أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٨ أيلول من كل عام

١
اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير :

فكرة جيدة أن نظل نكتب عن اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير .
اليهودي لأنه يوفر لنا فرص عمل و لأنه يساعدنا ، ونحن شريرون لأننا نقابل إحسانه باساءة بادية . إحسان صباح الخير .
أنا مثلا فلسطيني شرير لأن الملك أحسن لي وأنا صرت عاقا فقابلت إحسانه - لا إحسان الديك - طبعا بالإساءة . انجليكا. ايضا أخذتني إلى ألمانيا ولم أقصر بالإساءة إليها .
كان ينبغي أن أنفذ لها ولكارل ولمانويل كل ما يطلبون مني .
هكذأ أكون فلسطينيا طيبا على رأي علي فودة صاحب " الفلسطيني الطيب " .
" ارفع رأسك فأنت فلسطيني " .
صباح الخير يا إحسان الديك .
حنظلة
٢٠١٣

٢
اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير :
في ذكرى انتفاضة الأقصى .

نحن الفلسطينيون أنذال لأننا قتلنا يهوديا أحسن إلينا .
نحن بدو أتينا من الصحراء حيث اعتدنا السلب والنهب والقتل .
نعم نحن أذناب، ولكن لصاحبي ابن جنين رأيا آخر يلخصه السؤال الآتي :
- ماذا حدث في جنين قبل أسبوع؟
وكيف تم قتل المواطن في منزلة بدم بارد وكان يمكن اعتقاله؟
لقد قتلوه وهو في الفراش أمام أخيه .
نحن الفلسطينيون أنذال لأن واحدا منا قتل يهوديا طيبا . واليهودطيبون لأنهم يمكنوننا من العمل في أرضنا - بلادهم .
على فكرة رؤبين شاعر اليهود نعتنا بهذا في 30 ق 20 .
اليوم ذكرى انتفاضة الأقصى .

" ارفع رأسك فأنت فلسطيني "
حنطلة
٢٠١٣

٣
حافلة المساء :

وأنا عائد إلى منزلي شرق المدينة خطرت لي فكرة متابعة الكتابة عن اليهودي الطيب والفلسطيني الشرير . طبعا لا أقصد باليهودي الطيب (ايلان بابيه ) و ( شلومو ساند ) و (جدعون ليفي ) و (اوري افنيري ) فهؤلاء أسرار مثل الفلسطيني . وإنما أقصد المستوطنين واليمين .
وأنا في الحافلة تخيلت نفسي رسام كاريكاتير . أنا فاشل في الرسم ولكني تخيلت اليهودي الطيب شمشون الذي يحمل بيده اليمنى أسنان جرافة وباليسرى رغيف خبز يقدمه لنا .
تصوروا كيف يصادر أراضينا يوميا .
تصوروه أيضا يأتي ليقل عمالنا بحافلته حتى ينجزوا له العمل .
مساكين عمالنا يريدون رغيف الخبئز .
اليهودي طيب . أبي شرير . لماذأ لأن اليهودي شغل أبي على باصات ( ايغد ) فقام ابي بتحميل بعض معارفه بالمجان ، ولذلك اتهم بالسرقة .
طرد أبي في نكبة 1948 من يافا وعاش لاجئا .
هكذا بدا لي اليهودي الطيب ، بدا لي ذراع جرافة .
ارفع راسك يا أبي فأنت يافاوي من حي النزهة .
حنظلة .
٢٠١٣

٤
د.هاشم ياغي :

تعلمت على يديه وكان أستاذا فاضلا وكان أبا رؤوفا . عرفته والتقيت به في العام 2001 أيضا في مؤتمر قسم اللغة العربية وكان كما عرفته طالبا .
كان خلوقا دمثا ذا صدر واسع يتفهم غضبنا وثورتنا وخروجنا أحيانا عن مألوف أخلاق الباحث . الرحمة للدكتور هاشم مربي الأجيال .
منه عرفت محمود درويش والسياب وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ . وعرفت احترام الأكاديمي رأيه حتى لو اختلف مع أخيه.
الرحمة للدكتور هاشم . لقد كان قدوة لي
حنظلة
٢٠١٣

٥

يوميات غزة ولبنان ( ٣٥٨ ) :
تعليقات الإسرائيليين وتعليقات العرب

أدرج مواطن إسرائيلي ، هو ( بنيوت هتسيبور ) صورة للمرحومين صالح العاروري وإسماعيل هنية وحسن نصرالله - إن تأكد ارتقاء الأخير من حزب الله ، فقد أكدته إسرائيل - وعقب عليها أكثر من مائتي إسرائيلي ، فما هو محور تعليقاتهم التي كان أكثرها ساخرا وشامتا ومادحا لفعل الاغتيال ومتغنيا برئيس وزرائهم وبقادتهم العسكريين وبجيشهم ؟ ( قرأت الترجمة الآلية للتعليقات )
امتدح الإسرائيليون ما يقومون به من جمع شمل العائلات ، فقد جمعوا شمل الأبناء بالأمهات من أجل مصلحة العائلة ، وحققوا للثلاثة الزواج بالحوريات العذارى ، ولكنهم خشوا من أن يتحاربوا بشأنهم ، وتساءلوا إن كان هناك عدد كاف منهن تحول دون اختلافهم عليهن ، وقسم تساءل عما سيلم بعذارى الدنيا ، فقد لا يجدن ذكورا لهن .
آخرون كتبوا إنه لا بد من جوكر لتكتمل اللعبة ، وذكروا اسم السنوار ، فلا بد من جمع شملهم به ، واقترح آخرون عليه أن يسلم نفسه فينجو .
ولم ينس بعض المعلقين عطلة نهاية الأسبوع ، فرأى أنها ستكون نهاية أسبوع جيدة للاحتفال .
العرب انقسموا إلى قسمين ؛ قسم حزن فصمت وما زال ينتظر تأكيدا من حزب الله ولاحظ الصمت المريب لفضائية المنار ، وقسم بدت الشماتة لديه واضحة ، بخاصة بعض السوريين وبعض أهل السنة ، فكتبوا كتابة حاقدة بلغت أن أشاد قسم منهم بالجيش الإسرائيلي وقيادته ، بل وتغنى بالحدث فوزع الحلوى .
و ... و ... و ...
يا إلهي ! إلى أين نحن ذاهبون ؟؟
ثمة صمت وترقب وانتظار أيام قاسية صعبة . هل نحن ذاهبون إلى المجهول ؟
في انتظار حيفا وما بعد بعد حيفا .
٢٨ / ٩ / ٢٠٢٤

٦
أكرر : " متعلمون صهاينة " :

من هي الجهة التي تعبث بمقالاتي وتجعلها حافلة باﻷخطاء الطباعية ؟
من يقف وراء عامر ؟
أو وراء سكرتيرة ما ؟
مرة كتبت " متعلمون صهاينة ".
ببساطة نسقت كتابا جديدا ضممت إليه مقالا قديما عن أحمد دحبور " فجيعة الغياب .. البحث عن الناصرة في الناصرة " وكنت نشرته في الحياة الجديدة بلا أي خطأ . فماذا وجدت ؟
وجدته يحفل باﻷخطاء .
أعتقد أن هناك مريضا نفسانيا يقف وراء عامر أو السكرتيرة .
ليست خربشات
المقال منشور في الحياة الجديدة في 6 / 1 / 2000 وكنت أرسلته إلى الجريدة مطبوعا ونشر فيها خاليا من أي خطأ ، ولسوء حظ العابثين أنني أمتلك صورة منه /الجريدة اﻷصلية .
٢٠١٥

٧
سيرة فدوى طوقان وشعر محمود درويش:
إلى جانب أهمية سيرة فدوى في أثناء دراسة شعرها لإضاءته ،فإنها تضيء بعض قصائد محمود درويش ،بخاصة قصيدته التي أهداها لها "يوميات جرح فلسطيني ".
الجزء اﻷول من السيرة الذي انتهى زمنه في آب 1967 -أي بعد شهرين من حرب حزيران-يأتي على قراءة فدوى, مع صديق رمزت له بالحرف (ل) ,بعض قصائد درويش لم تتمكن فدوى من فك شيفرتها ﻷنها لم تكن ملمة ببيئة الشاعر إلماما كافيا.إنها ترى أن نص الشاعر يفهم أفضل إذا فهم المرء بيئة الشاعر،وهذا ما لا يروق للصديق )ل( الذي يميل إلى دراسة النص بعيدا عن حياة مؤلفه.
فدوى تأتي على ( ت.س.إليوت) الذي كان يميل إلى دراسة النص بعيدا عن مؤلفه ،لكنه تراجع وأدرك خطأ هذا ،وأخذ يدرس النص في ضوء حياة مؤلفه.ولكي تفهم فدوى أشعار درويش وتفك شيفرتها فعليها أن تعرف من هو وما هي بيئته.
غسان كنفاني فعل هذا في كتابيه عن أدب المقاومة.
28 /9 /2015

٨
عمي شمعون بيريز في ذمة الله:
أخذ نصيبه من دمنا (حصته ) ومر.ها هو يأخذ حصته من أرضنا.
ربما وجب أن نقرأ:
أيها المارون بين الكلمات العابرة.
رحل بعد خراب البصرة وحلب وتفرقنا أيدي سبأ؛ايدي عرب ودول اسكندنافية.
مرة كتبت إنه عمي فهو يشبه أبي ملمحا خارجيا.
نظرا للمجازر في حلب يعتذر آل الفقيد عن تقبل التعازي.
٢٨/ 9 /2016

٩
سائق الصباح :

عرفني سائق التاكسي هذا النهار بنفسه وأخبرني بأنه
خريج من جامعة النجاح الوطنية في العام ١٩٨٧ ، ثم حصل على ماجستير سياحة وآثار من الأردن ودكتوراه سائق سيارة أجرة .
حمد الله وأصر على أن يوصلني إلى باب العمارة خدمة للعلم والعلماء ، وأخبرني أنه يعرف أخي فقد كانا في الدفعة نفسها .
واصل السائق طريقه مبتسما . ربما كان يردد : " على هذه الأرض ما يستحق أن تستشهد من أجله : أم البدايات " .
ولما سألني إن كانت هناك مشاكل وفوضى في شرق المدينة ، أجبته بالآتي:
- لا أدري ، فقد كان ذهني منصرفا إلى التفكير برفع قضية ضد البنك واساءاته لي .
سلامات يا راحة البال.
٢٨ /٩ /٢٠١٦

١٠
طلاب الماجستير وبيت "أبو فراس " :

" أيا أم الأسير لمن تربى ، وقد مت ، الذوائب والشعور ؟ "

مرة أجرينا في قسم اللغة العربية ، ل 20 من حملة الماجستير ، امتحانا لنستعين بهم في التدريس؟
واحد من ال 20 شكل البيت تشكيلا صحيحا وأعربه.
هل يحق لي أن أقول إن الآخرين لا يستحقون درجة الماجستير؟
طبعا لا ، فقد ارتبكوا أو ما شابه .
أعتقد أيضا أنه لا يجوز لنا أن نحكم على حامل دكتوراه أدب عربي بأنه ضعيف لأنه ارتبك وهو يقرأ بحثه في مؤتمر ، وهو ما حدث فاستغربت طالبة دراسات عليا من الأمر .
هناك ما هو أدهى وأفظع . هناك:
- المنهج
- الإشراف
- الموافقة على خطة طالب ما ضعيفة ،
وهناك
- الأبحاث الضعيفة التي يكتبها كثر .

معلش نحن في 28/ 9/2017
ذكرى انتفاضة الأقصى 17

١١
الروائي وبطله : يحيى يخلف في روايته " اليد الدافئة "

يعود يحيى يخلف في روايته الأخيرة " اليد الدافئة " ليكتب رواية يتطابق فيها الزمنان ؛ الكتابي والروائي - أي أنه يكتب الآن عن الفترة التي يعيش فيها - وهي بذلك تقترب من رواياته " نجران تحت الصفر " و" تفاح المجانين " و " نشيد الحياة " و "نهر يستحم في البحيرة " وتختلف عن رواياته الثلاثة الأخيرة " ماء السماء " و " جنة ونار " و " راكب الريح " ففي هذه الثلاثة اختلف الزمن الروائي عن الزمن الكتابي - أي أنه يسترجع ، في زمن الكتابة ، زمنا أسبق ليكتب عنه - وقد لفت الأمر نظري وأخذت أبحث عن الأسباب : أتعود إلى أن الكاتب الذي عاد إلى رام الله ، إثر اتفاقات ( اوسلو ) ، عاش في بيئة جديدة مختلفة لم يتمثلها جيدا ليكتب عنها ، فعاد إلى الذاكرة والتاريخ ليستوحي منهما موضوعات رواياته ، أم أنه رأى أن النكبة التي عاشها لم تكتب روائيا ، ففضل أن يوفيها حقها ، وأن يافا أيضا ، زمن نابليون ، لم تنكتب روائيا ووجبت كتابتها ؟
أيا كانت الإجابة فإن يحيى عاد بعد عشرين عاما من كتابة رواية يتطابق فيها الزمنان ؛ الكتابي والروائي ، هي " نهر يستحم في البحيرة " 1997 ، ليكتب رواية جديدة تنهل من الواقع ولا ترتد إلى زمن سابق .
في " نهر يستحم في البحيرة " كتب يحيى عن تجربة العودة من المنفى وعبر عن خيبة العائدين، وفي " اليد الدافئة " يعبر عن خيبة بطله مما آلت إليه أوضاعه بعد عشرين عاما ، وتحسره على الزمن الجميل ؛ زمن الثورة في بيروت ، علما بأن رواية " نشيد الحياة " لا تبرز صورة جميلة للثورة لذلك الزمن .
يختار يحيى لروايته شخصية كاتب وإعلامي شارك في الثورة الفلسطينية في المنفى ، وعاش في مخيم اليرموك فترة ، وتنقل بين قواعد الفدائيين ومعسكراتهم ، وعاد إلى فلسطين ليواصل رحلته ، ثم بلغ سن التقاعد فأحيل عليه وأخذ يشعر أنه صار على الهامش ولم يعد له دور . إنه صار مثل خيول مخيم اليرموك في زمن الاستغناء عن خدماتها وأيام هرمها ، والخيول معادل فني لبطل الرواية - وغالبا ما يعتمد الكاتب في بناء رواياته على معادل فني - ويعبر أحمد أبو خالد عن همومه وأحزانه ويصف وحدته ، بعد أن فقد زوجته ، وصارت ابنته الوحيدة بعيدة عنه تقيم في دولة خليجية ، ويبدأ يتعود عادات جديدة ، ولأنه كاتب وإعلامي فإنه يفكر في كتابة رواية عن جيل الثورة الذي تقاعد ، وتذكرنا بداية الرواية برواية ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " فالوحدة والانقطاع عن العمل ، والتهميش ،هي ما آل إليه ، ولكن حياته تتخذ مسارا آخر حين يتعرف إلى امرأة في الأربعين تمد له حبل وصالها هي ذات " اليد الدافئة " .
الشخصية الرئيسة في الرواية وهي أحمد أبو خالد تتقاطع كثيرا في تجربتها مع تجربة الكاتب نفسه، ولكنها لا تتماثل معها تماثلا تاما ، فثمة معلومات نعرفها عن الكاتب تختلف عما قرأناه عنها ، منها أن ليحيى غير رواية في حين يشرع أحمد بكتابة روايته الأولى ، ومنها ما يخص عائلة كل منهما ، فليحيى ابن هو هيثم ولأحمد ابنة أنثى ، وما أعرفه أن زوجة يحيى ما زالت على قيد الحياة . ولكن ما هو متشابه يتمثل في تجربة الاثنين مع الثورة وفي إقامتهما في مخيم اليرموك وأماكن اخرى في المنفى ، وفي عودتهما إلى الضفة ، وفي تحولهما من العمل السياسي إلى العمل الثقافي ، وفي تقاعد كل منهما ، وفي شعور كل منهما بأنه كاتب مجيد يتقن حرفة الكتابة ، وعدا ذلك في تعاطفهما مع الفقراء والبسطاء ، والإشارة الأخيرة يجب الوقوف عندها ، لأنها تقول لنا إن في أحمد أبو خالد من يحيى أكثر مما نتصور .
في روايات يحيى أكثرها ما هو متشابه وما يقول لنا إنها تعكس مبنى ذهنيا واحدا لا يختلف ، على الرغم من اختلاف شخوصها واختلاف بيئاتهم وتجاربهم .
سوف أقف ، بإيجاز أمام ثلاث روايات ، لتبيان ما أذهب إليه و الروايات هي :
" نجران تحت الصفر " 1975و " نشيد الحياة " 1983 و " اليد الدافئة " 2018 .
في الأولى يختار مشعان بطل الرواية بعد رحلة العذاب والمعاناة النضال والوقوف إلى جانب الفقراء ضد النظام الملكي ، ويذهب إلى حارة السبيل حيث " يسكن هناك العمال والأجراء والفقراء ومن ليس لديهم مأوى " ليعيد ترتيب الأمور .
الفقراء والبسطاء والعمال طببون ، وفي " نشيد الحياة " يبدو أهل المخيم الفقراء كذلك ، وحين تبدأ حرب 1982 ، ويكون المقاتل في بيت إمرأة للمتعة ، يترك البيت ، لا ليعود إلى بيروت هاربا ، وإنما ليعود الى " موقعي " في الجبهة ، وهو يختلف عن بعض من سرقوا وهربوا ، وفي " اليد الدافئة " يقول الكاتب أحمد أبو خالد مخاطبا بلاده :
" تستحقين الحرية والديمقراطية والعدالة لشعبك المعذب ، تستحقين قيادات مختلفة، قيادات شابة خارجة من صفوف الفقراء والبسطاء وأبناء البلد ، توحد ولا تفرق ، وتستنهض كل عناصر القوة التي يتحلى بها شعبنا ".
وتذكرنا عبارة " خارجة من صفوف الفقراء والبسطاء وأبناء البلد " بما ورد في " نشيد الحياة " حيث يستورد المقاتلون من بلاد إسلامية وافريقية ، ولكن السؤال هنا :
هل قيادات شعبنا من خارج البلد ؟
يتغنى أبطال يحيى كلهم في رواياته كلها بالفقراء والبسطاء وينتقدون القيادات إلا في " تلك الليلة الطويلة " التي كتبها عن سقوط طائرة المرحوم ياسر عرفات في الصحراء الليبية حين كان مقربا منه .
كما لو أن يحيى يمتلك أفكارا جاهزة يفصل لها الأحداث .
في الرواية الأخيرة معلومات كثيرة يمكن أن تناقش منها هذا التعاطف الأعمى مع " الفقراء والبسطاء " .
أليس كثير من الفقراء والبسطاء هم من قيادات الثورة الذين أثروا ؟ والناس أكثرها تعرف ، فهي لا تنسى كما قال أحد شخوص " نشيد الحياة " .
في الرواية تكرار ممل لعبارة " اليد الدافئة "كما لو أن الكاتب يستغبي القاريء ويشك في ذاكرته . والصحيح أن الرواية فيها حشو وأخطاء في المعلومات التي تعبر عن عدم إلمام الكاتب ببيئة روايته إلماما جيدا . إن بطله يتحدث عن غابات في الغور فيها وحوش ضارة و " عرابيد سامة " ، ولا أعرف شخصيا وجود غابات هناك . هناك بيارات وجبال غير مزروعة ، والأفاعي هي السامة لا العرابيد التي تهاجم وتعض ، كما أن الطريق من نابلس إلى الباذان ليس فيه سوى مطعم واحد ،فلا مطاعم كثيرة .
هناك أشياء كثيرة في الرواية يمكن مناقشتها ، وهي عموما يمكن أن تضاف إلى أدب العائدين الذي يمكن أن تدرس موضوعاته وخصائصه ، ليرى المرء كيف ارتطمت الآمال والأحلام بالواقع ، وكيف كانت النهايات صادمة مخيبة ، وهذا ما توصلت إليه مبكرا ، وأنا أقرأ النصوص الأدبية التي أنجزت بعد عودة الكتاب .
28 ايلول 2018

١٢
سهيل كيوان: بلد المنحوس

إذا كان أميل حبيبي حدد المنحوس بسعيد الفلسطيني فإن قاريء "بلد المنحوس" يتساءل: من هو المنحوس؟
ودال منحوس قد تشير إلى غير مدلول وللسياق أثره في ترجيح مدلول ما.
المنحوس هو الذي أصابه النحس "المنحوس منحوس لو حطوا على قفاه فانوس... الخ "، والمنحوس هو الشخص غير البسيط: "يا منحوس!".
حقا من هو المنحوس في رواية "بلد المنحوس "؟
هل هو الفلسطيني الذي وقع عليه النحس؟أم هو اليهودي الصهيوني الذي فعل بالفلسطينيين العجائب؟ أم أن البلد فلسطين هي النحس وكل من يقيم فيها تنتحس حياته فاعلا أو مفعولا به؟
لا أحد نجا مما حدث في عام النحس/ النحسة الكبرى في 1948. لا الفلسطيني مثل شكري وغيره، ولا ايزاك اليهودي البولوني الذي فعل الاعاجيب.
كلهم/ كلهن انتحسوا مما جرى وأجمل النحس هو حمامة ايزاك.
28 ايلول 2018.

١٣
الروائي واستغباء القاريء:
يحيى يخلف " اليد الدافئة "

وأنا أقرأ رواية يحيى يخلف الأخيرة "اليد الدافئة "2018 تذكرت مقالة غسان كنفاني "كيف تفسد قصة ناجحة؟ ".
كان كنفاني ناقدا أدبيا ساخرا، وهذا الوجه الساخر له لا يعرفه عنه كثيرون، فهو لا يظهر في رواياته أو دراساته أو مسرحياته أو قصصه القصيرة، وإنما يظهر في المقالات التي كان يوقعها باسم" فارس فارس ".
كان كنفاني تناول مجموعة قصصية للكاتب اللبناني توما الخوري ورأى أنها قصص جيدة لولا أن صاحبها أفسدها من ناحيتين: استخدام مفردات وعبارات لا تلائم زمننا وإقحام عبارات تستغبي القاريء، ودلل كنفاني على ما ذهب إليه.
في رواية يحيى يخلف "اليد الدافئة "ما يذكر المرء بالقصص التي كتب عنها كنفاني.
يكتب يحيى رواية عن الفلسطينيين العائدين إثر اتفاقات( أوسلو )ويختار فلسطينيا كان نشيطا وهو في المنفى في صفوف حركة المقاومة، ويعود هذا الفلسطيني إلى رام الله ويعمل في أجهزة السلطة الفلسطينية ثم يحال إلى التقاعد فيعيش على الهامش ومما يزيد من همومه ومشاكله أنه فقد زوجته وأن ابنته الوحيدة تقيم مع زوجها في بلد خليجي.
يحاول هذا الفلسطيني العائد المتقاعد الذي غدا على الهامش أن يتكيف مع واقعه ويفكر في كتابة رواية. وهكذا تكتب رواية داخل الرواية، وموضوع الرواية هو سمعان الناصري الفلسطيني الثوري الذي صار وغدا.
لقد ترك سمعان بيروت والثورة واستقر في برلين وهناك تعرف إلى إفريقية ،هي صوفي، أقام معها علاقة فاحترمته وانقذته من الضياع ثم تخلى عنها لأنه أقام علاقات نسائية مع اوروبيات شقراوات..
بطل رواية يحيى يغدو مؤلفا روائيا، وكما يقص سارد كلي المعرفة عن الشخصية الرئيسة أحمد أبو خالد فإن أحمد يقص بدوره حكاية سمعان.
كلاهما أحمد وسمعان كانا في الثورة الفلسطينية في لبنان، واختلفت بهما السبل ولكنهما ظلا على تواصل.
بغض النظر عن الموضوع الروائي فإن سارد رواية "اليد الدافئة "-وهو يحيى، إذ ليس ثمة ما يقول لنا إنه غيره ،-غالبا ما يستغبي القاريء، ويبدو هذا من خلال تكرار كلمات تكرارا لافتا يمكن الاستغناء عنها، ولعل أكثر هذه هي الكلمات التي كانت عنوانا للرواية "اليد الدافئة "وصاحبة اليد الدافئة هي المرأة التي يتعرف إليها أحمد أبو خالد .لقد تكررت لدرجة الملل، ومثل كلمتي "اليد الدافئة "وصفه صديقة سمعان صوفي الخلاسية اللون. إنها تشبه الشوكلاطة ولم يورد الوصف مرة واحدة. غالبا ما عاد ونعت تلك المرأة بالوصف ذاته، وربما يبدو إحصاء تكرار مثل هذه الكلمات أمرا مجديا للتدليل على الإفراط في الوصف دون حاجة. والتكرار هنا لنعت المرأة تكرار برز من قبل في قصة يحيى"تلك المرأة الوردة".
لا يترك يحيى لقاريء قصته أو روايته فسحة لكي يستنتج هو بذاته صفات المرأة الإيجابية. إنه يقولها ويكرر قولها تكرارا لافتا كما لو أن القاريء بلا ذاكرة وغير قادر على الاكتشاف والحكم.
ويبدو هذا التكرار غالبا ضربا من الحشو والاستطراد معا، تماما كما أن بعض ما أورده السارد في بعض صفحات الرواية كلام يمكن الاستغناء عنه، ولعل أبرز مثال نجده في الصفحة الأولى.لنلاحظ مثلا هذا الاكتشاف العجيب: "للانسان طفولة وشباب وشيخوخة، للطفولة براءتها وللشباب جسارته وللشيخوخة عزلتها"(10).
كان كنفاني كما ذكرت توقف أمام عبارات ومفردات تراثية في قصص توما الخوري التي نقدها ورأى أنها عبارات ومفردات تبدو مضحكة.
لا تخلو رواية "اليد الدافئة "من استخدام عبارات كانت ابنة بيئتها وما عادت تناسب البيئة التي استخدمت فيها. من ذلك أن أحمد أبو خالد الذي يكتب رواية عن سمعان الناصري يصف حالة سمعان وهو في (برلين) حين يعود مهزوما فاشلا لصديقته ،يصفه على أنه كان أشعث أغبر.
إن عبارة أشعث أغبر عبارة نقرؤها في الأدب العربي الذي كتب في البادية مثل شعر عمر بن أبي ربيعة.
في رائية عمر:
"أمن آل نعم أنت غاد فمبكر "
وصف لحالة عمر متنقلا في الصحراء. لقد صار لهذا أشعث أغبر، والذين قرأوا القصيدة سخروا من عمر لوصفه نفسه الوصف السابق، فقد عرف عنه أنه يعيش في المدينة عيشة مرفهة وأنه بذلك وصف نفسه بما ليس فيه.
ومن العبارات اللافتة العبارة التي نطق بها الكاتب المجيد أحمد أبو خالد يخاطب سائقه أبا الخير: "ها انت يا صديقي صرت حكيما أو تحتذي بحذاء الحكماء "(226) ولست متأكدا من صواب العبارة التي أعادتني إلى المعجم واستفتيت في صحتها القراء. هل عرف عن العرب استخدامهم عبارة"تحتذي بحذاء الحكماء "للتدليل على أنه صار على طريقتهم أو نهجهم؟
في المعجم حذا حذو الحكماء لا احتذى بحذائهم.
ويخيل إلي أنها ضرب من الفذلكة اللغوية.
هل كان يحيى وهو يكتب روايته اسير اللغة مسحورا بها؟
أزعم أن كثيرا من كتابنا لا يدخلون إلى نفسيات شخوصهم بما فيه الكفاية وأنهم يكتبون وأحيانا ينسون ما يكتبون.
في الرواية تحضر شخصية أبو مجدي خال نرمين ذات اليد الدافئة. أبو مجدي هذا تارة يرد "أبو مجدي" وطورا يرد "مجدي ".أهو الغفلة والنسيان أم أنها أخطاء طباعية؟
كان غسان كنفاني في مقالاته النقدية ناقدا حادا عنيفا وساخرا، وأتمنى ألا أكون تعلمت منه.
28 ايلول 2018.

١٤
الست كورونا :
" وبتقولوا كورونا منين ؟ " ثانية ( 88 )

عاد بعض الناس يتداولون أشرطة قديمة ؛ منها مثلا شريط تبخير مستشار عربي مغربي أو تونسي للرئيس ( دونالد ترامب ) حتى لا يصاب بالفايروس ( ومن شر حاسد إذا حسد ومن شر النفاثات في العقد ) ومن شر الفايروس إذا ربض واستبد ، ومنها شريط للدكتور خوري يقول فيه إن الفايروس عادي والتهويل الذي يحاط به مبالغ فيه ، و منها قصائد شعرية بالعامية يرى مؤلفها أن الكورونا عقاب لنا لما صرنا إليه وما أخذنا نمارسه ونرتكبه من أفعال .
روح الدعابة لم تتراجع ، فقد أخذت تطغى وتزداد .
آخر كتابة تبدو فيها روح الدعابة تتمثل في كتابة عن زوجين .
اعتاد الزوج على طبيخ زوجته وكان يأكل منه بشراهة ، ومرة أراد أن يداعبها ، فلما وضعت له الطعام وأكل عبر عن عدم رضاه لطبيخها ، فما كان من الزوجة إلا أن اتصلت بالإسعاف ، ولما حضر أخبرتهم بأن زوجها " مكورن " فقد فقد حاسة الذوق .
إياكم وغضب النساء والمزاح معهن ولا تمدحوا جمال وردة الجزائرية أمامهن وهي تغني . لا تمدحوا طولها وطول عنقها ، وإلا فأنتم مصابون بالكورونا .
كان لي قريب كلما شاهد وردة من على شاشة التلفاز تغني أخذ يمدح جمالها أمام زوجته ليغيظها وكانت شرارة الحرب تنطلق لساعات و .. وأعتقد أن ما كان يفعله كان يتكرر في بيوت كثيرة ، وانعكس الأمر لاحقا حين انتشرت المسلسلات التركية ، فلطالما أعجبت نسوة وشابات ببعض الممثلين الأتراك ، وربما لهذا السبب ترتفع أعداد الإصابات بالكورونا .
منذ شهر ونصف وأنا أقرأ يوميا ولا يعود الأمر إلى التزامي بنصيحة " خليك بالبيت " خوفا من الكورونا . إنه التقاعد والوحدة واعتزال الآخرين كما لو أنني آخذ بقول الشاعر :
" عوى الذئب فاستانست بالذئب إذ عوى
وصوت إنسان فكدت أطير "
وما إن أخرج من شقتي حتى تغزوها الكورونا عملا بقوله تعالى " ولا تدخلوا البيوت... " . هل تصلي الكورونا وتصوم وتراعي الجيرة والقرابة والأخلاق ؟
يقال " أيلول طرفه مبلول " فهل انبل طرفه في زمن الكورونا ؟
٢٨ أيلول ٢٠٢٠

١٥
يوم ماتت حمارة شخصية إحدى قصص " شيخة حليوي :

كنت قرأت قصص " سيدات العتمة " من سنوات ، وكانت المجموعة صدرت عن دار " فضاءات " في العام 2016 ، ولكن اهتمامي بفن القصة القصيرة تراجع لاهتمامي بفن الرواية وكتابة الدراسات حول موضوعات وظواهر .
من يقرأ اليوم القصص القصيرة ؟
أعتقد أن صديقي زياد خداش عاتب علي لإثارتي هذا السؤال .
ومع ما سبق يحدث أحيانا أن تقرأ بعض القصص القصيرة .
هذا الصباح قلت أقرأ قصة Sheikha H Hlewa " يوم ماتت حمارتي " ، فقد لفت العنوان نظري ، وذكرني بسيرة فدوى طوقان " رحلة جبلية .. رحلة صعبة " ١٩٨٦ .
لم تعرف فدوى طوقان تاريخ ميلادها ويوم أرادت إصدار جواز سفر تطلب الأمر شهادة ميلاد ، فسألت أمها عن تاريخ ولادتها ، وهنا أجابتها الأم :
- يوم استشهد ابن عمي كامل عسقلان . وأتمنى ألا أكون أخطأت .
ماذا حدث يوم ماتت حمارة الساردة في قصة شيخة ؟
القاصة التي نشأت في بيئة بدوية لم تخل بعض قصصها من تأثير البيئة ومن اللهجة البدوية ، وفي القصة المذكورة ترد عبارة على لسان أخ الساردة فيها .
الساردة التي تلبي احتياجات الأهل فتملأ المياه وتشتري الخميرة وتعتني بالأطفال تظل علاقتها بحمارتها موضع تساؤل ، وهي ترتاح لحمارتها أكثر من ارتياحها للبشر . الساردة تظل محور تفكير الإخوة ونسوتهن ، فيتمنى أخوها أن يرزقها الله بعريس ، وهي تفضل حمارتها التي تمنحها حريتها فتتنقل كما تشاء ولا تسجن بين جدران بيت العريس .
تمنح الحمارة الساردة الحرية والحركة كما تمنحها إياها حياة عدم الارتباط ، وهي مثل ميسون زوجة الخليفة الأموي معاوية :
" ولبس عباءة وتقر عيني
أحب إلي من لبس الكفوف "
ويأتي العريس .
ماذا يفعل الأخ أو الأسرة الآن بالحمارة التي تكون ظلا للساردة ؟ ماذا تفعل بها ويجب أن تصبح الأخت ظلا لرجل ، ومثلنا يقول " ظل رجل ولا ظل حيط " وفي حالة الساردة " ظل رجل ولا ظل حمارة " ؟
كانت الساردة تنام ساعة ساعتين في ظل الحمارة وكانت تحدثها وتغني لها و ...
وتنتهي القصة بالعبارة الآتية :
" يوم قتلت حمارتي " .
لقد تزوجت الساردة وكان يوم زواجها يوم موت / قتل حمارتها .
هل أخطأت القراءة العابرة ؟ لم تمت الحمارة بل قتلت .
وكنت في صباح هذا اليوم ضمنت " الست كورونا 88 " بيت البحتري أو المعري :
" عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوت إنسان فكدت أطير "
وكانت الساردة تستأنس بالحمارة ، وقد سبقها وسبق الشاعر الشاعر الجاهلي الشنفرى حين خاطب أهله :
" ولي دونكم أهلون : سيد عملس
وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع لديهم
ولا الجاني بما جر يخذل "
والثلاثة هم الذئب والنمر والضبع .
هل خرجت قصص شيخة حليوي من البادية كما خرجت منها لامية العرب ؟
٢٨ أيلول ٢٠٢٠

١٦
رشاد أبو شاور : " ترويض النسر "

ما يلفت النظر في رواية رشاد أبو شاور " ترويض النسر " الصادرة عن منشورات شروق في العام ٢٠١٩ هو عدم تحديد المكان ، وإن كان القاريء يستطيع تحديده ، فرشاد يقيم في الأردن .
تذكر رواية رشاد في هذا الجانب برواية عبد الرحمن منيف " شرق المتوسط " ١٩٧٧ ، ففيها لا يتم تحديد المكان .
صحيح أن عالم رواية رشاد ليس السجن كما هو عالم رواية منيف ، ولكن الروايتين تتقاطعان في تصوير عالم المخابرات والقمع في العالم العربي .
ماذا سيلم بالكاتب لو كان صريحا وذكر المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية ؟
ياسين رفاعية في روايته " من يذكر تاي " كان أجرأ من منيف وأبو شاور ، فذكر الشام وما جرى فيها .
حادثة اغتصاب رجل مخابرات لطالبة جامعية هي أمينة في رواية أبو شاور لا يختلف عن حادث اغتصاب وزير داخلية سوري لريتا الفلسطينية في رواية رفاعية ، ولم يتردد الأخير في تحديد المكان . ربما لأن رفاعية كتب روايته التسجيلية وهو بعيد عن دمشق .
في رواية رشاد تنتقم أمينة لاغتصابها فتقتل رجل المخابرات ، وتنتهي ريتا في رواية رفاعية نهاية مأساوية تدفعها إلى الانتحار ، وما نجح به وزير الداخلية السوري حيث جعل من الفلسطينية ريتا عاهرة يفشل فيه رجل المخابرات في رواية رشاد .
تذكر رواية " ترويض النسر " برواية ثانية ل " أبوشاور " هي رواية " سأرى بعينيك يا حبيبي " التي ترصد انتقال المجتمع من البداوة إلى الحضارة ، وتتشابه أحيانا الأجواء : البيئة ، مع اختلاف قليل - بيئة البداوة / بيئة الريف - والجامعة أيضا .
بساطة السرد والحوار وتقسيم الرواية إلى مقاطع تكاد هذه تتطابق / تتشابه أيضا ، وروايات رشاد يبدو أنها موجهة لعامة القراء ، فلا أسئلة فلسفية ولا سرد معقد ناجم عن اختلاط الأزمنة والأمكنة ولا استرجاع أو ... إلخ .. إلخ .
وأنت تقرأ الرواية تتذكر مظفر النواب :
" فجهاز الأمن يمد يديه بكل مكان " .
في السنوات الأخيرة كتب رشاد أربع روايات المسافة الزمنية بينها قليلة " وداعا يا زكرين " و " ليالي الحب والبوم " وهاتان أقرب إلى السيرة الروائية عموما ، خلافا ل " ترويض النسر " و " سأرى بعينيك يا حبيبي " فالكتابة عن التجربة الذاتية فيهما ضعيفة ولا يبدو حضور الكاتب فيهما إلا من خلال روحه وأفكاره الاجتماعية . أما الآراء السياسية والموقف من الأحزاب فلا تبدو ، خلافا لرواية " ليالي الحب والبوم " .
تعتقل المخابرات حمزة لمقالات كتبها وتقتله في السجن ويحاول رأس المال رشوة أخيه المهندس منصور فلا ينجح ويبقى ثابتا على آرائه المنحازة للفقراء ولأهل الريف قاصدا تحسين البنية التحتية لقراهم وربطها بالعاصمة ، ولا تنجح صديقته سناء بالضغط عليه ويتخلى عنها هي التي تريد حياة مرفهة فتحثه على قبول الرشوة .
تنتهي الرواية بقتل أمينة مغتصبها وبخطبة منصور من الدكتورة الجامعية وداد وببقاء العم طرفة وزوجته يوسفية في الوطن رافضين الهجرة إلى كندا ، وبطيران النسر الذي خدر وضعف وعجز عن الطيران ، ليحلق في السماء بعد اعتناء منصور به .
٢٨ أيلول ٢٠٢٠

١٧
سلاح عن سلاح يفرق :

على غرار عنوان فرعي لافت من العناوين الداخلية التسعة لرواية غسان كنفاني " أم سعد " ( ١٩٦٩ ) هو " خيمة عن خيمة تفرق " قال ، أمس صباحا ، مذيع في ( راديو ) " أجيال " ، وهو يأتي على استشهاد خمسة فلسطينيين ينتمي قسم منهم إلى حركة " حماس " ، قضوا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي ، إن سلاحهم هو السلاح الذي يبحث عنه الجيش ، لا السلاح الذي يظهر في الأعراس والمناسبات .
السلاح الأخير عموما لا يعني الإسرائيليين إطلاقا . إنهم لا يغضون النظر عنه وحسب ، بل إنهم يعملون على تعميمه وانتشاره وربما توزيعه ، ليقتل به الفلسطينيون أنفسهم ، اعتمادا على مقولة " دعهم يقتلوا أنفسهم " وبالعامية " فخار يكسر بعضه " أو " بطيخ يكسر بعضه " ، وهو ما يحدث عموما في الوسط العربي في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ .
عبارة المذيع كانت عابرة ، ولكنها كانت أيضا لافتة ، وفي سلاح الأعراس والمناسبات قال المخيال الشعبي عبارته الساخرة عن حملته - أي سلاح الأعراس والمناسبات - " الطخيخة " . ومرة في اقتحام مدينة نابلس وعدم ظهور هذا السلاح لمقاومة الجنود المقتحمين نادى جندي إسرائيلي على حملته ساخرا :
- وينهم الطخيخة ؟ ( أين هم ؟ ) .
أطرف سلاح فلسطيني مقاوم كان أمس هو كوز الصبر وألواحه ، فقد وقع جندي إسرائيلي على نبتة صبر اخترق شوكها ملابسه وانغرس في مؤخرته ، ما جعله يصيح حد البكاء ، وما جعل زميله وهو ينزع الشوك من الملابس يبتسم ساخرا ويقول للجندي الذي يتحرك :
- لات لات .
وأنا أشاهد شريط الفيديو الذي يصور المشهد تذكرت الشاعر المرحوم راشد حسين ابن قرية مصمص الذي توفي في منفاه في نيويورك في شباط من العام ١٩٧٧ . كان راشد قال :
" سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر
ان الشعوب إذا هبت ستنتصر
ولو قضيتم على الثوار كلهم
تمرد الشيخ والعكاز والحجر "
ولربما لو شاهد راشد الشريط لاستبدل الصبار بالعكاز !
كنت أود أن أقف أمام ملاحظة أبداها لي الشاعر الغزي Nasser Atallah لاحظ كثرة اقتباسي أسطرا من شعر محمود درويش ، وملاحظة ثانية تصب في الاتجاه نفسه أبداها القاص Tawfik Fayad ولكن ... لكن ذلك يحتاج إلى كتابة خاصة .
هل كتاباتي واقتباساتي من محمود درويش أدت حقا إلى " تصحيري " للشعر الفلسطيني ،
وبالتالي الإساءة إليه ؟
لا بد من توضيح هذا لاحقا و
تصبحون على خير
٢٨ أيلول ٢٠٢١

١٨
الصياد والغزالة :

يبدو كل ذكر صيادا لغزالة . هل تصطاد الغزالة أحيانا الصياد ؟

يبني فاروق وادي روايته الأخيرة " سوداد " ( ٢٠٢٢ ) على حكاية الصياد الذي يلاحق الغزالة ليصطادها فتهرب منه ومن رمحه " تتوجه إليها حزمة ضوء ثالثة لتضيء لحظة مآلها التراجيدي الرهيب ، غير أنها وهي تهوي وتهوي وتهوي نحو الأغوار العميقة للبحر المتماوج ، ظلت تحرص على أن ترسل نظرتها الأخيرة المشوشة ، المثخنة بمشاعر متضاربة ، إلى قاتلها ، فتشعله بلفتة قبل أن تشهد نهايتها ، وكأنها تطمئن هي الأخرى عليه ، رغم يقينها أنه هو الذي قادها إلى هذا المصير المحتوم .
يا لها من غزالة لا تخلو من بياض قلب وطيبة أو ربما من سذاجة تأبى إلا أن تطمئن على قاتلها قبل أن تشهد نهايتها وهي تسقط في الجرف لتستقر في أعماق البحر .
ألأنه الأمير .. الفارس .. الصياد .. وهي مجرد غزالة ؟!"
يسعى الأمير السعودي حين يصيف في رام الله وراء ياسمين الفلسطينية فيصطادها ثم تنتهي العلاقة بإعدامها فيقطع رقبتها إذ شك فيها .
غير أن التي ترى نفسها الغزالة في حكاية "الصياد والغزالة " هي البرتغالية جيزيلا التي أقام معها ياسين الفلسطيني علاقة ثم تخلى عنها وظلت تأبى إلا أن تطمئن عليه:
" حدق ياسين مندهشا وهو يصغي للحكاية ، فقال متسائلا :
- وما شأنك أنت بالغزالة ؟!
استهجنت سؤاله ، فأجبت وأنا ذابلة العينين :
- ما شأني ؟! قد أكون أنا الغزالة !
ثم أردفت :
- فإن لم أكن .. لا بد وأن تكون ثمة غزالة أراها في الأفق وهي تقع في هاوية الأمير ، غزالة غرقت في بحره ... "
هل الغزالة التي تراها جيزيلا في الأفق هي ابنتها ياسمين من ياسين نفسه حيث أخذت تسعى وراء أبيها صياد أمها .
اليوم الذكرى الثانية والعشرون لانطلاقة انتفاضة الأقصى في ٢٨ أيلول ٢٠٠٠ .
٢٨ أيلول ٢٠٢٢ .

١٩
صهيل على السفح :

كلما لامني أصدقائي من الكتاب على جريمتي في تثمين محمود درويش ، زاعمين أنني صحرت الأدب الفلسطيني واغتلت الأدباء الآخرين ، بخاصة الشعراء ، وجدتني أكرر سطره :
" أعد لسيدتي صورتي : مزقي صورتي حين يصهل فيك حصان جديد " .
إنني لا أحتكر القول والنقد وغالبا ما أحيل ما يعزى إلي من نشاط نقدي إلى الجيل الجديد من النقاد ، ليواصلوا المهمة ، وليكتشفوا الأسماء الأدبية الجديدة .
لعلني سأكتب في هذا الموضوع .
لم أواصل مهنة التدريس بعد الخامسة والستين ، وحين صارت جريدة الأيام / أيام الثقافة تقدم كتابات الدكتور عبد الرحيم الشيخ على كتاباتي فرحت ولم أراجع ولم أناقش .
إنني أغبط الرئيس الفلسطيني أبو مازن والزعماء العرب على إصرارهم على خدمة شعوبهم ووجهة نظرهم أن النساء لن يلدن مثلهم .

٢٠
آخر الأخبار في جنين :

ثلاثة شهداء في جنين وهناك حديث عن رابع :
" الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد
وأخت الشهيد وأخت الشهيدة كنة
أم الشهيد حفيدة جد الشهيد
وجارة عم الشهيد [ إلخ .. إلخ ]
ولا شيء يحدث في العالم المتمدن ،
فالزمن البربري انتهى ،
والضحية مجهولة الاسم ، عادية
والضحية .. مثل الحقيقة .. نسبية
[ إلخ .. إلخ ] "
( محمود درويش في " حالة حصار " ٢٠٠٢ ) .
سمك القرش الإسرائيلي استثارته رائحة الدم الفلسطيني .
٢٨ / ٩ / ٢٠٢٢
في ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠ انفجرت انتفاضة الأقصى ويبدو أن انتفاضة جنين ومخيمها لم تتوقف .

٢١
سعاد العامري في روايتها الجديدة " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية "(٢٠٢٢) تعرض نفسها لفتح جبهة عليها من أهل يافا ومحبي المدينة :

ما إن قرأت مئة صفحة من رواية سعاد العامري الوارد عنوانها حتى قلت :
- هذه رواية عن يافا ، مع أنها لم تدرج اسم المدينة في العنوان .
عندما كتبت نتفا عن حياة أبي في يافا في روايتي " الوطن عندما يخون " أتيت على علاقاته بالفتيات اليهوديات . كان ما كتبته عابرا ولا يسيء لأبي أو لأهل يافا وقد مر مرور الكرام .
عندما قرأت رواية أنور حامد " يافا تعد قهوة الصباح " قلت :
- هذه رواية عن عنبتا لا عن يافا .
سعاد العامري تكتب عن يافا وأهلها قبل ١٩٤٨ موظفة لهجة اليافاويين وسلوكهم وتصرفاتهم ومزاجهم وتعاملهم مع الأحداث قبل عام النكبة وتأتي على علاقة قسم منهم بالعاهرات اليهوديات وتسمي الأشياء بأسمائها وتضع النقاط على الحروف فلا توارب ولا تهادن ولا تجامل ولا تجمل ولا تأخذ بالمقولة " إذا بليتم فاستتروا " .
مرة كتبت عن رواية نجوى بركات " يا سلام " مقالا عنوانه مثل شعبي " يا سلام .. المرة لما تطل بتسبق الكل "( الأيام الفلسطينية ٢٠ / ٤ / ٢٠٠٨ ).
لا سحر خليفة في رواياتها عن نابلس ولا نجوى بركات أو علوية صبح في كتابتهما عن بيروت كتبن بالجرأة التي تكتب فيها سعاد .
سعاد على فكرة من يافا ويبدو أنها زارت المدينة وتعرفت إلى الأماكن في المدينة التي كتبت عنها جيدا ، ولا أظن أنها اعتمدت على السماع من والدها وحسب . ( دفعا لأي سوء فهم أقصد بالأماكن هنا مقاهي يافا وشوارعها ، أما الأماكن التي تردد عليها صبحي وعمه حبيب في تل أبيب ، فاغلب الظن أنها سمعت عنها من الشخصية التي أصغت إليها تروي قصتها ) .
بعض ما كتبته عن ذكور يافا ولسانهم السليط وجرأتهم في تسمية الأشياء بأسمائها لاحظته في أبي . أبي لن يجد في لغة بعض شخوص الرواية أمرا غريبا .
هل أحرض أهل يافا على سعاد أم أدافع عنها ؟
رواية " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " الصادرة عن دار المتوسط لن تدعك تتركها حتى تجهز عليها .
مع أن الوقت اليوم ليس مناسبا لكتابة مثل هذه ، إذ ارتقى في جنين أربعة شهداء وهناك عشرات الجرحى ، إلا أن الرواية التي تكتب عن يافا في ١٩٤٧ لا تخلو أجواؤها من الأجواء التي نمر بها .

مساء الحزن ..
٢٨ أيلول ٢٠٢٢ .

٢٢
توفيق زياد : " هنا باقون " .
We Are Here to Stay
توفيق زياد مترجما إلى الإنجليزية من إنجاز Aida Bamia عايدة بامية .
صدرت الترجمة في العام ٢٠٢٢ .
تضم الترجمات أيضا النص العربي وقد حررته Merna Azzeh ميرنا عزة ( ميرنا العزة ) . صدر الكتاب عن
Smokestack Books ( is represented by Inpress Ltd )
الكتاب استلمته أمس .
كتبت المقدمة عايدة بامية .

٢٣
حال غزة يغيظ الفلسطيني ويسر دولة إسرائيل :

المنشور الذي لفت نظري في هذا الصباح هو الذي كتبه الناقد الأدبي ابن غزة طلعت قديح يأتي فيه على هجرة ابنه شاهر من قطاع غزة ووصوله سالما إلى اليونان .
يصف طلعت قديح ما ألم بهجرة ابنه من ظروف مر بها هو والعائلة قبل اتخاذ قرار الهجرة ، فالهجرة قاسية وفراق الابن مؤلم ، والقرار لم يتخذ إلا بعد أن استخارت العائلة ربها ، ويأمل الأب أن يكون المستقبل للعائلة أفضل .
وأنا أقرأ المنشور عقبت : يا إلهي !!؟؟؟ .
تذكرت أشعار توفيق زياد " هنا باقون " ومحمود درويش " وأبي قال مرة / الذي ما له وطن / ما له في الثرى ضريح / ونهاني عن السفر " وتذكرت وصية إميل حبيبي وشاهد قبره " باق في حيفا " .
توفي زياد في فلسطين وهاجر منها درويش ليعود إليها ودفن حبيبي فيها ، وما زلنا نردد منادين من في المنافي :
" أناديكم "
و
" أنا ما هنت في وطني "
ومع ذلك فقد صارت الهجرة مطلبا يغامر من يقدم عليه بحياته وقد يغرق في البحر أو يموت في الخزان دون أن يدق جدرانه .
واقع أهلنا في غزة مؤلم . هل سيأتي يوم نفعل ما فعله شاهر طلعت قديح ويبرر لنا الأهل هجرتنا ؟
في جدارية محمود درويش يحاور الشاعر ابن سجانه اليهودي في عكا قبل ١٩٧٠ ويصغي إليه أيضا يعبر عن رغبته في الهجرة إلى أمريكا .
" قلت للسجان عند الشاطيء الغربي :
- هل أنت ابن سجاني القديم ؟
- نعم!
- فأين أبوك ؟
قال : أبي توفي من سنين .
أصيب بالإحباط من سأم الحراسة .
ثم أورثني مهمته ومهنته ، وأوصاني
بأن أحمي المدينة من نشيدك ...
قلت : منذ متى تراقبني وتسجن
في نفسك ؟
قال : منذ كتبت أولى أغنياتك
قلت : لم تك قد ولدت
فقال : لي زمن ولي أزلية ،
وأريد أن أحيا على إيقاع أمريكا
وحائط أورشليم
فقلت : كن من أنت ، لكني ذهبت ،
ومن تراه الآن ليس أنا ، أنا شبحي " .
( مات سجان الشاعر بعد أن أصيب بسبب مهنته من السأم والإحباط وأورث ابنه مهنته ليواصل حماية المدينة من نشيد الشاعر ) .

هل صارت فلسطين لعنتنا ولعنة الغزاة معا ؟
الخميس ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٣
ورحم الله جمال عبد الناصر .

٢٤
" لك أن تكون ... ولا تكون
لك أن تكون
أو لا تكون ...
كل أسئلة الوجود وراء ظلك مهزلة
والكون دفترك الصغير
وأنت خالقه
فدون فيه فردوس البداية ، يا أبي
أو لا تدون
أنت .. أنت المسألة
ماذا تريد ؟
وأنت من أسطورة تمشي إلى أسطورة . علما .
وماذا تنفع الأعلام ..
هل حمت المدينة من شظايا قنبلة ؟

ماذا تريد ؟

جريدة ؟!
أتفقس الأوراق دوريا
وتغزل سنبلة ؟

ماذا تريد ؟
أشرطة ؟
هل يعرف البوليس أين ستحبل الأرض الصغيرة بالرياح المقبلة؟

ماذا تريد ؟
سيادة فوق الرماد ؟ وأنت سيد روحنا يا سيد الكينونة المتحولة

فاذهب ...
فليس لك المكان ولا العروش / المزبلة
حرية التكوين أنت
وخالق الطرقات أنت
وأنت عكس المرحلة

واذهب فقيرا كالصلاة
وحافيا كالنهر في درب الحصى
ومؤجلا كقرنفلة

....
.....
.....
....
عبثا تحاول يا أبي ملكا ومملكة
فسر للجلجلة
واصعد معي
لنعيد للروح المشرد أوله

ماذا تريد وأنت سيد روحنا
يا سيد الكينونة المتحولة ؟
يا سيد الجمرة
يا سيد الشعلة
ما أوسع الثورة
ما أضيق الرحلة
ما أكبر الفكرة
ما أصغر الدولة ! "

محمود درويش ، مديح الظل العالي ، ١٩٨٢ .

٢٥
هوامش من وحي ما يجري في غزة :

كأني أعود إلى ما مضى :



مساء الجمعة ١٩ أيلول أصغيت إلى مواطن من غزة نزح إلى الجنوب يتحدث عن معاناة النازحين في دير البلح واستغلال أصحاب الأراضي لهم ، إذ طلب الأخيرون أجرة قطعة الأرض التي سيقيم النازحون خيامهم عليها ، وهو ما استغربه شاب نازح طلب من أصحاب الأراضي أن يرحموا النازحين الذين لا يملك أكثرهم أجرة مواصلات النزوح ، فمن أين سيدفعون أجرة الأرض التي سينصبون عليها خيامهم ، وسنقرأ ، فيما بعد عن نازحين كثر ناموا في الشوارع ، بل وقرب مكبات النفايات وفوقها ، كما قال مراسل إذاعة أجيال محمد عمران الأسطل للإذاعة .
في صباح اليوم نفسه كنت قرأت في صفحة الناشط عبد الكريم عاشور عن معاناته في ترك غزة والتوجه إلى دير البلح ، ولكنه كتب إن بعض أصدقائه وفروا له مساحة من أرضهم ، لينصب فيها خيامه دون مقابل .
" إن خليت بليت " يقول مثلنا الشعبي ، وفيما عشناه بعد نكبة ١٩٤٨ عانينا أيضا من ظلم لا يتمثل بدفع أجرة الخيام التي ولدنا فيها ، فقد استأجرت وكالة غوث اللاجئين أراضي لمدة ٩٩ عاما وتكفلت هي بتوفير الخيام .
ولكننا عانينا في جوانب أخرى ، أذكر أننا في مخيمنا - حين كانت المياه التي توفرها لنا الوكالة تنقطع - أذكر أننا كنا نذهب ، بحمالة المياه وتنكتي الماء ، إلى قرية مجاورة فيها نبع ماء كان أحد سكانها يبيع الماء بجالونات على ظهر حماره ، وغالبا ما كان يمنعنا فيصدنا ونعود خائبين ، وفي فترة متأخرة عرفت السبب الذي من أجله أقيمت مخيمات الخليل بعيدا عن المدينة ، وهو سبب يبعث الأسى في نفس اللاجيء .
في مساء اليوم نفسه ١٩ / ٩ قرأت للناشط الغزاوي أشرف نصر منشورا يوجه فيه رسالة إلى ( نتنياهو ) و ( كاتس ) و ( زامير ) يحكي فيه عن " الناس اللي قاعدة بغزة " ، وهو منهم ، ويوضح فيها أن النازحين لا يجدون مكانا ينصبون خيامهم فيه ، وأنهم لا يملكون أجرة للنزوح ، ولا مالا لدفع إيجار للأرض التي سيقيمون عليها ، وهذا في رأيه لا يخفى على الثلاثة المخاطبين ويطلب أشرف منهم أن يميزوا بين حماس والجهاد وبين الناس الأبرياء الذين لا دخل لهم في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وينهي منشوره بالآتي :
" إذا قدمت لي خيارين ؛ الأول أن أنزح للجنوب وأعيش المعاناة وقلة الماء وتعب الحياة ، والثاني أن أظل بغزة و أنفرم ، راح اختار الثاني برضاي .
* .. كيف بدكاش إياني درع بشري بغزة ، وبترسلني أكون درع بشري بالجنوب " ، وما كتبه أشرف في رسالته سمعته من غزاويين عديدين عبر أشرطة فيديو أدرجوها .
ما قرأته في الرسالة وما سمعته أعادني إلى كتاب " التطهير العرقي " ل ( إيلان بابيه ) وإلى ثلاثية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
في كتاب ( بابيه ) نقرأ ، في الصفحة ١٢٥ من الترجمة العربية التي أنجزها أحمد خليفة تحت عنوان " إنجاز المهمة في الشرق " ، نقرأ عن عرب تعاونوا مع اليهود لأعوام كثيرة ، وكان السؤال هو :
- هل يجب طردهم أيضا ؟
وكانت الإجابة : نعم .
لقد طرد قسم من هؤلاء وتردد بعض الضباط في طرد آخرين ، فوصف الضباط المترددون ، مثل ( بالتي سبيلا ) ، من بعض اليهود بأنهم خائنون .
لقد توقفت في كتابي " أسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو ، اسمي آدم . إلياس خوري نموذجا " أمام قصة مفيد شحادة في الرواية ، وهي قصة ذكرتني بقصة الكاتب الإسرائيلي ( بنيامين تموز ) " منافسة سباحة " التي كتبها في العام ١٩٥١ ، وأتى فيها على علاقات طيبة بين العرب واليهود في فلسطين قبل ١٩٤٨ ؛ علاقات لم تمنع اليهودي من غض النظر عن قتل صاحبه العربي عبد الكريم الذي كان يسبح معه في بركة الأسرة العربية التي تردد عليها طفلا صغيرا مع أمه .
كان مفيد شحادة ووالده صديقين لليهودي الدكتور ( ليهمان ) ، وكانا يوصلان الخضرة لكبانية اليهود في بن شيمين ، وتحسبا لتوتر الأوضاع بين العرب واليهود أعطى ( ليهمان ) والد مفيد رسالة لعلها تنقذه وعائلته إن اشتدت المعارك وحوصروا .
في وقت حصار اللد / الغيتو تذكر مفيد الرسالة فأعطاها لجندي إسرائيلي علها تشفع له ، ولكن دون جدوى ، فعندما اقترب من الأسلاك الشائكة مات " مثل عصفور انطعجت رقبته وتناثر ريشه ، وهوى فاتحا ذراعيه " .
هل ينسى كبار السن منا من متابعي الحرب في لبنان بعد العام ١٩٨٢ قصة انطون لحد الذي تعاون مع دولة إسرائيل وما آل إليه في نهاية حياته ، حيث تخلت عنه ولم يجد مالا يدفعه للعلاج ؟
مؤخرا انتهيت من قراءة رواية جديدة للروائي الفلسطيني المقيم في رام الله أحمد رفيق عوض عنوانها " دابة الأرض " ( ٢٠٢٥ ) يكتب فيها عن فلسطيني في السلطة الفلسطينية ينسق ، بحكم وظيفته ، مع ضابط اتصال إسرائيلي ، يزور الأردن لحضور مؤتمر يخص الأوضاع في الضفة الغربية ، وحين يعود وتكون الطرق في أريحا مغلقة لأسباب أمنية لا يسمح له بالعودة إلى مدينته ، وعندما يتصل بالضابط يعلمه الأخير بأنه لا يستطيع مساعدته وأن عليه الانتظار مثله مثل الآخرين . يعني قاومت أو تعاونت أو نسقت ، فالدولة الإسرائيلية في النهاية أهم منك ، لأنك إن عشت فيها فإقامتك عابرة وإلى حين .
منذ العام ١٩٤٨ ما أرانا نعيش إلا التجربة نفسها . نعيش في الهامش وعلى الهامش ؛ لأننا في نظر الإسرائيليين هامش و " عابرون في كلام عابر " ؟؟!!

( الجمعة والخميس والسبت ١٩ و ٢٥ و ٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥ ) .

٢٦
غزة 723 :
فاض بينا وتعبنا بكفي

عندما قرأ الدكتور بسام سعيد الذي يقيم في غزة ويكتب ، منذ بداية طوفان الأقصى ، كتابة شبه يومية ، عندما قرأ مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " كأني أعود إلى ما مضى " ( ٢٨ / ٩ /٢٠٢٥ ) عقب :
" فاض بينا وتعبنا بيكفي " .
وأنا رددت عليه : معك حق والله ، وأنا تعبت لتعبكم . عسى أن تنتهي الحرب مع اقتراب عامها الثاني من نهايته . كان الله في عونكم " .
وفي الفترة الأخيرة طلب مني غير شخص أن أتوقف عن كتابة يوميات غزة ، وحتى الجريدة طلبت مني أن أنوع في الكتابة بحكم طبيعة زاويتي التي تتطلب التنويع والكتابة الوجدانية التي تتكيء على " ما تيسر " .
وأنا أقرأ عبارة الدكتور بسام تذكرت ديوان محمود درويش " محاولة رقم 7 " ١٩٧٣ وقصيدته " طوبى لشيء غامض " التي رثى فيها شهداء عملية فردان في بيروت في نيسان ١٩٧٣ .
" تعب الرثاء من الضحايا "
وأنا تعبت من السفر .
أنا شخصيا تعبت من الكتابه في موت أهل قطاع غزة .
أتمنى أن تضع الحرب أوزارها مع نهاية عامها الثاني ، كي ألبي - إن استطعت - طلب الدكتور والجريدة ، أو أن أتوقف عن الكتابة نهائيا ، وأتمنى أن لا يكون حالي حال الزمار .
عندنا مثل يقول " بموت الزمار واصابعه بتعزف " .
تقاعدت من الجامعة مع نهاية أيلول ٢٠١٩ ، ولم أتوقف عن القراءة والكتابة .
حالة تعبانة يا ليلى !
٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥

٢٧
أحمد رفيق عوض في روايته " دابة الأرض " 2 :
العنوان

يصدر أحمد رفيق عوض روايته الجديدة بالآية القرآنية :
( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون )
وتحضر الآية في الرواية على امتدادها ، ما يعني أن التصدير لم يكن عشوائيا أو يخص المؤلف وحده ، فهو يرد على لسان شخصيتين هما أبو الناجي وابنه الناجي في حوارهما مع شخصيات أخرى ؛ يرد على لسانهما في لحظات معاناتهما وما آلت إليه أوضاعهما بعد تقاعد الأول ومحاصرة الثاني والكيد له للتقليل من أهميته ثم إقالته ، قبل أن يتصالح والسلطة ثانية .
وكما يرى دارسو العتبات الروائية فإنه لا يمكن تأويلها تأويلا نهائيا إلا بعد الانتهاء من قراءة الرواية حتى سطرها الأخير .
يتكرر حضور الحديث عن دابة الأرض في الرواية تكرارا لافتا منذ المقطع الأول 1 وحتى الصفحات الأخيرة ٢٩٠ . يتكرر في الصفحات الآتية :
١١ و ١٢ و ١٣ و ٥٠ و ١١٢ و ١٢٣ و ١٢٨ و ١٦٠ و ١٧٣ و ٢٢٥ و ٢٢٨ و ٢٤٥ و ٢٧٧ .
يكرره أبو الناجي الثوري الذي تقاعد وهو يتردد على خمارة أم إلياس يحتسي الخمر :
" - ألم يذكر في القرآن الكريم أن الله تعالى سيخرج من قلب الأرض دابة تفضح الناس وتكشف عنهم كل ادعاءاتهم ؟
- يا للرعب ! دابة تفضح عيوننا وأخطاؤنا ؟ وما في قلوبنا ؟ يا للفضيحة !
- نعم دابة حقيقية ، لها أطراف وعيون وافواه تلمس وتكتب وتتحدث وتتحرك ، كلما رأت شخصا كتبت على جبينه ما يستحقه ، دابة تعري النظام والمجتمع والأفراد " .
يا للفضيحة !
ماذا فعل أبو الناجي في حياته وفي أيامه الأخيرة في شيخوخته وهو يحتسي الخمر وينفق أيامه في خمارة لا في مسجد ؟
يموت أبو الناجي وتنتهي حكايته إلا من ذكريات أبنائه وبناته من زوجاته الخمس ، لتتلبس حكاية الدابة شخصية ابنه الناجي الذي عاد مع اتفاقات أوسلو من مخيم اليرموك إلى رام الله ، ولم يكن ماضيه هناك وسلوكه في السلطة نقيا ولم يصل يوما ولم يقرأ القرآن .
صار حديث الدابة حديث بعض الناس ، فأخذ الناجي يبحث عنهم ، وتذكر ولع أبيه بالحديث عنها . لقد أراد أن يعرف ماذا ستكتب الدابة على جبينه ، بخاصة بعد أن جرد من مناصبه في السلطة :
" هل كانت الدنيا تستحق كل هذا العناء ؟ ها أنا أعامل مثل اللص أعيش في بيت لا أحد فيه " .
إن ظهور الدابة سيغير معنى الأشياء وهدفها ، وستقلب سلوك الناس رأسا على عقب . يا إلهي . أي رعب ذلك ؟! " .
وتلاحقه الحكاية وهو في المعتقل ويعاني من كوابيسها ، ففي الليل وعندما يهجع الجميع في السجن تزوره الدابة توقظه من نومه المتقطع المؤلم ، تأخذه من يده وتسحبه إلى الخارج حيث الليل الذي يفرد جناحه ...تأخذه من يده لتطوف به لتريه القتلة والزناة والخونة والمحتلين والمحتكرين ومصاصي الدماء وناشري الاوبئة وناشري الفتنة والفاحشة ومدعي الحقيقة وبائعي الأوهام ... الخ وتقول له : لم يبق شيء يمكن انتظاره . انتهى الأمل . انتهت التجربة.
وتشير إلى جهة لينظر إليها فيرى امرأة بيضاء فارعة تنوء بمظاهر أنوثة صارخة وتقول له الدابة : هذا رجل . إنها امرأة متحولة صارت سعيدة بحياتها من أجل الحصول على تاتو يتحول إلى تريند .
ثم تقترب الدابة من جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح وتسأله : لماذا تحتل أرضا ليست لك ، فيجيب بأن الله أعطاها له ، وتسأله : لماذا تقتلون الفلسطينيين ، فيجيب بأن اليهود نسل الله . إنه يكذب على الله .
وهنا يسألها الناجي عن نفسه :
"- وأنا أيتها الكائنة ماذا بشأني ؟ أنا خاطيء كبير ، خاطيء وفاسد وسارق .
ثم انخرط في بكاء مرير ، وأنا يتيم وفقير ومشرد وضعيف ومدع ووحيد . امنحيني فرصة " .
ويستيقظ الناجي وصوت المؤذن القريب يدعو إلى صلاة الفجر . إنه الكابوس الذي سببه كثرة التفكير بالدابة وهو وحيد في السجن .
هل تظهر الدابة في الرواية ؟
لا تظهر ، فالناجي يخرج من السجن بعد مقايضات مع السلطة ويسترد مكانته ، ليواصل حياته العادية ، ثم لينخرط في نهاية الرواية في المقاومة .
في لحظات الضعف غالبا ما يعود الناس إلى الدين والحكايات والأساطير يفسرون من خلالها ما ألم بهم ويقرأون في ضوئها مستقبلهم .
لماذا اختار أحمد رفيق عوض دال " دابة الأرض " عنوانا لروايته ؟
الناقد فراس حاج محمد سيقرأ ذلك كما أخبرني .
٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥

٢٧
رشاد أبو شاور : في ذكراه الأولى

هناك سؤالان راوداني في أثناء قراءة نتاج رشاد أبو شاور أولهما تحوله اللافت في العشر سنوات الأخيرة من حياته إلى كتابة الرواية وثانيهما يخص تحديد المكان في اثنتين منها وعدم تسميته في اثنتين أخريين .
عرف رشاد كاتب قصة قصيرة وقصة طويلة ، وخلال خمسين عاما من الكتابة غلب على نتاجه هذان اللونان من ألوان الأدب ، طبعا إذا استثنينا عملين هما رواية " العشاق " و " الرب لم يسترح في اليوم السابع " . يعني أنه خلال أربعين عاما وأكثر لم يكتب سوى روايتين ، ولكنه منذ استقر في عمان أصدر خلال خمسة أعوام فقط أربع روايات يزيد حجمها حجم روايتيه المذكورتين .
من الروايات الأربعة التي كتبها في عمان هناك روايتان بدا فيهما المكان واضحا ، فيم لم يحدده في روايتين أخريين .
كتب في " وداعا يا زكرين " عن قريته التي ولد فيها وعن عام الهجرة ١٩٤٨ ، وقارب في " ليالي الحب والبوم " حياة اللجوء والخيام في أحد مخيمات بيت لحم ومخيمات أريحا التي كتب عنها في رواية " العشاق " ، وأما في " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " ، فقد جعل المكان عائما ، وهنا قد يتذكر المرء رواية عبد الرحمن منيف " شرق المتوسط " .
هل كتب في روايتيه الأخيرتين عن الأردن التي يقيم فيها ولم يرغب في شيخوخته الصدام مع النظام ؟ أرجح ذلك ، علما بأن قاريء الروايتين يستطيع أن يعرف المكان بسهولة .
في رواياته الأربعة كتب رشاد بأسلوب روائي تقليدي سهل وبسيط لا يصعب فهمه ولعله فعل ذلك بوعي تام .
في سنواته الأخيرة وبعد إصداره الروايات بدأ يكتب في صفحته قصصا قصيرة أغلبها منتزع من رواياته الأربعة ، وكلما قرأت واحدة منها عقبت :
- هذه قرأتها في رواية كذا .
ولم يكن يتنكر ؛ لأنه أراد إيصال الفكرة التي تلح على ذهنه إلى الجمهور ، وأكثر جمهور القراء اليوم يميل إلى قراءة النصوص القصيرة التي لا ينفق فيها ساعات طويلات .
لم يلجأ رشاد إلى التعقيد أو التناص مع روايات عالمية ، ولقد كانت رواياته تخلو من قراءاته كما هو الحال في بعض روايات مجايليه مثل يحيى يخلف في روايته " راكب الريح " ومحمود شقير في روايته " منزل الذكريات " . لقد بنى يخلف روايته على بعض قصص " الديكاميرون " فيما أقامها شقير على رواية الكاتب الياباني ( ياسوناري كاواباتا ) " الجميلات النائمات " ورواية الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " ذاكرة غانياتي الحزينات " .
اليوم تمر الذكرى السنوية الأولى لرحيل رشاد ولا أعرف إن كانت جريدة القدس العربي احتفلت به أم لا ! فقد كان أحد كتاب الأعمدة فيها .
٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى