د. إبراهيم عروش - سألني أحدهم: ما علاقتك بالوردة؟

سألني أحدهم وهو ناسي ناس : ما علاقتك بالوردة؟

قلت له: لا تسألني عن الوردة ، اسأل آباءنا عن المناجم.

نحن أبناء عمال المناجم.

عرفنا اليسار قبل أن يصبح صورة في فيسبوك، أو وساماً يُعلّق على الصدر، وقبل أن يصبح النضال تدوينة، وقبل أن يكتشف بعضهم أن الوردة قد تفتح أبواباً أكثر مما تفتح القلوب.

عرفنا النضال من آبائنا، وهم يستيقظون قبل الفجر وينزلون إلى المناجم، لا يعلمون مديرا قبل عبد الكريم العمراني ولا من سيأتي بعد التراب ليقضوا نهارهم تحت أوامر مهندس فرنسي لم يكن يتفوق عليهم في الرجولة ولا في الكدح ولا في حب الأرض، ولكنه كان يتفوق عليهم في شيء واحد: أنه وجد وسيطا خائنا و وجد فرصة للتعلم حُرم منها آباؤنا.

كانوا يخرجون من بيوتهم في الظلام، ويعودون وقد ترك غبار المنجم علاماته على وجوههم، لكنهم كانوا يحملون من الكرامة ما لم تستطع سنوات الاستعمار أن تنتزعه منهم.

وعرفنا «القفة الاتحادية» أيام الإضرابات.

عرفناها ونحن أطفال، حين كان النقاش داخل البيت أكبر من أعمارنا:

هل نرضخ لمن تولوا أمرنا من خدام الاستعمار حتى لا نجوع؟
أم نصبر ونساند الإضراب وننتظر القفة الاتحادية؟

خبرتُ تلك القفة صغيراً.

كانت يومها سبباً لألمي، لأن الطفل لا يفهم لماذا ينقص الطعام في البيت ولا لماذا يصر الأب على موقفه، ولو كان حائرا بين الكرامة والخيانة

أما اليوم، فهي سبب اعتزازي.

فتحيا تلك القفة الاتحادية حين كانت عنواناً للأنفة وشموخ العمال، وحين كانت تجمع العامل والمعلم والأستاذ وكل من آمن بأن التضامن ليس صدقة، بل موقف.

كان العامل يضرب، فتضرب معه أسرته عن كثير من ضروريات الحياة.

وكان الأب يجوع ولا يبيع موقفه.

وكانت الأم تدبر القليل حتى يبقى البيت واقفاً.

وكان الأطفال يتعلمون، دون أن يدروا، أول درس في معنى الكرامة.

لذلك لا تسألني يا ناسي ناس عن علاقتي بالوردة.

فأنا ابن ذلك العامل الذي كان يكدح حتى تُعز المرأة في بيته، ويذهب أطفاله إلى مدارسهم، ويبقى الرأس مرفوعاً ولو كانت الجيوب فارغة.

وأنا على العهد.

فلا تزايد علينا.

كان الاتحاد بالنسبة إلينا مشروع مجتمع.وليس للمنخرطين جدد حسب الحاجة

ولولا المجتمع لما كان الاتحاد.

ثم دارت الأيام، وظهر لنا نوع جديد من المناضلين:

مناضل آخر صيحة!

يساري في الخطاب، رأسمالي في الحساب، تقدمي أمام الكاميرا، ومحافظ جداً عندما يتعلق الأمر بامرأة لا تنتظر إذنه لكي تناضل.

يا صاحبي المجهول، من جعل المرأة تكدح لأجله

لا تزايد علينا باليسار.

فالريع سبقك إليه اليمين، وسبقك إليه المحافظون، فلا تقدم نفسك لنا باعتبارك المكتشف العظيم لـ الريع اليساري

ولا تقل لنا إنك وريث المناضلين لمجرد أنك تقف تحت الوردة أو دخلت مكتبا اتحاديا خطأً

فالوقوف تحت شجرة الزيتون لا يجعلك فلاحاً.

والجلوس قرب البحر لا يجعلك بحاراً.

ووضع وردة على صدرك لا يجعلك اشتراكياً.
وتوضيف زوجتك وقعودك في المقاهي لا يجعل منك مناضلا

قل لنا فقط:

كيف بدأت؟

وكيف صعدت؟

وكيف تبدلت الأحوال؟

وكيف أصبحت الاشتراكية عند البعض علماً دقيقاً لتحسين الظروف… الشخصية؟

أما أبناء العمال، فلا تعطهم دروساً في الفقر.

وأبناء المضربين، لا تشرح لهم معنى التضامن.

والنساء المناضلات، لا تحدثهن عن التقدمية.

فالمرأة التي وقفت وسط المعطلين والمعطلات، ورفعت صوتها وطالبت بحقها، لا تحتاج إلى رجل يمنحها شهادة حسن السيرة النضالية.

احترمها بصمتك إن عجزت عن احترامها بموقفك.

والأجمل في صاحبنا المجهول أنه يتحدث عن المبادئ وكأنه الموزع الحصري لها!

اليسار عنده ماركة مسجلة.

والتقدمية تحتاج إلى توقيعه.

والنضال لا يصبح نضالاً إلا إذا ختم عليه.

أما الوردة، فتكاد تحتاج إلى شهادة ملكية باسمه!

رويدك يا صاحبي.

الوردة ليست عقاراً محفظاً.

والاتحاد ليس أصلاً تجارياً.

واليسار ليس قفة ريع جديدة بعدما امتلأت القفف الأخرى.

نحن عرفنا القفة الاتحادية وهي تدخل بيوت المضربين حاملة التضامن في زمن المهندسين الفرنسيين ومن تلاهم من الانبطاحيين فلا تكن انبطاحيا.

فلا تجعل منها اليوم قفة يدخل إليها البعض فارغ اليدين، ثم يخرج منها ممتلئ الجيوب.

وهنا يكمن الفرق.

نحن عرفنا الوردة عندما كانت أشواكها تجرح اليد.

وعرفناها عندما كان الاقتراب منها قد يكلف العامل أجره، والمناضل راحته، والأسرة قوتها.ونحن صغارا

أما بعضهم، فلم يقترب منها إلا بعدما ذبلت الأشواك، وبدأ يبحث بين أوراقها عن منفعة.

لذلك، حين يسألني أحدهم مرة أخرى:

ما علاقتك بالوردة؟

سأقول:

علاقتنا بها منجم وعرق وقفة وإضراب وطفولة وذاكرة.

علاقتنا بها أب يعود من المنجم متعباً ولا يشتكي.

وأم تحسب ما بقي في البيت وتصبر.

وطفل ينتظر القفة ولا يفهم يومها أن ما بداخلها ليس مجرد دقيق وزيت وسكر، بل درس كامل في التضامن والكرامة.

أما علاقتك أنت بها، يا صاحبي المجهول…

فلا أعرف.

لكن يبدو أنك حين رأيت الوردة، لم تسأل عن تاريخها، ولا عن أشواكها، ولا عن الأيادي الخشنة التي غرستها، ولا عن العمال الذين سقوها بعرقهم.

يبدو أنك سألت سؤالاً واحداً فقط: ماذا بقي لي فيها ولأولادي ولكشكي ولزوجتي الموصفة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى