د. زهير الخويلدي - في تمفصل القول الفلسفي عن الخطاب السوفسطائي من خلال محاورة الغورجياس لأفلاطون

مقدمة

تُمثل محاورة الغورجياس واحدة من أهم المحطات في تاريخ الفكر الإغريقي التي شهدت تمفصلاً حاسماً بين القول الفلسفي والخطاب السوفسطائي. ففي هذه المحاورة لا يكتفي أفلاطون بنقد البلاغة السوفسطائية بوصفها ممارسة خطابية، بل يعيد تأسيس مفهوم القول (اللوغوس) نفسه، ويحدد شروطه المعرفية والأخلاقية والسياسية. إن التمفصل هنا ليس فصلاً خارجياً بين مجالين متجاورين، بل عملية داخلية يعيد من خلالها القول الفلسفي تعريف ذاته عبر مواجهته مع الآخر السوفسطائي، فيكشف عن حدوده وإمكاناته وغاياته. وتنطلق هذه الدراسة من مقاربة إغريقية أصيلة تضع المحاورة داخل أفقها التاريخي والمفهومي: عالم المدينة الإغريقية في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، حيث كان الصراع على اللوغوس صراعاً على السلطة والمعرفة والفضيلة في آن واحد. ما البنية التي تتشكل منها محاورة الغورجياس لأفلاطون؟

السياق الإغريقي لصراع اللوغوس مع السفسطة

في أثينا الديمقراطية، أصبح الخطاب أداة حاسمة في الحياة السياسية والقضائية والتعليمية. وظهر السوفسطائيون كمعلمين محترفين يعدون الشباب بالقدرة على الإقناع في أي موضوع، معتبرين البلاغة أعلى الفنون وأقواها. كان الغورجياس نفسه نموذجاً بارزاً لهذا التيار: بلاغي بارع يرى في الكلمة قوة تكاد تكون سحرية، قادرة على أن تجعل الضعيف قوياً والقوي ضعيفاً، وأن تُحوّل الرأي إلى حقيقة في أعين المستمعين. في مواجهة هذا الخطاب الذي يربط القوة بالإقناع، يأتي سقراط الأفلاطوني ليطرح سؤالاً جذرياً: ما طبيعة هذا الفن المزعوم؟ وهل يمكن أن يكون القول مجرد أداة للسيطرة أم أنه مطالب بأن يخضع لمعايير الحقيقة والخير؟

هذا السؤال ليس تقنياً، بل وجودي وسياسي. ففي المدينة الإغريقية كان اللوغوس هو ما يميز الإنسان ويؤسس الجماعة. وعندما يتحول اللوغوس إلى مجرد تقنية إقناعية منفصلة عن الحقيقة، فإنه يهدد أساس الحياة المشتركة نفسها. من هنا كانت محاورة الغورجياس ميداناً لإعادة تمفصل القول الفلسفي بوصفه العناية بالنفس والبحث عن العدالة، في مقابل الخطاب السوفسطائي بوصفه سعياً إلى اللذة والسلطة.

ثانياً: بنية المحاورة ومسار التمفصل

تنقسم المحاورة إلى ثلاث محاورات متدرجة تكشف تدريجياً عن طبيعة الخطاب السوفسطائي وتفصل القول الفلسفي عنه. يبدأ الحوار مع الغورجياس نفسه حول ماهية البلاغة. يعرّف الغورجياس البلاغة بأنها صانعة الإقناع، القادرة على أن تجعل المرء مقنعاً في المحاكم والمجالس حول أي موضوع. هنا يظهر أول تمفصل: سقراط يدفع الغورجياس إلى الاعتراف بأن البلاغة تعمل في مجال الرأي لا المعرفة، وأنها قادرة على إقناع الجاهلين أمام الجاهلين، لا على تعليم الحقيقة. بهذا يكشف سقراط أن البلاغة السوفسطائية تفتقر إلى موضوع محدد وإلى معرفة حقيقية بما تتكلم عنه، فهي أقرب إلى المهارة التجريبية منها إلى الفن القائم على المعرفة. ثم ينتقل الحوار إلى بولوس، تلميذ الغورجياس، الذي يدافع عن البلاغة بوصفها مصدر القوة الأعظم في المدينة. يرى بولوس أن الخطيب قادر على أن يفعل ما يشاء، وأن يظلم دون أن يُظلم، وأن هذا هو السعادة. هنا يتعمق التمفصل: يميز سقراط بين ما يبدو خيراً وما هو خير حقاً، وبين القوة الظاهرية والقوة الحقيقية. فالظالم، حتى لو أفلت من العقاب، يبقى تعيساً لأنه يفسد نفسه. بهذا يفصل القول الفلسفي مفهوم السعادة عن اللذة والسلطة الخارجية، ويربطه بكمال النفس وعدالة نظامها الداخلي. أما الذروة فتأتي مع كاليكليس، الذي يرفض القيم التقليدية ويعلن صراحة أن العدالة الطبيعية هي حق الأقوى، وأن القوانين والأخلاق ليست سوى اختراعات الضعفاء لتقييد الأقوياء. هنا يصل التمفصل إلى أقصى درجاته. يواجه سقراط هذا الخطاب الذي يمجد القوة الغاشمة بمفهوم فلسفي للخير بوصفه نظاماً وترتيباً، سواء في النفس أو في المدينة أو في الكون. فالقول الفلسفي لا يسعى إلى السيطرة على الآخرين، بل إلى السيطرة على الذات، وإلى إقامة الانسجام بين الرغبات والعقل.

الأسس المفهومية لتمفصل القول الفلسفي

يقوم التمفصل الأفلاطوني على جملة من التمييزات المفهومية الإغريقية الأصيلة.

أولها التمييز بين التِخْنِي (الفن أو الصناعة القائمة على المعرفة) والإمبَيريا (المهارة التجريبية أو الدربة). البلاغة السوفسطائية، في نظر سقراط، ليست تِخْنِي حقيقية لأنها لا تملك معرفة بما هو خير للنفس، بل هي أشبه بفن الطبخ الذي يهدف إلى إرضاء الذوق لا إلى صحة البدن. في المقابل، يكون القول الفلسفي تِخْنِي حقيقية لأنه يستند إلى معرفة الخير ويستهدف العناية بالنفس.

ثاني التمييزات هو التمييز بين اللذة والخير. الخطاب السوفسطائي يسعى إلى إحداث اللذة في نفوس المستمعين، فيمدح ما يرضيهم ويذم ما يزعجهم، بغض النظر عن حقيقته. أما القول الفلسفي فيرفض هذا المعيار، ويرى أن اللذة قد تكون خادعة، وأن الخير الحقيقي قد يتطلب الألم أو المعارضة. هذا التمييز يعيد ربط اللوغوس بالأخلاق، ويجعله مسؤولاً أمام معيار يتجاوز الرغبة الآنية.

ثالث التمييزات يتعلق بالسلطة والمعرفة. السوفسطائي يرى في البلاغة أداة للسلطة السياسية، قادرة على أن تجعل صاحبها يحكم دون أن يكون متخصصاً في شؤون الحكم. أما سقراط فيرفض هذا الفصل بين السلطة والمعرفة، ويرى أن الحكم الحقيقي لا يكون إلا لمن يعرف الخير والعدالة. بهذا يصبح القول الفلسفي نقداً جذرياً للديمقراطية الأثينية نفسها حين تتحول إلى حكم للرأي والإقناع بدلاً من حكم المعرفة.

أبعاد التمفصل الأخلاقية والسياسية والأنطولوجية

لا يقتصر التمفصل على المستوى المنطقي أو البلاغي، بل يمتد إلى الأبعاد الأخلاقية والسياسية والأنطولوجية. أخلاقياً، يعيد القول الفلسفي تعريف السعادة بوصفها حالة النفس المنتظمة العادلة، لا حالة من يحقق رغباته دون رادع. وهذا يعني أن الظلم يضر بالظالم أكثر مما يضر بالمظلوم، لأن الأول يُدخل الاضطراب إلى نفسه. سياسياً، يصبح القول الفلسفي أساساً لتصور مختلف عن المدينة: مدينة يحكمها من يعرف، لا من يُقنع. وأنطولوجياً، يرتبط اللوغوس الفلسفي بنظام الكون نفسه، حيث يرى سقراط أن النظام والترتيب موجودان في الطبيعة كما في النفس والمدينة، وأن القول الذي يتجاهل هذا النظام ينفصل عن الحقيقة الوجودية.بهذا المعنى، لا يكون التمفصل رفضاً للبلاغة بإطلاق، بل إعادة تأسيس لبلاغة أخرى: بلاغة فلسفية تهدف إلى إقناع النفس بالخير، لا إلى إقناع الجمهور بأي شيء. وهذه البلاغة الفلسفية هي في جوهرها جدل (ديالكتيك)، حركة صاعدة من الرأي إلى المعرفة، ومن الظاهر إلى الحقيقة.

دلالة التمفصل في الأفق الإغريقي الأوسع

يأتي تمفصل القول الفلسفي عن الخطاب السوفسطائي في الغورجياس ضمن حركة أوسع في الفكر الإغريقي سعت إلى تخليص اللوغوس من نسبية السوفسطائيين وإعادته إلى صلته بالحقيقة. فبينما أعلن بروتاغوراس أن الإنسان مقياس كل شيء، وأكد الغورجياس على قوة الكلمة الخالصة، جاء أفلاطون ليؤكد أن اللوغوس لا يكون لوغوساً حقاً إلا إذا ارتبط بالوجود والخير. هذا التمفصل لم يكن أكاديمياً فحسب، بل كان دفاعاً عن إمكانية الفلسفة نفسها في مدينة أصبحت فيها الكلمة سلعة تُباع وتُشترى.

كما أن هذا التمفصل يكشف عن توتر أصيل في التجربة الإغريقية بين الديمقراطية والفلسفة. فالديمقراطية تعتمد على الإقناع والحوار المفتوح، بينما تطالب الفلسفة بمعيار للحقيقة يتجاوز رأي الأغلبية. ومحاورة الغورجياس تُظهر هذا التوتر في أعنف صوره، حين يواجه سقراط خطابات تمجد القوة والإقناع المطلق، ويصر على أن القول الحقيقي قد يكون غير محبوب، بل قد يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، كما حدث لسقراط التاريخي نفسه.

خاتمة

رغم أن المحاورة تنتمي إلى القرن الرابع قبل الميلاد، فإن تمفصل القول الفلسفي عن الخطاب السوفسطائي الذي أنجزته يظل نموذجاً لكل محاولة جادة لتحديد شروط الخطاب المسؤول. ففي كل عصر يظهر خطاب يفصل بين القوة والحقيقة، وبين الإقناع والمعرفة، وبين اللذة والخير. وتذكّرنا الغورجياس بأن القول الفلسفي لا يكون كذلك إلا بقدر ما يرفض هذا الفصل، ويصر على أن اللوغوس مطالب بأن يكون في خدمة الحقيقة والعناية بالنفس والنظام العادل.في الختام، تُظهر محاورة الغورجياس أن تمفصل القول الفلسفي عن الخطاب السوفسطائي ليس مجرد نقد خارجي، بل عملية تأسيس ذاتي يعيد من خلالها القول الفلسفي تعريف ماهيته وغاياته. فمن خلال مواجهته مع الغورجياس وبولوس وكاليكليس، يبني سقراط الأفلاطوني تصوراً للوغوس بوصفه بحثاً عن الخير، وعناية بالنفس، وارتباطاً بالنظام الكوني. وهذا التمفصل، في عمقه الإغريقي، يظل دعوة مستمرة إلى أن يكون القول مسؤولاً أمام الحقيقة لا أمام النجاح الإقناعي فحسب، وأن تكون الفلسفة مقاومة دائمة لكل خطاب يحول الكلمة إلى أداة للسيطرة بدلاً من أن تكون طريقاً إلى الفهم والكمال. ما الذي يترتب عن استكشاف جدلية السعادة عند كاليكليس؟ وهل يمكن مقارنة هاته المحاورة بمحاورة بروتاغوراس؟

المصدر

Platon, Gorgias, (trad. du grec ancien par Monique Canto-Sperber), Œuvres complètes, Paris, Éditions Flammarion, 2008 (1re éd. 2006), 2204 p.

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى