تقديم
يأتي هذا المقال على سبيل التعقيب الموسع على مقال الدكتورة غانية ملحيس الذي تناولت فيه مقالي المعنون بـ"خطاب العقل المنير، وذلك سعياً من جانبي لتعميق الحوار وإثراء إجابات عن أسئلة يلزمنا السعي لتطوير المعرفة أن نحولها إلى أسئلة جديدة تنشد العثور على إجابات صحيحة قابلة للتحويل بدورها إلى أسئلةٍ صائبة ومفتوحة.
عبد الرحمن بسيسو
خطاب العقل المنير والارتداد البشريِّ نحو التَّوحش
لا شيء مما دعا إليه مقالي "خطاب العقل المنير"، الذي قاربته الدكتورة غانية ملحيس في مقال موسَّعٍ نشرته في هذا الموقع، ومواقع أخرى، قبل أيام، ولا سيما ما تضمنه من تأكيد على تكامل ثالوث المهمات الجوهرية التأسيسي الذي يتوجب على العقل المنير أن ينهض بها لإطلاق حراك عربي تحرري نهضويٍّ يفضي إلى بلورة "حداثة عربية خاصة"، قابل للإنجاز بطبيعة الحال، إلا إذا كان هذا الخطاب ناتجاً عن إعمال "عقلٍ إنسانيٍّ مُنِيرٍ" بالضرورة؛ عقلٍ ليس مجرد قوة تحرُّريَّة نقدية توجِّه نشاطها وفاعليتها الخلاقة صوب كل ما هو خارج عنها فحسب، بل هو عقلٌ قادرٌ على نقد نفسه بنفسه، ومتابعة تفحص، ومساءلة مكوناته وآليات عمله، وطبيعة أدائه ونتائجه، ونجاحاته وإخفاقاته، بلا تقاعس أو كلل؛ وذلك كي يستمر في تجديد نفسه وتنمية مكوناته المعرفية بلا هوادة.
وما من غاية لهذا النقد، الذي هو وجه من وجوه "النقد الذَّاتي الرَّصين"، إلا أن يتابع تأسيس المراجعة الذاتية وضمان استمرارية توافرها، باعتبارها شرطاً جوهرياً لاستمرار وجود هذا العقل، ولاستمرار تجديد صلاحيته للإِعْمَال من قبل صاحبه الإنسان، بوصفه "عقلاً إنسانياً منيراً خلَّاقاً".
والحق أنه لم يكن بإمكاني أن أبين، بجلاءٍ، جميع الخصائص التي ينطوي عليها العقل الجدير بإنتاج هذا الخطاب في مقال واحد لا يتجاوز الخمسمائة كلمة؛ فاكتفيت بالمصطلح الذي افترضت أنه يتضمنها جميعاً: "العقل المُنِيْر"، مدركاً حقيقة أنه لا يمكن للعقل الإنسانيِّ أن يكون منيراً إن لم يكن عقلاً تَحرُّريَّاً نقدياً. كما لا يمكنه أن يكون كذلك إن قَصَرَ نفسه على أداء وظائف العقل الأداتيِّ؛ ذاك "الذي يختزل العقلانية في كفاءة الوسائل وحسابات السيطرة بمعزل عن السُّؤال الأخلاقي حول الغايات"، بحسب توصيفك الدقيق والمستفيض له في مقالك الذي ناقش مقالي المُكثَّف بعمق وشمول.
وما من ريبٍ في أنك تعلمين، كما أعلم أنا، أنَّ هذا العقل الأداتي الذي أعان الإنسان على تدبر أمر بقائه، وفتح أمام الغرب الرأسمالي سبل ابتكار الحداثة المادية المنفصلة عن الأخلاق والقيم، هو نفسه الذي يتوسلُ به الرأسماليون الاستعماريون الصهيونيون المتوحشون المُعادون للإنسانية. إنهم لا يعرفون عقلاً سواه لإنتاج كل ما يمكنهم، لا من الاستئثار بالمقدرات تكريساً لنهج الهيمنة القابيلية التَّملكيَّة المطلقة فحسب، بل أيضاً من إنتاج وسائل وأدوات الإرهاب والقمع والإبادة الجماعية التي تمكنهم من سرقة كوكب الأرض، والحياة، والوجود، والكون بأسره، وإحكام السيطرة عليها جميعاً، في ظل تهميش الآخر وتسويد عيشه، أو إبادة كل من يناهض الصُّهيونية ويميط اللثام عن وجهها العنصري المتوحش.
والحقُّ أن تكريس المقال نفسه، بكثافة وإيجاز، لمقاربة سؤال التَّحرر والنهضة العربية من منظور دور العقل ووظائفه، ولا سيما أنه كتب قبل ما يزيد على عشرة أعوام ونشر في حينه في صحيفة "العرب" اللندنية، لم يتيح لي مجالاً لاستحضار تفاصيل إضافية؛ حتى لو كانت جوهريةً ومسندةً بظلال الواقع الكثيفة.
وفي هذا الإطار يأتي ما بدا أنك أخذته على المقال من "قصور" رأيته يتجسدُ في عدم استحضار حرب الإبادة في قطاع غزة بوصفها مثالاً صارخاً على خطورة انفصال القدرة التقنية عن السؤال الأخلاقي. وإني لأضيء هذه النقطة مجدداً لأؤكد أنَّ الإبادة الصهيونية لفلسطين وشعبها، متعددة المجالات والوسائل والأوجه، لم تبدأ في الثامن من أكتوبر الراهن، وإنما بدأت منذ نهايات القرن التاسع عشر وتواصلت على مدى القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وليست ابنة زمن مقالي لأستحضرها في سياق نصٍّ لم يتطرق، حينها، لتفكيك أنماط العقل منزوعة الأخلاق والإنسانية.
وما دمنا في إطار أخلاقية العقل الإنساني، وخطابه المنير المكرس للدفاع عن منظومات القيم الإنسانية النبيلة، فإنني لأذكر نفسي وإيَّاكِ وقرائنا، بحقيقة مؤداها أنْ ليس للعقل المنير أن يكونَ إلا عقلاً ناقداً، نقَّاداً، وقَّاداً، خيِّراً، وأخلاقياً؛ لأنه، في الأصل، عقلٌ يستمد جوهره من الحرية والكرامة الإنسانية.
وهكذا نعرف أن نقيض "العقل الإنسانيِّ المُنِيْر"، هو "العقلُ البشريُّ المُتَوَحِّش"، المُعتِم بشتَّى تجلياته. وإذ يستمدُ العقل الأول نوره من إنسانيته، فإن العقل الثاني يتسم بالعتَمة لكون أصحابه لم يفارقوا حالتهم البشرية الخامية الأولى، التي هي محض منزلة بين منزلتين، أو "حالة انتقالية" بين كينونتين متناقضتين جذرياً؛ إذ إن الكائن البشري الذي يُخْلَقُ ليبدأ مسيرته في رحاب هذه الحالة الانتقالية يكون مرشحاً للانتقال إلى مرتبة من اثنتين:
أولاهما مرتبة أعلى وأرقى: هي "المرتبة الإنسانية النبيلة السَّامية" المفتوحة على سعي مفتوح لإدراك سُموٍّ وكمالٍ قيمي، قد يعلو في سموه الحضاري ليقترب من أسمى صور العطاء الإنساني الخالص الذي يلامسُ مرتبة الألوهة إذ تتجلى في سعي الإنسان للتماهي الكليِّ المطلق بخالقه.
وثانيتهما مرتبة أدنى وأحط: هي "مرتبة البشرية التَّوحُّشِيَّة" التي اتسع حضورها، وتفاقم إجرامها، وتكاثر المنتمون إليها والمسخرون لخدمتها من بني البشر منزوعي الإنسانية في زمننا؛ وذلك جراء تصاعد وتائر نمو الرأسمالية الصهيونية الأنجلوسكسونية وتنامي قدرتها على فرض هيمنتها على الكوكب وإحكام سيطرتها على موارده ومصائر أوطانه وحضاراته وشعوبه، مكرسةً أبشع صور التوحش البشري.
وليس ثمة من تجسيد صارخ لهذا العقل البشري التوحشي المعتم الشرير، إلا ذاك الذي يتجسدُ بأمرّ صورة وأوضح مثال في الأيديولوجيا العنصرية التوحشية الصهيونية، المنتشرة، والمهيمنة بكثافة، في الدول الرأسمالية الغربية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي المستعمرة الصهيونية القائمة على أرض فلسطين، حيث نشاهد قطعاناً منزوعة الإنسانية، جرى استجلابها بلا كلل على مدى أكثر من سبعة عقود؛ للتفرغ للعمل في جيش وأجهزة ومؤسسات هذه المنظومة الاستعمارية الجاري تكريس وجودها الاستعماري فوق أرض فلسطين نهرها إلى بحرها: مستوطنين مستجلبين جيء بهم من أبعد بعيد عنها، ليسرقوا حضارتها وتاريخها، ويبيدوا شعبها؛ وذلك في مشهد يكاد يُماثل تماماً ما اقترفه الغزاة المستعمرون الأنجلوسكسونيون في توحشهم البشري بالقارة الأمريكية وبأصحابها الأصلانيين من الشعوب الحمراء بناة حضارتها وصناع تاريخها.
ولا أحبُّ إنهاء هذا التعقيب التوضيحي، الذي يعادل ضعف المقال الأصلي المحفّز للنقاش، إلا أن أؤكد تلاقيَّ الفكري التام مع ما ورد في مقال الدكتورة الصديقة غانية ملحيس الموسع من أفكار وتبصُّرات تتعلق بالحداثة العربية النهضويّة التحررية المرتجاة، وبخصائص العقل الإنساني الكفيل بتمكين العرب من تهيئة الشروط الذاتية والموضوعية التي تتيح لهم الشروع في عبور دروب النهضة المنشودة منذ ما يربو على ألف ومائة عام.
وليت قومنا، أو بني جلدتنا، يدركون، عقب إمعانهم في التكلس والانحطاط وبؤس الحال، مدى حاجتهم التاريخية الصارمة إلى تلمس ما يوقظهم ويحفزهم على النهوض؛ قبل بدء جولة الانحدار الأخير صوب مهاوي الغياب، والانقراض الحضاري الذي لا يقل خطورة عن جريمة الإبادة الذاتية الجمعية الناتجة عن الاستسلام الإذعاني لهذا التوحش البشري الصهيوني المحيط بنا.
يأتي هذا المقال على سبيل التعقيب الموسع على مقال الدكتورة غانية ملحيس الذي تناولت فيه مقالي المعنون بـ"خطاب العقل المنير، وذلك سعياً من جانبي لتعميق الحوار وإثراء إجابات عن أسئلة يلزمنا السعي لتطوير المعرفة أن نحولها إلى أسئلة جديدة تنشد العثور على إجابات صحيحة قابلة للتحويل بدورها إلى أسئلةٍ صائبة ومفتوحة.
عبد الرحمن بسيسو
خطاب العقل المنير والارتداد البشريِّ نحو التَّوحش
لا شيء مما دعا إليه مقالي "خطاب العقل المنير"، الذي قاربته الدكتورة غانية ملحيس في مقال موسَّعٍ نشرته في هذا الموقع، ومواقع أخرى، قبل أيام، ولا سيما ما تضمنه من تأكيد على تكامل ثالوث المهمات الجوهرية التأسيسي الذي يتوجب على العقل المنير أن ينهض بها لإطلاق حراك عربي تحرري نهضويٍّ يفضي إلى بلورة "حداثة عربية خاصة"، قابل للإنجاز بطبيعة الحال، إلا إذا كان هذا الخطاب ناتجاً عن إعمال "عقلٍ إنسانيٍّ مُنِيرٍ" بالضرورة؛ عقلٍ ليس مجرد قوة تحرُّريَّة نقدية توجِّه نشاطها وفاعليتها الخلاقة صوب كل ما هو خارج عنها فحسب، بل هو عقلٌ قادرٌ على نقد نفسه بنفسه، ومتابعة تفحص، ومساءلة مكوناته وآليات عمله، وطبيعة أدائه ونتائجه، ونجاحاته وإخفاقاته، بلا تقاعس أو كلل؛ وذلك كي يستمر في تجديد نفسه وتنمية مكوناته المعرفية بلا هوادة.
وما من غاية لهذا النقد، الذي هو وجه من وجوه "النقد الذَّاتي الرَّصين"، إلا أن يتابع تأسيس المراجعة الذاتية وضمان استمرارية توافرها، باعتبارها شرطاً جوهرياً لاستمرار وجود هذا العقل، ولاستمرار تجديد صلاحيته للإِعْمَال من قبل صاحبه الإنسان، بوصفه "عقلاً إنسانياً منيراً خلَّاقاً".
والحق أنه لم يكن بإمكاني أن أبين، بجلاءٍ، جميع الخصائص التي ينطوي عليها العقل الجدير بإنتاج هذا الخطاب في مقال واحد لا يتجاوز الخمسمائة كلمة؛ فاكتفيت بالمصطلح الذي افترضت أنه يتضمنها جميعاً: "العقل المُنِيْر"، مدركاً حقيقة أنه لا يمكن للعقل الإنسانيِّ أن يكون منيراً إن لم يكن عقلاً تَحرُّريَّاً نقدياً. كما لا يمكنه أن يكون كذلك إن قَصَرَ نفسه على أداء وظائف العقل الأداتيِّ؛ ذاك "الذي يختزل العقلانية في كفاءة الوسائل وحسابات السيطرة بمعزل عن السُّؤال الأخلاقي حول الغايات"، بحسب توصيفك الدقيق والمستفيض له في مقالك الذي ناقش مقالي المُكثَّف بعمق وشمول.
وما من ريبٍ في أنك تعلمين، كما أعلم أنا، أنَّ هذا العقل الأداتي الذي أعان الإنسان على تدبر أمر بقائه، وفتح أمام الغرب الرأسمالي سبل ابتكار الحداثة المادية المنفصلة عن الأخلاق والقيم، هو نفسه الذي يتوسلُ به الرأسماليون الاستعماريون الصهيونيون المتوحشون المُعادون للإنسانية. إنهم لا يعرفون عقلاً سواه لإنتاج كل ما يمكنهم، لا من الاستئثار بالمقدرات تكريساً لنهج الهيمنة القابيلية التَّملكيَّة المطلقة فحسب، بل أيضاً من إنتاج وسائل وأدوات الإرهاب والقمع والإبادة الجماعية التي تمكنهم من سرقة كوكب الأرض، والحياة، والوجود، والكون بأسره، وإحكام السيطرة عليها جميعاً، في ظل تهميش الآخر وتسويد عيشه، أو إبادة كل من يناهض الصُّهيونية ويميط اللثام عن وجهها العنصري المتوحش.
والحقُّ أن تكريس المقال نفسه، بكثافة وإيجاز، لمقاربة سؤال التَّحرر والنهضة العربية من منظور دور العقل ووظائفه، ولا سيما أنه كتب قبل ما يزيد على عشرة أعوام ونشر في حينه في صحيفة "العرب" اللندنية، لم يتيح لي مجالاً لاستحضار تفاصيل إضافية؛ حتى لو كانت جوهريةً ومسندةً بظلال الواقع الكثيفة.
وفي هذا الإطار يأتي ما بدا أنك أخذته على المقال من "قصور" رأيته يتجسدُ في عدم استحضار حرب الإبادة في قطاع غزة بوصفها مثالاً صارخاً على خطورة انفصال القدرة التقنية عن السؤال الأخلاقي. وإني لأضيء هذه النقطة مجدداً لأؤكد أنَّ الإبادة الصهيونية لفلسطين وشعبها، متعددة المجالات والوسائل والأوجه، لم تبدأ في الثامن من أكتوبر الراهن، وإنما بدأت منذ نهايات القرن التاسع عشر وتواصلت على مدى القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وليست ابنة زمن مقالي لأستحضرها في سياق نصٍّ لم يتطرق، حينها، لتفكيك أنماط العقل منزوعة الأخلاق والإنسانية.
وما دمنا في إطار أخلاقية العقل الإنساني، وخطابه المنير المكرس للدفاع عن منظومات القيم الإنسانية النبيلة، فإنني لأذكر نفسي وإيَّاكِ وقرائنا، بحقيقة مؤداها أنْ ليس للعقل المنير أن يكونَ إلا عقلاً ناقداً، نقَّاداً، وقَّاداً، خيِّراً، وأخلاقياً؛ لأنه، في الأصل، عقلٌ يستمد جوهره من الحرية والكرامة الإنسانية.
وهكذا نعرف أن نقيض "العقل الإنسانيِّ المُنِيْر"، هو "العقلُ البشريُّ المُتَوَحِّش"، المُعتِم بشتَّى تجلياته. وإذ يستمدُ العقل الأول نوره من إنسانيته، فإن العقل الثاني يتسم بالعتَمة لكون أصحابه لم يفارقوا حالتهم البشرية الخامية الأولى، التي هي محض منزلة بين منزلتين، أو "حالة انتقالية" بين كينونتين متناقضتين جذرياً؛ إذ إن الكائن البشري الذي يُخْلَقُ ليبدأ مسيرته في رحاب هذه الحالة الانتقالية يكون مرشحاً للانتقال إلى مرتبة من اثنتين:
أولاهما مرتبة أعلى وأرقى: هي "المرتبة الإنسانية النبيلة السَّامية" المفتوحة على سعي مفتوح لإدراك سُموٍّ وكمالٍ قيمي، قد يعلو في سموه الحضاري ليقترب من أسمى صور العطاء الإنساني الخالص الذي يلامسُ مرتبة الألوهة إذ تتجلى في سعي الإنسان للتماهي الكليِّ المطلق بخالقه.
وثانيتهما مرتبة أدنى وأحط: هي "مرتبة البشرية التَّوحُّشِيَّة" التي اتسع حضورها، وتفاقم إجرامها، وتكاثر المنتمون إليها والمسخرون لخدمتها من بني البشر منزوعي الإنسانية في زمننا؛ وذلك جراء تصاعد وتائر نمو الرأسمالية الصهيونية الأنجلوسكسونية وتنامي قدرتها على فرض هيمنتها على الكوكب وإحكام سيطرتها على موارده ومصائر أوطانه وحضاراته وشعوبه، مكرسةً أبشع صور التوحش البشري.
وليس ثمة من تجسيد صارخ لهذا العقل البشري التوحشي المعتم الشرير، إلا ذاك الذي يتجسدُ بأمرّ صورة وأوضح مثال في الأيديولوجيا العنصرية التوحشية الصهيونية، المنتشرة، والمهيمنة بكثافة، في الدول الرأسمالية الغربية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي المستعمرة الصهيونية القائمة على أرض فلسطين، حيث نشاهد قطعاناً منزوعة الإنسانية، جرى استجلابها بلا كلل على مدى أكثر من سبعة عقود؛ للتفرغ للعمل في جيش وأجهزة ومؤسسات هذه المنظومة الاستعمارية الجاري تكريس وجودها الاستعماري فوق أرض فلسطين نهرها إلى بحرها: مستوطنين مستجلبين جيء بهم من أبعد بعيد عنها، ليسرقوا حضارتها وتاريخها، ويبيدوا شعبها؛ وذلك في مشهد يكاد يُماثل تماماً ما اقترفه الغزاة المستعمرون الأنجلوسكسونيون في توحشهم البشري بالقارة الأمريكية وبأصحابها الأصلانيين من الشعوب الحمراء بناة حضارتها وصناع تاريخها.
ولا أحبُّ إنهاء هذا التعقيب التوضيحي، الذي يعادل ضعف المقال الأصلي المحفّز للنقاش، إلا أن أؤكد تلاقيَّ الفكري التام مع ما ورد في مقال الدكتورة الصديقة غانية ملحيس الموسع من أفكار وتبصُّرات تتعلق بالحداثة العربية النهضويّة التحررية المرتجاة، وبخصائص العقل الإنساني الكفيل بتمكين العرب من تهيئة الشروط الذاتية والموضوعية التي تتيح لهم الشروع في عبور دروب النهضة المنشودة منذ ما يربو على ألف ومائة عام.
وليت قومنا، أو بني جلدتنا، يدركون، عقب إمعانهم في التكلس والانحطاط وبؤس الحال، مدى حاجتهم التاريخية الصارمة إلى تلمس ما يوقظهم ويحفزهم على النهوض؛ قبل بدء جولة الانحدار الأخير صوب مهاوي الغياب، والانقراض الحضاري الذي لا يقل خطورة عن جريمة الإبادة الذاتية الجمعية الناتجة عن الاستسلام الإذعاني لهذا التوحش البشري الصهيوني المحيط بنا.