مقدمة
إن ظاهرة السلوك غير المنضبط داخل الفضاء التعليمي تمثل إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في الحقل التربوي المعاصر، لأنها لا تقتصر على كونها عائقاً لحظياً أمام سيرورة التعلم، بل تكشف عن تفاعل ديناميكي عميق بين آليات نفسية نمائية، وسياقات اجتماعية-ثقافية، وبنيات مؤسسية، وممارسات بيداغوجية. والتعامل مع هذه الظاهرة بمنطق الردع أو العقاب الأحادي أو التقنيات المعزولة يظل قاصراً، لأنه يتعامل مع العرض دون النفاذ إلى الآليات المنتجة له. من هنا تبرز ضرورة بناء بيداغوجيا متخصصة في التصدي لهذه الظاهرة، تقوم على مقاربة تكاملية تقاطعية تستند إلى مفاهيم علمية رصينة من علم النفس النمائي والمعرفي والاجتماعي، وعلوم الأعصاب التربوية، ونظريات التعلم، وتحليل المؤسسات، بما يسمح بفهم مركب وتدخل متعدد المستويات يحقق التحول المستدام لا الاحتواء المؤقت. فماهي عوامل ظهور سلوكيات غير منضبطة لدى المتعلمين في الوسط التربوي؟ وكيف يمكن الحد منها؟
أولاً: إعادة تعريف السلوك غير المنضبط في ضوء المفاهيم العلمية
يُعرَّف السلوك غير المنضبط إجرائياً بأنه كل نمط سلوكي متكرر يخرج عن المعايير والقواعد المنظمة للفضاء التعليمي، ويعطل العمليات المعرفية والاجتماعية داخل القسم، أو يهدد السلامة النفسية والجسدية للأفراد. غير أن التعريف العلمي يتجاوز هذا المستوى الوصفي نحو فهم السلوك بوصفه نتاجاً لتفاعل بين أنظمة التنظيم الذاتي للمتعلم وبين خصائص البيئة التربوية.
في ضوء مفاهيم علم النفس المعرفي والنمائي، يرتبط كثير من أشكال عدم الانضباط بقصور في الوظائف التنفيذية، وخاصة القدرة على كف الاستجابة الاندفاعية، والتنظيم الانفعالي، والمرونة المعرفية، والذاكرة العاملة. هذه الوظائف التي تتمركز تشريحياً في القشرة الجبهية الأمامية تكون قيد الاكتمال خلال مرحلة الطفولة والمراهقة، مما يجعل المتعلمين أكثر عرضة لفقدان السيطرة السلوكية تحت وطأة الضغط أو الإرهاق أو غياب البنية الداعمة.
كما يتيح مفهوم «التنظيم الانفعالي» فهماً أدق لكثير من السلوكات العدوانية أو الانسحابية أو الاستعراضية. فالسلوك غير المنضبط غالباً ما يكون استراتيجية بدائية لتنظيم حالة انفعالية داخلية غير محتملة (غضب، خجل، قلق، ملل وجودي)، حين تفتقر الذات إلى أدوات أكثر تكيفاً.
وهنا يتقاطع البعد النفسي مع البعد العلائقي: فجودة العلاقة بالراشد المرجعي تؤثر مباشرة في قدرة المتعلم على استدانة آليات التنظيم من الخارج قبل أن يتمكن من استبطانها. ومن منظور نظرية تقرير المصير، يظهر السلوك غير المنضبط في كثير من الأحيان كتعبير عن إحباط الحاجات النفسية الأساسية الثلاثة: الحاجة إلى الكفاءة، والحاجة إلى الانتماء، والحاجة إلى الاستقلالية.
حين يفشل الفضاء التعليمي في إشباع هذه الحاجات عبر قنوات إيجابية، يلجأ المتعلم إلى مسارات بديلة مشوهة لإشباعها، فتظهر سلوكات التحدي أو الرفض أو البحث عن الانتباه بأي ثمن.
ثانياً: التحليل التقاطعي للأبعاد المنتجة للظاهرة
تعتمد المقاربة التقاطعية على رؤية نسقية مستلهمة من نظرية الأنساق البيئية، التي تنظر إلى سلوك المتعلم بوصفه نتاجاً لتفاعل مستمر بين مستويات متعددة: المستوى المصغر (العلاقات المباشرة داخل القسم والأسرة)، والمستوى الوسطي (التفاعل بين الأسرة والمدرسة)، والمستوى الخارجي (السياسات التعليمية والظروف الاجتماعية-الاقتصادية)، والمستوى المكبر (القيم الثقافية السائدة والتمثلات حول السلطة والطفولة).
على المستوى النفسي-العصبي، تكشف دراسات الاستجابة للتوتر أن التعرض المتكرر لمناخ صفّي مهدد أو غير قابل للتنبؤ ينشط محور تحت المهاد-الغدة النخامية-الكظرية، مما يرفع مستويات الكورتيزول ويضعف القدرة على التعلم وعلى الضبط الذاتي. فالسلوك غير المنضبط هنا ليس اختياراً عقلانياً بقدر ما هو نتاج لحالة فسيولوجية من الاستنفار المزمن.
على المستوى المعرفي-السلوكي، تعمل آليات التعلم بالملاحظة والتعزيز على ترسيخ الأنماط السلوكية. فالسلوك الذي يُكافأ بالانتباه (حتى لو كان سلبياً) أو الذي يسمح بالهروب من مهمة صعبة، يميل إلى التكرار وفق قوانين الاشتراط الإجرائي. كما أن المخططات المعرفية السلبية عن الذات تغذي حلقات من التوقع السلبي والسلوك الدفاعي.
على المستوى الاجتماعي-الثقافي، تتقاطع متغيرات الطبقة والهوية الجندرية والانتماء الثقافي مع معايير المدرسة. فالفجوة بين ثقافة المنزل وثقافة المؤسسة تخلق سوء فهم متبادلاً يُترجم إلى تصنيفات سلبية وسلوكات مقاومة. كما أن تأثير جماعة الأقران في مرحلة المراهقة يجعل بعض السلوكات غير المنضبطة استراتيجية للحفاظ على المكانة الاجتماعية داخل الجماعة الفرعية.
أما البعد المؤسسي-البيداغوجي فيكشف كيف أن بعض الممارسات التعليمية ذاتها تنتج عدم الانضباط: الاعتماد المفرط على التلقين، وغياب التمايز البيداغوجي، والقواعد غير المتسقة، والازدحام المكاني والزماني، وضعف العدالة الإجرائية في تطبيق الجزاءات.
كل هذه العوامل تخفض مستوى الانتماء المدرسي وتزيد من احتمالية ظهور السلوكات المعرقلة.
ثالثاً: الأسس العلمية للمقاربة التكاملية التقاطعية
تتجاوز المقاربة التكاملية مجرد الجمع بين تقنيات، لبناء إطار نظري يجمع بين الوقاية الأولية، والتدخل الانتقائي، والدعم المكثف، ضمن منطق متدرج يستجيب لمستويات الخطر المختلفة. وهي تستند إلى مفاهيم رئيسة: مفهوم المناخ الصفي كمتغير وسيط حاسم. فالمناخ الذي يتسم بالدفء العلائقي والوضوح البنيوي والتوقعات العالية والدعم الانفعالي يرتبط بانخفاض دال في معدلات السلوك غير المنضبط، لأنه يشبع حاجات الانتماء والكفاءة ويقلل من الاستنفار الدفاعي.
مفهوم الكفاءة العاطفية-الاجتماعية بوصفها هدفاً تعليمياً صريحاً لا مكملاً ثانوياً. فتدريس مهارات الوعي بالذات، وإدارة الانفعالات، واتخاذ القرار المسؤول، وبناء العلاقات، وحل الصراع، يشكل تدخلاً وقائياً ذا أثر بعيد المدى على التنظيم السلوكي. مفهوم الاستجابات المتدرجة والتناسبية المستلهم من نماذج الدعم السلوكي الإيجابي. بدلاً من الرد الموحد على كل سلوك، يتم تصنيف السلوكات حسب درجة خطورتها وتكرارها، وتقديم استجابات تتراوح بين إعادة التوجيه البسيط والإعادة التعليمية للمهارة وإصلاح الضرر والدعم الفردي المكثف. مفهوم الإصلاح العلائقي الذي ينقل بؤرة الاهتمام من العقاب إلى إصلاح ما تم إفساده في العلاقة أو في الجماعة، مما يعيد بناء المسؤولية دون تدمير الشعور بالانتماء.
رابعاً: آليات التفعيل البيداغوجي العميق
تبدأ بيداغوجيا التصدي الفعالة بتحول في تمثل المدرس لدوره: من حارس للنظام إلى مهندس للبيئة التعلمية ومنظم للعلاقات. ويتطلب هذا التحول وعياً ميتاً معرفياً بانفعالاته الخاصة، لأن الاستجابة الانفعالية غير المنظمة من طرف الراشد تغذي دورة التصعيد عبر آليات العدوى الانفعالية.
على مستوى التصميم الوقائي، يُعاد بناء الفضاء والزمن والقواعد والأنشطة بحيث تقلل المثيرات المحفزة للسلوك غير المنضبط وتزيد من فرص النجاح والكفاءة. يشمل ذلك التمايز في المهام، وتوفير خيارات مضبوطة تدعم الشعور بالاستقلالية، وبناء طقوس صفية مستقرة تخلق قابلية للتنبؤ، واستخدام التعزيز الإيجابي المحدد والصادق بشكل منهجي.
في لحظة ظهور السلوك، يُفضل التدخل الذي يحافظ على كرامة المتعلم ويقلل من الجمهورية، مع فصل واضح بين السلوك والشخص. وبعد احتواء اللحظة، يفتح حوار استقصائي يساعد المتعلم على تسمية حالته الانفعالية وربطها بالسلوك واستكشاف بدائل أكثر تكيفاً، مما يدعم نمو الوظائف التنفيذية والتنظيم الذاتي. أما الحالات المتكررة أو الشديدة فتقتضي بناء خطة تدخل فردية تستند إلى تقييم وظيفي للسلوك: ما الذي يسبق السلوك؟ ما الذي يتبعه ويعززه؟ ما الحاجة التي يلبيها؟ ثم تُصمم تدخلات تستهدف تعديل المقدمات وتدريس المهارة البديلة وتغيير النتائج المعززة. ولا تكتمل الحلقة دون العمل على المستوى المؤسسي: تطوير سياسات واضحة ومتسقة، وبناء فرق دعم متعددة التخصصات، وتوفير فضاءات للتهدئة وإعادة التنظيم، وتكوين مستمر في الممارسات المستندة إلى الأدلة في التدبير الصفي والعلائقي، وإشراك الأسر ضمن منطق الشراكة لا اللوم.
خاتمة
إن بيداغوجيا التصدي لظاهرة السلوك غير المنضبط، حين تُؤسس على مقاربة تكاملية تقاطعية تستند إلى مفاهيم علمية رصينة حول الوظائف التنفيذية والتنظيم الانفعالي والحاجات النفسية الأساسية والمناخ العلائقي والتعلم الاجتماعي-الانفعالي، تتحول من مجرد تدبير للأزمات إلى ممارسة تربوية تحويلية. إنها تعيد تعريف الانضباط لا بوصفه طاعة خارجية، بل بوصفه قدرة متنامية على توجيه الذات ضمن جماعة عادلة وداعمة. لذلك تواجه هذه المقاربة تحديات حقيقية ترتبط بثقافة العقاب السائدة، وبضغط النتائج الأكاديمية قصيرة المدى، وبمحدودية الموارد البشرية والزمنية، وبتفاوت كفايات الفاعلين في المجال الانفعالي-العلائقي. كما أن بعض السلوكات المرتبطة باضطرابات نمائية عصبية أو بصدمات تتطلب تدخلاً إكلينيكياً متخصصاً يتجاوز الإطار البيداغوجي العادي. ومع ذلك، فإن المقاربة التكاملية التقاطعية تظل الأكثر اتساقاً مع الفهم العلمي المعاصر للسلوك الإنساني، لأنها تتعامل مع المتعلم بوصفه نظاماً ديناميكياً مفتوحاً يتفاعل مع بيئته، لا بوصفه كائناً يجب إخضاعه. وهي تفتح أفقاً لمدرسة لا تكتفي بضبط السلوك ظاهرياً، بل تسهم في بناء ذوات قادرة على التنظيم الذاتي والمسؤولية والعلاقات الصحية. وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الفضاءات التعليمية، تصبح هذه البيداغوجيا ضرورة علمية وأخلاقية لإعادة بناء مدرسة قادرة على احتضان تعقيد الإنسان لا اختزاله. فماهي التحديات البنيوية للظاهرة غير الصحية والآفاق التحويلية للمعالجات المقترحة؟ وهل يساعدنا علم النفس التربوي على ذلك؟
كاتب فلسفي
إن ظاهرة السلوك غير المنضبط داخل الفضاء التعليمي تمثل إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في الحقل التربوي المعاصر، لأنها لا تقتصر على كونها عائقاً لحظياً أمام سيرورة التعلم، بل تكشف عن تفاعل ديناميكي عميق بين آليات نفسية نمائية، وسياقات اجتماعية-ثقافية، وبنيات مؤسسية، وممارسات بيداغوجية. والتعامل مع هذه الظاهرة بمنطق الردع أو العقاب الأحادي أو التقنيات المعزولة يظل قاصراً، لأنه يتعامل مع العرض دون النفاذ إلى الآليات المنتجة له. من هنا تبرز ضرورة بناء بيداغوجيا متخصصة في التصدي لهذه الظاهرة، تقوم على مقاربة تكاملية تقاطعية تستند إلى مفاهيم علمية رصينة من علم النفس النمائي والمعرفي والاجتماعي، وعلوم الأعصاب التربوية، ونظريات التعلم، وتحليل المؤسسات، بما يسمح بفهم مركب وتدخل متعدد المستويات يحقق التحول المستدام لا الاحتواء المؤقت. فماهي عوامل ظهور سلوكيات غير منضبطة لدى المتعلمين في الوسط التربوي؟ وكيف يمكن الحد منها؟
أولاً: إعادة تعريف السلوك غير المنضبط في ضوء المفاهيم العلمية
يُعرَّف السلوك غير المنضبط إجرائياً بأنه كل نمط سلوكي متكرر يخرج عن المعايير والقواعد المنظمة للفضاء التعليمي، ويعطل العمليات المعرفية والاجتماعية داخل القسم، أو يهدد السلامة النفسية والجسدية للأفراد. غير أن التعريف العلمي يتجاوز هذا المستوى الوصفي نحو فهم السلوك بوصفه نتاجاً لتفاعل بين أنظمة التنظيم الذاتي للمتعلم وبين خصائص البيئة التربوية.
في ضوء مفاهيم علم النفس المعرفي والنمائي، يرتبط كثير من أشكال عدم الانضباط بقصور في الوظائف التنفيذية، وخاصة القدرة على كف الاستجابة الاندفاعية، والتنظيم الانفعالي، والمرونة المعرفية، والذاكرة العاملة. هذه الوظائف التي تتمركز تشريحياً في القشرة الجبهية الأمامية تكون قيد الاكتمال خلال مرحلة الطفولة والمراهقة، مما يجعل المتعلمين أكثر عرضة لفقدان السيطرة السلوكية تحت وطأة الضغط أو الإرهاق أو غياب البنية الداعمة.
كما يتيح مفهوم «التنظيم الانفعالي» فهماً أدق لكثير من السلوكات العدوانية أو الانسحابية أو الاستعراضية. فالسلوك غير المنضبط غالباً ما يكون استراتيجية بدائية لتنظيم حالة انفعالية داخلية غير محتملة (غضب، خجل، قلق، ملل وجودي)، حين تفتقر الذات إلى أدوات أكثر تكيفاً.
وهنا يتقاطع البعد النفسي مع البعد العلائقي: فجودة العلاقة بالراشد المرجعي تؤثر مباشرة في قدرة المتعلم على استدانة آليات التنظيم من الخارج قبل أن يتمكن من استبطانها. ومن منظور نظرية تقرير المصير، يظهر السلوك غير المنضبط في كثير من الأحيان كتعبير عن إحباط الحاجات النفسية الأساسية الثلاثة: الحاجة إلى الكفاءة، والحاجة إلى الانتماء، والحاجة إلى الاستقلالية.
حين يفشل الفضاء التعليمي في إشباع هذه الحاجات عبر قنوات إيجابية، يلجأ المتعلم إلى مسارات بديلة مشوهة لإشباعها، فتظهر سلوكات التحدي أو الرفض أو البحث عن الانتباه بأي ثمن.
ثانياً: التحليل التقاطعي للأبعاد المنتجة للظاهرة
تعتمد المقاربة التقاطعية على رؤية نسقية مستلهمة من نظرية الأنساق البيئية، التي تنظر إلى سلوك المتعلم بوصفه نتاجاً لتفاعل مستمر بين مستويات متعددة: المستوى المصغر (العلاقات المباشرة داخل القسم والأسرة)، والمستوى الوسطي (التفاعل بين الأسرة والمدرسة)، والمستوى الخارجي (السياسات التعليمية والظروف الاجتماعية-الاقتصادية)، والمستوى المكبر (القيم الثقافية السائدة والتمثلات حول السلطة والطفولة).
على المستوى النفسي-العصبي، تكشف دراسات الاستجابة للتوتر أن التعرض المتكرر لمناخ صفّي مهدد أو غير قابل للتنبؤ ينشط محور تحت المهاد-الغدة النخامية-الكظرية، مما يرفع مستويات الكورتيزول ويضعف القدرة على التعلم وعلى الضبط الذاتي. فالسلوك غير المنضبط هنا ليس اختياراً عقلانياً بقدر ما هو نتاج لحالة فسيولوجية من الاستنفار المزمن.
على المستوى المعرفي-السلوكي، تعمل آليات التعلم بالملاحظة والتعزيز على ترسيخ الأنماط السلوكية. فالسلوك الذي يُكافأ بالانتباه (حتى لو كان سلبياً) أو الذي يسمح بالهروب من مهمة صعبة، يميل إلى التكرار وفق قوانين الاشتراط الإجرائي. كما أن المخططات المعرفية السلبية عن الذات تغذي حلقات من التوقع السلبي والسلوك الدفاعي.
على المستوى الاجتماعي-الثقافي، تتقاطع متغيرات الطبقة والهوية الجندرية والانتماء الثقافي مع معايير المدرسة. فالفجوة بين ثقافة المنزل وثقافة المؤسسة تخلق سوء فهم متبادلاً يُترجم إلى تصنيفات سلبية وسلوكات مقاومة. كما أن تأثير جماعة الأقران في مرحلة المراهقة يجعل بعض السلوكات غير المنضبطة استراتيجية للحفاظ على المكانة الاجتماعية داخل الجماعة الفرعية.
أما البعد المؤسسي-البيداغوجي فيكشف كيف أن بعض الممارسات التعليمية ذاتها تنتج عدم الانضباط: الاعتماد المفرط على التلقين، وغياب التمايز البيداغوجي، والقواعد غير المتسقة، والازدحام المكاني والزماني، وضعف العدالة الإجرائية في تطبيق الجزاءات.
كل هذه العوامل تخفض مستوى الانتماء المدرسي وتزيد من احتمالية ظهور السلوكات المعرقلة.
ثالثاً: الأسس العلمية للمقاربة التكاملية التقاطعية
تتجاوز المقاربة التكاملية مجرد الجمع بين تقنيات، لبناء إطار نظري يجمع بين الوقاية الأولية، والتدخل الانتقائي، والدعم المكثف، ضمن منطق متدرج يستجيب لمستويات الخطر المختلفة. وهي تستند إلى مفاهيم رئيسة: مفهوم المناخ الصفي كمتغير وسيط حاسم. فالمناخ الذي يتسم بالدفء العلائقي والوضوح البنيوي والتوقعات العالية والدعم الانفعالي يرتبط بانخفاض دال في معدلات السلوك غير المنضبط، لأنه يشبع حاجات الانتماء والكفاءة ويقلل من الاستنفار الدفاعي.
مفهوم الكفاءة العاطفية-الاجتماعية بوصفها هدفاً تعليمياً صريحاً لا مكملاً ثانوياً. فتدريس مهارات الوعي بالذات، وإدارة الانفعالات، واتخاذ القرار المسؤول، وبناء العلاقات، وحل الصراع، يشكل تدخلاً وقائياً ذا أثر بعيد المدى على التنظيم السلوكي. مفهوم الاستجابات المتدرجة والتناسبية المستلهم من نماذج الدعم السلوكي الإيجابي. بدلاً من الرد الموحد على كل سلوك، يتم تصنيف السلوكات حسب درجة خطورتها وتكرارها، وتقديم استجابات تتراوح بين إعادة التوجيه البسيط والإعادة التعليمية للمهارة وإصلاح الضرر والدعم الفردي المكثف. مفهوم الإصلاح العلائقي الذي ينقل بؤرة الاهتمام من العقاب إلى إصلاح ما تم إفساده في العلاقة أو في الجماعة، مما يعيد بناء المسؤولية دون تدمير الشعور بالانتماء.
رابعاً: آليات التفعيل البيداغوجي العميق
تبدأ بيداغوجيا التصدي الفعالة بتحول في تمثل المدرس لدوره: من حارس للنظام إلى مهندس للبيئة التعلمية ومنظم للعلاقات. ويتطلب هذا التحول وعياً ميتاً معرفياً بانفعالاته الخاصة، لأن الاستجابة الانفعالية غير المنظمة من طرف الراشد تغذي دورة التصعيد عبر آليات العدوى الانفعالية.
على مستوى التصميم الوقائي، يُعاد بناء الفضاء والزمن والقواعد والأنشطة بحيث تقلل المثيرات المحفزة للسلوك غير المنضبط وتزيد من فرص النجاح والكفاءة. يشمل ذلك التمايز في المهام، وتوفير خيارات مضبوطة تدعم الشعور بالاستقلالية، وبناء طقوس صفية مستقرة تخلق قابلية للتنبؤ، واستخدام التعزيز الإيجابي المحدد والصادق بشكل منهجي.
في لحظة ظهور السلوك، يُفضل التدخل الذي يحافظ على كرامة المتعلم ويقلل من الجمهورية، مع فصل واضح بين السلوك والشخص. وبعد احتواء اللحظة، يفتح حوار استقصائي يساعد المتعلم على تسمية حالته الانفعالية وربطها بالسلوك واستكشاف بدائل أكثر تكيفاً، مما يدعم نمو الوظائف التنفيذية والتنظيم الذاتي. أما الحالات المتكررة أو الشديدة فتقتضي بناء خطة تدخل فردية تستند إلى تقييم وظيفي للسلوك: ما الذي يسبق السلوك؟ ما الذي يتبعه ويعززه؟ ما الحاجة التي يلبيها؟ ثم تُصمم تدخلات تستهدف تعديل المقدمات وتدريس المهارة البديلة وتغيير النتائج المعززة. ولا تكتمل الحلقة دون العمل على المستوى المؤسسي: تطوير سياسات واضحة ومتسقة، وبناء فرق دعم متعددة التخصصات، وتوفير فضاءات للتهدئة وإعادة التنظيم، وتكوين مستمر في الممارسات المستندة إلى الأدلة في التدبير الصفي والعلائقي، وإشراك الأسر ضمن منطق الشراكة لا اللوم.
خاتمة
إن بيداغوجيا التصدي لظاهرة السلوك غير المنضبط، حين تُؤسس على مقاربة تكاملية تقاطعية تستند إلى مفاهيم علمية رصينة حول الوظائف التنفيذية والتنظيم الانفعالي والحاجات النفسية الأساسية والمناخ العلائقي والتعلم الاجتماعي-الانفعالي، تتحول من مجرد تدبير للأزمات إلى ممارسة تربوية تحويلية. إنها تعيد تعريف الانضباط لا بوصفه طاعة خارجية، بل بوصفه قدرة متنامية على توجيه الذات ضمن جماعة عادلة وداعمة. لذلك تواجه هذه المقاربة تحديات حقيقية ترتبط بثقافة العقاب السائدة، وبضغط النتائج الأكاديمية قصيرة المدى، وبمحدودية الموارد البشرية والزمنية، وبتفاوت كفايات الفاعلين في المجال الانفعالي-العلائقي. كما أن بعض السلوكات المرتبطة باضطرابات نمائية عصبية أو بصدمات تتطلب تدخلاً إكلينيكياً متخصصاً يتجاوز الإطار البيداغوجي العادي. ومع ذلك، فإن المقاربة التكاملية التقاطعية تظل الأكثر اتساقاً مع الفهم العلمي المعاصر للسلوك الإنساني، لأنها تتعامل مع المتعلم بوصفه نظاماً ديناميكياً مفتوحاً يتفاعل مع بيئته، لا بوصفه كائناً يجب إخضاعه. وهي تفتح أفقاً لمدرسة لا تكتفي بضبط السلوك ظاهرياً، بل تسهم في بناء ذوات قادرة على التنظيم الذاتي والمسؤولية والعلاقات الصحية. وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الفضاءات التعليمية، تصبح هذه البيداغوجيا ضرورة علمية وأخلاقية لإعادة بناء مدرسة قادرة على احتضان تعقيد الإنسان لا اختزاله. فماهي التحديات البنيوية للظاهرة غير الصحية والآفاق التحويلية للمعالجات المقترحة؟ وهل يساعدنا علم النفس التربوي على ذلك؟
كاتب فلسفي