غانية ملحيس - التعليم في زمن الحرب: أي سياسة لبناء الإنسان الفلسطيني؟

ليست قضية طلبة غزة المتنافسين على مقاعد الطب وطب الأسنان والصيدلة مجرد قضية امتحان التي أثارها الصديق شحاع الصفدي في مقاله " اختبار قدرات ام تدمير مستقبل "، ولا ينبغي أن تختزل في سؤال: هل كانت الأسئلة مناسبة؟ وهل سُمح بالآلة الحاسبة؟ وهل انقطع الإنترنت عند هذا الطالب أو ذاك؟
هذه كلها أسئلة مهمة، لكنها تأتي في مرتبة تالية. أما السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه فهو أعمق:
ما الذي نريده من السياسة التعليمية الفلسطينية في لحظة تاريخية استثنائية؟
هل نريد من التعليم أن يكون مجرد أداة لفرز الطلاب واختيار عدد محدود منهم؟
أم نريده، كما تقول الوثائق الرسمية نفسها، أداة لبناء الإنسان الفلسطيني، وتنمية قدراته، وتعزيز صموده، وحماية حقه في التعليم، وبناء القدرة الوطنية على النهوض بعد الحرب والدمار؟
هذا السؤال هو المدخل الطبيعي لفهم الجدل الذي أثاره مقال الصديق شجاع الصفدي، ثم صرخة الطلبة وذويهم التي لفتت الأنظار إلى قضية اختبار القدرات.

التعليم ليس امتحانا فقط
تقول استراتيجية وزارة التربية والتعليم العالي لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي للأعوام 2025-2027 إن منظومة التعليم العالي ينبغي أن تكون متاحة ومبتكرة ومستدامة، وأن تستجيب لاحتياجات التنمية الوطنية والمجتمع الفلسطيني، وتسهم في بناء اقتصاد معرفي.
وتضع الاستراتيجية ضمان الوصول الشامل والعادل إلى التعليم العالي هدفا استراتيجيا، وتتحدث كذلك عن سياسات مرنة للتعليم والتقييم في الظروف الطارئة، وهي استراتيجية أُعدت في ظل التداعيات الجسيمة للحرب على قطاع غزة. (Mohe⁠)

كما تقول الوزارة في رسالتها إن من مبادئها العدالة والشفافية والمساءلة وضمان التعليم للجميع، وإن التعليم العالي ينبغي أن يهيئ الطلبة للمساهمة في المجتمع والدفاع عن الحقوق والثوابت الوطنية. وهذا مهم جدا. لأننا عندما نناقش قرارا تعليميا يتعلق بطلاب غزة بعد سنوات الحرب، لا ينبغي أن نسأل فقط:
هل القرار يسمح باختيار الأفضل؟ بل يجب أن نسأل أيضا:
هل يساعد القرار في حماية رأس المال البشري الفلسطيني؟ وهل ينسجم مع هدف تعزيز الصمود وبناء القدرات الوطنية؟

ماذا يعني بناء القدرات الوطنية بعد الحرب؟
غزة لا تحتاج بعد كل ما حدث إلى إعادة بناء الحجر وحده. هي تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان.
تحتاج إلى الطبيب، والمهندس، والصيدلي، والمعلم، والباحث، والمبرمج، والاقتصادي، والمحامي، وكل صاحب معرفة ومهارة يمكن أن يساهم في إعادة بناء المجتمع.
ولهذا فإن التعامل مع طلاب غزة بوصفهم مجرد أعداد يجب فرزها إلى مقبول وغير مقبول قد يكون رؤية ضيقة لوظيفة التعليم في مرحلة استثنائية.
الطالب الذي نختلف اليوم على مقعده الجامعي قد يكون غدا واحدا من الأطباء الذين تحتاجهم غزة بشدة. وهنا يصبح الاستثمار في الطالب جزءا من الاستثمار في قدرة المجتمع على التعافي.
وهذه ليست عاطفة فقط؛ إنها فكرة تتفق مع الاتجاه الذي تعلنه استراتيجية التعليم العالي نفسها عندما تربط التعليم العالي بالتنمية الوطنية وبناء اقتصاد المعرفة والمهارات والقدرات.
ومن هنا نصل إلى اختبار القدرات بوصفه تطبيقا عمليا لهذه السياسة.
الوزارة أعلنت في أيلول / سبتمبر 2026 اختبار قدرات خاصا بالطلبة من أبناء قطاع غزة الراغبين في الالتحاق بالطب وطب الأسنان والصيدلة، وأعلنت أن المفاضلة النهائية تقوم على 50% من معدل الثانوية العامة و50% من اختبار القدرات.

التناسب بين أداة القياس والغاية الوطنية من التعليم.
من حيث المبدأ، لا مشكلة في أن تبحث السلطة عن آلية لاختيار الطلاب في تخصصات محدودة المقاعد. فالمقاعد محدودة، والطلب مرتفع، ومن الطبيعي أن تكون هناك منافسة.
لكن السياسة التعليمية لا تُقاس فقط بقدرتها على الفرز. بل أيضا بقدرتها على اكتشاف القدرات وحمايتها وتنميتها.

هل يعادل اختبار واحد اثني عشر عاما من التحصيل؟
الطالب لم يصل إلى الثانوية العامة في يوم واحد. لقد أمضى اثني عشر عاما في التعليم. درس، وتعلم، وخضع للامتحانات والتقييمات، وبنى تحصيله الدراسي عبر مسيرة طويلة. ثم يأتي اختبار واحد ليحمل وزنا مساويا تماما لهذا التاريخ الدراسي كله.
هنا لا بد من السؤال: هل يعكس هذا الوزن بالفعل أفضل طريقة لقياس قدرة الطالب؟
وإذا كان الهدف هو اكتشاف القابلية للنجاح في الطب، فهل يمكن تحقيق ذلك بأداة أخرى أو بمزيج أكثر توازنا من المؤشرات؟
هل يمكن أن يكون اختبار القدرات عاملا مساعدا أو مرجحا؟
هل يمكن أن يكون وزن الثانوية العامة أكبر؟
هل يمكن أن يُمنح الطلاب فرصة دراسية أولية ثم تُستخدم نتائجهم الجامعية الفعلية في تقييم قدرتهم على الاستمرار؟
هذه ليست إجابات جاهزة. لكنها أسئلة تستحق أن يشارك فيها خبراء القياس والتقويم وأساتذة الجامعات، لا أن تُحسم فقط بمنطق الحاجة إلى تقليص أعداد المتقدمين.
فالوزارة، من جهتها، تقول إن الهدف من الاختبار هو تنظيم الأعداد الكبيرة من المتقدمين للتخصصات الطبية، واختيار الأعداد وفق الطاقة الاستيعابية وبمعايير موحدة. لكن يبقى السؤال:
هل تحقق هذه الأداة هذه الغاية بأفضل صورة ممكنة في ظروف غزة الاستثنائية؟

ماذا تقول ظروف الحرب؟
هنا تصبح المسألة أكثر حساسية. فالوزارة توثق في استراتيجيتها أن الحرب أثرت بصورة جسيمة في البنية التحتية التعليمية والموارد البشرية في قطاع غزة، وتذكر تدابير لدعم استمرار العملية التعليمية، كما تتحدث عن مرونة التعليم والتقييم في الظروف الطارئة.
والوزارة لم تكن بعيدة عن هذا الواقع؛ فقد عقدت لقاءات مع رؤساء جامعات غزة لبحث استئناف التعليم ودعم طلبة القطاع، ووصفت استئناف التعليم بأنه أولوية وطنية.
بل إن خطاب الوزارة خلال عام 2026 استخدم مفهوم الصمود صراحة في تناول التعليم، وأكد في مؤتمر «التعليم من منظور تنموي» أن التعليم ينبغي أن يستمر رغم التحديات والعدوان، وأن الهدف هو إعادة الأمل.
السؤال الأهم هو: كيف انعكست معرفة هذه الظروف على سياسة القبول نفسها؟
هل أثرت في وزن الاختبار؟ هل أثرت في طريقة تصميمه؟ هل أخذت الفجوة التعليمية الناتجة عن الحرب في الاعتبار؟ هل صُممت آلية القبول باعتبارها جزءا من سياسة وطنية لبناء القدرات بعد الحرب، أم باعتبارها فقط آلية إدارية لفرز عدد كبير من المتقدمين؟
هذا هو السؤال الذي يستحق إجابة.

صرخة الطلاب ليست كل الحقيقة … لكنها جزء منها
هنا يأتي مقال شجاع الصفدي. لقد لفت المقال الانتباه إلى القضية، ثم جاءت تعليقات الطلبة وذويهم لتكشف حجم القلق.
تحدث بعضهم عن الوقت، وعن الآلة الحاسبة، وعن ظروف الامتحان، وعن الانقطاع التقني، وعن آلية توزيع المقاعد، وعن نتائج بدت لهم غير مفهومة.
بعض هذه الروايات يحتاج إلى تحقق، ولا يجوز تحويل التعليقات إلى حقائق نهائية. لكن تجاهلها أيضا ليس صحيحا. لأن التعليم، في النهاية، ليس علاقة بين وزارة وورقة امتحان فقط. إنه علاقة ثقة بين المؤسسة والطالب والمجتمع.
وعندما يشعر الطلاب بأن مستقبلهم أصبح معلقا بنتيجة اختبار لا يفهمون تماما قواعده أو وزنه أو آلية توزيع نتائجه، فإن استعادة الثقة تصبح جزءا من المسؤولية التعليمية.

لا ينبغي أن يتحول الأمر إلى صراع بين الضفة وغزة
ومن المهم هنا ألا نستنتج من وجود آلية خاصة بأبناء غزة أن هناك بالضرورة «سياستين تعليميتين فلسطينيتين». الوثائق التي راجعناها لا تثبت ذلك.
هناك إطار فلسطيني عام للتعليم العالي، لكن في عام 2026 طبقت الوزارة آلية قبول خاصة بأبناء قطاع غزة المتقدمين للتخصصات الطبية. وهذا بحد ذاته يستحق تفسيرا في إطار السياسة التعليمية الوطنية: لماذا كانت هذه الآلية هي الأنسب لطلاب غزة في هذه اللحظة؟ وما أهدافها الوطنية؟ وكيف تنسجم مع مبدأ الوصول العادل إلى التعليم العالي؟ وكيف تنسجم مع هدف بناء القدرات الوطنية؟
هل المطلوب أن نخفض المعايير؟
لا. بل ربما العكس. غزة تحتاج إلى أطباء أكفاء، لا إلى شهادات بلا كفاءة. وفلسطين تحتاج إلى جامعات ذات معايير عالية، لا إلى تخفيض مستوى التعليم بحجة الظروف.
لكن هناك فرقا بين خفض المعايير وبين تكييف وسائل القياس بما يراعي الظروف الاستثنائية، دون المساس بالمعيار الأكاديمي.
يمكن أن نحافظ على معيار الجودة، ونغير طريقة الوصول إليه. وهذه نقطة جوهرية. فإذا كان الهدف تخريج طبيب قادر على ممارسة مهنة الطب، فالسؤال ليس فقط: من حصل على أعلى علامة في اختبار واحد؟
بل أيضا: من يمتلك القدرة على التعلم المستمر؟ ومن يستطيع الاستمرار في الدراسة؟ ومن يمتلك الأساس العلمي؟ ومن يستطيع التعامل مع متطلبات التعليم الطبي؟
وقد تكون الجامعة نفسها، خلال سنوات الدراسة، قادرة على تقديم أدلة أكثر ثراء على ذلك.

وحدة المعايير لا تعني تجاهل اختلاف الظروف
وهنا يجب أن نكون واضحين. لا أحد يريد أن يحصل طالب على مقعد لا يستحقه. ولا أحد يريد إقصاء طالب آخر. ولا أحد يريد إلغاء المنافسة. ولا ينبغي اتهام الجامعات أو العاملين فيها بالواسطة أو المحاباة من دون دليل.
المطلوب شيء آخر: أن تكون السياسة التعليمية قادرة على الجمع بين الجودة والعدالة، وبين الانتقاء وحماية رأس المال البشري، وبين المعايير الأكاديمية ومتطلبات الصمود الوطني. هذه هي المعادلة الصعبة.

ماذا نريد الآن؟ من الجدل إلى المراجعة
نحتاج إلى أن ننتقل من الجدل إلى التقييم. ليس فقط تقييم الامتحان، بل تقييم السياسة التي أنتجته.
هل حققت الغاية الوطنية؟
هل ساعدت في اختيار أفضل الطلاب؟
هل حافظت على حق الطلاب في التعليم؟
هل راعت ظروف الحرب؟
هل كان وزن الاختبار متناسبا مع وظيفته؟
هل كانت هناك بدائل أكثر انسجاما مع بناء القدرات؟
وهل يمكن تطوير الآلية مستقبلا؟
هذه أسئلة لا تضعف الوزارة. بل تساعدها على تطوير سياستها.
إذا كان الهدف من السياسة التعليمية هو بناء الإنسان الفلسطيني وحماية قدراته وتعزيز صموده، فلا ينبغي أن تنتهي القضية بإعلان النتائج فقط.
القرار يمكن مراجعته، والإجراء يمكن تصحيحه، والضرر ـ إن ثبت وجوده ـ يمكن تلافيه.
الوزارة تقول إن الاختبار جاء لتنظيم الأعداد الكبيرة من المتقدمين للتخصصات الطبية، واختيار المقبولين وفق الطاقة الاستيعابية للجامعات والبرامج، وبمعايير واضحة وموحدة. وقد بلغ عدد المتقدمين في الفترتين 5036 طالبا وطالبة، وفق إعلان الوزارة.
وهذا يضعنا أمام سؤال مختلف: ليس هل تحتاج الوزارة إلى المفاضلة، فهذا مفهوم في ظل محدودية المقاعد، وإنما هل كانت الأداة المختارة ووزنها وطريقة تطبيقها هي الأكثر ملاءمة لظروف هؤلاء الطلاب؟
ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء المفاضلة، ولا منح مقاعد إضافية بصورة اعتباطية، وإنما اتخاذ خطوات عملية تحفظ حق الطلاب وتحافظ في الوقت نفسه على المعايير الأكاديمية.

أولًا: إعادة النظر في وزن اختبار القدرات، ودراسة ما إذا كان من الأنسب أن يكون عاملًا مساعدا أو مرجحا، بدل أن يوضع في المفاضلة بوزن يساوي وزن معدل الثانوية العامة كاملا.

ثانياً: إجراء مراجعة مستقلة وشفافة لآلية اختبار القدرات، تشمل تصميم الاختبار، ووزنه في المفاضلة، وظروف تطبيقه، والحالات التقنية والاستثنائية التي حدثت أثناءه.

ثالثاً: تمكين كل طالب من معرفة نتيجته التفصيلية وكيف احتُسبت علامته النهائية، وإتاحة آلية واضحة للاعتراض والمراجعة ضمن مدة محددة.

رابعاً: مراجعة الحالات التي تعرضت لانقطاع الكهرباء أو الإنترنت أو أي خلل تقني موثق، وفق معيار واحد يطبق على جميع الطلاب دون استثناء.

خامساً: نشر المنهجية التي جرى على أساسها ترتيب الطلاب وتوزيع المقاعد بين الجامعات والتخصصات، بما في ذلك أعداد المتقدمين والمقاعد والطاقة الاستيعابية وآلية التعامل مع الرغبات.

سادساً: إذا كشفت المراجعة عن أن بعض الطلاب تضرروا بصورة جوهرية من ظروف الاختبار أو من خلل في التطبيق، فينبغي أن تكون هناك معالجة فعلية للضرر، بما في ذلك، إذا كان ذلك ممكنا أكاديميا وتنظيميا، إعادة الاختبار للحالات التي يثبت تأثرها جوهريا، أو اعتماد أي معالجة أكاديمية وإدارية عادلة تحقق الغرض نفسه.

سابعًا: والأهم، أن تُجرى هذه المراجعة من منظور السياسة التعليمية الوطنية، لا من منظور امتحان منفرد فقط: كيف نحافظ على جودة التعليم الطبي، وفي الوقت نفسه لا نخسر جيلا من أصحاب القدرات الذين تحتاج إليهم فلسطين، وخصوصًا غزة، في مرحلة إعادة البناء؟

إن اتخاذ هذه الخطوات لا يعني الاعتراف مسبقا بوجود خطأ أو ظلم. بل يعني أن المؤسسة الواثقة من سلامة إجراءاتها لا تخشى مراجعتها. والعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها؛ وإنما أن يحصل الجميع على فرصة متكافئة، وأن تكون القواعد واضحة، وأن يكون الخطأ ـ إن وقع ـ قابلا للتصحيح.

ما بعد الاختبار: كيف نحمي مستقبل أبناء غزة؟
لقد فتح شجاع الصفدي الباب، ثم جاءت أصوات الطلبة وذويهم لتقول إن وراء الأرقام والنتائج حكايات إنسانية ومستقبلا ينتظر. والآن لا ينبغي أن يبقى السؤال معلقا.
المطلوب مراجعة هادئة وعاجلة، وشفافية كاملة، ومعالجة أي ضرر يثبت وقوعه، وإعطاء الطلاب الذين تأثروا بظروف استثنائية فرصة عادلة لإثبات قدراتهم. فلا مصلحة لفلسطين في أن تخسر طالبا قادرا بسبب طريقة قياس قد لا تعكس كامل قدراته.
المعادلة التي نحتاجها هي: معايير أكاديمية عالية، وعدالة في الوصول، ومراعاة لظروف الحرب، وشفافية في المفاضلة، وفرصة لتصحيح الضرر. وهذا ليس تنازلا عن التعليم الجيد؛ بل هو جزء من مسؤولية السياسة التعليمية في ظرف استثنائي.
هذا هو معنى السياسة التعليمية حين تكون مهمتها بناء الإنسان وحماية رأس المال البشري وتعزيز الصمود. وفي ظروف غزة تحديدا، ربما يكون واجبنا ألا نسأل فقط: من يستحق المقعد؟
بل أن نسأل أيضا: كيف نضمن ألا نخسر، بسبب طريقة اختيارنا، أيّا من العقول التي ستحتاج إليها غزة وفلسطين غدا؟
فأبناء غزة لا يطلبون إعفاءهم من المعايير، بل فرصة عادلة لإثبات قدراتهم، والاستمرار في بناء حياتهم والمساهمة في بناء مستقبل وطنهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى