غانية ملحيس - أبعاد «طوفان الأقصى» في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي: جدلية «التعطيل الاستراتيجي» والمآل التاريخي

أبعملخص تنفيذي
تطرح هذه الورقة قراءة استراتيجية ونقدية لحدث «طوفان الأقصى» (7 تشرين الأول / أكتوبر 2023) عبر منهج التحليل التاريخي الجدلي والجغرافيا السياسية، لتصوغ توصيفا لتداعياته بعيدا عن التهليل الأيديولوجي أو الجلد الذاتي.
وتتحدد الأطروحة المركزية للورقة في أن القيمة التاريخية للحدث لا تُقاس بآثاره العسكرية المباشرة فحسب، بل في قدرته على إحداث «تعطيل استراتيجي» لمسار إقليمي كان يتجه لتجاوز القضية الفلسطينية عبر «اتفاقيات أبراهام»، ومبادرات الدمج الاقتصادي والأمني (IMEC وI2U2) والتطبيع الإقليمي، واختزال الحقوق الوطنية في إدارة سكانية وإغاثية.
ولا تتجاهل الورقة الكلفة البشرية والعمرانية والمجتمعية الهائلة لحرب الابادة التي أعقبته، وتضعها أمام «الكلفة البديلة» لاستمرار مسار ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر؛ حيث كان يهدد بضياع تدريجي للأرض عبر التوسع الاستيطاني، وتفكيك المجال الجغرافي الفلسطيني، وتصفية قضية اللاجئين.
واستنادا إلى دروس التاريخ (كالاستعمار الفرنجي والهزيمة النازية)، توضح الورقة أن التفوق المادي للمشروع الاستيطاني الإحلالي لا يضمن استقراره الوجودي، وأن المواجهة أحدثت ضغوطا متقابلة على شروط إعادة إنتاج المشروع الصهيوني ذاته عبر ضرب صورة «الملاذ الآمن»، وانهاء التماهي التلقائي بين اليهودية كهوية دينية وثقافية وبين الصهيونية السياسية ، وتآكل الحصانة والشرعية الدولية لإسرائيل أمام المحاكم الدولية والرأي العام العالمي.
وتخلص الورقة إلى أن «التعطيل الاستراتيجي» كسرٌ لمسار قائم وليس حسما عسكريا أو صناعة سريعة للمآل؛ إذ يظل «المآل التاريخي» مرهونا بقدرة الفاعل الفلسطيني والإقليمي على تحويل هذه الصدمة الاستراتيجية، وكلفة التضحيات الباهظة إلى مشروع سياسي مستدام يغير الاتجاه النهائي للصراع.

المقال الكامل: أبعاد «طوفان الأقصى» في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي: جدلية «التعطيل الاستراتيجي» والمآل التاريخي

تتصل هذه الورقة باللحظة التاريخية الفاصلة التي تلت حدث «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتصوغ قراءة استراتيجية ونقدية متكاملة ترفض التبسيط الاختزالي، سواء بالتهليل الأيديولوجي السطحي أو بالجلد الذاتي النفعي.
وتعتمد الورقة منهج التحليل التاريخي الجدلي، والجغرافيا السياسية للربط بين الفعل المحلي والمجال الإقليمي، وبين منطق التاريخ في تفكيك البنى الاستعمارية وبين الكلفة البشرية والعمرانية والمجتمعية الواقعة على الحاضنة الشعبية.
وتنطلق الورقة من فكرة مركزية مفادها أن قيمة الحدث لا تُقاس بآثاره العسكرية المباشرة فحسب، بل بما أحدثه من تعطيل استراتيجي لمسارات إقليمية قائمة، وما كشفه من تناقضات بنيوية في المشروع الامبريالي الصهيوني.
غير أن القدرة على التعطيل لا تعني حسم الصراع تلقائيا؛ ومن هنا تؤطّر الورقة مفهوم «المآل التاريخي» ليس بوصفه نتيجة عسكرية فورية، وإنما بوصفه الاتجاه الذي يستقر عليه الصراع بعد تفاعل الصدمة مع الزمن، والموارد، والمؤسسات، والديموغرافيا، والقدرة على إعادة إنتاج المجتمع والمشروع السياسي، مما يجعل تحويل التعطيل إلى مسار مستدام هو السؤال الاستراتيجي الأهم.

أولاً: التوصيف الاستراتيجي: من «حرق المراحل» إلى «التعطيل الاستراتيجي»
تتحدد خطوة إعادة فهم طبيعة الحدث عبر تجاوز فرضية أن «طوفان الأقصى» كان محاولة قسرية لحسم الصراع بضربة واحدة مفاجئة، أي «حرق المراحل». إذ تظهر القراءة الأوسع أن العملية جاءت، في أحد أهم آثارها الاستراتيجية، كـ «ضربة استباقية» أحدثت تعطيلا استراتيجيا لمسار إقليمي كان يتجه إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بما يسمح بتجاوز القضية الفلسطينية أو خفض مركزيتها السياسية.
ولا يعني هذا الادعاء بأن العملية أوقفت مسارا اكتمل، أو حسمت نتائجها اتجاه الإقليم، بل إنها كسرت سياقا كان يتقدم بثبات، وأجبرت الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة إدخال العامل الفلسطيني في حساباتها لإعادة الهندسة الإقليمية.
وهنا ينبغي التمييز بين «النية» و«الأثر»: فليس شرطا لإثبات التعطيل أن تكون كل مفاعيله قد صيغت مسبقا في خطة مكتملة؛ بل يكفي أن يكون الحدث قد أصاب مسارا إقليميا قائما، وأجبر أطرافه على إعادة ترتيب أولوياتهم. ومن ثمّ، يمثل «التعطيل الاستراتيجي» توصيفا لأثر تاريخي وسياسي واقعي، لا ادعاء بالإحاطة الكاملة بدوافع صانعي القرار أو نتائجهم المبتغاة مسبقا.

ثانياً: المسار الإقليمي السابق للسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023
1. التصفية بالتجاوز الجيوسياسي
إعادة هندسة الشرق الأوسط بتجاوز القضية الفلسطينية عبر «اتفاقيات أبراهام»، وإدماج الكيان الصهيوني بصورة متزايدة في بنية أمنية واقتصادية وتكنولوجية إقليمية ودولية. ولم يقتصر هذا المسار على علاقات التطبيع الثنائية، بل تطور عبر أطر متعددة وارتبط للتعاون في البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا مثل: «منتدى النقب» المعلن عنه في آذار/ مارس 2022 بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب. ومجموعة التعاون الاقتصادي الحكومي الدولي « I2U2» تضم الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة. متداخلا مع مشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC).
وتكمن أهمية هذه المسارات في حركتها الجماعية نحو اتجاه واحد: بناء شبكة من المصالح والاتصالات الاقتصادية والاستراتيجية تجعل إسرائيل جزءا عضويا من البنية الإقليمية الجديدة، مع إبقاء القضية الفلسطينية خارج الترتيبات الأساسية دون تسوية سياسية.
وقد عبّرت الولايات المتحدة قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر بصورة صريحة عن هدف تعميق هذا الاندماج الإقليمي وربطه بمبادرات اقتصادية وأمنية أوسع، بالتوازي مع تحرك مسار التطبيع السعودي - الإسرائيلي، بما يكرّس تصور إقليم يتقدم فيه التطبيع والاندماج الأمني والاقتصادي من دون تسوية فلسطينية موازية.

2. تقويض الحقوق الوطنية
اختزال الحق الفلسطيني في شواغل إغاثية وتسهيلات اقتصادية وتنسيق أمني، محاطا بموت بطيء وتطهير صامت في فلسطين الانتدابية (الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق العام 1948)، والخطر في هذا المسار لا يكمن فقط في رفض الحقوق الفلسطينية، لإعادة تعريف القضية من حق سياسي ووطني إلى مشكلة معيشية وأمنية قابلة للإدارة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 هذا البعد الاستيطاني عبر ربط سياسات الضم والتوسع بتجزئة الإقليم الفلسطيني وتغيير تركيبته الديموغرافية، وإعاقة حقه في تقرير المصير.

3. تصفية قضية اللاجئين
إعادة تعريف اللاجئ قانونيا وسياسيا، باختزال أكثر من 7 ملايين لاجئ إلى بضعة آلاف تقتصر على الأحياء الذين لجؤوا عام 1948، ومحاولة اختزال القضية إلى ملف إنساني، بالتوازي مع تفكيك المخيمات ماديا وسياسيا، وإضعاف الأونروا. وهنا تتجاوز المسألة مصير مؤسسة دولية بعينها لتطال أحد المكونات المؤسسة للهوية السياسية الفلسطينية: حق اللاجئ في أن يبقى جزءا من قضية وطنية، وليس مجرد مستفيد من برنامج إغاثي.

4. إرساء «السلام الاقتصادي»
تغطية إمبريالية تقودها الولايات المتحدة يربط الإقليم بشبكات اقتصادية واستراتيجية تدمجه اقتصاديا وأمنيا بمعزل عن الحل السياسي.
ومن هذا المنظور، أدى «طوفان الأقصى» إلى كسر منطق التجاوز السياسي للقضية الفلسطينية وإعادة إدخالها كفاعل غير قابل للتجاوز غير الحسابات الإقليمية والدولية. مبرهنا على أن تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني لا ينهي الصراع، بل يفجره في صورة أشد عنفا واتساعا.

ثالثاً: بين كلفة المواجهة وكلفة غيابها، أزمة المسار التحرري
لا يمكن قراءة الكلفة البشرية والعمرانية الباهظة التي تكبدها الشعب الفلسطيني بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر بمعزل عن المسار التاريخي السابق للمواجهة. فالمأساة لم تكن نتاج الاختلال العسكري اللحظي فحسب، بل جاءت تتويجا لعقود من تآكل القدرة التحررية، وإعادة تعريف وظيفة الحركة الوطنية؛ من مشروع يهدف لهزيمة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين، إلى مشروع قبل بالمهادنة وتقاسم المجال، ثم إدارة السكان الفلسطينيين تحت الاحتلال.
بدأ هذا التحول مع البرنامج المرحلي لمنظمة التحريرالفلسطينية عام 1974، وترسخ في القبول بقرارات مجلس الأمن 242 و338، وإعلان الاستقلال عام 1988 ، وصولا إلى اتفاق أوسلو عام 1993، الذي أنشأ سلطة فلسطينية انتقالية للحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تأجيل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه والعلاقات الخارجية إلى مفاوضات الوضع النهائي.
وليس المقصود هنا اختزال التحول الفلسطيني في قرار محدد أو تحميل مرحلة بعينها مسؤولية ما جرى لاحقا، بل رصد التحول البنيوي في وظيفة المشروع الوطني: من محاولة تغيير ميزان القوى إلى محاولة إدارة الصراع والتفاوض على مخرجاته، في الوقت الذي ظل فيه الاحتلال الصهيوني يحتفظ بأدوات السيطرة وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا.
من هنا نشأ التناقض التاريخي الذي ينبغي إدخاله في تقييم الكلفة: المجتمع الفلسطيني دخل المواجهة الكبرى في غزة بعد عقود كان فيها المشروع الاستيطاني يراكم حقائق مادية على الأرض، بينما كانت الحركة الوطنية قد انتقلت تدريجيا من استراتيجية تغيير ميزان القوى إلى استراتيجية التفاوض وإدارة الممكن.
ولذلك فإن جانبا أساسيا من الكلفة الراهنة هو كلفة تراكمية سابقة على الحدث نفسه؛ تتمثل في تآكل الردع، وتفكك المجال الوطني، والانقسام السياسي، وتراجع أدوات المقاومة المنظمة، وتحول جزء الطاقة الوطنية لإدارة السلطة وتدبير الاحتياجات المعيشية تحت الاحتلال.
وهذا لا يعفي القوة الاستعمارية من مسؤوليتها عن جريمة الإبادة الجماعية للإنسان والعمران، بل يوضح أن الشعب الفلسطيني لم يدخل المواجهة بأسلحة المسار التحرري الأصيل المفترض.
فتحول السؤال من مفاضلة تكتيكية بين «المقاومة» و«المهادنة» إلى سؤال الاستراتيجية التاريخية: هل تهدف الخيارات القائمة إلى تفكيك بنية السيطرة الاستيطانية، أم إلى إدارة السكان داخلها؟
لقد أثبتت عقود ما بعد أوسلو زيف الافتراض بأن المرحلة الانتقالية ستفضي إلى تسوية نهائية؛ إذ توسع الاستيطان ليصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى نحو 700 ألف بحلول أيلول/سبتمبر 2023، مع مستويات قياسية في مخططات بناء الوحدات الاستيطانية في العام نفسه. وبذلك تجلت مفارقة
التاريخ الفلسطيني المعاصر: افترضت السياسية الرسمية أن الزمن يعمل لصالح التسوية، بينما كان الزمن يعمل، ماديا وعمرانيا، لصالح توسيع المشروع الاستيطاني.

الكلفة البديلة: ماذا لو لم يحدث «طوفان الأقصى»؟
إن الاقتصار على قياس الكلفة البشرية والعمرانية المباشرة للحدث ينتج صورة ناقصة؛ إذ يقتضي الاستدلال التاريخي التساؤل أيضا عن كلفة استمرار المسار الذي كان قائما قبله. والبحث في «الكلفة البديلة» ليس نبوءة افتراضية، بل تقدير علمي لاتصالات الاتجاهات المرصودة؛ فغياب السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يكن يعني السلام أو غياب العنف، بل استمرار مسار أقل انفجارا في لحظته، لكنه أشد تراكما في كلفته الديموغرافية والجغرافية، وتتحدد هذه الكلفة في ثلاثة مستويات:
1. الكلفة الجغرافية والعمرانية: الزمن الاستيطاني ليس محايدا؛ فكل وحدة استيطانية وبنية تحتية جديدة تفكك المجال الفلسطيني إلى جيوب معزولة تجعل إقامة مجتمع واقتصاد ودولة متصلة أمرا متعذرا. فالكلفة البديلة هنا ليست مجرد أرواح كانت ستسلم من العنف اللحظي، بل أراض ومدن ومجتمعاتٌ كانت تُفقد بالتدريج وبلا صدمة استراتيجية.

2. الكلفة السياسية: انزلاق القضية من إطار التحرر الوطني والسيادة إلى ملف تفاوضي وإغاثي وأمني، حيث يُستبدل حل القضية بإدارتها، ويتحول الفلسطيني إلى موضوع للتسهيلات المعيشية والترتيبات الإقليمية بينما تتراجع قضايا الأرض والقدس واللاجئين.

3. الكلفة الاستراتيجية: تمكين الطرف الأقوى من تحسين شروطه بمرور الزمن نتيجة مراكمة الوقائع وتمدد علاقاته الإقليمية والدولية. فالهدوء الظاهري قد ينتج تآكلا بطيئا لعناصر القوة الفلسطينية، ليجد المجتمع نفسه مستقبلا أمام واقع يتطلب تغييره تكلفة أشد فداحة.

وعليه، لا يهدف التحليل إلى تبرير المأساة الإنسانية أو ادعاء حتمية النتائج، بل يسعى لتصحيح المعيار ذاته: فالتاريخ لا يخيّر بين «الكلفة» و«الصفر»، بل بين كلف مختلفة وبآفاق مختلفة. فتكمن المسألة الفاصلة في مقدرة الفاعل الفلسطيني والإقليمي على ترجمة هذا الكسر لمسار التآكل التراكمي إلى بناء قدرة استراتيجية وسياسية جديدة بدلا من الانزلاق إلى استنزاف طويل.

رابعاً: منطق التاريخ وهزيمة المشاريع الاستيطانية: الدرس الإفرنجي/الصليبي والدرس النازي
تُثبت التجارب التاريخية أن سقوط المشاريع الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية، والفاشية لا يتحقق عبر مخططات هندسية مكتملة مسبقا، بل يتشكل عبر التداعيات المتراكمة، والاستنزاف، وتضارب الأهداف، والصدمات غير المحسوبة.

1. المقاربة مع المشروع الإفرنجي/الصليبي
استغرق تفكيك الكيانات الفرنجية قرابة قرنين (1099–1291م) عبر استنزاف ممتد، وتكامل بين مصر والشام، وتراكم سياسي وعسكري وديموغرافي واقتصادي جعل استمرار الكيانات الفرنجية أكثر صعوبة مع مرور الزمن. والدرس الأساسي هنا هو أن معركة «حطين» لم تُسقط المشروع بمفردها، بل كانت لحظة حاسمة ضمن مسار أطول؛ فالمعارك قد تغير ميزان القوى، لكنها لا تصنع تحولا تاريخيا ما لم تقترن ببنية قادرة على استثمار نتائجها.
وتكشف هذه التجربة أن التفوق العسكري للمشروع الاستيطاني لا يعني قدرته على إنتاج استقرار دائم أو تحويل السيطرة المكانيّة إلى واقع قابل للاستمرار عبر الأجيال. غير أن هذه المواجهة تفرض كلفة باهظة على المجتمعات المقاوِمة؛ حيث تتجاوز الآثار ساحات القتال لتطال بنية المجتمع عبر التهجير، وتفكك العمران، وتدمير رأس المال الاجتماعي، واستنزاف الأجيال. وهنا تجسد الصراعات الاستيطانية مفارقة كبرى: قدرة المجتمع المقاوم على إفشال الحسم السياسي لخصمه تكتنفها خسائر مجتمعية تجعل استعادة القدرة على النهوض جزءا أسياسيا من المعركة نفسها.

2. المقاربة مع هزيمة النازية
لم تُهزم النازية بخطة مسبقة مكتملة للحلفاء، بل عبر تفاعل عوامل متعددة: صمود الاتحاد السوفيتي، وتحول «ستالينغراد» إلى نقطة انعطاف، والاستنزاف الصناعي، والتفوق الإنتاجي للحلفاء، إلى جانب القرارات الألمانية التي وسّعت جبهات الحرب وأفقدت قيادتها التحكم في النتائج.
والمغزى هنا ليس المساواة الإسقاطية بين النظامين، بل استخلاص قاعدة أعم: المشاريع التي تملك المبادرة وقواعد اللعبة قد تدخل بفعل المقاومة أو التوسع أو التناقضات الداخلية في سلسلة تداعيات تقلب ميزان المبادرة ذاته، وهو ما يجسد قاعدة «التداعيات غير المحسوبة»، حيث لا تضمن القوة المادية السيطرة على مخرجاتها.


خامساً: الصراع في بعده الإقليمي والدولي: الإقليم كساحة موحدة
يُعدّ اختزال الصراع في جغرافيا فلسطين التزاما بحدود غير واقعية؛ فقد أثبتت التداعيات الميدانية أن فلسطين هي مركز الثقل وصاعق الانفجار لصراع أوسع حول هوية الشرق الأوسط ووظيفته الجيوسياسية بين مشروعين:

مشروع الهيمنة الإمبريالية - الصهيونية:
يسعى لتمكين الكيان الصهيوني كمركز أمني وتكنولوجي واقتصادي للإقليم، وتحويل المحيط العربي إلى أسواق وممرات لوجستية، وفرض تطبيع قسري يتجاوز التسوية السياسية. والمشكلة هنا ليست في المشاريع الاقتصادية لذاتها، بل في تحويل التكامل الاقتصادي إلى بديل عن الحقوق السياسية ومقايضة تقرير المصير بالتسهيلات المعيشية.

مشروع الاستقلال الإقليمي:
يهدف لربط أمن المنطقة بإرادة شعوبها، وتفكيك قواعد الهيمنة، وربط الاستقرار الإقليمي بحل جذور الصراع لا بإدارة نتائجه.
وتغدو المعركة حول الممرات والمشاريع الإقليمية جزءا من سؤال السيادة الاستراتيجية: هل تتحول المنطقة إلى فضاء ملحق بشبكات الأمن والتجارة الخارجية، أم تسخّر هذه الشبكات لخدمة استقلال شعوبها؟

الانعكاس على المراكز الإمبريالية: رفع الصراع كلفة الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، وشتت التركيز الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وسط منافسة محتدمة مع الصين وروسيا، بالتوازي مع امتداد الاستقطاب إلى المؤسسات السياسية والأكاديمية الغربية. ولا يعني «استنزاف الهيمنة الأمريكية » انهيارا ناهزا للقدرة النفوذية، بل يعبّر عن ارتفاع تكلفة إدارة النظام الإقليمي واتساع الفجوة بين الأهداف والنتائج الميدانية، مما يفرض استنزافا للموارد الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية في لحظة تتطلب توزيعا دقيقا للقدرات عبر عدة ساحات تنافسية دولية.

سادساً: إشكالية «عدم تماثل الفاعلية» والكلفة البشرية
تتكشف طبيعة الصراع عبر اختلال موازين الفاعلية الهيكلية بين الطرفين:
المستعمِر: يمتلك أجهزة الدولة، والتكنولوجيا، والجيش النظامي، والتحالفات الدولية، والقدرة على الهندسة المكانية والاقتصادية.

المستعمَر: يرزح تحت القهر المباشر، ولا يملك ترف معازل التخطيط المريحة، بل يتشكل وعيه وتتطور أدواته في أتون المواجهة ودفع الكلفة الباهظة.

ومع ذلك، فإن الفارق في الموارد لا يلغي الفاعلية؛ فالطرف المقهور، رغم افتقاره لوسائل الحرب المتكافئة، يستطيع منع خصمه من تحويل تفوقه المادي إلى حسم سياسي ناجز.

حدود التكيف ومفهوم الفناء
تُطرح أحيانا دعوة الفلسطينيين لمحاكاة النموذج الألماني والياباني بعد عام 1945 بالتكيف مع الواقع القائم؛ غير أن هذه الدعوة تغفل فارقا بنيويا: ألمانيا واليابان واجهتا هزيمة عسكرية في الحرب العالمية الثانية، واحتلالا أفضى لإعادة بناء الدولة في النظام الدولي، ولم تواجها مشروعا استيطانيا يهدف لإزاحة السكان وإحلال آخرين مكانهم.
فالصراع الفلسطيني يتصل بجوهر الأرض والديموغرافيا والوجود السياسي، مما يجعل «التكيف» في هذا السياق مرادفا للتخلي التدريجي عن مقومات الوجود السياسي والوطني.

التفكيك المجتمعي وأزمة إعادة إنتاج المشروع
لا يكمن التهديد الرئيس في «الفناء البيولوجي» للشعب الفلسطيني الممتد في كتلته السكانية داخل الوطن المحتل وخارجه ، بل في «التفكيك المجتمعي والمكاني» عبر تفريغ الأرض، وتدمير المجال العمراني، وحشر السكان في أزمات إغاثية متتالية لإضعاف قدرتهم على إنتاج وجود سياسي متصل. فالاستعمار الإحلالي لا يستلزم المحو الكامل ليحقق أهدافه، بل يكفيه تحويل بقاء المجتمع على أرضه إلى تجربة مكلفة تجرّد الكتلة البشرية من مضمونها السياسي.

غير أن التفكيك أضحى مفهوما متقابلا يضغط أيضا على شروط إعادة إنتاج المشروع الصهيوني ذاته. فهذا المشروع لا يستند إلى القوة العسكرية فقط، بل يقتضي معادلة وجودية تقوم على توفير «الملاذ الآمن»، وجذب الهجرة، والحد من الهجرة العكسية، وتوفير الاستقرار الاقتصادي والشرعية الدولية.

وقد جاء «طوفان الأقصى» وما تلاه ليحدث أزمة في هذه الركائز؛ إذ أظهرت الحرب وتداعياتها الأمنية والسياسية أن «الملاذ الآمن المفترض» أضحى مصدرا لشعور عدم الأمان. وأعاد ذلك فتح نقاشات غير مسبوقة داخل أوساط يهودية حول حدود القدرة على الحماية، وكلفة الدولة دائمة الحرب، مما أضعف التماهي التلقائي بين الهوية الدينية والثقافية اليهودية والمشروع السياسي الصهيوني، لا سيما لدى الأجيال الشبابية في الغرب.

ويتقاطع ذلك مع تحول في البيئة الدولية؛ حيث واجهت إسرائيل مسارات مساجلة قانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، بالتوازي مع تصاعد الانقسام في الرأي العام الغربي والمؤسسات الغربية. ورغم أن الفجوة ما تزال قائمة بين المساءلة الدولية والمحاسبة الفعلية، إلا أن انحسار الحصانة الاستثنائية التلقائية يمثل تآكلا في عناصر القوة غير المادية للمشروع الصهيوني.
وبذلك، يتحول الصراع الديموغرافي من سباق أعداد مجرد إلى صراع متزامن على شروط الاستمرار: قدرة الفلسطينيين على الصمود في أرضهم وحماية نسيجهم المجتمعي، مقابل قدرة الكيان الاستيطاني الصهيوني على الحفاظ على أمنه وجاذبيته وشرعيته الدولية.
وتغدو حماية الإنسان والعمران جزءا أصيلا من استراتيجية المواجهة، ليبقى السؤال الفاصل: من يملك المقدرة على صيانة مجتمعه ومشروعه عبر الأجيال؟

سابعاً: أفق المستقبل واستشراف المدى المنظور
إن نتائج التحولات الكبرى لا تُقاس في أتون العاصفة، بل عبر أفق بنيوي طويل المدى. واستنادا إلى مسارات التحول الراهنة، تتشكل أربع اتجاهات استراتيجية:

1. اتساع العزلة الوجودية وكلفة الأمن الإسرائيلي:
تفاقم الفجوة بين متطلبات الردع العسكري وشروط الاندماج الإقليمي، واحتدام التناقض بين التطبيع واستمرار الصراع، بالتوازي مع أزمات الهوية والانقسام الداخلي.

2. إعادة حسابات الرعاية الأمريكية:
مراجعة واشنطن لكلفة انخراطها المباشر وحدوده، في ظل تزاحم الأولويات في ساحات التنافس الدولي وتصاعد النقاشات الداخلية حول جدوى الالتزام المفتوح.

3. تثبيت المعادلة الديموغرافية والسيادية:
تحول ثبات الكتلة السكانية الفلسطينية من معركة دفاع عن البقاء في معازل منفصلة إلى صراع على طبيعة النظام السياسي بين النهر والبحر والحق غير القابل للتجزئة في تقرير المصير.

4. تهاوي أوهام «السلام الاقتصادي»:
إثبات أن الهندسة الاقتصادية والممرات اللوجستية لا يمكنها القفز على الجذور السياسية للصراع، أو التعويض عن الحقوق والسيادة الوطنية.

ثامناً: من التعطيل إلى المآل
لا يقتضي التحليل التاريخي إصدار حكم مبكر على طوفان الأقصى بوصفه نصرا أو هزيمة، بل يتطلب تقييم مدى قدرته على تعديل شروط الحركة داخل الصراع. فـ «التعطيل الاستراتيجي» كسرٌ لمسار آلياته قائمة، ولكنه ليس مآلا تاريخيا بحد ذاته؛ إذ يمكن لمسار التجاوز أن يرمم نفسه، وللصدمة أن تُمتص، وللتضحيات أن تنزلق نحو الاستنزاف إذا لم تقترن بمشروع سياسي واستراتيجي ناظم.
وبالتوازي، تتجلى إمكانية التحول من لحظة الانفجار إلى نقطة انعطاف تاريخية إذا أُعيد بناء شروط القوة المجتمعية والسياسية. فالحدث التاريخي لا يحسم الصراع بمفرده، بل يفتح اتجاهه على إمكانيات جديدة؛ فتغدو المعادلة الفاصلة: التعطيل يكسر المسار، والقدرة تحوله إلى مشروع، والزمن يحدد المآل.
وعليه، لن يُحسم الحكم على "طوفان الأقصى" بحجم الصدمة العسكرية وحدها، ولا بفداحة الخسائر، ولا باستمرار التفوق المادي للخصم، بل بالسؤال الأعمق: هل نجح الحدث في إعادة توزيع شروط الاستمرارية في الصراع، أم تمكن النظام القديم من امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج نفسه؟ هنا تكمن الإجابة التي سيكشفها الزمن اللاحق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى