أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١١ تشرين الأول من كل عام

١
أحلام يحيى وكتابها " مظفر النواب سجين الغربة والاغتراب " :
لا أعرف من هي أحلام يحيى التي اطلعت مؤخرا على كتابها الصادر في دمشق ( 2005 ) .
وأنا أتصفح الكتاب تساءلت عن مقدار الأمانة العلمية التي تحلت بها ، مثلها مثل مهتم آخر في سورية بأشعار مظفر حيث أصدر له مختارات هو أوس بن يعقوب .
سألحظ أن كتابي " الصوت والصدى ..مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة " ( 1999 \ 2002 ) ذو حضور رئيس في الكتابين . طبعا هذا يفرح لأنه يخرجني من الدائرة المحلية ويجعلني دارسا معروفا على مستوى الوطن العربي ، وهو أيضا مفرح لأنه يرد على إدارة جامعة النجاح التي أعمل فيها حيث انتقصت من قيمة من هم برتبة أستاذ فيها وسخرت ، ذات نهار ، منهم ، علما بأنهم هم من رفعوا اسم الجامعة عاليا .
حقا هل التزمت أحلام وأوس بالأمانة العلمية وهما يعتمدان على كتابي " الصوت والصدى " أم أن هناك سرقة خفية على غير صعيد ؟
وأنا أتصفح كتاب أحلام ومختارات أوس / معن لاحظت السرقة الخفية على صعيد التقليد منها وعلى صعيد نقل صفحات كاملة دون توثيقها توثيقا أمينا منهما .
هل كلاهما لا يجيد البحث فالاقتباس أم تراهما يستغفلان القاريء والباحث ؟
أعتقد أن أحلام لطشت الطريقة وغيرت قليلا فيها وأخذت صفحات من كتابي وبدلا من أن توثق المعلومات منه وثقتها من الدواوين . هل اختلف محمد القضاة أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأردنية وهو يكتب " ظواهر اسلوبية في جدارية محمود درويش " عنهما ؟
لا أظن ذلك .
يا اللاه..كله عند العرب ماشي .
صباح الخير يا الجرجاني ويا ال .... .

٢
التفجيرات تعود من جديد :

أخبار الصباح تتحدث عن شابة فلسطينية تفجر نفسها وقد أصابت جنديا وأصيبت هي بجراح بالغة الخطورة .
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي صراع سيزيفي من أيام شمشون ودليلة .
حتى التزاوج بين شمشون ودليلة أخفق كما أخفق زواج الكاتب صليبا خميس من آيرينا وكان أن قتل ابنهما جوليانو .
كل الحق علي أنا .
11/10/2015

٣
فدوى طوقان : السيرة مدخلا لقراءة الشعر : 3

تسهب فدوى طوقان ، في الجزء اﻷول من سيرتها ، في الحديث عن العزلة التي دفعت إليها دفعا ، ثم اختارتها هي وآثرتها بمحض إرادتها ، حتى غدت ملاصقة لها ومكونا من مكونات شخصيتها .
وقد كان لوحدتها وعزلتها وخوفها من الآخرين وعدم الثقة بهم ، وإهمال أبيها وبعض إخوتها ، بل وأحيانا أمها ، إهمالهم لها ، كان لهذا كله الحضور اﻷبرز في أشعارها . وقد امتدت هذه الحالة التي ألمت بها لعقدين ويزيد ، وتحديدا حتى العام الذي سافرت فيه إلى بريطانيا ، وقد كان هذا الحدث بمثابة خروج من السجن الذي سجنها الآخرون فيه : المنزل . وفي المنزل كانت تخضع لأوامر العائلة وقراراتها ، فلا خروج إلا بمقدار ، ولا سفر إلا بموافقة ، ولما أقامت في لندن شعرت بقدر من الحرية لم تتذوقه ولم تعرفه ولم تألفه ، وهناك عرفت معنى الحرية .
وإذا كان عنوان الكتاب ، بخاصة العنوان الكلاسيكي ، يكثف المحتوى ويدل دلالة واضحة على ما بين دفتي الكتاب ، فإن عناوين دواوين فدوى تخبرنا بشكل صريح ، وبعبارات فيها قدر من الوضوح - والوضوح سمة من سمات العنوان الكلاسيكي - عن طبيعة حياتها .
" وحدي مع اﻷيام " 1952 ، و "وجدتها " 1956 و " أعطنا حبا " 1960 و " أمام الباب المغلق " 1968 . الوحدة ، وهي فكرة محورية من أفكار السيرة ، وجزء معبر من حياة فدوى في السيرة ، في الجزء اﻷول . والفقدان،فقدان اﻷخ واﻷب والصديقة في المدرسة والمعلمة ، وتأتي فدوى على هذا بالتفصيل . والحب المفقود الذي طالما بحثت عنه : حب اﻷب وحب اﻷم وحب الحبيب الذي لم تبدأ العلاقة به أولا ، حتى إذا ما أحبت ثانية ، هي التي تقول إن المرء قادر على أن يجدد الحب ، حاصرها اﻷهل وحاصروا مراسلاتها ، خوفا على سمعة العائلة ، وهو ما عبرت عنه بوضوح حين أتت على مراسلاتها مع أديب مصري . وجدران البيت التي كانت تغلق عليها ، ولم تكن تفتح لها إلا حين يقرر السجان المتعدد : اﻷب واﻷخ المتشدد وعمتها الشيخة المتصوفة المتدينة التي كانت تنقل كل شيء إلى رجال العائلة .
لم تخض فدوى في مجموعاتها اﻷربعة اﻷولى المشار إليها في موضوعات سياسية أو وطنية . ولم تكتب أشعارا تعبر فيها عن هموم الجماعة ومعاناتها ، وقد ظلت أسيرة حياتها الخاصة وأسيرة الدائرة القريبة منها ، كأن تكتب عن الوحدة والعزلة ، أو كأن ترثي أخاها هذا أو ذاك ، ونادرا ما كتبت قصائد تصور معاناة شعبها جراء نكبة 1948 . إن قصيدة " مع لاجئة في العيد " تكاد تكون استثناء ، وربما قرأ المرء لها قصيدة ثانية أو ثالثة لامست فيها معاناة الغير . وقد لاحظ محبو شعرها ومتابعوها ومن كانت لها صلة به ، لاحظوا هذا ، وقد ناقشوها باﻷمر ، وطلبوا منها أن تكتب في موضوعات بعيدة عن همومها الفردية ، موضوعات تلامس الهم الجماهيري والقضايا الوطنية التي خاض فيها اكثر شعراء 50 و 60 ق 20 . وأدركت فدوى هذا ، ولكنها لم تنجح في الخوض في مجالات جديدة حتى وقعت هزيمة حزيران 1967 .
كان أبوها أول من طلب منها أن تكتب الشعر الوطني ، وذلك بعد موت ابراهيم ، ولكن أنى لها هذا وهي أسيرة المنزل : " إن على الشاعر أن يعرف الحياة من حوله قبل أن يعالجها في شعره ، ومن أين آتي بالمادة اﻷولية اﻷساسية المناسبة ؟ من أين يتوفر لي الجو الفكري والنفسي ﻷكتب مثل هذا الشعر ؟ " ص32 " . وستثير فدوى السؤال التالي :
" إذا لم أكن متحررة اجتماعيا فكيف أستطيع أن أكافح بقلمي من أجل التحرر السياسي أو العقائدي أو الوطني ؟ " ( ص134 ) ، وحتى 1967 ظل يعوزها الاختمار السياسي والبعد العقائدي ولم يتبق لها سوى البعد اﻷدبي الذي كان ، حتى 1967 ، بعدا ناقصا .
أخفقت فدوى في كتابة الشعر السياسي ،حين طلب أبوها منها هذا ، ﻷنها لم تعش تجربة سياسية أصلا . وبعد موت أبيها بسنوات سيكرر أصدقاؤها ، د . جميل البديري والشاعر كمال ناصر الطلب نفسه : أن تخرج من دائرة الذات وأن تعبر عن هموم الجماعة ، وستخفق ثانية وتتساءل : " لماذا يساق الشعراء جميعا بهذه العصا ، عصا السياسة فقط " ( 151 ) .
بعد حزيران 1967 ستغدو فدوى شاعرة مقاومة . غدت الشاعرة في الخمسين من العمر ، ونالت قدرا أكبر بكثير جدا مما كانت تناله من حرية من قبل ، ثم إن هزيمة حزيران ، مثل نكبة 1948 ، ضعضعت مكانة الرجل العربي وقللت من هيبته وسطوته ، فقد هزم ثانية من جيش نصفه من النساء ، وﻷنها ثالثا التقت بشعراء الأرض المحتلة : محمود درويش وسميح القاسم ، وانفتحت على تجربتهم وفكرهم الماركسي الذي كان أخوها رحمي يؤمن به ، دون ان يحاول التأثير عليها من خلاله .. لقد اكتشفت فدوى ، كما اكتشف شعراء عرب آخرون مثل نزار قباني ، أن ما كانت تكتبه في واد. ، وإن ما يكتبه هؤلاء الشعراء الشباب في واد آخر ، وهكذا ترك هؤلاء الشعراء تأثيرا كبيرا عليها وعلى أشعارها .
قصيدة " لن ابكي " :
على أبواب يافا .
تأتي فدوى في الجزء الثاني من سيرتها " الرحلة الأصعب " ( 1993 ) على زيارتها فلسطين المحتلة في العام 1948 ، ومدينة يافا فيها ، وما تركته تلك الزيارة من أثر عليها ، كما تأتي على لقائها بشعراء الأرض المحتلة وقصاصيها ، وقد نجم عن تلك الزيارة وذلك اللقاء حوار شعري .
كتبت الشاعرة قصيدة وأهدتها إلى محمود وسميح ورفاقهما ، ورد عليها محمود بقصيدته الشهيرة " يوميات جرح فلسطيني " ، وتضيء السيرة الذاتية مناسبة كتابة قصيدتها ، كما تأتي على بعض مقاطع من قصيدة درويش وتشير إلى تناص قصيدته مع بعض قصائدها السابقة . وبعض هذا لم يخطر ببالي قبل أن أقرأ السيرة .
إن السيرة هنا تمكننا من تقديم فهم افضل لقصيدتها ، بل وتجعلنا نخوض في عامل التأثر والتأثير بين شعراء الأرض المحتلة .
زارت الشاعرة القدس الغربية ويافا وتأثرت مما رأت لدرجة أنها أخذت تبكي ، وفي أيلول 1967 ستنشر قصيدتها في الاتحاد الحيفاوية . " كان القسم الأول من قصيدتي " لن أبكي " هو الحصاد والمردود لوقفتي المتألمة في الأرض الحرام بين شطري القدس ، الشرقي والغربي ، ولوقفتي في يافا بركام البيوت العربية وانقاضها قبل زيارتي لحيفا ببضعة أيام " ( ص20 ) وفي حيفا التقت بالشعراء .
ولما زارت فدوى درويش في بيته ، وكان سميح ورفاقه موجودين ، قرأ درويش بعض مقاطع من رباعيته " يوميات جرح فلسطيني " ومنها الرباعية الثانية التي يرد فيها :
" لم نكن قبل حزيران كافراخ الحمام
ولذا لم يتفتت حبنا بين السلاسل
نحن يا أختاه من عشرين عام
نحن لا نكتب أشعارا ولكنا نقاتل " ( ص20 ).
وترى فدوى أن درويش في قصيدته هذه ، وفي المقطع السابق منها ، تأثر بقولها في نهاية قصيدة لها نشرتها في جريدة الاتحاد ، تخاطب فيها صديقا ، وتورد مقطعا من قصيدتها يرد فيه المشبه به " كفرخي حمام " . من كان يخطر بباله هذا لولا السيرة ؟
ا 11/10/2015(جزء من الحلفة الثالثة.نشرت اﻷولى في4/10 والثانية في 11/10 ).

٤
فدوى طوقان: السيرة الذاتية مدخلاً لقراءة الشعر: (2)
11 تشرين الأول 2015
فدوى وشعر إبراهيم:
كان إبراهيم لأخته فدوى أكثر من أخ. كان لها أخاً ومعلماً وأباً، حين افتقدت عطف بعض الإخوة، ومعلمات المدرسة حين منعها أخوها يوسف من الذهاب إليها، وحين افتقدت حُنُوَّ الأب وعطفه.
وإبراهيم هو الأب الشعري لفدوى، وعلى الرغم من مشاعرها المحايدة نحو الأب البيولوجي، فلا هي، كما لاحظنا، تحبه ولا هي تكرهه، فإنها لم تعانِ من عقدة قتل الأب، لا الأب الحقيقي، ولا الأب الشعري. فهي في أعماقها، وأمام تدخل أعمامها في شؤون أسرتها الخاصة القريبة، كانت تتمنى، بل وتطلب، أن يطيل الله في عمر أبيها، وأدركت معنى وجود الأب وضرورة وجوده، بعد موته وازدياد تدخل الأقارب في شؤونها. وهي في أعماقها، وفي ظاهرها، تكنّ لإبراهيم، الأب الروحي/ الشعري، حبّاً واحتراماً وتقديراً، ولهذا لم تتجاهله في سيرتها، ولم تقلّل من مكانته الشعرية، وظلت تقرّ بأهميته الشعرية وبشاعريته وفاعليتها وتأثيرها في الحياة والمجتمع، وأتت على التأثير الكبير لبعض قصائده، في الأحداث الوطنية، على أبناء شعبها، مثل قصيدة «الثلاثاء الحمراء» التي كتبها في رثاء الأبطال الثلاثة الذين أعدمهم الإنجليز، وهم: جمجوم والزير وحجازي.

سيرة فدوى وشعر إبراهيم ورأي إبراهيم في الشعر:
تأتي فدوى على القصائد الأولى التي أعطاها إبراهيم إياها لتحفظها، وكانت هذه القصائد قصائد رثاء قالتها الشاعرة العربية الأنثى، وهي هنا الخنساء، في رثاء أخيها وأبنائها، وسيكون لهذه القصائد أثرها في شعر فدوى، فقد فقدت هي الأخرى إخوتها وأباها، ودفعها الفقدان إلى كتابة قصائد رثاء فيهم، وشكل موضوع الرثاء أحد موضوعاتها اللافتة.
عدا قصائد الرثاء التي اختارها إبراهيم لها، فقد أخذ يحثها على قراءة الشعر الكلاسيكي، لما يتسمّ به من جزالة، فقد كان معجباً بالشعر العربي القديم، وبشعراء مدرسة الإحياء، ولم يرق له شعر شعراء مدرسة (أبولو)، وشعر شعراء المهجر، ورآه شعراً «لا يرقى إلى مستوى التعبير الشعري الجزل والمميز للتراث الشعري القديم» (ص88)، ولهذا كان يلفت نظر فدوى دائماً إلى أن «متانة تركيب الجملة الشعرية والتمكن من ناصية اللغة لن يتوفرا للشاعر دون العودة إلى الينابيع الأصيلة للشعر العربي، يعني التراث» (ص88).

تأثر فدوى بما سبق:
تقرّ فدوى بأنها في بداية كتابتها الشعر وقعت تحت تأثير آراء إبراهيم، وتذهب إلى أن اهتمامها بالتركيب القديم للعبارة الشعرية تضخم إلى حد كانت أفكارها ومشاعرها «تنصرف معه عن التجربة الحقيقية إلى الاهتمام بتركيب العبارات وانتقاء الكلمات ذات الطنين والدويّ.» (ص79)، وقد غلب هذا على شعرها ما بين 1923 و1940، وحين عقب عمر فروخ صاحب مجلة «الأمالي» على بعض أبياتها مادحاً أصيبت بالزهو والغرور. وإذ مدح أخوها إبراهيم وأبو سلمى ما ورد في «الأمالي» تحت اسم دنانير، دون أن يعرفا أن دنانير هي فدوى أصابها الزهو أكثر وأكثر، وفي فترة لاحقة فاتحت أخاها بأنها هي دنانير.
وربما من يقرأ مجمل أشعار فدوى، ربما يلحظ بوضوح أن أسلوبها وعبارتها تختلف عما أشارت إليه، وهذا صحيح، فهي تكتب عن أشعارها المبكرة جداً التي لم تجمعها في ديوان.
على الرغم من مديح عمر فروخ لأسلوبها إلاّ أنها هي شخصياً لم تكن تشعر أنها تكتب شعراً ينتمي إلى القرن العشرين. إنه شعر يخلو من رائحة القرن العشرين، وتعقب هي على ذلك: «في الحقيقة إن حكاية الديباجة الكلاسيكية هذه، والاهتمام الكلي بالكلمة ورنينها، وبأسلوب التعبير المصنوع، كل هذه كنت أحسبها سداً يقف دون الحركة والتدفق والانطلاق بعفوية وصدق خلال عملية النظم» (ص90).

لغة الشعر ولغة الواقع:
لم تأتِ فدوى بالتفصيل على ما ألمّ بتجربة إبراهيم حين كتب الشعر الوطني، والتحول الذي طرأ على لغته الشعرية، فدارسو شعره، مثل د. إحسان عباس، لاحظوا أن شعره خضع لتفاوت متباعد الطرفين: في الموضوع والمبنى والعبارة. هذا يعني أن شعره ذا الموضوعات التراثية اختلفت لغته عن لغة أشعاره ذات الموضوعات الوطنية والسياسية.
وحين درس إبراهيم في الجامعة الأميركية في بيروت، والرأي لدارسي شعره، خضع لمقولة نقدية مهمة تقول: إن أفضل الشعر ما كان في لغته قريباً من اللغة الدارجة. وهذا رأي قديم قاله الشاعر العباسي أبو العتاهية، وفي العام 1800 تبنّاه الشاعر الإنجليزي (وردزورت)، وأتى عليه في مقدمة ديوانه «قصائد غنائية»، وإن تراجع عنه. فقد قال ابتداءً: بما أن الشاعر إنسان يتحدث إلى أناس، فيجب أن تكون لغته قريبة من لغتهم، ونسي أن سر تميز الشاعر هو لغته، وبها يختلف عن الآخرين، ولهذا عاد وتراجع عنه.
هل كان إبراهيم سيؤثر على الجماهير الفلسطينية لو خاطبها بلغة امرئ القيس، هي الجماهير التي كانت تعاني من الأمية؟ وهل كان سيكون ذا دور في التحرر الاجتماعي والوطني، من خلال شعره، لو كانت لغته لغة العصور القديمة التي تختلف عن لغة القرن العشرين الذي عاش في نصفه الأول؟ والسؤالان نفسهما ينطبقان على فدوى نفسها.
من الأشعار المبكرة التي كتبتها فدوى وتنتمي لغةً إلى العصور القديمة التالي: «ولي عندكم قلب غريب مطرّح/ لدى بابكم يمسي ويصبح في الكرب/ طليح إذا استنهضته... إلخ... إلخ»، فهل سيفهم القراء، زمن كتابة هذه الأشعار، هذه الأبيات؟
وإذا كان إبراهيم نفسه تغيرت لغته، وغدا يستخدم تعابير قريبة من الدارجة: «كل أفضالكم على الرأس والعين»، فلا عجب أن «تتغير لغة فدوى، ولكن تغيرها لم يأت من تأثر الشاعرة بأخيها وما ألمّ بلغته من تغير، وإنما جاء من تأثير النقد الذي أخذت تقرره. وهنا نذكر الناقد المصري المعروف محمد مندور لقد هداها نقد هذا الناقد إلى أصالتها بأن لفت انتباهها إلى شعر المهجر الذي لم يكن يروق لإبراهيم.
شرع مندور في بداية 1940 وفي مجلة «الثقافة المصرية» بالذات بنشر سلسلة من المقالات النقدية حول «الأدب المهموس»، تناول فيها أدب المهجر بشقيه: الشعر والنثر، ووجدت فدوى أن شعر أولئك الشعراء المهجريين أقرب إلى تكوينها النفسي وتركيبها الذهني. (ص91)، كما صادف تلك الفترة اكتشافها لشعراء «مدرسة أبولو». «من هنا بدأت أدير ظهري للديباجة العباسية وأصبح مطمحي الأكبر هو كتابة شعر يستمد جماله من البساطة والليونة والصدق والصياغة الشعرية الخالية من التكلف» (ص51).
هل عدّ تحررها من اللغة القديمة مدخلاً لتحررها الاجتماعي أيضاً؟

٥
لا تصدق من هم فوق الثلاثين :

قبل أيام كتبت مقولة شاعت بعد ثورة الطلاب في الغرب في العام 1968، وهي " لا تصدق من هم فوق الثلاثين " .
- لماذا ؟
- لأن من هم فوق الثلاثين لا يفكرون إلا في الراتب والسيارة والأسرة والأقساط ، وربما الأوجاع ، ويغدون غير شجعان ويخافون من أشياء كثيرة ، ويصبحون عبيدا للوظيفة .
وقد لاحظ بعض الشباب هذا على من كانوا طلابا ثوارا في مرحلة ، ثم اختلفوا كليا بعد أن تولوا المناصب .
الآن الذين يستشهدون هم دون الثلاثين ، وهم الذين يتصدون للمستوطنين ولاقتحام الأقصى ، وهؤلاء غالبا بلا عمل أو أنهم طلاب وليست لديهم وظائف . إنهم كما وصفهم محمود درويش :
غيروا موقعهم وأثاثهم الفقير .
وعلى القيادة الفلسطينية أن تعي ، وكذلك على القيادة الإسرائيلية ، أن أكثر من 30 بالمائة من الشباب الفلسطيني بلا عمل ، وبلا أفق ، والوضع أسخم في غزة ، وهذا كله يرشح الوضع للانفجار ، وعلى من هم فوق ال 65 ممن لا يشبعون ، وعلى الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي ممن يأخذون راتبين ، وعلى أصحاب الوظيفتين أيضا ، وعلى اللصوص ، على هؤلاء كلهم أن يعرفوا أن الأيام القادمة قد تؤدي إلى أوضاع غير متوقعة ، ولعلني لست مخطئا .
هكذا أقرأ أسطر محمود درويش التالية :

الشهيد يحاصرني : لم أغير سوى موقعي
وأثاثي الفقير
وضعت غزالا على مخدعي
وهلالا على إصبعي
كي أخلو من وجعي

الشهيد يحاصرني : لا تسر في الجنازة
إلا إذا كنت تعرفني
لا أريد مجاملة من أحد

محمود درويش من " حالة حصار " 2002

٦
ما هي النصوص الروائية الفلسطينية التي أثرت في الرواية العربية أو في الواقع الفلسطيني ؟ - أي النصوص التي حضرت في نصوص روائية عربية وفلسطينية ، وكان لها ، لعقود ، تأثير قوي في الواقع الفلسطيني ، بحيث أقلقت فصائل ومؤسسات وتسربت إلى الشارع وصار المواطنون يتصرفون مع كتابها ، بناء على ما ورد فيها ؟
سؤال طريف وبخاصة أن بعض الكتاب بدؤوا يكتبون عن حرب عالمية ثالثة تطرق أبواب الشرق الأوسط .
الناس في إيش وعادل الاسطة في ايش .
١١/١٠/٢٠١٦

٧
اليوميات شعرا :
أحمد دحبور ( ١٩٨٢ ) : سجل أنا عربي (بضم العين وتسكين الراء) :

في أثناء الحرب الإسرائيلية - الفلسطينية في حزيران ١٩٨٢ تابعت ما كان أبو يسار يكتبه عن الحرب .
كان المرحوم الشاعر محمد القيسي يتردد على مكتب م . ت . ف . في عمان ويحضر نشرة يومية عن الحرب لم أعد أذكر أين كانت تصدر .
كان أبو يسار ينشر فيها ما يشبه اللافتة : قصيدة قصيرة .
مرة نشر قصيدة يتحاور فيها مع مقاتل مغربي التحق بالفدائيين ليقاتل دفاعا عن الثورة الفلسطينية .
يجري حوار بين الشاعر والمقاتل - إن لم تخني الذاكرة - يسأل فيه الشاعر المقاتل عن سبب وجوده في لبنان ، فيرد المقاتل المغربي :
- سجل أنا عربي ، وإلا فلتفسر لي كيف التحقت إذن بالفدائية ؟
حين أزور أبا يسار أذكره بقصائده / لافتاته تلك ؟وأسأله لماذا لم ينشرها حتى اللحظة ؟
هذه المرة أيضا أتيت على ذكرها ، ولكني لم استطرد .
هل كان المقاتل المغربي قرأ قصيدة محمود درويش " سجل أنا عربي " وقال سطر الشاعر ليجيب الشاعر ؟ إن كانت إجابة المقاتل ناتجة عن قراءة قصيدة محمود درويش فقد انتفى مبرر الأخير في استيائه من الجمهور العربي حين كان الجمهور يطلب منه قراءة قصيدة " سجل أنا عربي " .
ها هي قراءة الفصيدة في العالم العربي تعود بالنفع ، ولو خطرت الحكاية هذه على بالي وأنا التقي درويش لقلتها له .
هل كان أبو يسار أول من يكتب يوميات في أثناء الحرب ؟
هناك يوميات دمشق للشاعر راشد حسين . كان الشاعر في حرب تشرين ١٩٧٣ يقيم في دمشق وانفعل بالأحداث فكتب قصائد قصيرة .
أحمد دحبور كتب قصائد يومية في حرب حزيران ١٩٨٢ ، ولا أعرف من يملك النشرة التي كان ينشر فيها ، لإعادة نشر تلك القصائد .
في فترات لاحقة سنقرا لافتات الشاعر العراقي أحمد مطر . تماما كما كنا نتابع يوميا الرسم الكاريكاتوري للمرحوم ناجي العلي .
في أثناء تحرير الجنوب اللبناني وفي أثناء حصار جنين فعل الشيء نفسه الشاعر العراقي مظفر النواب .
لا بد من مساءلة الشاعر أحمد دحبور حول الأمر .

٨
أنا والجامعة 2 :

كان تأسيس الجامعة في المدينة خطوة ريادية ، فقد قدمت خدمات جليلة لأبناء الوطن وللمدينة نفسها . أراحت ابناء الوطن من عناء السفر ورحلة العذاب عبر الجسور ووفرت على أهلهم المصاريف الباهظة الكثيرة ودفعت كثيرين منا إلى إكمال تعليمهم وأنا واحد من الفلسطينيين الذين ربما ما فكروا في حينه في إكمال دراساتي العليا لولا إنشاء الجامعة .
في عام تأسيس الجامعة كنت معلما في مدرسة ثانوية ولما أعلنت الجامعة عن حاجتها إلى أعضاء هيئة تدريس من حملة البكالوريوس فأعلى تقدمت بطلب توظيف ولكن الاختيار لم يقع علي ، علما بأنه تم تعيين ثلاثة من حملة البكالوريوس ، فلم تكن الشهادات العليا متوفرة ، وقد زاملت الثلاثة منذ العام ١٩٨٢ وعرفت في تلك الأثناء كيف تم تعيينهم .
في ربيع العام ١٩٨٠ أعلنت الجامعة عن حاجتها إلى موظفين للعمل في المكتبة الخاصة بها . كان العمل في الجامعة حلما ظل يراودني ، وكنت في تلك الأيام معلما في مدرسة العقربانية الإعدادية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين ، وهكذا تقدمت بطلب تعيين ، مؤثرا الجامعة والعمل الإداري على العمل معلما في مدرسة .
تقدم لشغل الوظائف ٦٤ شخصا ، وكانت حاجة الجامعة إلى ثمانية ، وقررت من أجل اختيار موضوعي إجراء امتحانين للمتقدمين ، امتحان يختبر صلة المتقدم بعلم المكتبات ، وثان لاختبار ثقافة المتقدم العامة ، وأعلنت الجامعة في الصحف أسماء الثمانية الأوائل في الامتحانين وطلبت منهم التقدم للجنة مقابلة حتى تنظر في شخصياتهم ومنطقهم وما شابه ، وقابلت اللجنة ولكن الاختيار لم يقع علي ، وبعد فترة التقيت بزميلي المرحوم مهيب المصري الذي زاملته في مدرسة الصلاحية وسألته عن أحواله فأخبرني أنه تم تعيينه في مكتبة جامعة النجاح الوطنية ، ولم يكن مهيب تقدم بطلب توظيف أصلا ولم يتقدم للامتحانين ، ولما راجعت المرحوم د.شوكت زيد والمرحومة المربية يسرى صلاح ، وكانا من أعضاء مجلس الأمناء وكانا أيضا عضوين من أعضاء لجنة المقابلة ، فقد أخبرني د.شوكت بأنني موظف والجامعة تريد أن تثبت المعينين في أماكن عملهم وتوظيف من لا وظيفة له ، فأجبته بأن زميلي مهيب يعمل في مدرسة ثانوية في المدينة وليس عاطلا عن العمل ، فابتسم . وأما يسرى صلاح فقالت إنها تتابع كتاباتي في الجريدة وأنها واللجنة رأوا أنه يجب إكمال تعليمي فمكاني هو في التدريس لا في المكتبة ، وطلبت مني هي والمحامي المرحوم موسى الجيوسي أن أحصل على قبول لدراسة الماجستير من جامعة وهما سيوفران لي بعثة ، ولما سجلت في الجامعة الأردنية وقبلت أحضر لي موسى الجيوسي طلبا من صندوق الطلبة الفلسطينيين ولهذا قصة .
والبقية في يوم الجمعة القادمة إن شاء الله .
١١ تشرين الأول ٢٠١٩

٩

خليل النعيمي وروايته " القطيعة " :

في ملتقى الرواية العربية الثاني ( تموز ٢٠١٩ ) تعرفت إلى الروائي خليل النعيمي الذي منح جائزة محمود درويش ولم أكن من قبل قرأت له .
لم أصغ إلى محاضراته فقد اقتصرت مشاركتي في الملتقى على إلقاء مداخلتي ، وعلى هامش الملتقى تجادلت وإياه وأهديته " ليل الضفة الطويل " وأهداني بدوره " القطيعة " ، واستغربت من مؤسسة محمود درويش التي لا تعرفنا بالإنتاج الإبداعي لمن يحصلون على جائزة الشاعر ، فلماذا لا تطبع عملا أدبيا معينا لهم يمكننا من إبداء رأي في قرار اللجنة فندافع عنه أمام الاتهامات التي قد تثار حول الفائزين ؟
بعض من فازوا بالجائزة نتاجهم لنا غير معروف .
خليل النعيمي هو زوج سلوى النعيمي صاحبة رواية " برهان العسل " ، وقد عرفت هذا منه . قرأت رواية " القطيعة " وحين بحثت عن مراجعات نقدية لها ، لأعرف مدى تلقيها نقديا ، دهشت من قلة الالتفات إلى الروائي الذي أصدر غير رواية ونشر العديد من الكتب حول بلدان زارها .
الطبعة التي قرأتها صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهي الطبعة الرابعة وفي الصفحات الأولى إشارة إلى أن الطبعة الأولى صدرت في ٢٠١٠ ولكن الكاتب أخبرني أن ط ١ صدرت في ٨٠ ق ٢٠ وصدر الكاتب ط ٤ بالآتي :
" رأيت من أجل تسهيل النص بالنسبة لقاريء لا يعرف شيئا من منطقة " الجزيرة السورية " ولا عن مدبنة " الحسكة " بالذات ، أو عن أحيائها الهامشية ، ولا عن المدن الأخرى التي تقع في فضائها ( القامشلي ، عامودا ، الدرباسية ، رأس العين .. ) حيث تدور وقائع الرواية ، أن أضيف بعض الشروح والتذييلات التي بدت لي ضرورية لتوضيح ما قد يكون غامضا ، أو ملتبسا ، على القاريء .
فأرجو المعذرة " .
وفي الصفحة الأخيرة قائمة بعناوين روايات الكاتب ، وفي القائمة إشارة إلى أن " القطيعة " صدرت طبعتها الأولى في القاهرة وكذلك طبعتاها الثانية والثالثة ( دار الثقافة الجديدة /دار شرقيات / الهيئة العامة للكتاب ) ولا يذكر في ط ٤ تاريخ صدور ط ١ ، وهذا قد يربك القاريء الذي يدرس الزمن في الرواية .
لقد حدد الكاتب في مقدمة ط ٤ الفضاء المكاني الذي تجري فيه الأحداث ، وحين يقرأ المرء الرواية فإنه يعرف أن الفضاء الزمني لها هو العام ١٩٥٨ ، وفي هامش ص ٩ ما يحدد الزمن الروائي بوضوح . وتحديد الزمن الكتابي وكذلك زمن النشر الأول مهم لمن يدرس عنصر الزمن ، فالقاريء يقرأ رواية تجري أحداثها في فترة تسبق زمنيها الكتابي والنشر ، وإن أراد القاريء مثلا معرفة تأثير زمن الكتابة على زمن الحدث الروائي فإنه قد يقع في حيص بيص .
يكتب الكاتب في هامش ص ٩ لتوضيح السطر الأول من المتن ونصه "
- أنا خليل النعيمي ، من البوادي والسراح في الثامنة والخمسين .. "
يكتب في الهامش :
" المقصود هو عام ١٩٥٨ ، وهو العام الأول من أعوام الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا ، ونشوء " الجمهورية العربية المتحدة " التي مثلت حلما أساسيا من أحلام الشعوب العربية ، وأحداث الرواية تدور خلال سنوات الوحدة ، هذه ، عندما كان الراوي في أوائل سنوات الدراسة الثانوية ، في " تجهيز الحسكة " ".
والرواية أشبه بسيرة روائية لفترة محددة من حياة كاتبها الذي يرويها مفصحا عن راويها وشخصيتها الرئيسة ، معرفا القاريء بأن الكاتب والراوي والشخصية هم خليل النعيمي ، وهكذا يعفينا من البحث عن الاتفاق والاختلاف بين الثلاثة إلا إذا ذهبنا إلى أن خليل في زمن كتابة روايته هو غيره في الأعوام ١٩٥٨ - ١٩٦١ ، معتمدين على أن الفرد يتكون من مجموعة أفراد ، فهو يختلف من مرحلة إلى أخرى وينمو ويتطور ويتغير ويصبح في مرحلة من حياته شخصا آخر مختلفا عما كان .
" القطيعة " هو العنوان ولربما تساءل القاريء :
- قطيعة من مع من أو مع ماذا ؟
في ص ٤٩ يكتب :
" فلأتنكر لحياتي الأولى ، كلها ، ولعلاقاتي القديمة كلها ، وليفعل كل منا ما في وسعه أن يفعل لا ليصير أفضل مما كان عليه ، فحسب ، بل ليصير أفضل مما هو عليه الآن ، أيضا .
إنني بحاجة إلى حياة جديدة ، هذه ، هي الحاجة إليها ، فقط " .
يتكرر دال " القطيعة " في ص ٥٢ حيث يكتب عن خطورة الإداري حين ينفتح على التاريخي تحديدا ، وفي لحظة انفتاحه عليه يمكن " أن يضعنا جملة وتفصيلا أمام الواقعة : واقعة القطيعة بامتياز " و " القطيعة لها طعم الحياة ، والانصياع له طعم الموت " ص ٢٢٨ وفي ص ٢٣١ يتذكر خليل ما قاله له الرفيق :
"لا تحن رأسك لأحد ، لأي أحد ، يا خليل . لأي أحد "
ويقرر القفز :
" كنا نقف على أفضل الطرق للاختلاف . أكيدا . أفضل الطرق لاقتراف القطيعة. القطيعة النهائية لشيء لا يمكن لأحد،بعد الآن ، استيعابها : القطيعة بين الرعية والراعي " وتحفل الرواية بإعلان موقف من طبقة الإقطاع ممثلة بابن جليوي ومن يقف وراءه . ولكن هل استطاع خليل تحقيق القطيعة ؟
ربما انقطع عن المكان بعد أن غادره ولم يعد إليه ، وربما لم يزر قبر أمه لأنها دفنت ، في أثناء غيابه / اعتقاله ، في أرض ابن جليوي . ربما! ولكن الكاتب بعد مغادرته المكان بعشرين عاما عاد ليسترجعه وليكتب عنه، بل وكلما تمكن من إعادة طباعة روايته فعل .
وأنت تقرأ القطيعة تقرأ عن طفولة خليل وفقره المدقع فتتذكر طفولة طه حسين في" الأيام " ومحمد شكري في" الخبز الحافي " ، ومن حيث الأسلوب تتذكر الروائيين الذين كتبوا مستعيرين أساليب ومفردات قديمة مثل أميل حبيبي وجمال الغيطاني ، وحين ترى إمعان الكاتب في الوصف وذكر التفاصيل تتذكر غالب هلسة في " البكاء على الأطلال " . و أحيانا تتذكر مظفر النواب في هجائياته وشتائمه ،بخاصة حين يشتم خليل الفقير الإقطاعي ابن جليوي ، ولكنك قبل كل ما سبق تتوقف أمام حضور الفلسفة في الرواية فتتذكر نجيب محفوظ الروائي الذي درس الفلسفة وكان لها حضور لافت في رواياته التي كتبها في ٦٠ق٢٠ .
ويبقى السؤال اللافت هو :
لماذا لم تحظ روايات الكاتب بتلق نقدي علما بأن محمود أمين العالم رأى فيها نموذجا مختلفا للرواية العربية الجديدة ؟

الجمعة ١٢ والسبت ١٣ تشرين الأول ٢٠١٩

١٠
فلسطينيون على نهج الموساد :

ماذا تعلمنا من الإسرائيليين الذين خربوا حياتنا منذ ١٨٧٨ حتى اليوم ؟
هل تعلمنا الإيجابيات والسلبيات ؟
حتى ابراهيم طوقان الذي هاجم الانتداب والاستيطان بقوله إن لنا خصمين ؛ ذا طول وآخر ذا احتيال ، حتى ابراهيم طوقان رأى جانبا إيجابيا في خصمنا الصهيوني يكمن في جهوده في استصلاح الأراضي :

اذهبوا في البلاد طولا وعرضا
وانظروا ما لخصمكم من جهود .

سخرت الحركة الصهيونية فتياتها للإيقاع بأصحاب الأراضي العرب حتى يبيعوها ويتنازلوا عنها وإلا فإنها ستفضحهم .
في روايتي " الوطن عندما يخون " ١٩٩٦ أتيت على الفكرة فلسطينيا وكتبت أن كل فصيل فلسطيني صار يحذو حذو الحركة الصهيونية في هذا ، فيرسل إلى " المخاطب " فتاة لتوقع به .
مؤخرا قرأت في رواية رشاد أبو شاور " ترويض النسر " عن جهاز مخابرات عربي يلجأ إلى هذه الطريقة للإيقاع بمعارضيه أو منتقديه . ومن قبل قرأت رواية ليلى الأطرش " ترانيم الغواية " وفيها حصلت الصهيونية على بيوت أثرياء من القدس من خلال الإيقاع بهم بفتيات .
رحم الله أستاذي عبد المجيد المحتسب .
انتبهوا أيها الأثرياء وحافظوا على أموالكم فالبطالة ضاربة أطنابها وفرص العمل قليلة وقلة ما باليد والطمع قد يجعل المخيلة تشتعل .
رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ، وإن المشاكل والسكري والتقدم في العمر والإقامة في نابلس ، هذه كلها تسد المنافس عن الطعام والسفر .
نوينا التزهزه .
١١ تشرين الأول ٢٠٢٠

١١
" يا رب هل يرضيك هذا الظمأ "
عمر الخيام .

أيرضيك يا صاحبي
أن أعود مع المساء
بشبكة خاوية
وسمكة مشتراة " .
توفيق صايغ

١٢
زياد خداش يستحضر فلسطين قبل ١٩٤٨ :

قبل سنوات كتبت عن حضور فلسطين في النثر الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ ولاحظت ندرة الكتابة عن المكان فيها قياسا إلى اهتمام الكتاب اليهود القادم أكثرهم من أوروبا به - أي المكان .
المقالة التي نشرتها لاقت اهتمام الاستشراق الإسرائيلي فترجمها إلى العبرية ( يوفال أبراهام ) كما لو أنه اكتشف فيها ما يحقق المقولة الصهيونية " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " ، علما بأنني أوضحت سبب قلة الالتفات إلى المكان في النثر الفلسطيني ولم أعزه إلى خلو فلسطين من الفلسطينيين .
زياد خداش في مجموعته القصصية الجديدة " أنف ليلى مراد " (٢٠٢٢) يكتب عن يافا وحيفا واهتمام سكانهما بالفن واستقبالهم للفنانين المصريين الكبار : أم كلثوم وتحية كاريوكا وآخرين ، فهل نجح ؟
ما لم يكتبه زياد هو أن عمي المرحوم محمد الأسطة غنى في يافا مع محمد عبد الوهاب ولقب عمي ب " بلبل فلسطين " وقد تصور عمي مع محمد عبد الوهاب وظلت جدتي بعد النكبة تحتفظ بصورة ابنها في غرفة وكالة الغوث التي بنتها لها الوكالة عوضا عن بيتها في حي النزهة في يافا .
تزوج عمي من مصرية وأنجبا ولدا وفي ١٩٤٨ ذهبت إلى مصر لتعيش مع أهلها ، وجن عمي ومات في عمان في مقهى ولم يحضر أي من إخوته جنازته ، وفي رواية أسامة العيسة " مجانين بيت لحم " إشارة إليه .
غالبا ما أشرت من قبل إلى هذه الحادثة .
إن جننت أنا فلا تقولوا مجنون بالوراثة ، إذ إن المسؤول هو المقاطعة والفصائل واخوتي وتخلف شعبنا الفضولي .
سامحونا والله المستعان به وعلى رأي القذافي " طز في أميركا " واضيف : وطز فينا وفي إسرائيل والأنظمة العربية زيادة على البيعة .
١١ / ١٠ / ٢٠٢٢ .
( أدرجت هذا الصباح مقالي " للحقيقة وجهان والثلج أسود فوق مدينتا وفيه كتبت عن ترجمة مقالي إلى العبرية )

١٣
ما من كاتب فلسطيني استرجع زمانا لم يكن شاهدا عليه ، ليكتب عنه ، أو مكانا لم يقم فيه مدة طويلة ، إلا وقع في أخطاء قاتلة .
لقد كتبت عن هذا في مقال لي نشرته في موقع " فسحة ٤٨ " ( " الروائي والتجربة : تمثل المكان والزمان "كانون الثاني ٢٠١٧ ) ، وسببت لي كتاباتي مشاكل عديدة مع الكتاب وقد خسرت صداقة أكثرهم . هل سأخسر صديقا جديدا فأكتب قناعتي أم أتوقف عن كتابة النقد ؟
صرت في حيرة .

١٤
بلبل فلسطين في بيت جدي : النكبة والجنون وزياد خداش

قرأت في الأسبوع الماضي مجموعة زياد خداش الجديدة " أنف ليلى مراد " ( الأهلية ٢٠٢٢ ) فتذكرت صورة عمي محمد في بيت جدي اللاجيء في غرفته في المخيم . في الصورة عمي محمد الذي غنى لمحمد عبد الوهاب في يافا وقد كتب أسفل الصورة " بلبل فلسطين " .
كان عمي متزوجا من عزيزة وهي امرأة من مصر وقد أنجبا طفلا وحيدا وعندما حدثت النكبة هاجرت مع ابنها إلى مصر ، ولجأ عمي إلى نابلس . واصل عمي الغناء لمحمد عبد الوهاب وقراءة القرآن وأصابه مس من جنون ومات في عمان دون أن نعرف عن موته إلا لاحقا ، فقد كان يقيم في مقاهي وسط المدينة - سقف السيل ، وغالبا ما كنت أزوره بين ١٩٧٢ و ١٩٧٦ وما بين ١٩٨٠ و١٩٨٢ فأعطف عليه وأذكره بإخوته وأمه ولا نأتي على سيرة ابنه ، فلا هو يعرفه ولا أنا ، وعبثا حاول أخي ، حين سافر إلى مصر ، أن يتعرف إلى ابن عمه الذي سمع الناس صوته مرة في الإذاعة يسأل عن أبيه وأعمامه في فلسطين .
في القسم الثاني من قصص " أنف ليلى مراد " يكتب زياد خداش تحت عنوان " مفقودات " قصصا عما فقده الفلسطينيون من أشياء وأشخاص بسبب النكبة . ولطالما استعرت من إنعام كجه جي عنوان روايتها " طشاري " لأصف أحوال الفلسطينيين ونكباتهم المتتالية التي صورها أكثر من روائي فأكتب " صرنا ، نحن الفلسطينيين ، طشاري " ، ولطالما استعرت من إميل حبيبي يصف الفلسطينيين بعد النكبة مقولته " تفرقنا أيدي عرب " ، فلما قرأت روايتي سامية عيسى " حليب التين " ( ٢٠١١ ) و " خلسة في كوبنهاجن " ( ٢٠١٤ ) قلت " صرنا طشاري وأيدي عرب ودولا اسكندنافية أيضا " .
يستحضر زياد خداش في قصصه الجديدة فلسطين قبل العام ١٩٤٨ فيكتب عن يافا وحيفا والحياة الفنية فيهما وزيارة الفنانين المصريين لهما وإحياء حفلات فيهما وتفاعل أهل المدينتين معهم وفرحهم بهم ، كما يستحضر قصص وحكايات مناضلين ومناضلات فلسطينيات قاوموا الهجرات اليهودية ، فسجن منهم من سجن واستشهد منهم من استشهد وتشرد منهم من تشرد ، إذ يسهو الكاتب أحيانا عديدة فيتجاوز الزمن القصصي في القصص زمن نشرها في جريدة فلسطين التي كانت تصدر في يافا .
ليس زياد خداش أول كاتب فلسطيني يستحضر في نصوصه ما شهدته فلسطين من اهتمام بالفن قبل العام ١٩٤٨ ، فقد قرأنا قصصا وروايات عديدة حضرت فيها يافا وحيفا قبل ١٩٤٨ وأذكر هنا على سبيل المثال إميل حبيبي في " اخطية " وأكرم هنية في " دروب جميلة " وسهيل كيوان في " بلد المنحوس " ومؤخرا سعاد العامري في " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " ، ويمكن عد ما كتب في هذا تحت مصطلح " أدب مقاوم " لكن ليس من خلال التغني بالسلاح والفدائي وإنما من باب دحض الشعار الذي رفعته الصهيونية في أدبياتها " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " . أدب مقاوم لا ضجيج فيه ولا شعارات . أدب مقاوم هاديء يذكرنا بالقصة الفرنسية الطويلة " صمت البحر " التي نشرت باسم ( فيركور ) وعدت من عيون أدب المقاومة الفرنسية ، مع أنها لا تدعو إلى استخدام سلاح لطرد المحتل النازي .
مجموعة زياد خداش الجديدة تقوم على تخيل الكاتب نفسه وقد عاش في فلسطين قبل العام ١٩٤٨ وأخذ يكتب في صحافتها قصصه القصيرة وتحديدا في جريدة فلسطين التي صدرت بغير انتظام بين ١٩١١ و ١٩٤٨ ثم توقفت عن الصدور بسبب اللجوء في العام ١٩٤٨ لتعاود الصدور من جديد في القدس بين ١٩٥٠ و ١٩٦٧ وتتوقف بسبب حرب حزيران فتصدر باسم جريدة الدستور .
يعيش زياد خداش مرتين ؛ قبل ١٩٤٨ وبعد ١٩٦٤ ويتفق أكرم هنية رئيس تحرير جريدة الأيام الفلسطينية التي صدرت في ١٩٩٦ في رام الله مع عيسى العيسى مدير تحرير جريدة فلسطين على إعادة نشر قصص زياد القديمة في جريدة الأيام في العام ٢٠٢٢ ، وهكذا نقرأ القصص التي كتبها زياد في حياته الأولى ونقرأ القسم الثاني مما كتبه في حياته الثانية تحت عنوان " مفقودات " ومنها مثلا قصة " فتى مخبول " ، فأمجد فيها فقد عمه في ١٩٤٨ ، إذ كان العم يعاني من ضعف في العقل . صارت مهنة أمجد التفكير الدائم بمصير عمه محمد حسين عايش ولذا يرسم صورته في حصة الرسم ويكتب تحت الصورة " ربما سيعود عمي إلى بيتنا في المجدل حين نعود نحن إلى فلسطين " .
يفتتح زياد مجموعته بقصة عنوانها " حبيب السمك " القسم الأول منها يصف لقاء تم بين أكرم هنية رئيس تحرير جريدة الأيام التي تأسست عام ١٩٩٦ والأستاذ عيسى العيسى رئيس تحرير جريدة فلسطين التي تأسست عام ١٩١١ ، والهدف من اللقاء كان " التعرف على التجربة الإعلامية الفلسطينية المعاصرة والطلب من هنية إعادة نشر مقالات الكاتب زياد خداش التي كتبها في زمن حياته السابقة في اعداد جريدة فلسطين والتي تحتفل هذا الشهر بذكرى ميلادها الذي يتجاوز المائة عام ١٤ / ١ / ١٩١١ " .
يسعد زياد لاختياره أحد أول الكتاب الفلسطينيين الذين عاشوا في بدايات القرن العشرين ونشروا في تلك الجريدة الرائدة التي " طالما دافعت عن فلسطين وفضحت الصهيونية ونقلت حيوية المجتمع الفلسطيني التواق للتغيير والإبداع والمقاومة " .
يعيد زياد تحت عنوان القصة " حبيب السمك " إدراج القصة مع مقدمة تتضمن ما سبق ويفصل بين المقدمة والقصة بإشارات (***) ولا يكتب متى تم اللقاء بين رئيسي التحرير ، ما يوقع القاريء بإرباك ، وكنت أتمنى لو فصل بين المقدمة والقصة ووضع تاريخا للمقدمة يعود إلى القرن الحادي والعشرين ، وأن ينشر القصة بعنوانها في صفحة مستقلة .
يسرد القصة بضمير المتكلم معلم رياضة في المدرسة الدستورية الليلية التي أسسها المربي خليل السكاكيني مع شركاء آخرين له عام ١٩٠٩ ، وتصف لنا يافا في ١٩١١ ؛ تصف لنا بحرها وميناءها وصيد السمك فيها وفشل المعلم في ممارسة الصيد فالسمك " أكل الطعم وشخ على الصنارة " و ... وتأتي بقية القصص لتفصل الصورة في مدينتي يافا وحيفا وما ألم بسكانهما في العام ١٩٤٨ .
هل وفق الكاتب في قصصه ؟
ما من كاتب فلسطيني استرجع زمانا لم يكن شاهدا عليه أو مكانا لم يقم فيه ليكتب عنه إلا كان هناك خلط في كتابته سببه إسقاط زمن الكاتب على الزمن المسترجع أو عدم تشرب تفاصيل المكان ، وكان على زياد خداش الثاني أن يعلمنا أنه أجرى تعديلات وإضافات على القصص التي نشرها في حياته الأولى متأثرا بمعطيات زمن حياته الثانية بعد ١٩٦٤ . لو فعل ذلك لكانت قصصه أكثر تماسكا وإقناعا .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
١١ و ١٢ / ١٠ / ٢٠٢٢ .

١٥
" حكاية النساء الخطرات "
حكاية النساء الفلسطينيات الخطرات قبل العام ١٩٤٨ :

من هن النساء الفلسطينيات الخطرات اللاتي كتب عنهن زياد خداش في حياته الأولى في فلسطين قبل العام ١٩٤٨ ونشر قصته عنهن ، كما يقول التاريخ المثبت في نهاية القصة في صفحة( ٨٤ ) :
" بتاريخ ٧ / ٩ / ١٩٤٦ في جريدة فلسطين اليافاوية - حيفا " ؟
- إنهن ساذج نصار زوجة نجيب نصار التي كانت تكتب في مجلة زوجها " الكرمل " وتتظاهر ضد الهجرات اليهودية وترعى الكاتبات الشابات وتفتح لهن أبواب مجلة زوجها ، ساذج التي رأى فيها الانتداب البريطاني " المرأة الخطرة ، والمحرضة البارزة " فسجنها .
من النساء الخطرات نمرة طنوس وحياة بلبيسي / بلابسي وكاتبات قصة قصيرة فلسطينيات عشن قبل النكبة وكان لهن قصص " تم تجاهلها ودفنها مثل قصص زليخة شهابي ، اسمى طوبي ، نزهة النشاشيبي ، ماري شحادة ، وجيهة حسيني ، وحيدة خالدي ، فاطمة أبو السعود ، ميمنة القسام ، حلوة جقمان والعشرات من نسائنا "( ٨٤) .
في القصة غير ساردة . كاتبة صحفية معجبة بساذج نصار التي سجنها الانتداب البريطاني عاما في بيت لحم ، وتنشر هذه الكاتبة باسم " القارئة " و " الباحثة في الصحراء " وهي ليست الصحفية الوحيدة فهناك صحفيات أخريات ألهمتهن ساذج نصار مثل ميليا وفاطمة وجميلة ، وكلهن يردن أن يصبحن مثل ساذج فيصدمن النسق ويخلخلن الأفكار .
ينشر زياد خداش قصته " حكايا النساء الخطرات " ويترك الصحفية " القارئة / الباحثة في الصحراء " تسرد بضمير الأنا ، نقرأ سردا بالضمير نفسه للبنى من قرية دير ياسين ، لبنى التي صارت " أعيش الآن في مخيم الوحدات بالأردن " لبنى التي تزوجت في الستينيات من والد ابنتي الوحيدة فايزة " ، والدها الذي " كان يعمل في مصنع اسطيفان وأولاده للمشروبات الروحية في حيفا " واستشهد " زوجي في هجوم من عصابات اليهود على المصنع " وتبلغ لبنى من العمر الثمانين من العمر واشتغلت كمعلمة في مدرسة الوكالة في المخيم وقد استشهد نصف عائلتها في دير ياسين ... .
الصحيح أنا بطلت " أجمع " و ... وكل هذا حدث في القصة التي كتبها زياد خداش في حياته الأولى ونشرها " بتاريخ ٧ / ٩ / ١٩٤٦ في جريدة فلسطين اليافوية - حيفا " .
يخيل إلي أن زياد خداش الثاني عندما أعاد نشر القصة في جريدة الأيام الفلسطينية في العام ٢٠٢٢ أجرى تعديلات كثيرة على قصة زياد خداش الأول ، فتجاوز الزمن القصصي زمن النشر الأول بأربعة عقود وربما أكثر ، ونسي أن يكتب لنا أنه أجرى تعديلات وإضافات على القصة التي تقمص روح كاتبها .
إما أن زياد على حق ، فأكون أنا قارئا رديئا لا " يجمع " أو أن زياد قصد أن يختبرنا حين نقرأ فيعرف أننا قراء جادون أو قراء من الدرجة العاشرة !!
١١ / ١٠ / ٢٠٢٢ .

١٦
الحرب : إنه الجنون !!

الصور والفيديوهات التي تري ما يحدث في جنوب فلسطين لا تترك مجالا للمرء بأن يتردد في القول : إنه الجنون !!
هل يكفي تكرار بيت الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى :
" وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم "
أو قول أمل دنقل الذي كتبه مدونون عديدون :
" إنها الحرب
قد تثقل القلب
لكن خلفك عار العرب !"
أحياء كاملة مسحت في اليوم الرابع وعائلات بأكملها أبيدت . جن جنون الإسرائيليين وانفلت الوحش من عقاله . الخراب في كل مكان ، و ١٧٥ ألفا من أهل غزة يهيمون على وجوههم بلا مأوى . " هي هجرة أخرى " كما كتب محمود درويش بعد حرب بيروت ١٩٨٢ ، ولا ماء في غزة ولا كهرباء وما زال قسم منا يتساءل :
- أين العرب ؟ أين الجيوش العربية ؟
والجنون هو الجنون هو الجنون ، وفي القدس يلعب شابان بالألعاب النارية فيرديهما جنود الاحتلال قتيلين . صار صوت المفرقعات النارية يرعب الإسرائيليين ، فماذا يقول أهل غزة ؟
في الفجر تأتي رسالة من مواطنة مقدسية مصابة بالهلع تعبر فيها عن خوفها ، فالشهيدان في مدينتها صاروا ثلاثة ، والكل خائف والجرافات في بعض مناطق الضفة الغربية تجرف أشجار الزيتون في موسم قطافه والشجر هذا العام قليل ثمره بسبب شح أمطار كانون الأول والثاني الماضيين .
والأخبار . لا مشاهدة أو إصغاء إلا للأخبار وليس سوى الترحم على الشهداء ونشدان كثيرين المساعدة وتوجههم إلى الله بأن يساعدهم في الكرب الذي هم فيه ، وأمريكا ترسل حاملات الطائرات التي كلف بناء إحداها ١٣ مليار دولار . ألهذا أدرج قسم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي شريط أغنية الشيخ أمام عن رأس الحية أمريكا وشريعة هولاكو ؟
الآن في الثالثة فجرا يسمع في سماء نابلس حيث أقيم صوت الطائرات الإسرائيلية ، فهل اندلعت الحرب في الشمال الفلسطيني / الجنوب اللبناني ؟
في الحرب لا ضرورة للاجتهاد والتنظير والتحليل والظهور بمظهر الفصيح الواعي سياسيا المحلل العميق ، علما بأن أكثرنا صار منظرا ومحللا سياسيا يقترح ويقدم نصائحه و ... و ... وأما أكثر ما يثير السخرية في وقت يشتد فيه الحزن وخوف قسم من الناس مما يمكن أن يحدث فهو تساؤل الناس :
- أين الجيوش العربية ؟ وماذا ينتظر الحكام العرب الذين صارت مطارات بلاد قسم منهم محطا للطائرات الأمريكية التي نسمع باسمها لأول مرة .
كأن من يتساءل لا يعرف الماضي أو لم يكن شاهدا عليه !!
إنها فلسطين . أم البدايات وأم النهايات ، ولا نعرف إلى أين نحن ذاهبون وما الذي ستسفر عنه هذه الحرب ، وببلاهة أكرر :
- اللي بنزل من السماء بتتلقاه الأرض .
وكأني في الثالثة فجرا أسمع صوت انفجارات في جنوب نابلس .
إنه الجنوب !!
١١ / ١٠ / ٢٠٢٣

١٧
لفهم ما يجري في غزة من محو للفلسطينيين :

المحو ظهر في الرواية الصهيونية منذ وقت مبكر .
الكتابة هنا في الفقرة المقتبسة هي عن قطاع غزة . إن المحو يكمن في صميم الفكر الصهيوني .
هل هي حرب القيامة التي يبشر بها المحافظون الجدد في أمريكا ؟

" جرائم العصابات ( يقصد تسلل الفلسطينيين إلى قراهم ( ع . أ) ) أوصلت في النهاية إلى المعيار الآتي وهو أنه لم يبق أمام إسرائيل إلا اللجوء إلى وسائل الإبادة . الجيش الإسرائيلي أوضح أنه يجب قتل عشرة عرب مقابل كل يهودي يقتل . الإبادة بدت هي اللغة الوحيدة التي فهمها العرب . " .

" Die Untaten der Banden
erreichten schliesslich ein solches Ausmass, dass Israel nichts anderes uebrigblieb , als Vergeltungsmassnahmen zu ergreifen. Die israelische Armee erklarte, dass fuer jeden ermordeten Juden zehn Araber getoetet werden wurden. Vergeltung schien leider die einzige Sprache zu sein, die die Araber verstanden."
رواية ( ليون أوريس ) " اكسودس / الخروج " الطبعة الألمانية ١٩٩٠ .
الروايات الأكثر مبيعا .
الرواية التي باعت أكثر من حمسين مليون نسخة .
ظهرت الطبعة الأولى في ١٩٥٣
١١ / ١٠ / ٢٠٢٣

١٨
الشخصية اليهودية في الأدب :

انشغل نقاد الأدب العربي عقودا بدراسة الشخصية اليهودية في الأدب العربي وبمتابعة ظهورها وملاحظة إن كان الكتاب ميزوا بين :
- يهودي شرير ويهودي طيب
- يهودي وإسرائيلي
- يهودي غربي ويهودي شرقي ( اشكنازي وسفاردي )
- يهودي غني ويهودي فقير
- يهودي يساري وبهودي يميني
- بهودي علماني ويهودي متدين
- يهودي حاقد ويهودي متسامح
- يهودي عسكري ويهودي مدني
- يهودي في مناطق ١٩٤٨ ويهودي مستوطن في ١٩٦٧
- يهودي غربي وبهودي عربي
- يهودي يكره العربي ويهودي لا يكرههم
- يهودي ذكر ويهودية أنثى .
وكل ما سبق لم يجد نفعا ، فالطيارون الإسرائيليون كلهم لم يميزوا وهم يقصفون غزة بين :
- فلسطيني مقاوم وفلسطيني مسالم
- فلسطيني شاب وفلسطيني عجوز
- فلسطيني قادر على حمل السلاح وفلسطيني طفل
- فلسطيني وفلسطينية .
ببساطة لقد أبادوا بقصفهم جميع من كان في المناطق التي يقصفونها بمن فيهم الأسرى اليهود .
كل كتاباتنا ذهبت " فشنك " .
في الحرب نجلس في بيوتنا ونتابع الأخبار ونفكر في موضوعات لا تسمن ولا تغني من جوع ونغدو محللين سياسيين نجترح الأفكار ، وبعد اجتياح مقاتلي غزة الجدار اكتشفنا أن كل ما قلناه بحق حماس من أنهم صاروا سلطة تعبد الكراسي وتنتظر شنطة قطر لا يختلف عن كتاباتنا عن صورة اليهود ؛ كله " فشنك " و " ضراط على بلاط " .
سلام الله على غزة . سامحونا.
١١ / ١٠ / ٢٠٢٣

١٩
الخويف يخاف من خياله :

عندنا مثل يقول " الجبان بخاف من خياله " ، وغالبا ما وصف اليهود في الأدبيات العربية بالجبن ، وهنا يمكن أن أذكر مجموعة خليل السواحري " مقهى الباشورة " وشخصية المعلم أبو بلطة الذي ذلته هزيمة ١٩٦٧ ، علما بأنه ، كما قال لنا ، كان قبل ١٩٤٨ يغلق شارعا فيه اليهود بعصاه .
هل اليهود جبناء ؟
لا تجربة لي معهم لأعرف ، وظني أن الجبن والشجاعة ، وهما الصفتان اللتان أكثر المتنبي من الحديث في شعره عنهما ، لا يمكن نعت شعب بأكمله بإحداهما .
منذ ساعتين أتابع الأخبار على الجبهة الشمالية / جنوب لبنان .
الإعلام الإسرائيلي تحدث عن طائرات مسيرة وطائرات شراعية ، وعنه نقلت قناة الميادين ووسائل التواصل الاجتماعي ، وكتب نشيطون " ولعت " و " الهوى شمالي " و " تحققت وحدة الساحات " و " اشتباكات في المطلة " و .. و .. و ..
ثم تبين أن لا طائرات مسيرة ولا طائرات شراعية ولا مقاتلون تسللوا . الاشتباكات التي جرت في المطلة اشتباكات صديقة بين الإسرائيليين أنفسهم ، والمرعوب / الخائف يحسب صوت الريح نار عدو . وما اعتقد انه طائرات لم يكن سوى طيور تتكاثر في هذا الموسم قرب بحيرة طبرية ، وأمس خاف الجنود الإسرائيليون في القدس من صوت المفرقعات فأطلقوا النار على شابين وقتلوهما .
لا حول ولا قوة الا بالله . لطالما كتبنا أن السلام كان يمكن أن يتحقق لو أقيمت الدولة الفلسطينية في العام ١٩٩٨ ولو أعيد اللاجئون إلى ديارهم ، ولكن هات حلها مع أبو يائير وجماعته !!
رحم الله الشاعر الفلسطيني علي فودة الذي كتب :
" بقلبي اريحا
وكنا نحن ، ولو مرة ،
لانتصار " .
١١ / ١٠ / ٢٠٢٣

٢٠
يوميات غزة ( ٣٧١ ) :
استباحة وإباحة

لم أعد أواصل كتابة يوميات غزة ، لأنني لا أريد أن أكرر ما هو مكرر ، ولا لأن هناك يعتقد بمقولة " من يجرب المجرب عقله مخرب " . لم أعد أواصل الكتابة لأن شعورا بالعجز صار يلازمني . لهذا لم أكتب يوميات في اليومين ٣٦٩ و ٣٧٠ - أي في يومي ٩ و ١٠ / ١٠ / ٢٠٢٤ .
في اليومين المذكورين تابعت فعاليات مؤتمر الرواية في جامعة اليرموك الذي عقدته رابطة الكتاب الأردنيين عن أدب المقاومة وأدب السجون احتفالا بفوز الكاتب الأسير باسم الخندقجي بجائزة الرواية العربية وشاركت فيه بورقة عنوانها " موضوعة السجن في رواية الأسرى : كميل أبو حنيش نموذجا ".
بين آن وآن كنت أتابع أشرطة فيديو عن الحرب وغيرها ، فلفت نظري شريط لطفل تطلب منه معلمته أن يقرأ عبارة " هو عملية معاكسة " وكتب مدرج الشريط عليه عبارة " لما تكون راسب في الإملاء وتتفلسف " .
قرأ الطفل كلمة معاكسة " معا كسه " فصححته المعلمة .
أرسلت الشريط لصديق لي فعقب " هذا فيديو إباحي " ، وأما أنا فكتبت له :
بعد استباحة غزة لم تعد هناك استباحة وإباحة . كل الأشرطة تهون أمام الأشرطة التي نشاهدها عما يجري في قطاع غزة ، وأمس أدرجت شريطا يصور قتل المدنيين الأبرياء بلا رحمة .
غالبا ما أتذكر قصيدة مظفر النواب " في الحانة القديمة " .
لم يفن من البغي سوى اللحم الفاني أما أكثرنا فيبيع اليابس والأخضر ويهرب من وجه قضيته .
١١ / ١٠ / ٢٠٢٤ .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى