ملخص تنفيذي
يقدم المقال قراءة استكمالية وتوسعية لمقال خالد عطية، «حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة: من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية»، وينطلق من مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» الذي طرحه عطية، باعتباره معيارا أساسيا لتقييم الخيارات والمراحل التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية.
1. القدرة الوطنية التراكمية: تكتسب المراجعة أهمية عندما لا تقيس نجاح المرحلة بما أنتجته من خطاب جديد أو مكسب آني فحسب، بل بما تركته من قدرة أكبر للمرحلة التالية:
هل بنت مؤسسة؟ هل وسعت التمثيل؟ هل عززت الاستقلال؟ هل وحدت ساحات الشعب الفلسطيني؟ هل زادت القدرة على اتخاذ القرار؟ وهل حولت التضحيات إلى مكاسب سياسية قابلة للتراكم.
2. توسيع مفهوم البنية: يرى المقال أن نقد البنية السياسية الفلسطينية لا يكتمل من دون توسيع مفهوم «البنية» التي تشكلت القضية الفلسطينية داخلها، لتشمل مستوياتها العربية والإقليمية والدولية، ودورها في تشكيل موازين القوى وشروط الفعل الفلسطيني.
3. مفارقة الدولة القطرية و«فلسطنة» القضية: ينبه المقال إلى ضرورة التمييز بين استقلال القرار الفلسطيني وانفصال القضية الفلسطينية عن عمقها العربي. ومن ثم يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الوطني والقومي على أساس الشراكة لا الوصاية: فلسطين بقرار فلسطيني، ولكن بعمق عربي وإسلامي.
4. البنية الاجتماعية ـ الاقتصادية: يلفت المقال إلى أثر الارتهان الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الخارجية، وتداخل ذلك مع النظام السياسي والطبقة السياسية والنخب والمصالح، في الحد من إمكانات التراكم المادي والمؤسسي. ومن هنا يطرح سؤال الاستقلال الاقتصادي والمؤسسي بوصفه شرطا لتحويل القرار السياسي إلى قدرة فعل.
ويخلص إلى الدعوة للانتقال من تفكيك العجز إلى التفكير في شروط تجاوزه، ومن نقد البنية إلى تأسيس القدرة؛ بحيث يتصل القرار بالفعل، ويستحيل الفعل تراكما، ويتحول التراكم إلى إمكانية حقيقية لصناعة المستقبل.
المقال الكامل: من نقد البديهيات إلى تأسيس القدرة: قراءة استكمالية لمقال خالد عطية
يأتي مقال خالد عطية، «حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة: من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية» 26/9/2026، في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة تتجاوز إعادة تعداد الأخطاء والانتقال من محاكمة الخيارات الماضية إلى محاولة فهم البنية التي أنتجت تكرار العجز.
وتكمن أهمية مقاله، في تقديري، في أنه لا يقع في الاختزال السهل الذي يرد المأزق الفلسطيني إلى خطأ أداة بعينها، أو إلى المبالغة في شعار التحرير، أو إلى تجربة الكفاح المسلح، أو إلى أوسلو، أو إلى الانقسام. بل يحاول أن يذهب إلى مستوى أعمق، فيسأل عن قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على تحويل التاريخ والتضحيات وتعدد أشكال المقاومة إلى قدرة وطنية تراكمية تستطيع إنتاج القرار والفعل والنتائج.
وهذه نقلة مهمة في مستوى النقاش. فبدلا من أن تكون المراجعة مجرد «تاريخ جديد للأخطاء»، كما يسميها الكاتب، تصبح محاولة للبحث عن «بنية الأخطاء»: كيف تتشكل الخيارات؟ وكيف تتحول الاستجابات للظروف إلى جزء من المشكلة؟ ولماذا لا تنتقل خبرة مرحلة إلى المرحلة التي تليها بوصفها قدرة سياسية ومؤسسية متراكمة؟
ومن هنا أجد أن مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» هو أهم ما يقدمه المقال. فالسؤال لا يعود: هل كانت المقاومة المسلحة صحيحة أم خاطئة؟ وهل كانت المفاوضات صائبة أم خاطئة؟ وهل كان شعار التحرير واقعيا أم غير واقعي؟
بل يصبح السؤال: ماذا أنتج كل خيار للمرحلة التالية؟ هل بنى مؤسسة؟ هل وسع التمثيل؟ هل عزز الاستقلال؟ هل وحد ساحات الشعب الفلسطيني؟ هل زاد القدرة على اتخاذ القرار؟ وهل حول التضحيات إلى مكاسب سياسية قابلة للتراكم؟
بهذا المعنى، ينجح عطية في نقل النقاش من نقد الأدوات إلى نقد طريقة إنتاج السياسة نفسها. وهذه، في تقديري، هي الخطوة التي تجعل المقال قابلا لأن يكون بداية لنقاش تأسيسي، لا مجرد مراجعة نقدية للماضي.
لكن، إذا كانت قيمة المقال تكمن في الانتقال من التشخيص إلى نقد البنية، فإنني أرى أن هذا الانتقال يحتاج إلى خطوة أخرى: توسيع مفهوم البنية نفسها. فالبنية التي أنتجت المأزق الفلسطيني ليست فلسطينية فقط، كما أن القضية الفلسطينية لم تتشكل تاريخيا بوصفها قضية وطنية منفصلة عن المجال العربي والإقليمي والدولي الذي نشأت داخله. وهنا تبدأ الملاحظة الأولى.
أولاً: من نقد البنية الفلسطينية إلى نقد البنية التي أُنشئت القضية الفلسطينية داخلها
يركز عطية بحق على اختلال ميزان القوى بين الحركة الوطنية الفلسطينية والمشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي.
لكنه يتعين، في تقديري، ألا نتعامل مع هذا الاختلال بوصفه معطى خارجيا ثابتا، بل أن نسأل أيضا: كيف تشكل هذا الاختلال تاريخيا؟
فالمشروع الصهيوني في تشكله الحديث لم ينشأ مستقلا عن البيئة الإمبريالية التي احتضنته، بل تبلور عند تقاطع تيارات صهيونية دينية سبقت الصهيونية السياسية اليهودية، مع المصالح والاستراتيجيات الإمبريالية الغربية في المنطقة. ومن هذا التقاطع تشكلت، في المرحلة البريطانية، شروط سياسية وقانونية ودولية مكّنت المشروع الصهيوني من الانتقال من فكرة وحركة سياسية إلى مشروع استيطاني إحلالي يتخذ من فلسطين مجالا لإعادة تشكيل الأرض والسكان.
لقد جاء ذلك ضمن عملية واسعة لإعادة تنظيم المنطقة أعقبت الحرب العالمية الأولى. فقد تداخلت التفاهمات الاستعمارية السابقة للحرب، وفي مقدمتها اتفاق سايكس ـ بيكو 1916، مع وعد بلفور 1917، وترتيبات ما بعد الحرب، معاهدة فرساي 1919، ثم تبلورت هذه العملية في النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب، وفي مقدمة ذلك عهد عصبة الأمم ونظام الانتداب الذي نصت عليه المادة 22. وفي مؤتمر سان ريمو عام 1920 جرى الاتفاق على إسناد انتداب فلسطين إلى بريطانيا، في إطار ترتيبات توزيع الانتدابات على الأراضي العربية التي كانت تابعة للدولة العثمانية. ثم جرى إعداد صك الانتداب على فلسطين وإقراره من عصبة الأمم عام 1922، ودخل حيز التنفيذ عام 1923.
ولم يكن صك الانتداب مجرد إطار لإدارة مؤقتة للأرض، بل وضع إطارا سياسيا وقانونيا لإدارة فلسطين، ونص على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تهيئة الظروف اللازمة لإقامة «الوطن القومي للشعب اليهودي»، وعلى تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي. ومن ثم فإن جزءا من البنية التي وجد الفلسطينيون أنفسهم يتحركون داخلها لم يكن نتيجة خياراتهم، بل كان قد تشكل قبل أن تتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة في صورتها اللاحقة.
وهنا يصبح ضروريا إدخال المشروع الصهيوني في سياقه الإمبريالي الأوسع، فالمشروع الصهيوني الخاص والمشروع الإمبريالي العام تفاعلا في لحظة تاريخية محددة، ووفر هذا التفاعل للمشروع الصهيوني شروطا دولية وإقليمية حاسمة في مرحلة التأسيس.
ومن هذه الزاوية، فإن فلسطين لا يمكن فصلها عن عملية إعادة تشكيل المنطقة العربية ـ الإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية، وما رافق ذلك من إعادة رسم الحدود، وإنشاء الدول القومية (تركيا الكمالية وإيران البهلوية)، وإعادة تشكيل المجال السياسي للكرد وتوزيع مناطقهم بين الدول القائمة، وتكريس تجزئة المجال العربي إلى وحدات قطرية منفصلة، وإعادة تنظيم العلاقات بينها سياسيا وجغرافيا وديموغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وقانونيا وأمنيا، بما أضعف وعطل إمكان تشكل مجال عربي متكامل وفاعل، وإخضاع أجزاء واسعة منه لنظام الانتداب البريطاني والفرنسي.
وهذا يضيف إلى سؤال عطية سؤالا آخر: ليس فقط كيف أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية في إنتاج القدرة، بل كيف جرى تفكيك المجال الذي كان يمكن أن تتشكل داخله هذه القدرة أصلا؟
ففلسطين ليست مجرد إقليم متنازع عليه بين مشروعين؛ إنها تقع في موقع مركزي في المجال العربي الإسلامي جغرافيا وحضاريا واستراتيجيا. فالمسألة لم تكن فقط السيطرة على إقليم فلسطين، وإنما إعادة تعريف موقعه السياسي والجغرافي والديموغرافي داخل المنطقة. ولذلك فإن اقتلاع فلسطين من المجال العربي الإسلامي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نتيجة لاحقة للصراع، بل بوصفه أحد عناصر الصراع نفسه.
ومن هنا فإن نقد البنية الفلسطينية يحتاج إلى أن يترافق مع نقد البنية العربية والإقليمية التي حُشرت الحركة الوطنية الفلسطينية داخلها. فاختلال ميزان القوى لم يكن فقط نتيجة تفوق عسكري أو اقتصادي صهيوني، وإنما ارتبط أيضا بتفكك المجال العربي الإسلامي، وبانتقال المنطقة من فضاء سياسي أوسع إلى نظام من الدول القومية والقطرية التي أصبحت مصالحها الوطنية الخاصة تؤثر بصورة متزايدة في طريقة تعاملها مع فلسطين.
ولا يكتمل نقد البنية بالوقوف عند حدودها الجيوسياسية الإقليمة فحسب، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية - الاقتصادية للداخل الفلسطيني. لقد أنتجت العقود الأخيرة - خاصة مسار ما بعد أوسلو - اقتصادا مشوها يقوم على الاعتماد الشديد على المساعدات الخارجية، والارتباط الهيكلي باقتصاد الاحتلال، ونشوء نظام سياسي وطبقة من النخب ارتبطت، بدرجات متفاوتة، باستمرار ترتيبات الوضع القائم، بما حدّ من قدرة المؤسسات على تحويل الموارد المتاحة إلى استقلال اقتصادي واستراتيجي.
ثانياً: مفارقة الدولة القطرية و«فلسطنة» القضية
وهنا نصل إلى المفارقة الثانية، وهي في تقديري من أكثر النقاط التي يمكن أن توسع أطروحة عطية.
لقد تعاملت الدول العربية مع فلسطين، في مراحل مختلفة، من خلال مصالحها القطرية وحساباتها الخاصة، وأصبحت فلسطين في بعض الأحيان جزءا من الصراعات العربية ـ العربية، والعربية الإقليمية، ومن حسابات الأنظمة.
وكان من الطبيعي أن تنشأ داخل الحركة الوطنية الفلسطينية ردة فعل تؤكد على استقلال القرار الفلسطيني وترفض أن تكون القضية الفلسطينية رهينة للأنظمة العربية.
وكان هذا التأكيد مفهوما وضروريا من زاوية التحرر من الوصاية.
لكن المفارقة التاريخية هي أن الاستجابة الفلسطينية لفلسطنة القضية قد تزامنت مع قطرية النظام العربي. ففي الوقت الذي كانت فيه الدول العربية تتعامل بصورة متزايدة مع فلسطين من مواقعها القطرية، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تؤكد بصورة متزايدة استقلال القضية الفلسطينية عن النظام العربي.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين أمرين: استقلال القرار الفلسطيني، وانفصال القضية الفلسطينية عن عمقها العربي.
الأول ضرورة وطنية؛ أما الثاني فليس بالضرورة نتيجة لازمة للأول.
فاستقلال القرار الفلسطيني كان ضروريا للخروج من الوصاية. لكنه لا يكفي لإنتاج استقلال الفاعلية.
المشكلة الحقيقية، إذن، ربما كانت في عدم القدرة على بناء صيغة سياسية تجمع بين الأمرين: قرار فلسطيني مستقل، داخل استراتيجية عربية واعية، وليس قرارا فلسطينيا مستقلا عن المجال العربي.
وهذه نقطة أرى أنها تستحق أن تدخل بقوة في المراجعة التي يقترحها عطية، لأن جزءا من العجز عن بناء القدرة الوطنية التراكمية قد يكون مرتبطا ليس فقط بانقسام الفلسطينيين داخليا، وإنما أيضا بانقطاع الصلة الاستراتيجية بين الوطني الفلسطيني وعمقه العربي.
ثالثاً: من «استقلال القرار» إلى «استقلال الفاعلية»
وهنا يمكن إعادة صياغة مفهوم الاستقلال نفسه. فقد يكون القرار مستقلا من الناحية الشكلية، لكنه يظل محدود القدرة على التأثير إذا كان الفاعل الذي يصدره محاصرا اقتصاديا وجغرافيا وعسكريا ودبلوماسيا.
لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: هل القرار الفلسطيني مستقل؟ بل:
هل يمتلك القرار الفلسطيني البيئة الاستراتيجية والاقتصادية والشعبية والمؤسسية التي تمكنه من أن يتحول إلى فعل ونتيجة؟
وهنا نعود مرة أخرى إلى مفهوم عطية عن «القدرة الوطنية التراكمية».
فالاستقلال السياسي لا يكتمل بمجرد امتلاك قرار منفصل عن الوصاية، وإنما يحتاج إلى بناء شروط ممارسة هذا القرار:
تمثيل سياسي حقيقي، ومؤسسات جامعة، واستقلال نسبي في الموارد، وقدرة على التنسيق بين تجمعات الشعب الفلسطيني، وصلات استراتيجية بالمجال العربي والدولي، واستراتيجية تستطيع تحويل الأدوات المختلفة: السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والأمنية إلى قوة سياسية متراكمة.
وبذلك يصبح المطلوب ليس العودة إلى مرحلة كانت فيها فلسطين «قضية عربية» بمعنى خضوعها للأنظمة العربية، ولا الاستمرار في فلسطنة القضية بمعنى فصلها عن محيطها، وإنما بناء مفهوم جديد للعلاقة بين الوطني والقومي: فلسطين بقرار فلسطيني، ولكن بعمق عربي؛ واستراتيجية فلسطينية، ولكن ضمن إدراك لطبيعة الصراع الإقليمية والدولية؛ واستقلال عن الوصاية، دون انفصال عن المجال الذي تتحدد داخله موازين القوة.
رابعاً: من التشخيص إلى التأسيس
هنا أعتقد أن مقال خالد عطية يفتح الباب أمام السؤال الأهم. فإذا كان التشخيص يقول إن المشكلة تكمن في عجز الحركة الوطنية عن تحويل تعدد أشكال المقاومة والتضحيات والخبرات إلى قدرة وطنية تراكمية، فإن التأسيس يقتضي الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: كيف تُبنى هذه القدرة؟
لا يكفي القول إننا نحتاج إلى إعادة بناء السياسة الفلسطينية. المطلوب تحديد مكونات هذه السياسة الجديدة: من يمثل الفلسطينيين؟ كيف يعاد بناء التمثيل؟ ما العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والفصائل والمجتمع؟ كيف يُدمج الداخل والقدس وغزة والضفة والشتات في صيغة سياسية واحدة؟ كيف تتحول المقاومة بأشكالها المختلفة إلى استراتيجية، لا إلى ردود أفعال متفرقة؟
كيف يُعاد بناء العلاقة مع المجال العربي على أساس الشراكة لا الوصاية؟ وكيف يمكن بناء قدر من الاستقلال الاقتصادي والمؤسسي يسمح للقرار السياسي بأن يتحول إلى قدرة فعل؟
وهنا يصبح معيار المراجعة أكثر صرامة: ليست المرحلة الناجحة هي التي تنتج خطابا جديدا، ولا التي تحقق مكسبا آنيا فحسب، وإنما التي تترك وراءها قدرة أكبر مما كانت عليه قبلها.
إذا كانت الانتفاضة قد رفعت مستوى التعبئة الشعبية، فهل أنتجت تمثيلا سياسيا أكثر وحدة؟
وإذا أنتج الكفاح المسلح خبرات وتنظيما وتعبئة، فهل تحولت هذه الخبرات إلى مؤسسات وطنية مستقلة؟
وإذا أنشأ أوسلو مؤسسات لإدارة جانب من الحياة الفلسطينية، فهل تحولت هذه المؤسسات إلى أدوات لبناء القدرة الوطنية أم أصبحت جزءا من إدارة شروط الاحتلال؟
وإذا كان الانقسام قد أنتج سلطتين ومراكز قرار مختلفة، فهل ترك وراءه قدرة سياسية جديدة أم عمق تفكيك المجال الوطني؟
بهذه الأسئلة يمكن أن تتحول المراجعة من محاكمة الماضي إلى نظرية في التراكم الوطني.
خامساً: أفق التأسيس وبناء القدرة الوطنية
تتحدد القيمة الحقيقية لمقال خالد عطية في نقله النقاش من محاكمة الأدوات والخيارات إلى نقد البنية التي أنتجت تكرار العجز، واضعا مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» في مركز المعيار النظري.
غير أن اكتمال هذا المسار النظري يستدعي توسيع مفهوم البنية ذاته؛ فالمأزق الفلسطيني، كما سبقت الإشارة، لم يتشكل داخل المجال المحلّي وحده، بل ضمن بنية عربية وإقليمية ودولية فرضت شروطها على موازين القوة. وبنية اجتماعية ـ اقتصادية داخلية كرّست أشكالا من الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي وللمساعدات، وارتبط بها نظام سياسي ونخب ومصالح حدّت، بدرجات متفاوتة، من إمكانات التراكم.
بناءً على ذلك، لا تعود المراجعة مجرد محاولة للإجابة عن سؤال: لماذا تعثر المشروع الوطني؟ بل تصبح مدخلا إلى سؤال تأسيسي أوسع: ما الشروط التي تمكّن الفلسطينيين من تحويل تاريخهم الحافل بالمقاومة والتضحيات إلى قدرة سياسية ومؤسسية تراكمية؟
إن الخطوة التالية تشترط الانتقال من تفكيك العجز إلى التفكير في شروط تجاوزه، ومن نقد البنية إلى تأسيس القدرة؛ بحيث يتصل القرار بالفعل، ويستحيل الفعل تراكما، ويتحول التراكم إلى إمكانية حقيقية لصناعة المستقبل.
يقدم المقال قراءة استكمالية وتوسعية لمقال خالد عطية، «حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة: من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية»، وينطلق من مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» الذي طرحه عطية، باعتباره معيارا أساسيا لتقييم الخيارات والمراحل التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية.
1. القدرة الوطنية التراكمية: تكتسب المراجعة أهمية عندما لا تقيس نجاح المرحلة بما أنتجته من خطاب جديد أو مكسب آني فحسب، بل بما تركته من قدرة أكبر للمرحلة التالية:
هل بنت مؤسسة؟ هل وسعت التمثيل؟ هل عززت الاستقلال؟ هل وحدت ساحات الشعب الفلسطيني؟ هل زادت القدرة على اتخاذ القرار؟ وهل حولت التضحيات إلى مكاسب سياسية قابلة للتراكم.
2. توسيع مفهوم البنية: يرى المقال أن نقد البنية السياسية الفلسطينية لا يكتمل من دون توسيع مفهوم «البنية» التي تشكلت القضية الفلسطينية داخلها، لتشمل مستوياتها العربية والإقليمية والدولية، ودورها في تشكيل موازين القوى وشروط الفعل الفلسطيني.
3. مفارقة الدولة القطرية و«فلسطنة» القضية: ينبه المقال إلى ضرورة التمييز بين استقلال القرار الفلسطيني وانفصال القضية الفلسطينية عن عمقها العربي. ومن ثم يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الوطني والقومي على أساس الشراكة لا الوصاية: فلسطين بقرار فلسطيني، ولكن بعمق عربي وإسلامي.
4. البنية الاجتماعية ـ الاقتصادية: يلفت المقال إلى أثر الارتهان الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الخارجية، وتداخل ذلك مع النظام السياسي والطبقة السياسية والنخب والمصالح، في الحد من إمكانات التراكم المادي والمؤسسي. ومن هنا يطرح سؤال الاستقلال الاقتصادي والمؤسسي بوصفه شرطا لتحويل القرار السياسي إلى قدرة فعل.
ويخلص إلى الدعوة للانتقال من تفكيك العجز إلى التفكير في شروط تجاوزه، ومن نقد البنية إلى تأسيس القدرة؛ بحيث يتصل القرار بالفعل، ويستحيل الفعل تراكما، ويتحول التراكم إلى إمكانية حقيقية لصناعة المستقبل.
المقال الكامل: من نقد البديهيات إلى تأسيس القدرة: قراءة استكمالية لمقال خالد عطية
يأتي مقال خالد عطية، «حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة: من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية» 26/9/2026، في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة تتجاوز إعادة تعداد الأخطاء والانتقال من محاكمة الخيارات الماضية إلى محاولة فهم البنية التي أنتجت تكرار العجز.
وتكمن أهمية مقاله، في تقديري، في أنه لا يقع في الاختزال السهل الذي يرد المأزق الفلسطيني إلى خطأ أداة بعينها، أو إلى المبالغة في شعار التحرير، أو إلى تجربة الكفاح المسلح، أو إلى أوسلو، أو إلى الانقسام. بل يحاول أن يذهب إلى مستوى أعمق، فيسأل عن قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على تحويل التاريخ والتضحيات وتعدد أشكال المقاومة إلى قدرة وطنية تراكمية تستطيع إنتاج القرار والفعل والنتائج.
وهذه نقلة مهمة في مستوى النقاش. فبدلا من أن تكون المراجعة مجرد «تاريخ جديد للأخطاء»، كما يسميها الكاتب، تصبح محاولة للبحث عن «بنية الأخطاء»: كيف تتشكل الخيارات؟ وكيف تتحول الاستجابات للظروف إلى جزء من المشكلة؟ ولماذا لا تنتقل خبرة مرحلة إلى المرحلة التي تليها بوصفها قدرة سياسية ومؤسسية متراكمة؟
ومن هنا أجد أن مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» هو أهم ما يقدمه المقال. فالسؤال لا يعود: هل كانت المقاومة المسلحة صحيحة أم خاطئة؟ وهل كانت المفاوضات صائبة أم خاطئة؟ وهل كان شعار التحرير واقعيا أم غير واقعي؟
بل يصبح السؤال: ماذا أنتج كل خيار للمرحلة التالية؟ هل بنى مؤسسة؟ هل وسع التمثيل؟ هل عزز الاستقلال؟ هل وحد ساحات الشعب الفلسطيني؟ هل زاد القدرة على اتخاذ القرار؟ وهل حول التضحيات إلى مكاسب سياسية قابلة للتراكم؟
بهذا المعنى، ينجح عطية في نقل النقاش من نقد الأدوات إلى نقد طريقة إنتاج السياسة نفسها. وهذه، في تقديري، هي الخطوة التي تجعل المقال قابلا لأن يكون بداية لنقاش تأسيسي، لا مجرد مراجعة نقدية للماضي.
لكن، إذا كانت قيمة المقال تكمن في الانتقال من التشخيص إلى نقد البنية، فإنني أرى أن هذا الانتقال يحتاج إلى خطوة أخرى: توسيع مفهوم البنية نفسها. فالبنية التي أنتجت المأزق الفلسطيني ليست فلسطينية فقط، كما أن القضية الفلسطينية لم تتشكل تاريخيا بوصفها قضية وطنية منفصلة عن المجال العربي والإقليمي والدولي الذي نشأت داخله. وهنا تبدأ الملاحظة الأولى.
أولاً: من نقد البنية الفلسطينية إلى نقد البنية التي أُنشئت القضية الفلسطينية داخلها
يركز عطية بحق على اختلال ميزان القوى بين الحركة الوطنية الفلسطينية والمشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي.
لكنه يتعين، في تقديري، ألا نتعامل مع هذا الاختلال بوصفه معطى خارجيا ثابتا، بل أن نسأل أيضا: كيف تشكل هذا الاختلال تاريخيا؟
فالمشروع الصهيوني في تشكله الحديث لم ينشأ مستقلا عن البيئة الإمبريالية التي احتضنته، بل تبلور عند تقاطع تيارات صهيونية دينية سبقت الصهيونية السياسية اليهودية، مع المصالح والاستراتيجيات الإمبريالية الغربية في المنطقة. ومن هذا التقاطع تشكلت، في المرحلة البريطانية، شروط سياسية وقانونية ودولية مكّنت المشروع الصهيوني من الانتقال من فكرة وحركة سياسية إلى مشروع استيطاني إحلالي يتخذ من فلسطين مجالا لإعادة تشكيل الأرض والسكان.
لقد جاء ذلك ضمن عملية واسعة لإعادة تنظيم المنطقة أعقبت الحرب العالمية الأولى. فقد تداخلت التفاهمات الاستعمارية السابقة للحرب، وفي مقدمتها اتفاق سايكس ـ بيكو 1916، مع وعد بلفور 1917، وترتيبات ما بعد الحرب، معاهدة فرساي 1919، ثم تبلورت هذه العملية في النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب، وفي مقدمة ذلك عهد عصبة الأمم ونظام الانتداب الذي نصت عليه المادة 22. وفي مؤتمر سان ريمو عام 1920 جرى الاتفاق على إسناد انتداب فلسطين إلى بريطانيا، في إطار ترتيبات توزيع الانتدابات على الأراضي العربية التي كانت تابعة للدولة العثمانية. ثم جرى إعداد صك الانتداب على فلسطين وإقراره من عصبة الأمم عام 1922، ودخل حيز التنفيذ عام 1923.
ولم يكن صك الانتداب مجرد إطار لإدارة مؤقتة للأرض، بل وضع إطارا سياسيا وقانونيا لإدارة فلسطين، ونص على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تهيئة الظروف اللازمة لإقامة «الوطن القومي للشعب اليهودي»، وعلى تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي. ومن ثم فإن جزءا من البنية التي وجد الفلسطينيون أنفسهم يتحركون داخلها لم يكن نتيجة خياراتهم، بل كان قد تشكل قبل أن تتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة في صورتها اللاحقة.
وهنا يصبح ضروريا إدخال المشروع الصهيوني في سياقه الإمبريالي الأوسع، فالمشروع الصهيوني الخاص والمشروع الإمبريالي العام تفاعلا في لحظة تاريخية محددة، ووفر هذا التفاعل للمشروع الصهيوني شروطا دولية وإقليمية حاسمة في مرحلة التأسيس.
ومن هذه الزاوية، فإن فلسطين لا يمكن فصلها عن عملية إعادة تشكيل المنطقة العربية ـ الإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية، وما رافق ذلك من إعادة رسم الحدود، وإنشاء الدول القومية (تركيا الكمالية وإيران البهلوية)، وإعادة تشكيل المجال السياسي للكرد وتوزيع مناطقهم بين الدول القائمة، وتكريس تجزئة المجال العربي إلى وحدات قطرية منفصلة، وإعادة تنظيم العلاقات بينها سياسيا وجغرافيا وديموغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وقانونيا وأمنيا، بما أضعف وعطل إمكان تشكل مجال عربي متكامل وفاعل، وإخضاع أجزاء واسعة منه لنظام الانتداب البريطاني والفرنسي.
وهذا يضيف إلى سؤال عطية سؤالا آخر: ليس فقط كيف أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية في إنتاج القدرة، بل كيف جرى تفكيك المجال الذي كان يمكن أن تتشكل داخله هذه القدرة أصلا؟
ففلسطين ليست مجرد إقليم متنازع عليه بين مشروعين؛ إنها تقع في موقع مركزي في المجال العربي الإسلامي جغرافيا وحضاريا واستراتيجيا. فالمسألة لم تكن فقط السيطرة على إقليم فلسطين، وإنما إعادة تعريف موقعه السياسي والجغرافي والديموغرافي داخل المنطقة. ولذلك فإن اقتلاع فلسطين من المجال العربي الإسلامي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نتيجة لاحقة للصراع، بل بوصفه أحد عناصر الصراع نفسه.
ومن هنا فإن نقد البنية الفلسطينية يحتاج إلى أن يترافق مع نقد البنية العربية والإقليمية التي حُشرت الحركة الوطنية الفلسطينية داخلها. فاختلال ميزان القوى لم يكن فقط نتيجة تفوق عسكري أو اقتصادي صهيوني، وإنما ارتبط أيضا بتفكك المجال العربي الإسلامي، وبانتقال المنطقة من فضاء سياسي أوسع إلى نظام من الدول القومية والقطرية التي أصبحت مصالحها الوطنية الخاصة تؤثر بصورة متزايدة في طريقة تعاملها مع فلسطين.
ولا يكتمل نقد البنية بالوقوف عند حدودها الجيوسياسية الإقليمة فحسب، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية - الاقتصادية للداخل الفلسطيني. لقد أنتجت العقود الأخيرة - خاصة مسار ما بعد أوسلو - اقتصادا مشوها يقوم على الاعتماد الشديد على المساعدات الخارجية، والارتباط الهيكلي باقتصاد الاحتلال، ونشوء نظام سياسي وطبقة من النخب ارتبطت، بدرجات متفاوتة، باستمرار ترتيبات الوضع القائم، بما حدّ من قدرة المؤسسات على تحويل الموارد المتاحة إلى استقلال اقتصادي واستراتيجي.
ثانياً: مفارقة الدولة القطرية و«فلسطنة» القضية
وهنا نصل إلى المفارقة الثانية، وهي في تقديري من أكثر النقاط التي يمكن أن توسع أطروحة عطية.
لقد تعاملت الدول العربية مع فلسطين، في مراحل مختلفة، من خلال مصالحها القطرية وحساباتها الخاصة، وأصبحت فلسطين في بعض الأحيان جزءا من الصراعات العربية ـ العربية، والعربية الإقليمية، ومن حسابات الأنظمة.
وكان من الطبيعي أن تنشأ داخل الحركة الوطنية الفلسطينية ردة فعل تؤكد على استقلال القرار الفلسطيني وترفض أن تكون القضية الفلسطينية رهينة للأنظمة العربية.
وكان هذا التأكيد مفهوما وضروريا من زاوية التحرر من الوصاية.
لكن المفارقة التاريخية هي أن الاستجابة الفلسطينية لفلسطنة القضية قد تزامنت مع قطرية النظام العربي. ففي الوقت الذي كانت فيه الدول العربية تتعامل بصورة متزايدة مع فلسطين من مواقعها القطرية، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تؤكد بصورة متزايدة استقلال القضية الفلسطينية عن النظام العربي.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين أمرين: استقلال القرار الفلسطيني، وانفصال القضية الفلسطينية عن عمقها العربي.
الأول ضرورة وطنية؛ أما الثاني فليس بالضرورة نتيجة لازمة للأول.
فاستقلال القرار الفلسطيني كان ضروريا للخروج من الوصاية. لكنه لا يكفي لإنتاج استقلال الفاعلية.
المشكلة الحقيقية، إذن، ربما كانت في عدم القدرة على بناء صيغة سياسية تجمع بين الأمرين: قرار فلسطيني مستقل، داخل استراتيجية عربية واعية، وليس قرارا فلسطينيا مستقلا عن المجال العربي.
وهذه نقطة أرى أنها تستحق أن تدخل بقوة في المراجعة التي يقترحها عطية، لأن جزءا من العجز عن بناء القدرة الوطنية التراكمية قد يكون مرتبطا ليس فقط بانقسام الفلسطينيين داخليا، وإنما أيضا بانقطاع الصلة الاستراتيجية بين الوطني الفلسطيني وعمقه العربي.
ثالثاً: من «استقلال القرار» إلى «استقلال الفاعلية»
وهنا يمكن إعادة صياغة مفهوم الاستقلال نفسه. فقد يكون القرار مستقلا من الناحية الشكلية، لكنه يظل محدود القدرة على التأثير إذا كان الفاعل الذي يصدره محاصرا اقتصاديا وجغرافيا وعسكريا ودبلوماسيا.
لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: هل القرار الفلسطيني مستقل؟ بل:
هل يمتلك القرار الفلسطيني البيئة الاستراتيجية والاقتصادية والشعبية والمؤسسية التي تمكنه من أن يتحول إلى فعل ونتيجة؟
وهنا نعود مرة أخرى إلى مفهوم عطية عن «القدرة الوطنية التراكمية».
فالاستقلال السياسي لا يكتمل بمجرد امتلاك قرار منفصل عن الوصاية، وإنما يحتاج إلى بناء شروط ممارسة هذا القرار:
تمثيل سياسي حقيقي، ومؤسسات جامعة، واستقلال نسبي في الموارد، وقدرة على التنسيق بين تجمعات الشعب الفلسطيني، وصلات استراتيجية بالمجال العربي والدولي، واستراتيجية تستطيع تحويل الأدوات المختلفة: السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والأمنية إلى قوة سياسية متراكمة.
وبذلك يصبح المطلوب ليس العودة إلى مرحلة كانت فيها فلسطين «قضية عربية» بمعنى خضوعها للأنظمة العربية، ولا الاستمرار في فلسطنة القضية بمعنى فصلها عن محيطها، وإنما بناء مفهوم جديد للعلاقة بين الوطني والقومي: فلسطين بقرار فلسطيني، ولكن بعمق عربي؛ واستراتيجية فلسطينية، ولكن ضمن إدراك لطبيعة الصراع الإقليمية والدولية؛ واستقلال عن الوصاية، دون انفصال عن المجال الذي تتحدد داخله موازين القوة.
رابعاً: من التشخيص إلى التأسيس
هنا أعتقد أن مقال خالد عطية يفتح الباب أمام السؤال الأهم. فإذا كان التشخيص يقول إن المشكلة تكمن في عجز الحركة الوطنية عن تحويل تعدد أشكال المقاومة والتضحيات والخبرات إلى قدرة وطنية تراكمية، فإن التأسيس يقتضي الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: كيف تُبنى هذه القدرة؟
لا يكفي القول إننا نحتاج إلى إعادة بناء السياسة الفلسطينية. المطلوب تحديد مكونات هذه السياسة الجديدة: من يمثل الفلسطينيين؟ كيف يعاد بناء التمثيل؟ ما العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والفصائل والمجتمع؟ كيف يُدمج الداخل والقدس وغزة والضفة والشتات في صيغة سياسية واحدة؟ كيف تتحول المقاومة بأشكالها المختلفة إلى استراتيجية، لا إلى ردود أفعال متفرقة؟
كيف يُعاد بناء العلاقة مع المجال العربي على أساس الشراكة لا الوصاية؟ وكيف يمكن بناء قدر من الاستقلال الاقتصادي والمؤسسي يسمح للقرار السياسي بأن يتحول إلى قدرة فعل؟
وهنا يصبح معيار المراجعة أكثر صرامة: ليست المرحلة الناجحة هي التي تنتج خطابا جديدا، ولا التي تحقق مكسبا آنيا فحسب، وإنما التي تترك وراءها قدرة أكبر مما كانت عليه قبلها.
إذا كانت الانتفاضة قد رفعت مستوى التعبئة الشعبية، فهل أنتجت تمثيلا سياسيا أكثر وحدة؟
وإذا أنتج الكفاح المسلح خبرات وتنظيما وتعبئة، فهل تحولت هذه الخبرات إلى مؤسسات وطنية مستقلة؟
وإذا أنشأ أوسلو مؤسسات لإدارة جانب من الحياة الفلسطينية، فهل تحولت هذه المؤسسات إلى أدوات لبناء القدرة الوطنية أم أصبحت جزءا من إدارة شروط الاحتلال؟
وإذا كان الانقسام قد أنتج سلطتين ومراكز قرار مختلفة، فهل ترك وراءه قدرة سياسية جديدة أم عمق تفكيك المجال الوطني؟
بهذه الأسئلة يمكن أن تتحول المراجعة من محاكمة الماضي إلى نظرية في التراكم الوطني.
خامساً: أفق التأسيس وبناء القدرة الوطنية
تتحدد القيمة الحقيقية لمقال خالد عطية في نقله النقاش من محاكمة الأدوات والخيارات إلى نقد البنية التي أنتجت تكرار العجز، واضعا مفهوم «القدرة الوطنية التراكمية» في مركز المعيار النظري.
غير أن اكتمال هذا المسار النظري يستدعي توسيع مفهوم البنية ذاته؛ فالمأزق الفلسطيني، كما سبقت الإشارة، لم يتشكل داخل المجال المحلّي وحده، بل ضمن بنية عربية وإقليمية ودولية فرضت شروطها على موازين القوة. وبنية اجتماعية ـ اقتصادية داخلية كرّست أشكالا من الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي وللمساعدات، وارتبط بها نظام سياسي ونخب ومصالح حدّت، بدرجات متفاوتة، من إمكانات التراكم.
بناءً على ذلك، لا تعود المراجعة مجرد محاولة للإجابة عن سؤال: لماذا تعثر المشروع الوطني؟ بل تصبح مدخلا إلى سؤال تأسيسي أوسع: ما الشروط التي تمكّن الفلسطينيين من تحويل تاريخهم الحافل بالمقاومة والتضحيات إلى قدرة سياسية ومؤسسية تراكمية؟
إن الخطوة التالية تشترط الانتقال من تفكيك العجز إلى التفكير في شروط تجاوزه، ومن نقد البنية إلى تأسيس القدرة؛ بحيث يتصل القرار بالفعل، ويستحيل الفعل تراكما، ويتحول التراكم إلى إمكانية حقيقية لصناعة المستقبل.