عبد الرحمن بسيسو .. وراء القناع وجه الصديق

عبد الرحمن بسيسو .. وراء القناع وجه الصديق

بقلم: إلهامي المليجي


2026-639252628485643628-564_main.JPG


بعض الشخصيات لا تُقرأ من زاوية واحدة، كلما اقتربت من عبد الرحمن بسيسو، وجدتني أمام رجل متعدد الوجوه، لا بمعنى التشتت، بل بمعنى الامتلاء: مناضل ونقابي طلابي، صحفي وكاتب وشاعر وناقد، دبلوماسي وأكاديمي، وصاحب تجربة طويلة فى العمل الثقافي والحقوقي. وفى كل وجه من هذه الوجوه، كان هناك خيط واحد يربط التجربة كلها: انحياز عميق إلى الإنسان، وإيمان بأن الثقافة ليست زينة للحياة، بل إحدى أدوات الدفاع عنها.

فى سيرته تتجاور قاعة الدرس وميكروفون الإذاعة، وصفحة القصيدة ومكتب التحرير، وكتاب الطفل والبحث الأكاديمي والعمل الحقوقي. وقد يبدو هذا التعدد، لمن يراه من بعيد، انتقالًا بين مجالات متباعدة، لكنه فى تجربة بسيسو، يكشف عن مشروع واحد: أن تتحول المعرفة إلى فعل، وأن تصير الكلمة مؤسسة، وأن يظل المثقف حاضرًا فى قلب معركة الوعي والذاكرة والكرامة.

لم تكن فلسطينيته تضيق بهذا الأفق، بل كانت تفتحه. فمن العمل الإعلامي والثقافي في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إلى تأسيس مجلة «بلسم»، ثم تجربة النشر في «سنابل» و«فرح»، وصولًا إلى البحث النقدي والترجمة والعمل فى منظمة العفو الدولية، ظل عبد الرحمن يصل فلسطين بمحيطها العربي وبالعالم، ويستعين في مشروعاته بمثقفين وفنانين ومبدعين عرب، كأن عروبته لم تكن شعارًا يرفعه، بل طريقة فى العمل والحياة.

ومن هنا لا تبدو الصور التي وصلتني عنه مجرد وثائق نادرة، بل شواهد على هذا المعنى. أراه في قبو مدرسة اللاهوت، أثناء حرب 1982، فى المكان، الذي حولته جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى مستشفى للأطفال، ويبدو في عمق الصورة إلى جوار الشاعر الكبير معين بسيسو. ثم أراه في صورة أخرى من مهرجان لايبزغ للأفلام الوثائقية، في نوفمبر 1981، حيث نال فيلم «مولود من الموت»، الذي وثق الغارة الإسرائيلية على منطقة الفاكهاني فى بيروت، الميدالية الذهبية، وكان من كتابة وتعليق وإخراج مشترك بين مونيكا ماورور وعبد الرحمن بسيسو.

هذه ليست تفاصيل إضافية فى سيرة رجل غني، بل مفاتيح لفهمه. كان عبد الرحمن حاضرًا، حيث تلتقي الكلمة بالفعل، وحيث لا يعود المثقف شاهدًا من بعيد، بل يصبح جزءًا من مقاومة النسيان، ومن حماية الذاكرة، ومن تحويل الألم إلى معرفة وصورة ونص.

صداقة تتسع للعمل

فى الجزء الأول توقفت عند لقائنا في مكتبي بالقاهرة، صيف عام 1989، حين جاء عبد الرحمن بصحبة الشاعر حلمي سالم، وعرض الشراكة بين «مؤسسة فرح لصحافة وثقافة الطفل» و«دار النديم». ثم وصلت إصدارات «فرح»: قصص للفتيان أنيقة الطباعة، بعضها بالعربية والإنجليزية، وبعضها بالعربية والفرنسية، تحمل رسومًا لفنانين عرب كبار.

كانت تلك الكتب تقدم بسيسو من دون أن يتحدث عن نفسه: انفتاح على العالم من دون تفريط فى العربية، واحترام لعقل الطفل وذائقته، وجمع بين الأدب والفن، وإيمان بأن الكتاب العربي ينبغي أن يخرج فى صورة تليق بقارئه. لم يكن جمال الكتاب عنده ترفًا؛ فالفكرة الجيدة قد تُهدر إذا قُدمت في وعاء فقير، والعناية بالشكل كانت عنده جزءًا من احترام العمل والمتلقي.

ومنذ ذلك اللقاء توثقت علاقتنا بسرعة لافتة للنظر. لم تكن مجرد علاقة ثقافية بين كاتبين، وإن جمعنا الفكر والثقافة، بل صداقة إنسانية عميقة، قوامها المحبة والثقة والتقارب الروحي، أصبح من أقرب الناس إلى نفسى، وكأن السنوات التي تأخر فيها لقاؤنا لم تكن سوى وقت تسترده الألفة دفعة واحدة. أما شراكتنا فى النشر، فكانت أحد تعبيرات هذه الصداقة، لا أساسها أو سببها.

كان بسيسو مخزن أفكار بحق، تتوالد الفكرة لديه من أخرى، لكنه لم يكن أسير التدفق وحده، كان منظمًا إلى حد مدهش، مرتبًا ودقيقًا، وقادرًا على نقل الفكرة من فضاء الحلم إلى برنامج عمل، ثم متابعة التفاصيل حتى يخرج المشروع إلى النور.

وكنت فى أشد الحاجة إلى اكتساب بعض هذه الصفات، كنت أملك الحماسة والأفكار والعلاقات، لكنني لم أمتلك دائمًا صبره على التنظيم ودقته فى المتابعة، وكثيرًا ما فكرت أنه لو انتقل إلى بعض ما امتلكه عبد الرحمن من قدرة على إدارة العمل وحماية المؤسسة من الارتجال، لربما بقيت «دار النديم» وتطورت، واتخذت موقعًا مختلفًا فى الحياة الثقافية العربية.

المشهد الثاني: أسبوع صار أسابيع

كنت أعرف دقة عبد الرحمن، لكنني لم أعرف إلى أي مدى يمكن أن تبلغ، حتى خرج جهاز الكمبيوتر من الدار إلى شقته، في مهمة حسبنا أنها لن تستغرق أكثر من أسبوع.
كان ذلك في التسعينيات؛ لا أذكر التاريخ على وجه الدقة. أخبرني أنه أوشك على الانتهاء من كتابة أطروحته للدكتوراه، «قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر».

ولا أستطيع الآن أن أجزم إن كانت المسودة مكتوبة بخط اليد أم على الآلة الكاتبة، لكنني أذكر أنه طلب استخدام جهاز «أبل ماكنتوش كلاسيك» الخاص بالدار لتنضيدها.
كان حريصًا دائمًا على استخدام أحدث ما يتاح له من أدوات. وقد اتفق مع منضد يجيد العمل على الجهاز، ومع مصحح يتولى المراجعة. فاقترحت عليه أن يأخذه إلى الشقة التي يقيم فيها بحي العجوزة؛ للمكتب مواعيد، وللعاملين فيه أوقات ينصرفون عندها، والأيسر أن يصبح الجهاز في متناول يده، فيعمل متى شاء وبالطريقة التي تناسبه.

وكانت الشقة، للمناسبة، شقة مستأجرة من قبل شقيقه الأكبر صخر بسيسو عضو لجنة إقليم حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" في مصر، ورئيس الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين، في حينه. وللمكان بطبيعة الحال دلالة تستوقفني الآن: ففي شقة تقعُ في شارع ملاصق كان يقطنُ ابن عمومة عبد الرحمن بسيسو الشاعر الفلسطيني الكبير معين بسيسو الذي أنجز للتو كتابة مسرحيته الشهيرة "ثورة الزنج" التي يتقنَّعُ فيها الشاعر معين بسيسو، ببطل مسرحيته عبد الله بن محمد، الذي يتقنع، بدوره، بالحسين بن منصور الحلاج. إذ، هنا، وفي مدينة القاهرة بالذَّات، كان شاعر وناقد فلسطيني ينشغل ببحث الأصوات التي يستدعيها الشعراء إلى قصائدهم، والعلاقات التي تنشأ بين ذواتهم وتلك الوجوه التي يتخذونها أقنعة.

انتقل الجهاز، وبدأ العمل. حسبناها عملية نقل لنص جاهز، تتبعها مراجعة ثم طباعة؛ أسبوع على الأكثر وتعود الآلة إلى مكانها. لكننا كنا نحسب الوقت بحساب التنضيد، بينما كان عبد الرحمن يحسبه بحساب النص الذي لم يقل بعد كلمته الأخيرة.

كنت أزوره أحيانًا فى ساعات الليل، فأجد ورشة عمل قائمة: منضدًا يكتب، ومصححًا يراجع، وعبد الرحمن يتابع بدقة شديدة؛ لا تفوته حركة تشكيل ولا علامة ترقيم، ولم تكن المراجعة مقصورة على أخطاء الكتابة؛ كان يعود أحيانًا إلى عبارته هو، يعدل النص، ويستأنف النظر فيما حسبناه منتهيًا.

هناك رأيت دقته تخرج من حدود الصفة إلى معنى ملموس، فالنص لا يصبح نهائيًا عنده لمجرد أن صاحبه فرغ من كتابته، ما دام بين يديه، تظل مراجعته ممكنة، ولم تختصر التقنية جهده كما توقعنا، بل فتحت أمامه مجالًا أوسع للتعديل والتحسين.

وكان موضوع البحث نفسه يستدعى هذا الصبر، فالقناع الشعرى ليس مجرد اسم يستعيره الشاعر، وإنما علاقة تتشكل داخل القصيدة بين صوته وصوت آخر، وبين تجربته ومصادرها. وحين قرأت لاحقًا بعض ما صدر من مشروعه النقدي في "أصول القناع الشعري: الأصل الطبيعي" ازددت فهمًا لذلك الانشغال العميق بعلاقة الشاعر بذاته ومجتمعه وشعره، وبالكيفية التي يتحول فيها القناع إلى وسيلة كشف لا إلى أداة حجب فحسب.
لكننى، فى زيارات الليل تلك، لم أكن أمام موضوع نقدى وحده، كنت أمام صديقي، أرى وجهًا آخر لما أحببته فيه، أعرف ثراءه فى الحوار، وأشهد هنا ما يسند ذلك الثراء: جهد صبور، ومراجعة لا تمل، واستعداد لبذل المزيد حين يظن الآخرون أن العمل اكتمل.

مضت الأسابيع، وانتهى التنضيد والتصحيح والمراجعة، وطُبعت نسخ الرسالة ودُفع بها إلى التجليد، ثم بدأ انتظار موعد المناقشة، وكان الدكتور جابر عصفور مشرفًا عليها.
وللأسف، حالت ظروف طارئة بيني وبين الحضور. تابعت جانبًا من مخاض العمل، ثم غبت عن اللحظة التي يواجه فيها أسئلة ممتحنيه. وبلغني بعد ذلك أنني فوتّ على نفسي الكثير، فقد كانت المناقشة، كما قيل لي، مباراة فكرية ممتعة وعميقة، تألق فيها عبد الرحمن، وهو يحاور ويدافع عن بحثه واختياراته.

نالَ الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، والتوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وترجمتها وتداولها بين الجامعات. وفي تلك الليلة، أقام الدكتور جابر عصفور فى بيته حفل عشاء تكريمًا لعبد الرحمن الذي كان يعتبره "ابنه العلمي البكر". ولم أتمكن، للأسف أيضًا، من حضوره.

فاتتني المناقشة والاحتفال، لكن بقيت لى صورة لا تقل عنهما قيمة: عبد الرحمن فى شقة العجوزة، وسط ورشة العمل، يعود إلى صفحة لم يرضَ عنها بعد. تلك الصورة تفسر لى قيمة الشهادة؛ فقد عرفت الجهد الذي سبقها، ورأيت كيف يصون الرجل اسمه بصيانة ما ينجز.

الخاتمة

فى الجزء الثالث، نرافق الصديق إلى ميدان آخر من تجربته، هو العمل فى منظمة العفو الدولية، فلذَّاكرة معه مشاهد لم تُروَ بعد.

ملاحظة: نشرت هذه الحلقة من "وجوه عبر الزمن" في مجلة "الأهرام العربي" الأسبوعية في ١٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦، وقد سبقتها حلقة، وستتبعها حلقات أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى