د. ابراهيم عروش - هكذا تكلم لقجع

كتب نيتشه «هكذا تكلم زرادشت»، في عمل فلسفي أدبي فجعل زرادشت يغادر الجبل بعد عشر سنوات من العزلة، وينزل إلى الناس محمّلاً بالحكمة، يحدثهم عن الإنسان الأعلى، وإرادة القوة، وتجاوز الواقع وصناعة قيم جديدة.

أما عندنا، فلا حاجة إلى عشر سنوات في الجبل.فنزل لقجع من جبل الكرة فكانت

تكفي منصة انتخابية، وميكروفون جيد، وجمهور يصفق، ثم تبدأ الرحلة نحو المواطن الأعلى.

زرادشت تحدث عن الإنسان الأعلى، والسياسة عندنا تتحدث عن الأجر الأعلى: خمسة آلاف درهم حداً أدنى للأجور. وفوزي لقجع أعلن موافقة حزبه على المقترح، وطالب بأن يمر دون انتظار نتائج الانتخابات.

وزرادشت دعا الإنسان إلى تجاوز نفسه، أما نحن فمدعوون إلى تجاوز ترتيبنا الحالي دفعة واحدة، لأن الطموح المعلن هو أن يصبح المغرب في المرتبة السادسة عالمياً في التعليم والصحة.

وهنا يظهر تأثير كرة القدم في السياسة.

فما دام المنتخب استطاع أن يصعد في الترتيب العالمي، فلماذا لا يفعل التعليم الشيء نفسه؟

نأتي بمدرب جيد، ونضع السبورة في وسط الميدان، ونستدعي الأساتذة إلى المعسكر، ثم ننتظر تصنيف الفيفا للتعليم!

وإذا تعثر تلميذ في الرياضيات، نستدعي الـVAR.

وإذا ازدحمت الأقسام، نلعب بخطة 4-4-2:

أربعون تلميذاً في الجهة اليمنى، وأربعون في اليسرى، والأستاذ وحيداً في الهجوم.

لكن الفرق أن كرة القدم لا تعترف بالفوتوشوب.

يمكن أن تعد الجمهور بالكأس، لكن عندما تنطلق المباراة تظهر النتيجة على الشاشة: من سجل، ومن ضيع، ومن بقي في دكة الاحتياط.

أما في السياسة، فالمباراة أكثر راحة:

الوعود تلعب دائماً أساسية،
والحصيلة قد تجلس في الاحتياط.

نيتشه تحدث عن العود الأبدي؛ أي عودة الأشياء مرة بعد أخرى.

ولو عاش بيننا زمن الانتخابات، ربما وجد للمفهوم مثالاً أبسط:

تأتي الانتخابات، فتعود الوعود.

تنتهي الانتخابات، فتختفي بعض الوعود.

ثم تعود الانتخابات…

فتعود الوعود نفسها بقميص جديد.

وهكذا تكلم زرادشت عن الإنسان الأعلى

وهكذا تتكلم الانتخابات عن الأجر الأعلى، والتعليم الأعلى، والصحة الأعلى.

ويبقى المواطن في المدرجات ينتظر صافرة النهاية، ليرى هل كانت مباراة حقيقية

أم مجرد منتخب فوتوشوب سياسي لا يخسر أبداً، لأنه لا يلعب إلا قبل الانتخابات


د. ابراهيم عروش





FB_IMG_1790712523910.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى