عبد الرحمن بسيسو
مُعَادَاةُ الإنسانيَّة" رافعةُ تصدٍّ صهيونيٍّ توحُّشي
لـ "مُعَادَاة السَّامِيَّة" (2/2)
تقديم:
يتركز هذا المقال التحليلي النقدي المكثف، وهو مقالٌ ثانٍ ينضم إلى مقال أولٍ يحمل العنوان نفسه، كان الكاتب قد نشره على صفحة الفيسبوك خاصته في شباط فبراير 2024، على إبراز، وتأكيد، نقاط التقاطع الرئيسة بين الصهيونية الجيوسياسية، والإمبريالية الرأسمالية، وأزمة الفلسفة الغربية المعاصرة. ومن خلال تتبع التحولات الأيديولوجية التاريخية لمفهوم "مُعَادَاة السَّاميَّة" واستخداماته، يكشفُ المقالُ كيف جرى اختطاف هذا المصطلح ــ الذي أُوجدَ أساساً لمواجهة التمييز الديني العنصري ــ وكيف تمَّ توظيفه من قِبل "عقل أداتي" منزوع القيم الأخلاقية لتبرير إخضاع الحياة البشرية بأسرها للهيمنة المطلقة من قبل "شعب صهيونيٍّ مُخْتَرع" يعتنق أفراده ديناً مشتركاً، هو اليهودية، فيما هم ينتمون، في حقيقة الأمر المؤكَّدة علمياً وجينيَّاً، إلى عدة أعراق، وأوطانٍ، ولغاتٍ، وثقافاتٍ، وجنسيات، ويزعمون لأنفسهم في إثر صهينتهم أو تصهينهم، أو يزعم لهم بصوت "الآيديولوجية التَّخْييلوجية الصُّهيونية" التي أرادتهم وقوداً وأحطاب محارق لمشروعها الرأسمالي الاستعماري الكوني، أنهم ينتمون جميعاً، ودون لبس أو ظلال شكٍّ، إلى "السَّامِيَّة" التي إليها تنتسب جميع سلالات الشعوب المنحدرة من "سام بن نوح".
وبالاستناد إلى كشوفات معرفية تأسست على دراسات حضارية تاريخية، وأنثربولوجية، وفولكلورية معمقة أجراها كاتب هذا المقال الموسَّع نسبياً، على مدى سنوات مديدة، وعززتها أطروحات مدرسة فرانكفورت، وكلٌّ من المفكرة حنة أرندت، والعالم ألبيرت آينشتاين، والمؤرخ إيلان بابيه، يُعرِّي المقال بنية الهيمنة الصهيونية الشاملة التي لا تهدد الوجود الفلسطيني فحسب، بل تقوض نسيج الإنسانية الكونية برمتها، ولا سيما "الأغيار/ الغوييم"، الذين هم جميع بني البشر من غير اليهود، ولا سيما من غير الصهاينة منهم!
ترسيخُ العَداء الصُّهيوني للإنسانيَّة وأدلجته
كيف أمكن لمواجهة "مُعَادَاة السَّامِيَّة" ــ كادِّعاء صهيوني وأكذوبة عنصرية بغيضة ــ أن تتأسس على، وأن تنطلق من، "مُعَادَاةُ الإنسانيَّة"؟ وكيف أفضت من ثمَّ، إلى ترسيخ هذا العداء وجودياً وسلوكياً كعقيدة صهيونية دينية لاهوتية، خرافية ومسيسة؟
قد يبدو جلياً، الآن، أنَّ هذا المفهوم المصطنع قد بات يُستخدمُ، في زمننا الرَّاهن، كسلاح دمار كلي شامل، وذلك في سياق السّعي الصهيونيِّ الرأسمالي الإمبريالي المحموم لتعزيز هيمنة غريزتي الجشع والتوحش البشريين، بغية فرض السيطرة المطلقة على العالم بأسره: موارده، ومصائر شعوبه، ومقدرات وجوده.
لقد دأبت فصول المغامرة الصهيونية ومساراتها الاستعمارية المتعاقبة منذ نحو قرنٍ ونصف قرنٍ من الزمن على تجسيد الاستخلاص الذي بينَّاه للتَّوِّ، تجسيداً واقعياً وعملياً؛ فقد عمدت الصهيونية إلى تحويل مصطلح "مُعَادَاة السَّامِيَّة" وجميع مرادفاته الاصطلاحية المتواترة ــ كمُعَاداة الصُّهيونيَّة و"دولة إسرائيل"، أو انتقاد أي منهما، أو كليهما معاً، أو إدانة سلوكهما التوحشي، أو رفض إبدالهما التعسفي الإجراميِّ المدعوم من دول الغرب الرأسمالي الاستعماري "إسرائيل" بـ"فلسطين" ــ إلى شعارات وظيفية تحريضية، وتُهَمَاً جاهزةً لتنفيذ أحكامٍ جاهزةٍ، وُظِّفت قُبيل زمن المحرقة المفترضة، وأثناءها، وفي إثر ذر رمادها المفترضِ في عيون العالم، وفي محيط الخداع والتزوير الصهيونيين للحقائق التاريخية والسَّرديات الحضارية، الوطنية والإنسانية، الصُّغرى والكُبرى.
ولم يكن الهدفُ من هذا التوظيف الاستراتيجي، الممتد منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة من تاريخ فلسطين والعالم، إلَّا تسويغُ شنِّ الحرب الرأسمالية الصهيونية الاستعمارية الاحتلالية التّوحُّشية الهادفة إلى إحلال الكيان الصهيوني وقطعان مستعمريه، المستجلبين من أوروبا وشتَّى بقاع الأرض، مكان فلسطين والشعب الفلسطيني الأصيل، صاحب الارض، وباني حضارتها، وصانع تاريخها منذ فجر التاريخ الإنساني، وذلك في عملية إبادةٍ جماعيةٍ واستبدالٍ حياتيٍّ وجوديٍّ شاملة تتصاعد في سياقها وتائر التوحش المتلازم مع تفاقم الجشع الرأسمالي الصُّهبوني الإمبريالي الأنجلوسكسوني.
الرأسمالية والصهيونية والعقل الأداتي
ولتفكيك الجانب الرأسمالي الإمبريالي في ارتباطه العضوي الوثيق بالرأسمالية الصهيونية أنْ يكشف عن وجود منظومة تتغذى، بنيوياً، على غريزتي الجشع والتوحش البشريين. وهنا، بالضبط، يلتقي رأس المال العابر للقارات بالمشروع الصُّهيوني التَّوحُّشيِّ الطموح، وذلك عبر توظيف ما أسماه فلاسفة مدرسة فرانكفورت النقدية (ولا سيما منهم هوركهايمر وأدورنو) بـ "العقل الأداتي"؛ هذا العقل الذي جُرِّد من القيم الأخلاقية والإنسانية، وتحول، في سياقه الغربي والصُّهيوني، إلى "عقل أداتي ظلامي توحُّشيٍّ شرير"، مُسَخَّرٍ، حصرياً، لإنتاج الخوارزميات، والأنظمة السيبرانية، وتطبيقات المراقبة والتحكم، والأسلحة الفتاكة فائقة الذكاء.
وبطبيعة الحال، لن يكون لإنتاج ثالوث هذه الترسانات الفكرية والتِّقاَنِيَّة والعسكرية التَّوحُّشيَّة الشريرة أن يهدفوا إلى تطوير البشرية وتعزيز قدرتها على إدراك إنسانيَّتها ودعم سعيها للوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني المحتمل، بل إلى تصعيد وتيرة التوحش، وتجسيد المُعاَداة العملية للإنسانَّية لإدراك الهيمنة المطلقة على الكون، ومصادرة مقدرات الأرض دون تقاسمها مع "الآخرين" أو من يُنظر إليهم في الأدبيات الشوفينية الصهيونية بوصفهم "أغياراً" أي "غوييم" يأذن كل من "التوراة" و"التلمود" المُصَهينين لليهود بإبادتهم.
وسيكون للأسلحة الفتاكة والبرمجيات التي ينتجها هذا العقل الأداتي الظلامي الشرير أنْ تتكفل بالإبادة المادية الجسدية للشعوب المستهدفة، من جهةٍ أولى، وبالإطباق الرَّقمي والتَّحكم الشَّامل، على مقدرات العالم، وخيرات أوطانه، ومصائر شعوبه، من جهةٍ ثانيةٍ، وذلك في تلازم توحشي متصلٍ لم تعد الإنسانيةُ، في ظلِّ ما تشهده من إجرامٍ يحدث بلا انقطاعٍ في فلسطين، وفي بلاد الشرق، في حاجة إلى جمع أدلة على توظيف الصهيونية لكليهما لاقتراف أبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ في سياق السعي المحموم للاستيلاء على أوطان الشعوب وتحويلها إلى أحياز جغرافية مهيمن عليها بالكامل من قبلِ إمبراطورية الشَّر الرأسمالية الصهيونية المعولمة.
وجليٌّ الآن، في ظل استمرار شن الحروب الرأسمالية الاستعمارية الصهيونية الغربية في الشرق الأوسط على نحوٍ لم ينقطع منذ توقف الحرب العالمية الثانية، وفي تلازم مع تتابع بثِّ الإعلانات الصهيونية الإسرائيلية والأمريكية الرسمية الهادفة إلى تسويغ هذه الحروب الاستعمارية العدوانية التدميرية الإبادية، أنَّ الأهداف الجيوسياسية الرأسمالية التي تتوخاها "الإمبراطورية الصُّهيونية العظمى"، المُغفلة الحدود، تتطابق، على نحو كُلِّيٍّ، مع النُّبوءات الأسطورية الدينية التي يزخر بها النَّص "التلمودي" متابعاً في ذلك مثيله "التوراة"؛ حيث الحدود الموعودة لأرض إسرائيل، وإمبراطوريته الشاسعة، ليست خطوطاً على خارطة، وإنما هي الكون بأسره وذلك تحت مُسَمىً يتكرس حضوره عملياً، عبر هذه الحروب العدوانيَّة الإجرامية: "امبراطورية إسرائيل الرأسمالية الصهيونية الاستعمارية العظمى،"، ولعلنا نضيف: "المُعَادية للإنسانيَّة"
التقاء النازية والصهيونية على مُعَاداة الإنسانية
وليس لكائنٍ بشريٍّ سويٍّ ذي عقل إنسانيٍّ يعمل بلا توجيهٍ من قبل عقلٍ أداتيٍّ شرير، أن يدَّعي أن التوأمة الفكرية والاستعمارية التَّوحُّشيَّة بين الرأسمالية والصهيونية لا تعدو أن تكون إلَّا رجماً بالغيب، ذلك أن هذه التوأمة هي الحقيقة الفظيعة التي تنبّه إليها، وأكَّدها، كبار الفلاسفة الغربيين مبكراً. ففي الرابع من ديسمبر من العام 1948، نشرت صحيفة نيويورك تايمز رسالة شهيرة وقّع عليها الفيلسوف والعالم الفيزيائي اليهودي المرموق ألبيرت آينشتاين والفيلسوفة والمُفَكِّرة السياسية اليهودية المرموقة حنة أرندت، وصحفيون وكتاب آخرون، حذَّروا فيها العالم بوضوح من صعود الأحزاب الصُّهيونية الراديكالية اليقينية (مثل حزب حيروت الفاشي)، ووصفوها بأنها: "أحزاب صهيونية وثيقة الصلة في تنظيمها،وأساليبها، وفلسفتها السياسية، وجاذبيتها الاجتماعية، بالمرآة النازية والفاشية".
والحقُّ أننا لم نعد في حاجة لبذل مزيد من الجهد في متابعة التنقيب والبحث والتحليل التَّفكيكيّ المنهجي الرصين لتأكيد الحقيقية الموضوعية الراسخة، والتي ألقى عليها من استغربوها وعجزوا عن نفيها من المؤرخين والباحثين، ثوب المفارقة التاريخية الصارخة الكبرى التي تكمن في حقيقة أن النَّازية والصُّهيونيَّة التقتا على عداء واحد للإنسانيَّة ولليهوديةََ معاً؛ فالَّنازية اضطهدت اليهود بيولوجياً لتأسيس "نقاء العرق"، بينما ناصبتِ الصُّهيونيةُ اليهوديةَ العداءَ، إنسانياً وروحياً، وليس ذلك عبر إفراغ الدِّين من المحتوى الأخلاقيِّ والإنسانيَِ واجب الوجود في أيِّ دين فحسب، وإنما أيضاً عبر تحويل الدِّين اليهودي إلى "قومية استعمارية رأسمالية توحُّشِيَّة مُعَاديَّة للإنسانيَّة".
كانت المفكرة حنة أرندت قد كتبت في دراستها "إعادة النظر في الصُّهيونية" الصادرة في العام (1945)، مكررة ما سبق أن قالته في كتابها المرحعيِّ "أُسس الشمولية" محذرةً من أن تبني الصهيونية نموذج الدولة القومية الشوفينية الإمبريالية سيفضي حتماً إلى تقسيم العالم بشكل عنصريٍّ خطير، وسيؤدي إلى اندلاع صراعات عنصرية مأساوية لا تننتهي. وقد أكدت، فيما بعدُ، ما مُؤداه أنَّ حلَّ المسألة اليهودية على حساب الشعب الفلسطيني، وعن طريق غزو أرضٍ فلسطين واحتلالها، لم يحل مشكلة الأقليات أو عديمي الجنسية، ولا مشكلات غيرهم من اليهود الأوربيين، وإنما أسفر عن خلق فئةجديدة من بؤساء اللاجئين (هم اللاجئون الفلسطينيون)، وبذلك جرى حرمان مئات الآلاف من البشر من حقوقهم الأساسية؛ فقد زاد عدد عديمي الجنسية بمقدار ثمانمائة ألف شخص تقريباً (هم الفلسطينيون الذين اقتلعتهم العصابات الصهيونية الإرهابية المُسلَّحة من بيوتهم وحقولهم وبياراتهم ومزارعهم، وطردتهم خارج وطنهم في العام 1948).
وكانت حنَّة أرندت قد أكدت، في رسالة كتبتها من مدينة القدس في العام 1955، أنَّ صدمةً عنيفة قد تملكتها بسبب الممارسات العنصرية التوحشية التي شهدت، بأمََ عينيها، اقترافها من قبل دولة إسرائيل بحق الفلسطينيين الذين تشبثوا بأرضهم عقب حرب الغزو الصهيوني في العام 1948 لوطنهم. فقد كتبت في هذه الرسالة، استخلاصاً أخيراً يقول: "وعلاوةً على ذلك، فإنهم يعاملون العرب، الذين ما زالوا هنا، بطريقة تكفي وحدها لتأليب العالم كله ضد إسرائيل".
وهذه البنية الاستبدالية التصفوية المدعومة بالعقل التقني الرأسمالي هي ما يصفه المؤرخ الإسرائيلي التقدمي إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"؛ مؤكداً أن "الصهيونية مشروع كولونيالي استيطاني يتأسس بنيوياً على نفي الآخر، ومحو وجوده الحضاري الأصيل عبر أدوات الإبادة الحديثة".
وإلى ذلك، فإنًَّ للوقائع وتراكم الأدلة المادية المتواترة بكثافة وبلا انقطاع، أنْ تؤكد انعدام وجود أي فرق جوهري، مهما ضَؤلَ بين قوى الإرهاب العابر للحدود (كداعش والقاعدة) وقوى الاستعمار الاستيطاني الفاشي؛ فالمحرّك والصَّانع الأصلي لكل هذه الحركات المتوحشة واحد: الصهيونية العنصرية، والمنظومة الرأسمالية الإمبريالية، والأجهزة الاستخباراتية، والأنظمة الوظيفية التابعة لها شرقاً وغرباً، والتي تشترك جميعاً في إعادة إنتاج "الكابوس" الصهيوني التَّوحَُشي الذي يستهدف الإنسانية الجوهرية بأسرها بالإبادة الجماعية والإهلاك الكلِّي.
وتكثيفاً استعارياً لكل ما سبق، أجدني مُهيَّئاً للإفصاح عن إدراك جماليٍّ دلاليٍّ استقرَّ في وجداني العميق، من زمن بعيدٍ، مؤداهُ أنَّ لوحة الرَّسام السويسري هنري فوسيلي: "الكابوس" (1781)، في تقديري النقدي المؤصَّل، تجسيدٌ حيويٌّ بصريٌّ جمالي منقطع النظير لجاثوم التوأم (الصُّهيوني-الَّنازي) المتطابق، المسلّح بالعقل الأداتي الرأسمالي الاستعماري الشرير، والرابض بقسوة فوق صدر الإنسانية؛ فهو ذلك الكائن البشري الشيطاني التوحشي الشرير القابض على مقدرات، وموارد، وخيرات، ثالوث الحياة، والوجود، وكوكب الأرض والحاجب النور عن البشرية بأسرها، والمصادر حق الإنسان - أي إنسان ومن أي وطن أو قومية أو ثقافة، أو حضارة، أو عرق أو جنسٍ، أو لغةٍ، أو ديانة كان - في الطمأنينة، والأمن، والاستقرار، والسلام، والحياة الهانئة، فوق أي بقعة من بقاع كوكب الأرض.
مُعَادَاةُ الإنسانيَّة" رافعةُ تصدٍّ صهيونيٍّ توحُّشي
لـ "مُعَادَاة السَّامِيَّة" (2/2)
تقديم:
يتركز هذا المقال التحليلي النقدي المكثف، وهو مقالٌ ثانٍ ينضم إلى مقال أولٍ يحمل العنوان نفسه، كان الكاتب قد نشره على صفحة الفيسبوك خاصته في شباط فبراير 2024، على إبراز، وتأكيد، نقاط التقاطع الرئيسة بين الصهيونية الجيوسياسية، والإمبريالية الرأسمالية، وأزمة الفلسفة الغربية المعاصرة. ومن خلال تتبع التحولات الأيديولوجية التاريخية لمفهوم "مُعَادَاة السَّاميَّة" واستخداماته، يكشفُ المقالُ كيف جرى اختطاف هذا المصطلح ــ الذي أُوجدَ أساساً لمواجهة التمييز الديني العنصري ــ وكيف تمَّ توظيفه من قِبل "عقل أداتي" منزوع القيم الأخلاقية لتبرير إخضاع الحياة البشرية بأسرها للهيمنة المطلقة من قبل "شعب صهيونيٍّ مُخْتَرع" يعتنق أفراده ديناً مشتركاً، هو اليهودية، فيما هم ينتمون، في حقيقة الأمر المؤكَّدة علمياً وجينيَّاً، إلى عدة أعراق، وأوطانٍ، ولغاتٍ، وثقافاتٍ، وجنسيات، ويزعمون لأنفسهم في إثر صهينتهم أو تصهينهم، أو يزعم لهم بصوت "الآيديولوجية التَّخْييلوجية الصُّهيونية" التي أرادتهم وقوداً وأحطاب محارق لمشروعها الرأسمالي الاستعماري الكوني، أنهم ينتمون جميعاً، ودون لبس أو ظلال شكٍّ، إلى "السَّامِيَّة" التي إليها تنتسب جميع سلالات الشعوب المنحدرة من "سام بن نوح".
وبالاستناد إلى كشوفات معرفية تأسست على دراسات حضارية تاريخية، وأنثربولوجية، وفولكلورية معمقة أجراها كاتب هذا المقال الموسَّع نسبياً، على مدى سنوات مديدة، وعززتها أطروحات مدرسة فرانكفورت، وكلٌّ من المفكرة حنة أرندت، والعالم ألبيرت آينشتاين، والمؤرخ إيلان بابيه، يُعرِّي المقال بنية الهيمنة الصهيونية الشاملة التي لا تهدد الوجود الفلسطيني فحسب، بل تقوض نسيج الإنسانية الكونية برمتها، ولا سيما "الأغيار/ الغوييم"، الذين هم جميع بني البشر من غير اليهود، ولا سيما من غير الصهاينة منهم!
ترسيخُ العَداء الصُّهيوني للإنسانيَّة وأدلجته
كيف أمكن لمواجهة "مُعَادَاة السَّامِيَّة" ــ كادِّعاء صهيوني وأكذوبة عنصرية بغيضة ــ أن تتأسس على، وأن تنطلق من، "مُعَادَاةُ الإنسانيَّة"؟ وكيف أفضت من ثمَّ، إلى ترسيخ هذا العداء وجودياً وسلوكياً كعقيدة صهيونية دينية لاهوتية، خرافية ومسيسة؟
قد يبدو جلياً، الآن، أنَّ هذا المفهوم المصطنع قد بات يُستخدمُ، في زمننا الرَّاهن، كسلاح دمار كلي شامل، وذلك في سياق السّعي الصهيونيِّ الرأسمالي الإمبريالي المحموم لتعزيز هيمنة غريزتي الجشع والتوحش البشريين، بغية فرض السيطرة المطلقة على العالم بأسره: موارده، ومصائر شعوبه، ومقدرات وجوده.
لقد دأبت فصول المغامرة الصهيونية ومساراتها الاستعمارية المتعاقبة منذ نحو قرنٍ ونصف قرنٍ من الزمن على تجسيد الاستخلاص الذي بينَّاه للتَّوِّ، تجسيداً واقعياً وعملياً؛ فقد عمدت الصهيونية إلى تحويل مصطلح "مُعَادَاة السَّامِيَّة" وجميع مرادفاته الاصطلاحية المتواترة ــ كمُعَاداة الصُّهيونيَّة و"دولة إسرائيل"، أو انتقاد أي منهما، أو كليهما معاً، أو إدانة سلوكهما التوحشي، أو رفض إبدالهما التعسفي الإجراميِّ المدعوم من دول الغرب الرأسمالي الاستعماري "إسرائيل" بـ"فلسطين" ــ إلى شعارات وظيفية تحريضية، وتُهَمَاً جاهزةً لتنفيذ أحكامٍ جاهزةٍ، وُظِّفت قُبيل زمن المحرقة المفترضة، وأثناءها، وفي إثر ذر رمادها المفترضِ في عيون العالم، وفي محيط الخداع والتزوير الصهيونيين للحقائق التاريخية والسَّرديات الحضارية، الوطنية والإنسانية، الصُّغرى والكُبرى.
ولم يكن الهدفُ من هذا التوظيف الاستراتيجي، الممتد منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة من تاريخ فلسطين والعالم، إلَّا تسويغُ شنِّ الحرب الرأسمالية الصهيونية الاستعمارية الاحتلالية التّوحُّشية الهادفة إلى إحلال الكيان الصهيوني وقطعان مستعمريه، المستجلبين من أوروبا وشتَّى بقاع الأرض، مكان فلسطين والشعب الفلسطيني الأصيل، صاحب الارض، وباني حضارتها، وصانع تاريخها منذ فجر التاريخ الإنساني، وذلك في عملية إبادةٍ جماعيةٍ واستبدالٍ حياتيٍّ وجوديٍّ شاملة تتصاعد في سياقها وتائر التوحش المتلازم مع تفاقم الجشع الرأسمالي الصُّهبوني الإمبريالي الأنجلوسكسوني.
الرأسمالية والصهيونية والعقل الأداتي
ولتفكيك الجانب الرأسمالي الإمبريالي في ارتباطه العضوي الوثيق بالرأسمالية الصهيونية أنْ يكشف عن وجود منظومة تتغذى، بنيوياً، على غريزتي الجشع والتوحش البشريين. وهنا، بالضبط، يلتقي رأس المال العابر للقارات بالمشروع الصُّهيوني التَّوحُّشيِّ الطموح، وذلك عبر توظيف ما أسماه فلاسفة مدرسة فرانكفورت النقدية (ولا سيما منهم هوركهايمر وأدورنو) بـ "العقل الأداتي"؛ هذا العقل الذي جُرِّد من القيم الأخلاقية والإنسانية، وتحول، في سياقه الغربي والصُّهيوني، إلى "عقل أداتي ظلامي توحُّشيٍّ شرير"، مُسَخَّرٍ، حصرياً، لإنتاج الخوارزميات، والأنظمة السيبرانية، وتطبيقات المراقبة والتحكم، والأسلحة الفتاكة فائقة الذكاء.
وبطبيعة الحال، لن يكون لإنتاج ثالوث هذه الترسانات الفكرية والتِّقاَنِيَّة والعسكرية التَّوحُّشيَّة الشريرة أن يهدفوا إلى تطوير البشرية وتعزيز قدرتها على إدراك إنسانيَّتها ودعم سعيها للوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني المحتمل، بل إلى تصعيد وتيرة التوحش، وتجسيد المُعاَداة العملية للإنسانَّية لإدراك الهيمنة المطلقة على الكون، ومصادرة مقدرات الأرض دون تقاسمها مع "الآخرين" أو من يُنظر إليهم في الأدبيات الشوفينية الصهيونية بوصفهم "أغياراً" أي "غوييم" يأذن كل من "التوراة" و"التلمود" المُصَهينين لليهود بإبادتهم.
وسيكون للأسلحة الفتاكة والبرمجيات التي ينتجها هذا العقل الأداتي الظلامي الشرير أنْ تتكفل بالإبادة المادية الجسدية للشعوب المستهدفة، من جهةٍ أولى، وبالإطباق الرَّقمي والتَّحكم الشَّامل، على مقدرات العالم، وخيرات أوطانه، ومصائر شعوبه، من جهةٍ ثانيةٍ، وذلك في تلازم توحشي متصلٍ لم تعد الإنسانيةُ، في ظلِّ ما تشهده من إجرامٍ يحدث بلا انقطاعٍ في فلسطين، وفي بلاد الشرق، في حاجة إلى جمع أدلة على توظيف الصهيونية لكليهما لاقتراف أبشع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ في سياق السعي المحموم للاستيلاء على أوطان الشعوب وتحويلها إلى أحياز جغرافية مهيمن عليها بالكامل من قبلِ إمبراطورية الشَّر الرأسمالية الصهيونية المعولمة.
وجليٌّ الآن، في ظل استمرار شن الحروب الرأسمالية الاستعمارية الصهيونية الغربية في الشرق الأوسط على نحوٍ لم ينقطع منذ توقف الحرب العالمية الثانية، وفي تلازم مع تتابع بثِّ الإعلانات الصهيونية الإسرائيلية والأمريكية الرسمية الهادفة إلى تسويغ هذه الحروب الاستعمارية العدوانية التدميرية الإبادية، أنَّ الأهداف الجيوسياسية الرأسمالية التي تتوخاها "الإمبراطورية الصُّهيونية العظمى"، المُغفلة الحدود، تتطابق، على نحو كُلِّيٍّ، مع النُّبوءات الأسطورية الدينية التي يزخر بها النَّص "التلمودي" متابعاً في ذلك مثيله "التوراة"؛ حيث الحدود الموعودة لأرض إسرائيل، وإمبراطوريته الشاسعة، ليست خطوطاً على خارطة، وإنما هي الكون بأسره وذلك تحت مُسَمىً يتكرس حضوره عملياً، عبر هذه الحروب العدوانيَّة الإجرامية: "امبراطورية إسرائيل الرأسمالية الصهيونية الاستعمارية العظمى،"، ولعلنا نضيف: "المُعَادية للإنسانيَّة"
التقاء النازية والصهيونية على مُعَاداة الإنسانية
وليس لكائنٍ بشريٍّ سويٍّ ذي عقل إنسانيٍّ يعمل بلا توجيهٍ من قبل عقلٍ أداتيٍّ شرير، أن يدَّعي أن التوأمة الفكرية والاستعمارية التَّوحُّشيَّة بين الرأسمالية والصهيونية لا تعدو أن تكون إلَّا رجماً بالغيب، ذلك أن هذه التوأمة هي الحقيقة الفظيعة التي تنبّه إليها، وأكَّدها، كبار الفلاسفة الغربيين مبكراً. ففي الرابع من ديسمبر من العام 1948، نشرت صحيفة نيويورك تايمز رسالة شهيرة وقّع عليها الفيلسوف والعالم الفيزيائي اليهودي المرموق ألبيرت آينشتاين والفيلسوفة والمُفَكِّرة السياسية اليهودية المرموقة حنة أرندت، وصحفيون وكتاب آخرون، حذَّروا فيها العالم بوضوح من صعود الأحزاب الصُّهيونية الراديكالية اليقينية (مثل حزب حيروت الفاشي)، ووصفوها بأنها: "أحزاب صهيونية وثيقة الصلة في تنظيمها،وأساليبها، وفلسفتها السياسية، وجاذبيتها الاجتماعية، بالمرآة النازية والفاشية".
والحقُّ أننا لم نعد في حاجة لبذل مزيد من الجهد في متابعة التنقيب والبحث والتحليل التَّفكيكيّ المنهجي الرصين لتأكيد الحقيقية الموضوعية الراسخة، والتي ألقى عليها من استغربوها وعجزوا عن نفيها من المؤرخين والباحثين، ثوب المفارقة التاريخية الصارخة الكبرى التي تكمن في حقيقة أن النَّازية والصُّهيونيَّة التقتا على عداء واحد للإنسانيَّة ولليهوديةََ معاً؛ فالَّنازية اضطهدت اليهود بيولوجياً لتأسيس "نقاء العرق"، بينما ناصبتِ الصُّهيونيةُ اليهوديةَ العداءَ، إنسانياً وروحياً، وليس ذلك عبر إفراغ الدِّين من المحتوى الأخلاقيِّ والإنسانيَِ واجب الوجود في أيِّ دين فحسب، وإنما أيضاً عبر تحويل الدِّين اليهودي إلى "قومية استعمارية رأسمالية توحُّشِيَّة مُعَاديَّة للإنسانيَّة".
كانت المفكرة حنة أرندت قد كتبت في دراستها "إعادة النظر في الصُّهيونية" الصادرة في العام (1945)، مكررة ما سبق أن قالته في كتابها المرحعيِّ "أُسس الشمولية" محذرةً من أن تبني الصهيونية نموذج الدولة القومية الشوفينية الإمبريالية سيفضي حتماً إلى تقسيم العالم بشكل عنصريٍّ خطير، وسيؤدي إلى اندلاع صراعات عنصرية مأساوية لا تننتهي. وقد أكدت، فيما بعدُ، ما مُؤداه أنَّ حلَّ المسألة اليهودية على حساب الشعب الفلسطيني، وعن طريق غزو أرضٍ فلسطين واحتلالها، لم يحل مشكلة الأقليات أو عديمي الجنسية، ولا مشكلات غيرهم من اليهود الأوربيين، وإنما أسفر عن خلق فئةجديدة من بؤساء اللاجئين (هم اللاجئون الفلسطينيون)، وبذلك جرى حرمان مئات الآلاف من البشر من حقوقهم الأساسية؛ فقد زاد عدد عديمي الجنسية بمقدار ثمانمائة ألف شخص تقريباً (هم الفلسطينيون الذين اقتلعتهم العصابات الصهيونية الإرهابية المُسلَّحة من بيوتهم وحقولهم وبياراتهم ومزارعهم، وطردتهم خارج وطنهم في العام 1948).
وكانت حنَّة أرندت قد أكدت، في رسالة كتبتها من مدينة القدس في العام 1955، أنَّ صدمةً عنيفة قد تملكتها بسبب الممارسات العنصرية التوحشية التي شهدت، بأمََ عينيها، اقترافها من قبل دولة إسرائيل بحق الفلسطينيين الذين تشبثوا بأرضهم عقب حرب الغزو الصهيوني في العام 1948 لوطنهم. فقد كتبت في هذه الرسالة، استخلاصاً أخيراً يقول: "وعلاوةً على ذلك، فإنهم يعاملون العرب، الذين ما زالوا هنا، بطريقة تكفي وحدها لتأليب العالم كله ضد إسرائيل".
وهذه البنية الاستبدالية التصفوية المدعومة بالعقل التقني الرأسمالي هي ما يصفه المؤرخ الإسرائيلي التقدمي إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"؛ مؤكداً أن "الصهيونية مشروع كولونيالي استيطاني يتأسس بنيوياً على نفي الآخر، ومحو وجوده الحضاري الأصيل عبر أدوات الإبادة الحديثة".
وإلى ذلك، فإنًَّ للوقائع وتراكم الأدلة المادية المتواترة بكثافة وبلا انقطاع، أنْ تؤكد انعدام وجود أي فرق جوهري، مهما ضَؤلَ بين قوى الإرهاب العابر للحدود (كداعش والقاعدة) وقوى الاستعمار الاستيطاني الفاشي؛ فالمحرّك والصَّانع الأصلي لكل هذه الحركات المتوحشة واحد: الصهيونية العنصرية، والمنظومة الرأسمالية الإمبريالية، والأجهزة الاستخباراتية، والأنظمة الوظيفية التابعة لها شرقاً وغرباً، والتي تشترك جميعاً في إعادة إنتاج "الكابوس" الصهيوني التَّوحَُشي الذي يستهدف الإنسانية الجوهرية بأسرها بالإبادة الجماعية والإهلاك الكلِّي.
وتكثيفاً استعارياً لكل ما سبق، أجدني مُهيَّئاً للإفصاح عن إدراك جماليٍّ دلاليٍّ استقرَّ في وجداني العميق، من زمن بعيدٍ، مؤداهُ أنَّ لوحة الرَّسام السويسري هنري فوسيلي: "الكابوس" (1781)، في تقديري النقدي المؤصَّل، تجسيدٌ حيويٌّ بصريٌّ جمالي منقطع النظير لجاثوم التوأم (الصُّهيوني-الَّنازي) المتطابق، المسلّح بالعقل الأداتي الرأسمالي الاستعماري الشرير، والرابض بقسوة فوق صدر الإنسانية؛ فهو ذلك الكائن البشري الشيطاني التوحشي الشرير القابض على مقدرات، وموارد، وخيرات، ثالوث الحياة، والوجود، وكوكب الأرض والحاجب النور عن البشرية بأسرها، والمصادر حق الإنسان - أي إنسان ومن أي وطن أو قومية أو ثقافة، أو حضارة، أو عرق أو جنسٍ، أو لغةٍ، أو ديانة كان - في الطمأنينة، والأمن، والاستقرار، والسلام، والحياة الهانئة، فوق أي بقعة من بقاع كوكب الأرض.