى الحبيب إلا شهيدا أو شريد ."
وهذا بالضبط ما حدث مع أسامة صبح . كأن العام ٢٠٢١ هو العام ١٩٧٣ . لقد تشابهت كل الشهور تشابه الشهداء والموتى ولم تنته السنة الفلسطينية التي بدأت منذ أعدم أول ثائر فلسطيني . منذ أعدم عوض صاحب :
" يا ليل خلي الأسير تا يكمل نواحو
و
ظنيت إلنا ملوك تمشي وراها رجال "
مرورا بالزير وجمجوم وحجازي وشهداء كفر قاسم في ١٩٥٦ وشهداء يوم الأرض في ١٩٧٦ ، وماجد أبو شرار وعلي حسن سلامة و ... و :
" هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي " .
حقا :
- ما جدوى الكتابة ؟
لقد بلغ السيل ما بلغ وفاض الموت والقتل و .... .

( أسامة ياسر صبح
يوسف محمد صبح
أحمد إبراهيم زهران
زكريا إبراهيم بدوان
محمود مصطفى حميدان )
٢٧ أيلول ٢٠٢١ .

١٤
الضجة اللافتة حول تشكيل مجلس التعليم العالي :

أثار تشكيل مجلس للتعليم العالي في مناطق السلطة الفلسطينية ( قرار ٥٢ لعام ٢٠٢١ الصادر عن رئيس دولة فلسطين ) ضجة في وسائل التواصل الاجتماعي ، وهاجمه بعض من كتب ذاهبا إلى أن عدم ضمه عضوا يمثل جامعة النجاح الوطنية بمسماها هو مجلس لا يساوي شيئا .
عند إمعان النظر في الجامعات الممثلة فيه لوحظ أنه يضم رؤساء ست جامعات ذكرت بالاسم واثنين من مجلس أمناء جامعتين أخريين .
لا أعرف السبب الذي جعل المجلس يخلو من ضم رئيس جامعة النجاح أو أحد أعضاء مجلس أمنائها كما هو في شأن جامعة بير زيت مثلا وجامعة البوليتيكنيك .
عند إمعان النظر في الأسماء يلاحظ أن قائمتها تضم اسمين من جامعة النجاح هما الدكتور سامي جبر والمهندس جلال الدبيك ، ولكن اسميهما لم يقترن باسم الجامعة ، بل باسم هيئات أخرى هي مؤسسة البحث العلمي ومؤسسات المجتمع المدني .
هل رأى الوزير أن ضمهما يعني ضمنا تمثيلهما لجامعة النجاح الوطنية ؟
جامعة النجاح الوطنية هي كبرى جامعات فلسطين وهي جامعة معتبرة علميا ولها مكانتها وسمعتها وأعتقد أن الأمر يحتاج إلى توضيح من الجهة المسؤولة عن تشكيل المجلس حتى لا تذهب المخيلة بعيدا في التأويل والتفسير و ... .
٢٧ أيلول ٢٠٢١

١٥
الكاتب فاروق وادي في الذاكرة :

في ١٩ أيلول رحل فاروق وادي المثقف الفلسطيني الذي كان له حضوره في الثقافة الفلسطينية منذ ٧٠ القرن ٢٠ ، فقد توالى صدور أعماله منذ ١٩٧٦ ، وقرأنا له " المنفى يا حبيبتي " و " طريق إلى البحر " و " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " الذي صار علامة في النقد الأدبي لا يستغني عنه دارس للرواية الفلسطينية ، وهو من أكثر الكتب اقتباسا منه من دارسي الرواية الفلسطينية بالعربية والإنجليزية والألمانية . وقد صار ، بسبب عنوانه ومادته ، عقبة أمام روائيين فلسطينيين كثر ، إذ حجب عنهم إمكانية أن يكونوا علامة في الرواية الفلسطينية ، وكنت أتمنى لو أن مؤلفه أعاد النظر في مقدمة الكتاب " مدخل تاريخي : من الخطابة إلى الكتابة " وأصدر طبعة جديدة تضم فصولا تتناول روائيين جددا ، أو لو أنه أصدر كتابا ثانيا يقدم فيه أصواتا روائية جديدة .
مرة واحدة التقيت فيها بفاروق كانت على هامش مؤتمر جامعة البتراء في العام ٢٠٠٩ " جدل الأدبي والفكري " ، إذ قدم وزوجته ليصغيا إلى يوسف زيدان وعزمي بشارة . يومها سألته :
- لماذا لا تواصل الكتابة النقدية فتصدر كتابا جديدا تتناول فيه الأصوات الجديدة في الرواية الفلسطينية ؟
وأذكر أنه أجابني بأنه يترك المهمة للجيل الجديد . كما لو أنه يرى أن على كل جيل أدبي أن يخلق نقاده منه .
ومع أنني قرأت أكثر أعماله إلا أنني لم أكتب عن أي منها ، وظللت أعتمد على كتابه النقدي في كتاباتي عن الرواية الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ وعن الأعلام الثلاثة المدروسين فيه ؛ كنفاني وحبيبي وجبرا ، وأعتمد عليه أيضا في تدريسي ظاهرة السخرية في رواية حبيبي " المتشائل " ، إذ رأيت فيما كتبه قدرا من التميز والإقناع وحسن المعالجة .
إلى جانب قراءاتي العديدة لكتابه وملاحظاتي على مدخله التاريخي ، تابعت مقالاته التي كان ينشرها في جريدة الأيام ، يوم الجمعة ، وهي مقالات جعلتني أقرأ الجريدة من صفحتها الأخيرة . لقد كتب المقالة المتميزة التي تقترب أحيانا من الدراسة ، فقسم منها كان ينشر على حلقات يتابع فيها الرواية العربية والعالمية ، فيعرفنا بأسماء جديدة أو يقدم لنا أعمالا جديدة لأسماء نعرفها ، وظل يواصل الكتابة إلى أن توقف بسبب ضعف نظره . يومها خسرت وقراء الجريدة قراءة ما يكتبه كاتب متميز واسع الاطلاع .
جمع وادي بعض ما كتب في كتاب " سيرة الظل : نصوص عن آخر هو أنت " ( ٢٠٠٨ ) ضاما فيه ٥٦ مقالا رأى صورته فيها " نصوص عن آخر هو أنت " . وأظن أنه يخاطب نفسه في القسم الثاني من العنوان الذي عده سيرة لكل من كتب عنهم ، ورأى أن ما كتبه عنهم هو سيرة ال " أنت " المخاطبة ، سواء أكانت فاروق نفسه أو من يشبهه .
كان قسم من المقالات محفزا لي لأقرأ بعض أعمال أولئك الكتاب أو لأكتب مبديا رأيا فيما كتب ، كما فعلت عندما صحح خطأ معرفيا وقع فيه في كتابه النقدي يتعلق برواية " مرقص العميان " لعارف العارف ، وهو لبناني ظنه فاروق المؤرخ الفلسطيني عارف العارف ( أنظر جريدة الأيام مقاله في ٨ آب ٢٠٠٨ ومقالي في ١٠ آب ٢٠٠٨ ) .
كان فاروق في بعض مقالاته يراجع بعض قناعاته التي آمن بها واعتنقها في شبابه ، وهو ما يبدو في مقاله عن نقولا زيادة " نقولا زيادة : مئة خطوة ربما تسع وتسعون " ( صفحة ٥٠ من كتاب " سيرة الظل " ) . في مقاله يأتي على الفارق بين جيله وجيل زيادة ويكتشف أنه كان مخطئا حين لم يزر ، وهو في بيروت ، المؤرخ ويتعرف إليه ، على الرغم من أن مكان سكنهما كان قريبا " مئة خطوة ربما تسع وتسعون " ، وحين يتعرف إليه ويقرأ كتاباته تكون المفاجأة :
" مئة خطوة ، وربما تسع وتسعون ، كانت تفصل بيتي عن بيته في شارع مدام كوري ، لكنني أعترف ، بعد عمر طويل ، أنني كنت انتمي إلى جيل ظل يحلو له أن ينعته وأمثاله ب " الأكاديمي " .. جيل ألهاه التكاثر في قراءة تاريخ صراع الطبقات في أوروبا عن قراءة تاريخنا الغني.. الذي كتبه نقولا زيادة ومن هم على الطريق ذاته .
مئة خطوة ، وربما تسع وتسعون ، كانت تفصلني عن هذا البحر المعرفي الزاخر ، وأنا غافل عن ذلك ، جاهل بحقيقة وجوده القريب، جارا كان جديرا بأن أكشف وجوده منذ وقت بعيد وأن أعلن عن اعتزازي بجيرة علمت بها بعد فوات الأوان ." .

مقال ثان كتبه فاروق كان له تأثير في حياتي هو مقاله عن فرويد ، فقد دفعني لشراء شقة وكتبت بدوري عن هذا مقالا عنوانه " المقال شجعني لشراء شقة والرواية قد تجعل مني تاجر أرض " ( الأيام الفلسطينية ٤ / ١ / ٢٠١٥ ). وقد خضت مع فاروق في الموضوع وأخبرني أنه فعل الشيء نفسه . كان مقاله تمحور عن عالم النفس الشهير ( سيجموند فرويد ) وما آلت إليه مدخراته في الأزمة الاقتصادية العالمية في نهاية عشرينيات ق ٢٠ .

وماذا عن فاروق قاصا وروائيا ؟
قرأت له " طريق إلى البحر " مبكرا ثم " رائحة الصيف " ف " منازل القلب " و " عصفور الشمس " فالتفت أكثر ما التفت إليه منها " منازل القلب " وهو أشبه بكتاب سيري له في علاقته بمدينتي رام الله والبيرة اللتين نشأ فيهما ثم غادرهما ولم يعد إليهما إلا بعد اتفاقات أوسلو ١٩٩٣ ، ولكنه لم يستقر فيهما . استثارت زيارته مكان الولادة والنشأة ذكرياته القديمة فكتب كتابا جميلا يدرج تحت باب " سرديات رام الله " أو " رام الله في ذاكرة أبنائها المغتربين " ، ويعد الكتاب مهما لدراسة نتاج الكاتب الروائي والقصصي النثري إذ ثمة تقاطعات عديدة بين أكثر ما كتبه تدفع الدارس لأن يقرأ المؤلف ونصوصه معا وفق المنهج الوضعي الذي لا يفصل روح المؤلف عن نتاجه . كان دارسو ( غوتة ) و( بلزاك ) يرون أن أعمالهما تعكس روحهما ، وأعتقد أن هذا ينطبق على فاروق نفسه ، فقد كانت روحه تحضر في كتابته ، وقد اختفى وراء بعض شخصياته فكانت تنطق بما ينطق به ، ولعلني أتوقف أمام هذا في روايته الأخيرة .
٢٧ - ٢٩ أيلول ٢٠٢٢ .

١٦
فاروق وادي وروايته الأخيرة ( سوداد ) : المؤلف في النص

هل يحضر فاروق وادي في روايته الأخيرة ؟
يمكن القول إن أعمال فاروق وادي لا تخلو من حضوره فيها . إنه يكتب عن أماكن يعرفها غالبا وتكاد الأعمال التي قرأتها له - ثمة ثلاثة أعمال لم أقرأها - تدور في أماكن عاش فيها وعرف مكانها جيدا : رام الله وبيروت ومصر والبرتغال .
في ( سوداد) ثمة شحصية تقترب جدا من شخصية فاروق هي شخصية الأخ الأصغر لياسين الشخصية المحورية .
ثلاثة إخوة كل أخ له عالمه المختلف كليا عن الآخر وتبدو رابطة الدم بينهم رابطة واهية ضعيفة إذ كل يسير في طريق ويعيش في عالم مختلف ، وقد أتى الأخ الأصغر على رابطة الدم وأبدى موقفه منها . إن موقفه هو موقف فاروق نفسه ، وإذا عددنا الأخ الأصغر هو المؤلف الضمني فإنه يتطابق والكاتب الحقيقي ، ولكن ثمة استدراك في الرواية يقول إنه مزج الواقع بالخيال ، ما يدفعنا إلى الحيطة والحذر في اعتبار ياسين الفلسطيني الانتهازي أخا لفاروق وادي .
" كل ما عرفته عنه بعد ذلك ، أرويه بتجرد ، من دون تعاطف ينحاز إليه من مبدأ صلة الدم ، أو عن رغبة في استنفار نزعاتي الأخلاقية التي تدينه وتدين سلوكه ونزواته وموقفه الأخير من ابنته ياسمين "(٢٦٩) .
٢٧ أيلول ٢٠٢٢ .

١٧
ذكرى المولد النبوي في نابلس ٢٠٢٣

لطالما كتبت عن احتفالات مدينة نابلس بالمولد النبوي الشريف ، ومرة تساءلت إن كان ماركس وإنجلز وتروتسكي والشيوعيون سيحققون نجاحا في هذه المدينة ، وإن كان لديهم بصيص أمل بنجاح ما فليأتوا إلى المدينة وليحضروا الاحتفالات بهذه المناسبة .
اليوم عصرا وجدت نفسي في شارع النصر ، وفيه تساءلت :
- أكنت مصيبا أم مخطئا حين غامرت وغادرت شقتي وسرت فيه ؟
إن سرت في هذا الشارع اليوم فعليك أن تكون حذرا جدا . ثمة تدافع عجيب سببه الاكتظاظ البشري ، وهذا الاكتظاظ اختلط فيه الذكور بالإناث والصغار بالكبار والمحتفلون بالباعة ، وحين سألت ابن أخي عن سبب عدم مشاركته ، وابن أخي من رجال الدعوة ، أجابني :
- هذا بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
ولم يكتف بإجابته ، فقد اقترح علي أن أدعو الحاضرين إلى مغادرة المكان ، فثمة اختلاط والاختلاط محرم .
وأنا أسير قرب مدخل الياسمينة ، كنت أتحرك بصعوبة ، وقبل المدخل بستين سبعين مترا ، حيث زاوية الشيخ نظمي ، كان الاكتظاظ أوضح ما يكون ، إذ كانت فرقة الزاوية تستعد لضرب الدفوف .
- ما الذي دفعني إلى السير في شارع النصر ؟
قبل عامين كتبت يوميا عن شارع النصر في رمضان تحت عنوان " ذاكرة أمس " ، وكان يفترض أن تنشر الحلقات في كتاب ولا أعرف ما ألم به . هل أصدرته دار الشامل Shamel Book Baker أم أنها لم تعد تراه مناسبا للنشر ؟
تزدهر الحركة في شارع النصر في شهر رمضان ، حيث ينقلب رأسا على عقب ، ليعود بعد انتهاء الشهر إلى ما صار إليه منذ عقود : شارع خلو من المارة ، وفي العام الأخير صار المشي فيه مزعجا بسبب تكاثر الدراجات النارية ( الفيزبا ) .
عندما تحدثت حديثا عابرا مع السيد باسل سبع العيش Basel Elaish قال لي :
الناس مضغوطة وتريد أن تنفس كبتها .
وعندما قلت له إنني لم أر الشارع مكتظا كما رأيته اليوم أجاب :
- في العام الماضي كان مكتظا أكثر .
ما قاله لي باسل ذكرني بحكم الفاطميين مصر في العصر الوسيط قبل إنهاء حكمهم على يد صلاح الدين الأيوبي .
كل من قرأ عن مصر في زمن الفاطميين يتوقف أمام ظاهرة كثرة الأعياد والاحتفالات الكثيرة العجيبة الغريبة ، ووجهة نظر بعض المؤرخين من أهل السنة هي أن الكثرة المفرطة في الاحتفالات والمبالغة في مظاهرها يعود إلى رغبة الفاطميين في إبعاد الناس عن السياسة وإلهائهم أيضا .
في شارع النصر تلحظ صور شهداء عرين الأسود وتصغي إلى أغان وطنية وثانية دينية وثالثة تمجد مدينة نابلس وقد تذهب مخيلتك إلى أن المدينة تحتفل بذكرى المولد النبوي نيابة عن فلسطين والعالمين ؛ العربي والإسلامي .
- أهي حاجة الناس إلى فرح ؟
في القصة القصيرة الفلسطينية قصة كتبها الصديق أكرم هنية في العام ١٩٨٦ عن احتفالات أهل مدينة القدس في ليالي رمضان عنوانها " عندما أضيء ليل القدس " وأبان فيها عن حاجة الفلسطينيين إلى فرح ما .
الناس تريد أن تفرح .
كان شارع النصر في مدينة نابلس اليوم مختلفا .
نابلس ٢٧ / ٩ / ٢٠٢٣ .

١٨
يوميات غزة ولبنان ( ٣٥٧ ) :
وماذا لو كتبنا ؟!
أهي نرجسية الكتاب أم خوفهم ؟!

تداول ناشطون فيسبوكيون في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة مقولات عديدة نسبوها لمحمود درويش دون أن يوثقوها . لقد بدا لي أنني أقرأها لأول مرة . وقرأت أيضا جملة عابرة يرى كاتبها أن درويش وكاتبين آخرين استبيحا فنسبت إلى الثلاثة مقولات عديدة ، ما ذكرني بما كتبته عن الأسطر التي خضت فيها قبل بداية الحرب وهي :
" ستنتهي الحرب ويتصافح القادة الأعداء لتنتظر العجوز ابنها ... " .
وأخذت أنظر في صفحات بعض كتابنا من فلسطين ١٩٤٨ والضفة الغربية والقدس والأردن لأرى ماذا كتبوا في الحرب الدائرة حاليا ، ففوجئت بأنه لا يكاد يذكر ولا يرتقي إلى ضخامة الحدث وجلله وأهميته .
من العبارات التي أدرجت على أنها لمحمود درويش عبارة فحواها أن من يتغيبون الآن عن الحدث سيغيبون حتى الأبد . ولا أعرف في أي من كتبه وردت ، فتساءلت عن مستقبل كتاب كان لهم ، قبل الحرب ، الحضور الأبرز في ساحتنا الثقافية ولكن صفحاتهم الآن لا تحفل إلا بذكر أخبار إصداراتهم وطبعاتها وترجماتها وأسفارهم . هل سيغيب هؤلاء حقا حتى الأبد ؟
أحيانا أتساءل عن سر هذا الغياب في نصوصهم عما يجري . أهو الخوف من السجن ؟ أهو الخوف من قطع راتب التقاعد أو التأمين الصحي أو سحب الهوية ؟ أهو شعورهم بأن من يخوض الحرب لا يمثلهم ؟ أهو الخوف من ... ؟ والتساؤلات كثيرة .
تابعوا صفحات أبرز كتابنا وتأكدوا مما أكتب ! أرجوكم تابعوا !
وبعد ذلك أرجو ألا يبالغ أحد في الكتابة - أو الحديث - عن دور الأدباء الفلسطينيين في المعركة ، فلا دور لنا ، وأكثرنا يعاني من نرجسية قاتلة . أدباؤنا الغائبون هم الحاضرون ، وأكثرهم حضورا هم محمود درويش وغسان كنفاني ومعين بسيسو وتوفيق زياد .
هل أنا مصيب أم مخطيء ؟
لا ضرورة لذكر أسماء أصحاب الصفحات التي راجعتها أمس ونظرت فيها ، فلا معنى لمعارك هامشية خاسرة لا تقدم ولا تؤخر ، بل ولا حاجة لكسب مزيد من الإخوة الأعداء . القلب ينفطر لقسوة المشهد ولسوف أتوقف في السابع من أكتوبر ٢٠٢٤ عن كتابة يوميات الحرب . صرت أكرر نفسي ، ولعل الله يجد لنا ، هنا في فلسطين ، مخرجا . صار القلب من الحامض لاوي( ا ) وبدأ الواحد منا يكره ذاته . عجز وقلة حيلة وطعام زائد فيما أهل قطاع غزة ولبنان يعانون الأمرين .
الصواريخ اليمنية ، فجر اليوم ، تصل إلى تل أبيب والإسرائيليون يهرعون إلى الملاجيء .
٢٧ / ٩ / ٢٠٢٤

١٩
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
" على قلق كأن الريح تحتي "

اليوم الأحد ٦ / ١٠ / ٢٠٢٤ هو اليوم الأخير من عام الحرب الأول الذي بدأ يوم سبت في ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ .
مضى العام وكانت النتيجة عشرات آلاف القتلى ومائة ألف جريح ومشوه ويتيم وارمل وأرملة ومحو عائلات بأكملها من السجل المدني وتدمير قطاع غزة تدميرا شبه كامل لجعل الحياة فيه ، لأهل غزة في قادم الأيام ، شبه مستحيلة ، وهذا ما طمحت إليه الحركة الصهيونية منذ مؤتمرها الأول رافعة شعار " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " متسائلة عن مستقبل سكان البلاد ، وهو ما شغل بال الأب الروحي للحركة الصهيونية ( ثيودور هرتسل ) في روايته " أرض قديمة جديدة " ( ١٩٠٢ ) .
في بداية الحرب أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) أن الحرب حرب وجود ، وقال إنه تلميذ ( جابوتنسكي ) الذي رأى أن السلام في المنطقة يتحقق بالقوة / بالسيف ، وهذا ما لم يتحقق منذ بداية المشروع الصهيوني ، فالمقاومة ما زالت مستمرة والفلسطينيون ما زال نصفهم في أرضهم .
في ثلاثينيات القرن العشرين فهم الشاعر إبراهيم طوقان كنه المشروع الصهيوني فلخصه بابيات شعرية منها :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟ "
و
" يا قوم ليس عدوكم ممن يلين ويرحم
يا قوم ليس أمامكم إلا الجلاء فحزموا " .
ويبدو أنه قرأ ما انشغل به آباء الصهيونية في الموقف من سكان البلاد . ماذا سنفعل بهؤلاء الأغيار الغرباء الذين أقفروا بلاد آبائنا وصحروها في أثناء غياب آبائنا عنها ؟
ويبدو أن طوقان قرأ وجهتي النظر ، المختلفتين في النهج المتفقتين في النتيجة ، وهما وجهة نظر تيار رأى التضييق على سكان البلاد العرب ، حتى يرحلوا من تلقاء أنفسهم ، ووجهة نظر تيار ثان ذهب إلى أن ذلك لا بد من أن ينجز بالقوة ، ومنذ العام ١٩٤٨ والتياران يتصارعان حتى آل الصراع إلى غلبة التيار الثاني ممثلا الآن ب ( بنيامين نتنياهو ) وحزبه و ( ايتمار بن غفير ) و ( بتسلوئيل سموترتش ) ، ويبدو أن العام الثاني من الحرب سيتواصل في قطاع غزة وفي الجنوب اللبناني معا وفي الوقت نفسه ، ويبدو أن إسرائيل مصرة على تحقيق شعارها " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " بالقوة ، أو على الأقل " أرض أكثر وعرب أقل " .
في العام الأول من الحرب صار المرء عداد موتى وجرحى وعداد إحصاء دبابات دمرت وآليات أعطبت وبيوت نسفت على رؤوس أصحابها ، وما تحقق معكوسا هو أن العرب ليسوا أبناء صحراء يدمرون الطبيعة ويخربونها ، وهذا ما حفلت به الأدبيات الصهيونية ، وإنما هم بنوا وشيدوا المشافي والمدارس والجامعات وجاء الإسرائيليون ليقفروها ويصحروا قطاع غزة ، كأنما أسقط الصهيونيون ، في أدبياتهم ، صفاتهم التي تقبع في أعماقهم ، على العرب ، وهنا نتذكر ثانية ما قاله طوقان فيهم :
" أعداؤنا - منذ أن كانوا - صيارفة
ونحن - منذ هبطنا الأرض - زراع " .
في عام الحرب الأول استرجع المرء أحداث مائة عام من الصراع ، كأنما كان زبدتها كلها . لقد عشنا النكبة الجديدة وعشنا معها أيضا النكبة الأولى وما بينهما ، فما من حدث إلا ذكر بمثيله ، بل وأكثر .
وإذا كان طوقان نفسه قال :
" أمامك أيها العربي يوم
تشيب لهوله سود النواصي
مناهج للإبادة واضحات وبالحسنى تنفذ والرصاص
لنا خصمان ذو حول وطول
وآخر ذو احتيال واقتناص
تواصوا بينهم فأتى وبالا
وإذلالا لنا ذاك التواصي "
فإن الخصمين ما زالا هما هما مع حلول الولايات المتحدة الأمريكية محل بريطانيا العظمى دون أن تتخلى الأخيرة كليا عن دورها القذر ، فطائرات تجسسها ترصد الأماكن التي يقبع فيها المقاومون وتقدم المعلومات التي تجمعها إلى الجهة الإسرائيلية ، لتتمكن الأخيرة من تتبعهم وتصفيتهم .
مر العام الأول ونحن نرصد أحداثه ساعة ساعة ويوما يوما وشهرا شهرا ، ونتابع أخبار الجبهات في الشمال والجنوب وما يلم بالسكان المدنيين ، نتابع هذا كله متابعة حثيثة حتى فقدنا الشغف بالحياة في أبسط مظاهرها . الشغف بالقراءة والشغف بالسفر والشغف بمتابعة مسلسل والشغف بحضور مؤتمر أو إلقاء محاضرة ومحاورة جمهور الحاضرين .
عندما أقارن في باب القراءة مثلا بين ما قرأته في هذا العام بما قرأته في أعوام سابقة أرى الفرق واضحا . فلأول مرة منذ خمسة عقود لم أقرأ في عام كامل سوى ثلاث روايات ، حتى الدراسات الطويلة والمقالات التي تزيد على خمس صفحات أكمل قراءتها بالكاد . صرت قلقا لا يثبت على حال ، قلقا حتى لكأن المتنبي قال بيته يصف حالتي :
على قلق كأن الريح تحتي
أوجهها جنوبا أو شمالا .
لا استقر لساعة دون أن أبحث عن آخر الأخبار ، وفي الأيام الأخيرة بدأت الأوضاع تتأزم أكثر وأكثر و ... و ... .

( دفاتر الأيام الفلسطينية ٦ / ١٠ / ٢٠٢٤ )
( الجمعة٢٧ / ٩ / ٢٠٢٤
والثلاثاء والأربعاء ١ و ٢ / ١٠ / ٢٠٢٤)
عادل الاسطة

.٢٠
أحمد رفيق عوض في روايته الأخيرة " دابة الأرض " :
صورة قاتمة للأوضاع السياسية والاجتماعية في رام الله :

تبدو الصورة التي يخلص إليها المرء بعد قراءة رواية أحمد رفيق عوض الجديدة " دابة الأرض " ( ٢٠٢٥ ) مظلمة وقاتمة ، وإن انتهت الرواية نهاية لا تختلف عن نهاية روايته الأسبق " الحياة كما ينبغي " ( ٢٠٢٢ ) . ليس هناك بديل ومخرج إلا الاستمرار في مقاومة المحتل لا الاستسلام له .
وربما تذكر قاريء الرواية هذه روايتين سابقتين للروائي كتبهما في تسعينيات القرن العشرين ؛ أولاهما " قدرون " ( ١٩٩٦ ) وثانيتهما " مقامات العشاق والتجار " ( ١٩٩٧ ) ، ففي الأولى بدت صورة المجتمع الفلسطيني القروي سوداء مظلمة ، وفي الثانية قرأنا عن المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو في عهد السلطة ما لا يبعث على التفاؤل .
في روايته الجديدة كأنما يواصل الكاتب ما سبق ليقدم لنا صورة عن المجتمع الفلسطيني في رام الله ، وتحديدا مجتمع السلطة ومن يدور في فلكها ، صورة لا تبدو وردية على الإطلاق ، يمكن قراءتها في الفقرة الآتية من الرواية :
" لملمة الفضائح والحفاظ على الصورة والتكيف مع الخطأ أو حتى الخطيئة هي جزء من قدرة هذا المجتمع على الاستمرار أو على الرغبة في التدمير الذاتي أيضا ، حدث وأن تمت لفلفة جرائم قتل وفساد وغير ذلك بطرق لا يعلمها إلا الله ، وهو أمر يطرح تساؤلات عن القيم والمعايير وعن الصحة المجتمعية والمناعة والمنعة الجماعية ، الاستهانة بالجريمة وتبهيت القيم والاحتفاء بالمخالف ، حولنا إلى مجتمع عنيف يعبد القوة ويخضع لها . ما الذي جرى حقا ؟ لا أحد يعرف . قيل ذلك خلال الجلسات الخاصة في الدوائر الحكومية ومقاهي المساء أن هناك إعادة اصطفاف وترتيبات جديدة لمواجهة موجات المعارضة والمنشقين " ( ٢٤٩ ) .
مآلات الثوريين وخلاف الإخوة على الميراث ونزاع السلطويين فيما بينهم وحل المشاكل بالزعرنة والرشوات وصفقات المال و ... و ... و ... هي ما نقرأ عنه ، وما نقرأ عنه أيضا موقف المحتل مما يجري وما يقوم به على أرض فلسطين وكيفية تعامله مع هؤلاء .
يمتد الزمن الروائي للرواية إلى العام ٢٠٢٤ ، إذ يسرد الراوي عن انعكاس طوفان الأقصى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ على الضفة الغربية وبخاصة ما جرى في مخيمات جنين وطولكرم .
سارد كلي المعرفة وغير محايد حتى من شخصيات روايته ، إذ ينحاز إلى شخصيات ضد أخرى ، ويظهر صورة للمرأة النابلسية ستطرب لها بنات نابلس ، فالزوجة الخامسة للسياسي الفلسطينيي العائد من المنفى تختلف عن الأولى والثانية والثالثة والرابعة . الفلسطينية والرومانية واللبنانية والأردنية . علما بأنه تزوجها وهو في الستين من عمره فيما كانت في الثلاثين .
ربما تقدم سحر خليفة على قراءة هذه الرواية وترى فيها صوت احتجاج يذكرها برواياتها ، وربما تجد فيها الروائية النابلسية الثانية عفاف خلف تشابها مع روايتها الثانية "ما تساقط " !
يقولون " الأسلوب هو الرجل نفسه " وأظن أن شخصية أحمد رفيق عوض التي نصغي إليها تتحدث في السياسة لا تختلف عن شخصية سارده وروح روايته .
لعلني أعود إلى عنوان الرواية في خربشة ثانية !
ما قصة دابة الأرض ؟!
٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥

٢١
غزة 722 :
في انتظار البرابرة . كتابة ثالثة

في قراءتها الأولية في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) في الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء ٢٦ / ٩ / ٢٠٢٥ أوردت الكاتبة غانية ملحيس الآتي على لسانه :
" لست نبتا شيطانيا كما يصورني الإعلام ، بل مرآة عاكسة لحقيقة يهود إسرائيل ؛ ف ٩٠ ٠ / ٠ ... يؤيدون محو الوجود الفلسطيني في فلسطين الانتدابية ، فقد عارض ٩٩ عضو كنيست ( من مجموع ١٠٩ أعضاء يهود - أي ٨ ، ٩٠ ٠/٠ ) إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من أرض فلسطين الانتدابية " .
و
" ٩٠ ٠ / ٠ من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة مؤيدون لحماس ولطوفان الأقصى ، ما يعني انهم يشكلون خطرا وجوديا ويستحقون بذلك الإبادة "
ولنلاحظ العبارة الأخيرة " ويستحقون بذلك الإبادة " - يعني ، يا أهل الضفة الغربية ، قربت .
لم أخرج اليوم ، على غير العادة ، من شقتي ، ويبدو أنني تسممت من طعام ما أو أنها البازيلا والجزر بلحم الخاروف رفعت نسبة السكر في الدم أو أنه التوتر والقلق من الأخبار التي لا تسر .
أتمنى أن أكون مثل الأستاذ سليم في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " - أي أن أموت قبل ليلة واحدة من إبادة أهل الضفة الغربية .
في كتابتي يوميات الكورونا تساءلت إن لم يكن هناك إمكانية لاختراع لقاح يتكيء على فصيلة الدم ؛ دم يهودي ودم غير يهودي ، ينجي الأول ويقتل الثاني ، ثم شاعت قصة اللقاحات منتهية الصلاحية .
ترى ألا يمكن اختراع قنابل إبادة تميز بين دم ودم .
قسم من أهل قطاع غزة ناشدوا " أبو يائير " أن يلقي عليهم قنبلة نووية ويريحهم مرة واحدة .
حالة تعبانة يا ليلى !
( مش ليلى عبد اللطيف ، وإنما ليلى زياد الرحباني )،.
٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى