ملخص تنفيذي
تبحث هذه الورقة في المسافة بين الأثر الذي أحدثه طوفان الأقصى في المسارات السياسية والاستراتيجية القائمة، وامتداد تفاعلاته إلى مجتمعات وسياقات مختلفة، وإمكان ترجمة هذه الآثار إلى تحولات تاريخية مستدامة.
وتنطلق من حوار فكري شارك فيه كتاب فلسطينيون وعرب، لتطوير إطار تحليلي ينقل النقاش من قراءة الحدث وآثاره إلى مساءلة شروط المستقبل ومآلاته.
تميز الورقة بين ثلاثة مستويات مترابطة: جغرافية الحدث، التي تتناول المواجهة في سياقها المباشر وآثارها الأولية؛ وجغرافية الصدى، التي تبحث امتداد أثر الحدث وتفاعله مع السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية لمجتمعات أخرى؛ وجغرافية التحوّل، التي تختبر ما إذا كان هذا الأثر قد أفضى إلى تغيّر فعلي ومستدام في الوعي أو الممارسة أو المؤسسات أو السياسات. وتتمثل إضافتها المفاهيمية الأساسية في وصل هذه المستويات، والتمييز بين إرباك المسارات القائمة وبناء بدائل لها، وبين اتساع التضامن وحدوث تغيير قابل للاستمرار.
وتطور هذا الإطار بالاستفادة من مساهمات فكرية تتناول السياقين المغربي والسوداني، والعلاقة بين الصورة والشهادة والذاكرة، والقدرة على إنتاج الحياة، وإعادة بناء الفاعلية الوطنية الفلسطينية. كما تناقش واقع غزة وضرورة عدم اختزال الفلسطينيين في صورة المأساة، وتؤكد أن حماية شروط الحياة والوجود ترتبط بالحقوق الوطنية والحرية وتقرير المصير.
وتخلص إلى أن استعادة القضية الفلسطينية مركزيتها في الوعي العالمي، على أهميتها، لا تعني تلقائيا استعادة الفلسطينيين القدرة على التأثير في مآلات قضيتهم. ويتطلب تحويل الصدى إلى أثر سياسي مستدام مشروعا وطنيا فاعلا، ومؤسسات تمثيلية خاضعة للمساءلة، وقدرة على تنظيم الطاقات الفلسطينية، وتضامنا خارجيا يدعم أولويات أصحاب القضية وحقوقهم.
وتقترح الورقة برنامج بحث وعمل يتوزع على ثلاثة مسارات مترابطة: استعادة الفاعلية الوطنية الفلسطينية، وتوثيق آثار الحدث وتقييم التحولات، وتطوير شبكات التضامن العربي والدولي.
وغاية الورقة وصل المعرفة بالفعل، والتمييز بين التغيرات المرصودة والاحتمالات المفتوحة، بما يساعد على تحويل الإمكانات التي أتاحها الحدث إلى مسار يؤسس للحرية وتقرير المصير.
المقال الكامل: طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل
حين يتحول الحوار من قراءة الحدث إلى مساءلة المستقبل
تنطلق هذه الورقة من النقاش الذي أثاره مقال «أبعاد طوفان الأقصى في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي»، وما تلاه من مداخلات شارك فيها كتاب فلسطينيون وعرب. وهي لا تستهدف تلخيص النقاش أو إعادة عرض مواقف المشاركين فيه، بقدر ما تسعى إلى توسيع الأسئلة التي أثارها، ونقل الحوار من قراءة دلالات الحدث وآثاره إلى مساءلة شروط المستقبل الذي يمكن أن يفضي إليه.
فلم يعد السؤال مقتصرا على وقائع السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أو على التحولات التي أحدثها طوفان الأقصى في صورة إسرائيل ومكانتها، وفي موقع القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، بل بات يتصل بكيفية التمييز بين ما أحدثه الطوفان من إرباك للمسارات القائمة، وما أثاره من تفاعلات تجاوزت حدوده المباشرة، وما يمكن أن يتحول من هذه الآثار إلى تغيير تاريخي مستدام.
وتنبع أهمية الحوار من أنه يتيح الانتقال من قراءة طوفان الأقصى بوصفه حدثا منفردا إلى بحث العلاقة بين وقوعه، وامتداد أثره إلى مجتمعات وسياقات مختلفة، وإمكان نشوء تحولات جوهرية عنه. فالأحداث الكبرى قد تُحدث تصدعات في مسارات سياسية واستراتيجية قائمة، وتعيد طرح قضايا سعى فاعلون إلى تجاوزها أو تهميشها، وتفتح إمكانات لم تكن حاضرة بالقدر نفسه قبل وقوعها.
غير أن ما يتيحه الحدث لا يتطابق بالضرورة مع ما ينتج عنه؛ فتعطيل مسار قائم لا يعني تلقائيا بناء مسار بديل، واتساع الصدى لا يثبت تحقق التحوّل، واستعادة القضية الفلسطينية مركزيتها في الوعي العالمي لا تعني بالضرورة استعادة الفلسطينيين القدرة على تقرير مآلات قضيتهم.
من هنا، تميز الورقة بين ثلاثة مستويات مترابطة: جغرافية الحدث، وجغرافية الصدى، وجغرافية التحوّل.
تشير جغرافية الحدث إلى المواجهة في سياقها المباشر، وما أحدثته من آثار أولية في فلسطين والمنطقة، وفي المسارات السياسية والاستراتيجية المحيطة بهما.
وتشير جغرافية الصدى إلى امتداد أثر الحدث إلى مجتمعات وسياقات تتجاوز مجاله المباشر، وتفاعله مع ذاكرتها السياسية ومواقفها الأخلاقية وأسئلتها المتعلقة بالدولة والسلطة والسيادة.
أما جغرافية التحوّل، فتتعلق بما إذا كان هذا الأثر قد أفضى إلى تغيير فعلي ومستدام في الوعي أو الممارسة أو المؤسسات أو السياسات، وما الشروط التي تسمح له بالتراكم والتأثير.
وهنا تتمثل الإضافة المفاهيمية الأبرز في الورقة: ليس في مجرد التمييز بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى، بل في وصل هذين المستويين بجغرافية التحوّل، واستخدام هذا الإطار لفحص المسافة بين اتساع التأثير وحدوث التغيير، وبين التحولات في الوعي والمواقف والقدرة على ترجمتها إلى ممارسات ومؤسسات وفاعلية سياسية.
ولا تُستخدم هذه المفاهيم بوصفها أوصافا مكانية منفصلة، ولا باعتبارها مراحل يتبع بعضها بعضا بصورة حتمية، بل بوصفها مستويات تحليلية تساعد على فهم المسافة بين وقوع الحدث ومآلاته. وتؤدي هذه المستويات وظائف تحليلية متمايزة: فجغرافية الحدث تحدد مجال الوقوع وآثاره المباشرة، وجغرافية الصدى تكشف امتداد التأثير وتفاعله مع سياقات مختلفة، أما جغرافية التحوّل فتختبر ما إذا كان هذا التأثير قد تجاوز الاستجابة الآنية إلى تغيير قابل للاستمرار، وفي أي مجالات تحقق ذلك، وما حدوده وشروطه. فقد ينجح الحدث في إرباك مسار استراتيجي من دون أن يفكك البنية التي يستند إليها، وقد يتسع الصدى من دون أن يتحول إلى تغيير في السياسات، وقد تتراكم تحولات في الوعي والمواقف من دون أن تنشأ عنها قدرة منظمة على التأثير.
لذلك، لا يُقاس الصدى باتساع التفاعل وحده، ولا يُستدل على التحوّل بمجرد استمرار التضامن أو تغير الخطاب. بل يتطلب الأمر البحث فيما تغير بالفعل، وكيف حدث، وما العوامل التي أسهمت فيه، وما القيود التي حدّت من نطاقه وانتشاره، وما حدود استمراره وإمكاناته. ويقتضي ذلك التمييز بين التغيرات التي يمكن رصدها والتحقق منها، والتوقعات التي تظل احتمالات مفتوحة، وبين التزامن بين حدث وتغير لاحق، وإثبات العلاقة السببية بينهما.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية؛ إذ ينبغي الفصل بين التحولات التي قد تطرأ على البيئة المحيطة بالقضية، والتحولات التي تصيب قدرة الفلسطينيين أنفسهم على الفعل والتأثير. فتغير الرأي العام العالمي، واتساع مساءلة إسرائيل سياسيا وأخلاقيا وقانونيا، ومراجعة بعض المواقف والسياسات، قد تفتح مجالات جديدة للحركة، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى مكاسب وطنية. ويتوقف استثمار هذه الإمكانات، إلى حد كبير، على قدرة الفلسطينيين على تنظيم طاقاتهم، وبلورة أهدافهم وأولوياتهم، وبناء مؤسسات تمثيلية فاعلة، وربط التحولات الخارجية بمشروع وطني تحرري قادر على مواصلة السعي إلى إحقاق الحقوق.
من هنا، تحتل الفاعلية الفلسطينية موقعا مركزيا في الورقة، بوصفها مسألة مستقلة لا يُغني عنها اتساع هذا التضامن.
فاستعادة القضية الفلسطينية حضورها في الوعي العالمي تطرح سؤالا يتجاوز حجم التأييد الذي تحظى به إلى طبيعة القدرة الفلسطينية على توظيف التحولات المحيطة بها، والتأثير في المسار السياسي لقضيتها.
ومن هذا التمييز تنطلق الورقة في بحث شروط الانتقال من اتساع الصدى إلى إمكان التحوّل.
وتتيح المساهمات التي أثارها الحوار الفكري مقاربة هذه المسافة من زوايا متكاملة. فمساهمة نزهة الإدريسي تفتح سؤال تفاعل الحدث مع الوعي الوطني وقضايا السيادة والعلاقة بين المجتمع والدولة في المغرب. وتوسّع مساهمة هاشم عبد السلام، من السودان، مفهوم جغرافية الصدى إلى مجتمع يعيش حربا داخلية، بما يطرحه ذلك من أسئلة حول استقبال مأساة مجتمع آخر وتفسيرها في ضوء التجربة المحلية والأولويات اليومية.
أما أمين كعابنة، فيلفت إلى ضرورة الانتقال من الصمود بوصفه احتمالا للمعاناة إلى بناء البديل واستمرار المجتمع وإنتاج الحياة، ويطرح أيضا سؤال ما يكشفه الحدث عن المجتمع الذي يستقبله، لا عن أثره فيه وحده. وتتيح مساهمة يحيى بركات مساءلة ما يبقى بعد التعبئة، واحتمال استعادة المسارات القديمة، ودور الصورة والشهادة في تشكيل الوعي والذاكرة. فيما تبرز مساهمة خالد عطية المسافة بين الحدث والوعي من جهة، والقدرة المنظمة وإعادة بناء الفاعلية الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.
لا تتطابق هذه المساهمات في موضوعاتها أو أسئلتها، ولا تؤدي وظيفة واحدة. وتكمن قيمتها في أنها تتيح اختبار الإطار التحليلي من زوايا مختلفة: من علاقة الصدى بالسياق المحلي، إلى حدود التعبئة، ومن استمرار المجتمع إلى بناء القدرة المنظمة، ومن أثر الشهادة والصورة إلى شروط التأثير في المؤسسات والسياسات. ومن ثم، لا تتعامل الورقة معها بوصفها مداخلات متجاورة فحسب، بل بوصفها فرصا لتطوير الإطار التحليلي واستخلاص معرفة جديدة من المقارنة بينها.
بناء على ذلك، تبدأ الورقة بمساءلة العلاقة بين تعطيل المسار الاستراتيجي وإمكان صناعة مآل تاريخي مختلف، ثم تنتقل إلى جغرافية الصدى من خلال حالتي المغرب والسودان، قبل أن تبحث شروط الانتقال من الصدى إلى التحوّل. وبعد ذلك تعيد غزة والواقع الفلسطيني المعيش إلى مركز التحليل، وتناقش العلاقة بين استعادة مركزية القضية الفلسطينية وإعادة بناء المشروع الوطني، وبين الصمود والقدرة على إنتاج الحياة. وتنتقل من ذلك إلى إمكان تحويل التضامن الخارجي إلى قوة مؤثرة، وصولا إلى برنامج بحث وعمل يهدف إلى نقل الأسئلة التي يثيرها الحوار من مستوى التفسير العام إلى مسارات قابلة للدراسة والتقييم والتطوير.
إن السؤال الناظم لهذه الورقة ليس فقط: ماذا غيّر طوفان الأقصى في فلسطين والعالم؟ بل أيضا: ما الذي عطّله؟ وما الذي أثاره من أصداء؟ وما الذي تغير بالفعل؟ وما الشروط اللازمة لتحويل أثره إلى مآل مختلف؟
فالتعطيل قد يفتح المجال أمام احتمالات جديدة، والصدى قد يوسّع مجال التأثير، لكن التحوّل يظل رهينا بالقدرة على بناء أدواته وشروط استمراره.
ومن هنا، تبدأ مساءلة المستقبل بفهم الحدث، لكنها لا تكتمل إلا بالبحث في قدرة الفلسطينيين على تحويل تضحياتهم الجسيمة، وما أتاحه الحدث من إمكانات، إلى مشروع وطني وفعل تاريخي يفتحان أفق الحرية وتقرير المصير.
أولًا: التعطيل الاستراتيجي ليس مآلا تاريخيا
من أبرز ما كشفه طوفان الأقصى، كما يوضح المقال الذي أثار النقاش، قدرته على إرباك مسار استراتيجي كان يتشكل في المنطقة، يقوم على توسيع التطبيع والاندماج الاقتصادي والأمني مع إسرائيل، بالتوازي مع تهميش القضية الفلسطينية ودفعها إلى هامش الحسابات الإقليمية والدولية.
وضع الطوفان هذا المسار أمام اختبار لم يكن متوقعا بهذه الصورة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام السياسي والإعلامي والشعبي. كما كشف أن تهميش القضية ومحاولة تجاوزها من دون معالجة حقوق الشعب الفلسطيني لم يؤدّيا إلى إنهاء الصراع، بل أبقيا تناقضاته الأساسية قائمة وقابلة للانفجار. وبذلك، أعاد الحدث طرح أسئلة بشأن قدرة الترتيبات الإقليمية والدولية التي تسعى إلى تجاوز القضية الفلسطينية على الاستقرار، ما دامت جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني من دون حل.
لكن تعطيل المسار القائم، مهما كانت دلالاته، لا يعني بالضرورة بناء مسار بديل. فالحدث قد يربك حسابات المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وحماته وداعميه، ويكشف حدود قوته، ويضع شرعيته السياسية والأخلاقية والقانونية موضع مساءلة، لكنه لا يؤسس تلقائيا لمعادلة سياسية مختلفة، ولا ينتج وحده نظاما جديدا للعلاقات. فالتصدع في مسار قائم قد يفتح مجالا للمراجعة والتغيير، لكنه قد يكون مؤقتا أيضا، أو قابلا للاحتواء وإعادة إنتاج المسار نفسه بأدوات مختلفة.
ويقتضي ذلك التمييز بين كشف تناقضات المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وبين تفكيك البنية التي يقوم عليها. فقد أعاد الطوفان طرح المسألة الفلسطينية في ساحات كانت تحاول تجاوزها، وأظهر أن الصراع لم يفقد مركزيته لمجرد تراجع حضوره في بعض الحسابات السياسية. غير أن هذا لا يعني أن بنية السيطرة قد تفككت، أو أن بديلا قادرا على إنهائها وتحقيق الحرية أصبح جاهزا. فالمساءلة الدولية، وتراجع شرعية بعض السياسات، واتساع الاعتراض الشعبي، كلها تطورات تستحق الدراسة، لكن أثرها في موازين القوة وفي الواقع الفلسطيني يحتاج إلى فحص وتدقيق.
إن المسافة بين تعطيل المسار وصناعة المآل هي المسافة بين الحدث بوصفه لحظة فاصلة، والعمل التاريخي المنظم بوصفه عملية ممتدة تتطلب رؤية ومشروعا وقدرة على الفعل. ومن دون إدراك هذه المسافة، قد يتحول الاحتفاء بأثر الحدث إلى بديل عن التفكير في شروط استدامة نتائجه، أو إلى افتراض أن التناقضات التي كشفها ستقود بالضرورة إلى زوالها.
لذلك، لا يكفي أن نسأل: ما الذي عطّله الطوفان؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ما الذي يمكن بناؤه على هذا التعطيل؟ ومن القوى القادرة على تحويل التصدعات التي أحدثها إلى تحولات فعلية؟ وكيف يمكن منع إعادة إنتاج المسار السابق بأدوات مختلفة بعد أن تفقد اللحظة الاستثنائية زخمها؟ وما الشروط السياسية والاجتماعية والتنظيمية التي تجعل التغيير ممكنا وقابلا للاستمرار، بدل أن يظل مرتبطا بظرف استثنائي؟
تتصل هذه الأسئلة بما تطرحه مساهمة يحيى بركات بشأن احتمال استعادة المسارات القديمة وما يبقى بعد التعبئة. فإرباك مسار سياسي لا يمنع القوى المستفيدة منه من محاولة استعادته، كما أن تراجع شرعية بعض الممارسات لا يؤدي وحده إلى زوال البنية التي تتيح استمرارها. وقد تترك لحظة التعبئة آثارا طويلة الأمد في الوعي والذاكرة، حتى إذا تراجعت مظاهرها المباشرة، لكن هذا الاحتمال لا يجوز افتراض تحققه من دون دراسة.
وتضيف هذه المساهمة، بذلك، بعدا زمنيا إلى مفهوم التعطيل: فالمسألة لا تتعلق فقط بما يحدث في لحظة الصدمة، بل بما يبقى منها بعد انحسارها، وبقدرة القوى القائمة على احتواء آثارها، وبما إذا كانت التحولات التي أحدثتها قد تركت وراءها معرفة أو ممارسة أو أدوات عمل يصعب التراجع عنها. وهنا يلتقي سؤال ما يبقى بعد التعبئة مع السؤال الأوسع عن قدرة الفاعلين على منع احتواء آثار الحدث وبناء مسارات بديلة.
وعليه، فإن السؤال عن مآلات التعطيل ليس سؤالا عن حجم الصدمة التي أحدثها الطوفان فحسب، بل عن قدرة الفاعلين على تطوير أدوات تجعل التغيير قابلا للتراكم. ويبرز هنا دور المشروع الوطني الفلسطيني، ليس بوصفه نتيجة تلقائية للحدث، بل بوصفه أحد الشروط التي يمكن من خلالها وصل التصدعات التي أحدثها بالفعل السياسي المنظم.
إن تعطيل المسار يفتح المجال أمام احتمالات جديدة، لكنه لا يحسم أيّا منها. وصناعة المآل تتطلب فاعلا قادرا على تحويل الاحتمال إلى فعل يؤسس لمستقبل مغاير. وتظل هذه المهمة مرتبطة باستعادة الفاعلية الوطنية الفلسطينية، وإعادة بناء مشروع وطني تحرري ذي أفق إنساني، مناقض للاستعمار والاستيطان والإحلال، وقادر على وصل تضحيات الشعب الفلسطيني بأهدافه السياسية.
كما ترتبط باستنهاض الحالة العربية والإقليمية والدولية، وتوسيع إمكانات العمل المشترك من أجل عالم أكثر عدلا، لا يُترك فيه تقرير مصير الشعوب رهينا بموازين القوة وحدها.
ثانيًا: من جغرافية الحدث إلى جغرافية الصدى
لم يقتصر صدى طوفان الأقصى على المجال العربي والإسلامي، بل بدا في عدد من المجتمعات الغربية الراعية والداعمة للكيان الصهيوني أوسع وأكثر كثافة من مظاهر التفاعل في المجال العربي والإسلامي نفسه. وقد تجلّى ذلك في الاحتجاجات الشعبية في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وحضور القضية الفلسطينية في النقاش العام، والتحركات الحقوقية والقانونية، ومنها الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
ويثير هذا التفاوت أسئلة لا تتعلق بحجم التفاعل وحده، بل بالسياقات التي تشكّلت فيها الاستجابات، والعوامل التي أتاحت لبعض المجتمعات تحويل مواقفها إلى حراك علني، فيما واجه التعبير عن الموقف في مجتمعات أخرى قيودا سياسية أو اجتماعية مختلفة.
وفي هذا الإطار، تتيح مساهمتا نزهة الإدريسي وهاشم عبد السلام قراءة جغرافية الصدى من خلال سياقين مختلفين: المغرب، حيث تتقاطع الاستجابة للقضية الفلسطينية مع أسئلة التطبيع والسيادة والعلاقة بين المجتمع والدولة؛ والسودان، حيث يتفاعل التضامن مع فلسطين في مجتمع يعيش حربا داخلية، ويواجه تحديات البقاء واستعادة الاستقرار.
ولا تنبع أهمية الحالتين من كونهما تمثلان جميع أنماط الاستجابة، أو من افتراض أن أثر الطوفان فيهما يفوق أثره في غيرهما، بل من اختلاف السياقين وما يتيحانه من إمكانات للمقارنة والتحليل.
1. المغرب: التضامن وأسئلة السيادة والعلاقة بين المجتمع والدولة
تتيح مساهمة نزهة الإدريسي مقاربة الاستجابة المغربية للقضية الفلسطينية من زاوية تتجاوز رصد مظاهر التضامن الشعبي، إلى بحث علاقتها بقضايا التطبيع والسيادة وحدود المشاركة المجتمعية في القرار السياسي. فالتفاعل مع فلسطين لا ينفصل عن السياق الذي تتشكل فيه المواقف، ولا عن العلاقة بين الخيارات الرسمية ومواقف قطاعات من المجتمع.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح التضامن مع الفلسطينيين مدخلا إلى نقاش أوسع بشأن موقع الرأي العام واتجاهاته في المجال العام، وحدود تأثيره في السياسات الرسمية، والعلاقة بين الالتزامات السياسية للدولة والتصورات المجتمعية للعدالة والسيادة. ولا تفترض هذه المقاربة أن المواقف الشعبية تؤدي بالضرورة إلى تغيير القرار، بل تتيح التمييز بين اتساع التعبير المجتمعي، وتأثيره في النقاش العام، وقدرته على إحداث تغيير في الممارسة المؤسسية.
فقد تتسع المواقف المؤيدة لفلسطين وتكتسب حضورا واضحا في المجال العام، من دون أن تقترن بمراجعة مباشرة للسياسات الرسمية. وقد يظهر أثرها في الخطاب العام أو في المبادرات المدنية والثقافية، أو في إبقاء قضايا التطبيع والسيادة موضع نقاش، حتى إن لم يتبلور هذا الأثر في صورة تغيير سياسي مباشر. ويتطلب التمييز بين هذه المستويات دراسة أشكال التعبير والتنظيم، ومضامين الخطاب، وصلات المبادرات المجتمعية بالمؤسسات، والتغيرات التي قد تطرأ عليها بمرور الوقت.
وتتمثل الإضافة التحليلية الأهم هنا في أن الاستجابة في المغرب للقضية الفلسطينية رغم انها تسبق طوفان الأقصى بعقود، إلا أنها بعده لا تكشف فقط الموقف من فلسطين وحده، بل قد تكشف أيضا أسئلة المجتمع الذي يستقبل الحدث وتوتراته الداخلية. فالتفاعل مع فلسطين يتيح بحث تصورات السيادة والتمثيل والمشاركة السياسية، وكيفية فهم العلاقة بين التيارات السياسية والاجتماعية، وبين المجتمع والدولة. وبذلك، تصبح الحالة المغربية مدخلا لدراسة الصدى بوصفه تفاعلا مع قضية تاريخية ذات امتداد جغرافي عابر للحدود، وسياق محلي له قضاياه وأسئلته الخاصة.
غير أن هذه الدلالة لا يمكن استخلاصها من مظاهر التضامن وحدها، ولا يجوز اعتبار الاحتجاجات أو المواقف المعلنة متماثلة، أو دليلا كافيا على حدوث تحول في العلاقة داخل المجتمع، أو بينه وبين والدولة. فذلك يحتاج إلى فحص طبيعة الخطاب العام، وأشكال التنظيم، ومدى استمرار المبادرات، وما إذا كانت قد أثرت في النقاش السياسي أو في الممارسة المؤسسية.
ومن ثم، لا تثبت الحالة المغربية تحقق التحول أو انتفاءه، بل تتيح دراسة المسافة بين وضوح الموقف المجتمعي وقدرته على التأثير في القرار الرسمي.
2. السودان: التضامن في ظل الحرب وتجربة البقاء
تطرح مساهمة هاشم عبد السلام سياقا مختلفا، يتمثل في استقبال المأساة الفلسطينية داخل مجتمع يعيش حربا مدمرة، وما يرافقها من نزوح وفقدان للمساكن ومصادر الرزق، وتراجع للخدمات واضطراب في الحياة العامة. ويجعل هذا السياق دراسة التفاعل مع فلسطين مرتبطة بأسئلة عن كيفية استقبال مجتمع يواجه محنته الخاصة لمأساة تقع خارج حدوده، وعن أثر الخبرة المحلية في فهم الحدث الخارجي ومتابعته.
ولا يعني ذلك تطابق التجربتين الفلسطينية والسودانية، أو أن تشابه بعض مظاهر المعاناة يؤدي إلى استجابات متطابقة. فلكل من الحربين سياقها وأسبابها وفاعلوها وحقوق المتضررين منها. وتكمن أهمية الحالة السودانية في السؤال الذي تطرحه عن العلاقة بين التضامن مع فلسطين والأولويات التي يفرضها العيش في ظل الحرب، بما في ذلك السعي إلى وقفها، وحماية السكان، وصون وحدة البلاد، واستعادة مؤسساتها وشروط الحياة فيها.
ومن هنا، لا يقتصر البحث على معرفة مدى حضور القضية الفلسطينية في المجال العام السوداني، بل يتناول كيفية تفسيرها في ضوء الخبرة المباشرة بالعنف والفقد والنزوح. فما الذي يبرز في استقبال المأساة الفلسطينية لدى مجتمع يعيش حربا داخلية؟ وكيف تتفاعل الذاكرة المحلية مع الصور والشهادات الواردة من غزة؟ وما أثر الانشغال بالأخبار المحلية والاحتياجات اليومية في متابعة القضية الفلسطينية؟ وهل يسهم التشابه في بعض الخبرات الإنسانية في بناء روابط تضامن أعمق، أم تتنافس الأزمات على الانتباه والموارد والقدرة على الفعل؟
لا تسمح المعطيات العامة وحدها بإجابات حاسمة عن هذه الأسئلة؛ فهي تحتاج إلى شواهد وتحليل يراعيان اختلاف التجارب وظروف التعبير عنها. كما ينبغي ألا تتحول الحرب السودانية إلى مجرد خلفية لتفسير الموقف من فلسطين، فهي تجربة قائمة بذاتها، لها أسبابها وفاعلوها واحتياجات مجتمعها، مثلما أن القضية الفلسطينية ترتبط بسياقها الاستعماري وحقوق شعبها الوطنية. وفهم الصدى في هذه الحالة يقتضي احترام خصوصية التجربتين، من دون عزلهما عن الروابط الإنسانية والسياسية التي قد تنشأ بينهما.
وتضيف مساهمة هاشم عبد السلام بُعدا منهجيا إلى دراسة الصدى، إذ تلفت إلى ضرورة الانتقال من تسجيل مظاهر التضامن إلى التحقق من طبيعتها ودلالتها واستمرارها. فلا تكفي الفعاليات الشعبية أو المواقف المعلنة أو نتائج استطلاعات الرأي، كلٌّ على حدة، لتكوين صورة متكاملة عن اتجاهات المجتمع. فالمظاهرة توثق شكلا من أشكال المشاركة في لحظة معينة، وتحليل الخطاب يساعد على فهم المعاني التي يحملها المشاركون، فيما يمكن لاستطلاعات الرأي المنهجية أن تكشف اتجاهات أوسع، شريطة مراعاة طبيعة العينات والأسئلة وتوقيت إجراء الاستطلاع وحدود نتائجه.
وتتمثل الإضافة هنا في الجمع بين البعد السياقي والبعد المنهجي: فالحرب لا تشكل مجرد ظرف محيط بالتفاعل مع فلسطين، بل عاملا ينبغي أخذه في الاعتبار عند تفسير البيانات وتحديد ما يمكن الاستنتاج منها. وبذلك، تفتح الحالة السودانية مجالا لدراسة اختلاف الاستجابات من دون افتراضها مسبقا، وتؤكد ضرورة بناء الاستنتاجات على التوثيق والمقارنة، لا على إسقاط التوقعات على المجتمع.
3. الدلالة المقارنة: من رصد المواقف إلى فهم سياقاتها
تكشف المقارنة بين الحالتين المغربية والسودانية أن التفاعل مع القضية الفلسطينية لا يحمل الدلالة نفسها في جميع المجتمعات.
ففي المغرب، تتيح المساهمة بحث الصلة بين التضامن وأسئلة التطبيع والمصالح والسيادة والعلاقات داخل المجتمع، وبين المجتمع والدولة؛ أما في السودان، فتتيح دراسة أثر الحرب الداخلية في استقبال المأساة الفلسطينية، وتلفت إلى ضرورة مراعاة ظروف البقاء والتعبير والتنظيم عند تفسير مظاهر التضامن.
ولا تستهدف هذه المقارنة ترتيب المجتمعات بحسب مقدار تضامنها، أو تحديد أيّها أكثر استجابة للقضية الفلسطينية، بل فهم العوامل التي تفسر اختلاف التفاعل، والقنوات التي يظهر من خلالها، والقيود التي قد تؤثر في استمراره. كما تساعد على التمييز بين الموقف المعلن، والمعاني التي يحملها، وأشكال الممارسة التي قد تنشأ عنه؛ وهي مستويات مترابطة، لكنها ليست متطابقة. وعلى هذا الأساس، لا تقدم حالتا المغرب والسودان إجابة نهائية عن مآلات الصدى، بل تحددان ما ينبغي أن يتناوله البحث عند الانتقال إلى السؤال التالي: ما الشروط التي تسمح للتفاعلات التي يثيرها الحدث بأن تتجاوز حدود الاستجابة، وتتحول إلى تغيرات مستدامة في الممارسة أو المؤسسات أو السياسات؟
ثالثًا: من جغرافية الصدى إلى جغرافية التحوّل
إذا كانت جغرافية الصدى تتيح فهم كيفية تفاعل الحدث مع مجتمعات وسياقات تتجاوز مجاله المباشر، فإن جغرافية التحوّل تنقل النقاش إلى مستوى آخر: ما الذي تغيّر بالفعل؟ وما طبيعة هذا التغيير وعمقه؟ وهل يمكن أن يستمر ويتراكم ويؤثر في الممارسة أو المؤسسات أو السياسات؟ وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد الانتقال من مساحة جغرافية إلى أخرى، بل بالتمييز بين اتساع الأثر وقدرته على إحداث تغيير مستدام.
قد يترك الحدث أثرا واضحا في الوعي العام، ويعيد قضايا إلى مركز النقاش، ويغيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الصراع أو إلى الجهات الفاعلة فيه.
غير أن تغير الوعي لا يعني بالضرورة تغير السلوك، كما أن تغير السلوك لا يفضي تلقائيا إلى تغيير مؤسسي أو سياسي. وبين هذه المستويات علاقات معقدة تتأثر بالمصالح وبطبيعة المؤسسات، وموازين القوة، وإمكانات التنظيم، والموارد المتاحة، والقيود التي تواجه الفاعلين.
لذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة للتحول. يتمثل المستوى الأول في تغير الوعي والتصورات، بما يشمل مراجعة المواقف السابقة، وتبدل فهم القضية الفلسطينية، واتساع إدراك أبعاد الاستعمار الاستيطاني وتداعياته. أما المستوى الثاني فيتمثل في تحول الوعي إلى ممارسة، من خلال المبادرات المدنية، والعمل الثقافي والإعلامي والحقوقي، وأشكال التنظيم والتضامن المستمر. ويتصل المستوى الثالث بحدوث تغيرات في المؤسسات والسياسات وعلاقات القوة، بما ينعكس في القرارات الرسمية، أو المواقف القانونية والدبلوماسية، أو أنماط العلاقات السياسية والاقتصادية.
ولا تمثل هذه المستويات مراحل متتابعة بالضرورة؛ فقد يحدث تغير في أحدها من دون أن يتبعه تغير مماثل في المستويين الآخرين، وقد تؤثر الممارسة في الوعي، أو تدفع التحولات المؤسسية إلى إعادة تشكيل المجال العام. والمطلوب هو دراسة العلاقة بين هذه المستويات، بدل افتراض أن اتساع الوعي سينتج حتما ممارسة منظمة، أو أن تراكم الممارسة سيقود بالضرورة إلى تغيير سياسي. ومن هنا، يصبح تقييم التحول محتاجا إلى معايير تتجاوز الانطباعات العامة.
أول هذه المعايير طبيعة التغيير: هل يتعلق بخطاب أو موقف عابر، أم بسلوك متكرر، أم بإجراء مؤسسي أو قرار سياسي؟
وثانيها عمق التغيير: هل يقتصر على تعديل محدود، أم يمس الافتراضات والممارسات التي كانت تسند موقفا أو سياسة سابقة؟
وثالثها استمراره: هل يبقى مرتبطا بلحظة الحدث، أم يستمر بعد تراجع التعبئة الإعلامية والشعبية؟
ورابعها إمكان رصده والتحقق منه: هل يمكن الاستدلال عليه من خلال بيانات موثوقة أو ممارسات موثقة أو قرارات معلنة؟
أما خامسها، فهو أثره في القدرة على الفعل: هل أوجد إمكانات جديدة للتنظيم والتأثير، أم بقي في حدود التعبير الرمزي؟
ولا ينبغي استخدام هذه المعايير بصورة آلية أو اختزال التحول في مؤشر واحد. فقد لا تظهر آثار التغير في السياسات مباشرة، لكنها قد تتراكم عبر تغيرات في المعرفة العامة، أو في شرعية الخطاب السياسي، أو في أنماط التنظيم والتضامن. وفي المقابل، قد يبدو تغير رسمي ما كبيرا في ظاهره، من دون أن يمس البنية التي تنتج السياسات أو العلاقات القائمة.
ولذلك، يتطلب التقييم الجمع بين المؤشرات الكمية والشواهد النوعية، ومقارنة النتائج عبر الزمن، والانتباه إلى السياق الذي يحدث فيه التغيير.
ويكتسب البعد الزمني أهمية خاصة؛ فالحكم على التحول في لحظة التعبئة قد يبالغ في تقدير استمراره، بينما قد يؤدي الاقتصار على المؤشرات الفورية إلى إغفال آثار تتضح تدريجيا. ولهذا ينبغي الفصل بين ما يمكن إثباته في الوقت الراهن، وما يُرجّح أن يتطور لاحقا، وما يظل احتمالا يحتاج إلى متابعة.
وتساعد مساهمة يحيى بركات على تعميق هذا السؤال من خلال الاهتمام بما يبقى بعد التعبئة، وبالدور الذي تؤديه الصورة والشهادة في تشكيل الوعي والذاكرة. فالصورة قد تكسر الحواجز التي تفصل الجمهور عن المأساة، وتكشف وقائع يصعب تجاهلها، وتؤثر في اللغة التي يُقدَّم بها الصراع، وفي حدود المقبول أخلاقيا وسياسيا. وقد تصبح الشهادة، بما تحمله من خبرة إنسانية مباشرة، جزءا من ذاكرة جماعية تتجاوز زمن الحدث.
لكن أثر الصورة لا يقاس بانتشارها وحده، ولا يعني تداول الشهادة أن مضمونها سيتحول تلقائيا إلى معرفة راسخة أو ممارسة مستمرة. فالصورة قد تحرك المشاعر، لكنها قد تختزل الواقع أيضا، وقد يستمر تداولها في المجال العام من دون أن ينتج عنه تغير في السياسات أو في القدرة على التأثير. ومن هنا، يقتضي تحليل أثرها التمييز بين الوصول الإعلامي، والاستجابة الوجدانية، والتغير في المعرفة والمواقف، ثم الممارسة والنتائج المؤسسية.
أما مساهمة خالد عطية، فتساعد على نقل النقاش من اتساع الأثر إلى مستويات تحوله وآلياته، وتعيد التأكيد على أن تغير الوعي لا يكفي وحده لإنتاج فاعلية وطنية. ففي الحالة الفلسطينية، لا تكتمل دلالة التحولات الخارجية إلا ببحث علاقتها بقدرة الفلسطينيين على التنظيم والتمثيل وصناعة القرار.
وقد تتسع مركزية القضية عالميا في وقت تظل فيه القدرة الفلسطينية على التأثير محدودة بفعل التشظي وانقسام النظام السياسي، وتآكل الشرعية، وهشاشة الاقتصاد، وضعف المؤسسات، وتعقيدات الواقع السياسي والأمني.
وهنا يتضح أن جغرافية التحوّل لا تقتصر على التغيرات التي تحدث خارج فلسطين، بل تشمل أيضا ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على استثمار البيئة المتغيرة بعد طوفان الأقصى لإعادة بناء أدواتهم السياسية والاجتماعية. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان العالم قد تغير في نظرته إلى فلسطين، بل ما إذا كانت هذه التغيرات تتيح للفلسطينيين أن يتغيروا، ويعوا أن فرصا جديدة متاحة لتوسيع قدرتهم على الفعل لم تكن متاحة قبل الطوفان، وكيف يمكن تحويل هذه الفرص إلى تحول في السياسات والسلوكيات تنتج مكاسب تدعم حقوقهم الوطنية.
وبذلك، لا يُقاس التحول بمدى صدى الحدث، بل بطبيعة ما ينتج عنه، وبقدرته على الاستمرار والتأثير. وهذا التمييز لا يقلل من قيمة الوعي أو التضامن أو الصورة والشهادة، وإنما يحدد ما يلزم لربطها بمسار أوسع من التغيير.
رابعًا: لا يجوز أن تختفي غزة خلف صورتها في العالم
أعاد طوفان الأقصى غزة إلى مركز اهتمام عالمي واسع، وأصبحت الصور والشهادات القادمة منها حاضرة في النقاش العام، وفي الاحتجاجات الشعبية، وفي الخطاب الحقوقي والسياسي. وقد أسهم هذا الحضور في كشف جوانب من المعاناة الفلسطينية، ومساءلة الروايات التي سعت إلى تهميشها أو تبريرها، وإعادة طرح أسئلة بشأن مسؤولية الدول والمؤسسات والجمهور في مواجهة ما يتعرض له الفلسطينيون.
غير أن هذا الحضور، على أهميته، يطرح إشكالا ينبغي الانتباه إليه: هل يصبح أثر فلسطين في وعي العالم أكثر حضورا من حياة الفلسطينيين وحقوقهم وفاعليتهم؟ وهل يمكن أن تصبح غزة، في الوعي الخارجي، صورة للمأساة أكثر منها مجتمعا حيّا؟ وهل يؤدي التركيز على مشاهد القتل والدمار والجوع والنزوح إلى حجب ما تعنيه هذه الوقائع لحياة الناس اليومية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ومستقبلهم في أرضهم؟
ليست غزة مجرد صورة تتداولها وسائل الإعلام، ولا رمزا أخلاقيا يُستدعى في النقاشات السياسية، بل مجتمع يعيش فيه الناس ويعملون ويتعلمون ويكوّنون الأسر ويحافظون على علاقاتهم وذاكرتهم ومؤسساتهم. ولذلك، فإن النظر إليها من خلال صور الدمار وحدها، مهما كانت ضرورية لكشف حجم المأساة، قد يختزل الفلسطينيين في موقع الضحية، ويربط حضورهم في المجال العام بما يتعرضون له من عنف، بدل الاعتراف بهم أصحابَ حقوق وإرادة وقدرة على الفعل.
ولا ينفصل الاعتراف بالمأساة عن الاعتراف بالحياة التي تتعرض للتدمير. فالمسألة لا تقتصر على عدد الضحايا أو حجم الدمار أو مدى انتشار الصور، بل تشمل فقدان المساكن ومصادر الرزق، والعوز والجوع، وتعطل التعليم والرعاية الصحية، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع إمكان الوصول إلى الخدمات الأساسية. كما تشمل الصعوبات التي يواجهها الناس في رعاية الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، والحفاظ على علاقاتهم وذاكرتهم، وصون مجتمعهم من التفكك.
ومن هنا، تقتضي استعادة غزة إلى مركز التحليل الانتقال من سؤال كيف يراها العالم إلى سؤال كيف يعيش أهلها، وما الذي يحتاجون إليه للحفاظ على وجودهم واستعادة قدرتهم على بناء مستقبلهم.
وتلتقي هذه المقاربة مع ما تطرحه مساهمة أمين كعابنة بشأن الأرض وإنتاج الحياة. فالأرض ليست مجرد موضوع للسيادة أو رمز للهوية، على الرغم من أهميتها السياسية والتاريخية، بل هي المجال الذي يمارس فيه المجتمع قدرته على الاستمرار وإعادة بناء شروط وجوده. ومن ثم، فإن الدفاع عن الحق الفلسطيني في الأرض لا يقتصر على رفض الاستيلاء عليها أو تهجير سكانها، بل يشمل حماية إمكان العيش فيها، واستعادة شروط السكن والعمل والتعليم والصحة والأمان، وصون الروابط التي تجعل منها فضاء اجتماعيا حيّا. وبهذا المعنى، لا يكون الحفاظ على الأرض منفصلا عن الحفاظ على المجتمع الذي يعيش عليها، ولا تكون استعادة الحقوق مكتملة من دون العمل على استعادة شروط الحياة. ولا يقتصر هذا الاعتبار على قطاع غزة، بل يشمل الوجود الفلسطيني بتنوعه الجغرافي والاجتماعي: الفلسطينيين في مناطق عام 1948، وفي الضفة الغربية والقدس، وفي المخيمات والقرى والبادية، وفي الشتات. فلكل سياق تحدياته الخاصة، لكن هذه التحديات ترتبط بحق الشعب الفلسطيني في البقاء والحرية وتقرير المصير، وبضرورة الحفاظ على روابطه الاجتماعية والوطنية، وعدم اختزال وجوده في مكان واحد، أو صورة واحدة، أو تجربة واحدة.
وتكشف هذه المسألة أحد حدود الخطاب التضامني حين ينشغل بما تمثله غزة للعالم، ولا يمنح ما يحتاج إليه أهلها لمواصلة الحياة المكانة نفسها. فالتضامن لا ينبغي أن يجعل الفلسطينيين موضوعا للشفقة أو مادة لإثارة المشاعر، بل ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بهم أصحابَ حقوق، وأن يستجيب لأولوياتهم واحتياجاتهم، وأن يساند قدرتهم على اتخاذ القرار بشأن مستقبلهم. ولا يعني ذلك إهمال صورة الضحية أو التقليل من شأن المعاناة؛ فالمأساة حقيقة ينبغي توثيقها ومساءلة المسؤولين عنها. لكن اختزال الفلسطينيين فيها يحجب تعدد تجاربهم واحتياجاتهم وقدرتهم على الفعل.
كما أن الاحتفاء بالصمود، إذا انفصل عن الحقوق وشروط الحياة، قد يتحول من الاعتراف بقدرة الناس على مواجهة التدمير إلى تطبيع غير مقصود مع استمرار معاناتهم.
وعليه، فإن المعيار ليس مقدار ما تحظى به غزة من اهتمام عالمي فحسب، بل ما إذا كان هذا الاهتمام يسهم في حماية حقوق أهلها، وصون وجودهم على أرضهم، واستعادة شروط حياتهم، ودعم قدرتهم على تقرير مستقبلهم. فالصورة قد تفتح باب المعرفة والتضامن، لكنها لا تغني عن العمل الذي يحمي المجتمع ويستجيب لاحتياجاته.
وتكمن أهمية الصدى العالمي، في نهاية المطاف، في قدرته على الانتقال من التفاعل مع المأساة بوصفها حدثا مرئيا، إلى مساندة الفلسطينيين في مواصلة حياتهم في مختلف مناطق تواجدهم داخل الوطن وخارجه، واستعادة حقوقهم، والمشاركة في صناعة مستقبلهم
خامسًا: استعادة مركزية القضية الفلسطينية وإعادة بناء المشروع الوطني
أعاد طوفان الأقصى القضية الفلسطينية إلى موقعها المستحق على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي، وأظهر أن تجاوزها أو تهميشها لم ينه الصراع ولم يسقط حقوق الشعب الفلسطيني، بل يبقي عليها صاعق تفجير تتجاوز تأثيراته الشعب الفلسطيني وتمتد لكامل الإقليم والعالم.
غير أن استعادة المركزية في الخطاب العربي والإقليمي والعالمي لا تعني بالضرورة استعادة القدرة الفلسطينية على التأثير في المآلات السياسية.
فهناك فرق بين أن يصبح العالم أكثر انشغالا بفلسطين، وبين أن يمتلك الفلسطينيون الأدوات التي تمكّنهم من تحويل هذا الاهتمام إلى تقدم فعلي نحو الحرية وتقرير المصير.
وهذا الفرق يجعل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني أولى الأولويات الفلسطينية، وأحد القضايا الأساسية التي يطرحها النقاش. فالمشروع الوطني ليس مجرد خطاب جامع أو استعادة لشعارات تاريخية، بل إطار سياسي يحدد الأهداف والأولويات، وينظم العلاقة بين مكونات الشعب الفلسطيني، ويتيح التمثيل والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرار، ويربط النضال الوطني بقدرة المجتمع على الاستمرار وبناء مؤسساته.
وقد كشفت التحولات التي أعقبت الطوفان عن أهمية هذا السؤال، ليس لأن الحدث يحسم مسبقا طبيعة المشروع المطلوب، بل لأنه يجعل المسافة بين مركزية القضية والقدرة على الفعل أكثر وضوحا. فالمجتمعات والحركات المتضامنة قد تسهم في توسيع المجال السياسي والأخلاقي المتاح لفلسطين، لكن هذه الفرص لا تتحول تلقائيا إلى استراتيجية فلسطينية متماسكة. ويتطلب استثمارها وجود رؤية وطنية قادرة على تحديد ما ينبغي تحقيقه، وترتيب الأولويات، وبناء أشكال من العمل تتجاوز الاستجابة المؤقتة للحدث.
ويبدأ ذلك باعادة وصل الشعب الفلسطيني بالسياسة، ومراجعة العلاقة بينه وبين مؤسساته التمثيلية والسياسية. ففاعلية المشروع الوطني تتطلب مؤسسات تتمتع بالشرعية، وتتيح المشاركة والمساءلة، وتستوعب التعدد السياسي والاجتماعي، وتربط الفلسطينيين في مواقع وجودهم المختلفة.
كما تتطلب معالجة الانقسام بما يتجاوز الدعوة العامة إلى الوحدة، من خلال بناء آليات عملية لإدارة الاختلاف، وتحديد قواعد اتخاذ القرار، وضمان مشاركة المكونات المختلفة في صياغة الأهداف الوطنية.
ولا تعني الوحدة إلغاء التعدد أو تجاهل الاختلافات في الرؤى والبرامج، بل إيجاد إطار سياسي يتيح إدارتها ضمن أهداف مشتركة، ويمنع تحولها إلى عائق دائم أمام العمل الوطني. فالمشروع الذي لا يستطيع تنظيم الاختلافات داخل المجتمع، أو يفتقر إلى آليات واضحة للمساءلة وتجديد التمثيل، يظل محدود القدرة على تحويل الطاقات الشعبية والتضامن الخارجي إلى فعل منظم.
وهنا تبرز ضرورة إعادة التفكير في المؤسسات والأطر التي تنظم التمثيل الوطني، وفي قدرتها على التعبير عن مجمل الشعب الفلسطيني، لا عن جزء منه فقط. فاستعادة الفاعلية الوطنية لا تتحقق بمجرد إعلان الوحدة، وإنما من خلال إعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وتوفير قنوات المشاركة، وربط القرار السياسي بمساءلة واضحة، وتطوير قدرة مؤسسية على متابعة الأهداف الوطنية وتقييم النتائج.
وتضيف مساهمة خالد عطية إلى هذا النقاش تمييزا أساسيا بين اتساع الوعي بالقضية الفلسطينية وبين القدرة المنظمة على الفعل. فالمركزية العالمية لفلسطين، مهما كانت أهميتها، لا تعوّض ضعف التمثيل أو غياب أدوات القرار، ولا تضمن أن يكون الفلسطينيون قادرين على استثمار التحولات التي تجري حولهم. ومن ثم، فإن السؤال عن أثر الطوفان لا يكتمل إلا بالسؤال عن قدرة المشروع الوطني على تحويل البيئة المتغيرة إلى إمكانات سياسية تخدم الحقوق الوطنية الفلسطينية.
أما مساهمة أمين كعابنة، فتدفع نحو توسيع مفهوم المشروع الوطني بحيث لا يقتصر على التمثيل السياسي أو إدارة الصراع، بل يرتبط أيضا بقدرة المجتمع على الاستمرار وإنتاج الحياة. فالمشروع الذي ينفصل عن احتياجات الناس اليومية، أو يعجز عن حماية مقومات وجودهم، يفقد جانبا أساسيا من قدرته على التعبير عنهم. ولا يمكن فصل إعادة بناء المؤسسات الوطنية عن صون المجتمع الذي يفترض أن تمثله هذه المؤسسات، وعن توفير الشروط التي تمكّن الناس من المشاركة في الحياة العامة وصناعة مستقبلهم.
ويترتب على ذلك أن إعادة بناء المشروع الوطني لا ينبغي أن تُختزل في إصلاح المؤسسات السياسية وحدها، كما لا يمكن اختزالها في توفير الاحتياجات الاجتماعية بمعزل عن الحقوق الوطنية. فالحياة اليومية للفلسطينيين والحقوق السياسية والتاريخية ليست مسارات متنافسة؛ إذ تتطلب حماية المجتمع في ظل الاستعمار والاستيطان رؤية تربط بين صون الوجود، وبناء المؤسسات، وإنهاء السيطرة الاستعمارية، وتحقيق الحرية وتقرير المصير.
ومن هنا، فإن استثمار لحظة المركزية يتطلب تحويل ما أتاحته من معرفة وتضامن إلى موارد مستدامة للعمل الوطني والحقوقي والسياسي. ويشمل ذلك تطوير أدوات التوثيق والمساءلة، وتعزيز التواصل مع الحركات والمؤسسات المتضامنة، وربط الجهود الخارجية بالأولويات التي يحددها الفلسطينيون، وعدم ترك العلاقة بالقضية رهينة موجات الاهتمام الإعلامي أو الاستجابة العاطفية.
ولا يعني هذا أن المشروع الوطني الفلسطيني يستطيع التحكم في جميع العوامل الخارجية أو تجاوز اختلال موازين القوة بمجرد إعادة تنظيم نفسه. لكنه يعني أن القدرة على التأثير تتطلب وجود فاعل وطني قادر على تحديد أهدافه، وتنظيم موارده، وإدارة اختلافاته، وبناء تحالفاته وعلاقاته الخارجية على أساس من الوضوح والاستقلالية والمساءلة. فالتضامن الدولي يوسع مجال الحركة، لكنه لا يحل محل المشروع الوطني، مثلما أن المشروع الوطني لا يستغني عن بناء علاقات تضامن تستند إلى الحقوق والعدالة والمصالح المشتركة.
سادسًا: من الصمود إلى القدرة على إنتاج الحياة
يحتل الصمود موقعا مركزيا في التجربة الفلسطينية، بوصفه تعبيرا عن التمسك بالأرض والحقوق والوجود في مواجهة الاستعمار والاستيطان والحصار والقتل والتدمير والتهجير والتجويع.
غير أن الصمود، إذا اقتصر على احتمال الألم أو البقاء في ظروف قاسية، لا يكفي وحده لوصف ما يحتاج إليه المجتمع الفلسطيني أو لتحديد أفق العمل من أجل المستقبل. فالمطلوب ليس استمرار صمود الناس في مواجهة المعاناة فحسب، بل تمكينهم بحماية قدرتهم على مواصلة الحياة وإعادة بنائها، وصون شروط وجودهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ولا يعني ذلك الانتقاص من قيمة الصمود أو من المعاني الوطنية والإنسانية التي يحملها، بل توسيع دلالته وربطه بالشروط التي تجعله قابلا للاستمرار. فالصمود ليس صفة مجردة يمتلكها المجتمع بمعزل عن ظروفه، وإنما يتأثر بتوافر مقومات الحياة والسكن والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والعمل والأمان، وبوجود شبكات اجتماعية ومؤسسات قادرة على الاستجابة للحاجات، وتنظيم الموارد وحماية الفئات الأكثر تعرضا للمخاطر.
وفي الحالة الفلسطينية، تتضح أهمية هذا التمييز في ضوء ما يتعرض له قطاع غزة من تدمير واسع للبنية العمرانية والخدمات الأساسية، وما يواجهه الفلسطينيون في المخيمات والقرى والبادية في الضفة الغربية والنقب والجليل من تهديدات تمس استقرار حياتهم، ومن قيود على الحركة والعمل والوصول إلى الأرض والموارد، ومن قدرتهم على التخطيط للمستقبل. وما يعانيه الفلسطينيون في مخيمات الشتات من تهديدات أمنية وحصار وقيود وتقليص للخدمات الأساسية التعليمية والصحية التي تقدمها الأونروا.
فصمود الشعب الفلسطيني في ظل هذه الظروف لا يتحقق بالخطاب وحده، بل يتطلب رؤى واستراتيجيات ومبادرات وموارد ومؤسسات وعلاقات اجتماعية قادرة على حماية الحياة وإعادة إنتاجها. ويتطلب ذلك نقل النقاش من الصمود بوصفه موقفا في مواجهة المعاناة، إلى الصمود بوصفه قدرة اجتماعية على الاستمرار والبناء. فالمجتمع لا يحافظ على وجوده من خلال الرفض والمقاومة وحدهما، مهما كانت أهميتهما، بل من خلال قدرته على إعادة تنظيم حياته، وحماية روابطه، واستعادة أنشطته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبناء البدائل التي تمكّنه من مواجهة محاولات تدميره أو اقتلاعه. ويقتضي هذا المنظور التمييز بين ثلاثة أمور مترابطة:
الأول هو استمرار المجتمع، بما يشمل حماية الناس ومقومات وجودهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
والثاني هو إنتاج الحياة وبناء البديل، أي استعادة الخدمات والمؤسسات ومصادر الرزق، وتطوير أشكال من التنظيم والتعاون تسمح للمجتمع بمواجهة التدمير وتجاوز آثاره.
أما الثالث فهو التحول السياسي، الذي يتصل بتغيير علاقات القوة وإنهاء السيطرة الاستعمارية وتحقيق الحقوق الوطنية.
ولا يحل أحد هذه المستويات محل الآخر. فاستمرار المجتمع شرط ضروري لبناء البديل، لكنه لا يضمن وحده تحقيق التحول السياسي. كما أن المبادرات التي تساعد على استعادة الحياة وتخفيف المعاناة لا تغني عن النضال من أجل الحقوق وإنهاء أسبابها البنيوية. وفي المقابل، لا يكفي التمسك بالأهداف السياسية الكبرى إذا انفصل عن احتياجات الناس المباشرة وعن حماية قدرتهم على مواصلة الحياة.
وتبرز هنا ضرورة عدم تحويل الصمود إلى مطالبة أخلاقية موجهة إلى الفلسطينيين كي يتحملوا المزيد من المعاناة. فالصمود لا ينبغي أن يصبح مبررا للتقاعس عن توفير شروط الحياة أو لتطبيع الحرمان، كما لا يجوز أن تُحمّل المجتمعات المتضررة وحدها مسؤولية الاستمرار في ظروف تدميرية.
إن الاعتراف بقدرة الفلسطينيين على الصمود ينبغي أن يقترن بالاعتراف بحقهم الجمعي في الحياة الكريمة والأمان والحرية، وبالمسؤولية السياسية والمادية والأخلاقية الجماعية عن مواجهة الظروف التي تجعل استمرار حيات أي منهم محفوفا بهذا القدر من المخاطر.
ومن هنا، فإن إنتاج الحياة ليس بديلا من المقاومة أو من المشروع الوطني، بل أحد أبعاد القدرة على الاستمرار في مواجهتهما.
كما أن إنتاج الحياة لا يمكن اختزاله في إعادة بناء ما دُمّر ماديا. فإعادة الإعمار، على أهميتها، ترتبط أيضا بمسائل الملكية والعودة إلى الأرض، وتوافر الموارد، وحرية الحركة، والسيطرة على شروط البقاء والتنمية، وقدرة الفلسطينيين على تحديد أولوياتهم. وإذا جرت إعادة البناء من دون معالجة الظروف التي تتيح تكرار التدمير أو من دون تمكين المجتمع من تقرير احتياجاته، فقد تستعيد بعض المرافق والخدمات وظائفها، من دون أن تتغير الشروط الأساسية التي تجعل الحياة عرضة للانقطاع والتدمير.
وتقتضي هذه المقاربة النظر إلى المؤسسات المحلية وشبكات التكافل والمبادرات المجتمعية باعتبارها مكونات مهمة في حماية المجتمع، مع الانتباه إلى حدود قدرتها حين تواجه تدميرا واسعا وقيودا سياسية واقتصادية. فلا ينبغي تحميل المبادرات الأهلية ما يتجاوز إمكاناتها، أو اعتبارها بديلا من المسؤوليات العامة والحقوق السياسية، بل فهم دورها ضمن منظومة أوسع تتطلب موارد وتنسيقا ومؤسسات فاعلة.
وتتصل القدرة على إنتاج الحياة أيضا بمستقبل الأجيال الجديدة. فالتعليم والرعاية والصحة والعمل ليست خدمات منفصلة عن المشروع الوطني، بل شروط لتكوين المعرفة والمهارات، وحماية الإمكانات الإنسانية، وضمان مشاركة الفلسطينيين في بناء مجتمعهم. كما أن حماية الذاكرة والثقافة والروابط الاجتماعية تساعد على استمرار المجتمع بوصفه جماعة سياسية لها تاريخ وحقوق وتطلعات، وليس مجرد مجموعة من الأفراد الذين يواجهون آثار الحرب بصورة منفردة.
بهذا المعنى، لا يُقاس الصمود بمدى قدرة الفلسطينيين على تحمل ما يُفرض عليهم من تدمير وحرمان فحسب، بل أيضا بما يتاح لهم من إمكانات لحماية حياتهم، واستعادة مؤسساتهم، وبناء مستقبلهم على أرضهم بحرية وكرامة. وتصبح القدرة على إنتاج الحياة جزءا من معيار التحول نفسه، لأنها تكشف ما إذا كان التغيير يوسع إمكانات المجتمع الفلسطيني في الاستمرار والفعل، أم يتركه محاصرا في شروط البقاء وحدها.
سابعًا: تحويل الصدى إلى قوة مؤثرة
إذا كان الصدى يكشف مدى انتشار أثر طوفان الأقصى وتفاعله مع مجتمعات مختلفة، فإن السؤال العملي يتمثل في كيفية تحويل هذا الأثر إلى قوة قادرة على التأثير. ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى استثمار التضامن الخارجي بصورة عامة فحسب، بل بفهم الشروط التي تسمح بالانتقال من التعاطف إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الممارسة المنظمة، ومن الممارسة إلى أثر يمكن رصده في المجال العام أو في المؤسسات والسياسات.
فالتضامن ليس مستوى واحدا من الفعل. قد يبدأ باستجابة وجدانية أو موقف أخلاقي، ويتخذ شكل احتجاج أو حملة إعلامية أو مبادرة ثقافية أو حقوقية، وقد يتطور إلى شبكات تعاون مستمرة، أو إلى جهود مؤسسية وقانونية وسياسية. لكن هذه الأشكال ليست متكافئة في أهدافها أو أدواتها أو نتائجها، ولا يلزم أن تتطور جميعها على مسار واحد.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس قياس التضامن بحجم الحشود، أو كثافة المنشورات، أو عدد البيانات وحدها، بل فهم ما تؤديه المبادرات المختلفة، وما إذا كانت تسهم في بناء معرفة موثوقة، أو توسيع المشاركة، أو تعزيز القدرة على المساءلة، أو التأثير في قرارات المؤسسات.
وقد تكون لمبادرة صغيرة قيمة تراكمية مهمة إذا استمرت وطورت أدواتها، بينما قد يتراجع أثر فعالية واسعة إذا لم تتصل بمسار لاحق، أو لم تترك وراءها معرفة أو تنظيما أو علاقات قابلة للاستمرار.
ويتطلب تحويل الصدى إلى قوة مؤثرة وضوحا في الأهداف. فالمبادرات التي تتوجه إلى الجمهور العام لا تستخدم بالضرورة الأدوات نفسها التي تستخدمها الحملات الحقوقية، أو جهود التأثير في المؤسسات وصناع القرار. كما تختلف إمكانات العمل باختلاف السياق السياسي والقانوني والاجتماعي؛ فما يمكن تحقيقه في بيئة تسمح بالتظاهر والتنظيم، قد يتطلب وسائل أخرى في بيئة تفرض قيودا على النشاط العام.
ولذلك، لا توجد أداة واحدة صالحة لجميع السياقات، ولا يمكن استنساخ تجربة تضامن من مجتمع إلى آخر من دون مراعاة اختلاف الظروف والقيود. والمهم هو تحديد الهدف، والجمهور المعني، والأدوات الملائمة، والنتيجة التي يُراد تحقيقها، ثم مراجعة ما تحقق في ضوء هذه العناصر.
ويمكن تقييم المبادرات من خلال مجموعة من الأسئلة العملية:
ما القضية المحددة التي تسعى المبادرة إلى معالجتها؟ ومن الجمهور الذي تستهدفه؟ وما المعرفة أو الأدلة التي تستند إليها؟ وهل نجحت في الوصول إلى الجمهور المقصود؟ وهل أسهمت في تغيير فهمه أو مواقفه؟ وهل أنتجت ممارسة مستمرة أو علاقة تعاون جديدة؟ وهل انعكس أثرها في موقف مؤسسة أو قرار أو إجراء؟ وما الذي يمكن تعلمه من النتائج، سواء كانت إيجابية أو محدودة؟
ولا ينبغي أن تتحول هذه الأسئلة إلى معيار ضيق يرفض كل عمل لا ينتج نتيجة سياسية فورية. فالتغيير في المعرفة العامة، وتوثيق الانتهاكات، وبناء شبكات التعاون، وحفظ الذاكرة، وتوسيع المجال المتاح للنقاش، كلها قد تكون مخرجات مهمة، حتى إذا لم تؤدِّ مباشرة إلى تغيير في سياسة رسمية. لكن من الضروري التمييز بين هذه المخرجات وبين النتائج النهائية، حتى لا يُنسب إلى المبادرة ما لم تحققه، أو يُحكم عليها بالفشل لأنها لم تحقق في وقت قصير ما يتطلب تراكما طويلا.
ويتيح هذا التمييز تطوير علاقة أكثر فاعلية بين المبادرات الشعبية والمؤسسات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والسياسية. فالمبادرات الشعبية قد توسع المشاركة وتكشف اتجاهات الرأي العام، فيما تسهم المؤسسات البحثية والحقوقية في التوثيق والتحقق وتحليل الأدلة، وتتيح الشبكات المنظمة تحويل بعض النتائج إلى حملات مستمرة أو جهود قانونية ودبلوماسية. ولا تعمل هذه المستويات تلقائيا في انسجام، لكنها قد تتكامل حين تتضح أهدافها وتُبنى بينها علاقات تعاون ومساءلة.
وتظل الصلة بالفاعلية الفلسطينية معيارا أساسيا في هذا المسار. فالتضامن الأكثر اتساقا مع حقوق الفلسطينيين هو الذي يعترف بهم شركاء في تحديد الأولويات، ويستند إلى ما يعبّرون عنه من احتياجات وأهداف، ولا يحل محلهم في اتخاذ القرار، أو يتعامل معهم بوصفهم موضوعا لحملات الآخرين.
ولا يعني ذلك أن كل مبادرة تضامن يجب أن ترتبط تنظيميا بمؤسسة فلسطينية، أو أن قيمة التضامن تتوقف على وجود تنسيق مباشر في جميع الحالات. بل يعني أن العلاقة بين التضامن والحقوق الفلسطينية تحتاج إلى وعي واضح بموقع الفلسطينيين بوصفهم أصحاب القضية والحقوق، وإلى الحرص على ألا تتحول المبادرات الخارجية إلى مسارات مستقلة تعيد تعريف الأولويات من دون مراعاة الواقع الفلسطيني.
كما يقتضي استمرار الأثر بناء ذاكرة مؤسسية للمبادرات. فكثيرا ما تتراجع الخبرة المتراكمة مع انحسار الفعاليات أو تبدل المشاركين، فتُعاد الأخطاء نفسها وتُفقد المعرفة التي أنتجها العمل السابق. ويمكن الحد من ذلك عبر توثيق المبادرات وأهدافها ونتائجها، وحفظ المواد التي أنتجتها، وتبادل الخبرات بين المجموعات، وتقييم ما نجح وما تعثر، وتحديد المجالات التي تستحق مواصلة العمل فيها.
وبذلك، لا يكون تحويل الصدى إلى قوة مؤثرة مرهونا بحجم التضامن وحده، بل بقدرته على تطوير أشكال مستدامة من المعرفة والتنظيم والتعاون والتأثير. ويحتاج هذا الانتقال إلى أهداف قابلة للتحقق، وأدوات ملائمة للسياقات المختلفة، ومعايير تقييم تراعي الفروق بين المخرجات والنتائج، وآليات للتعلم والتطوير.
ثامنًا: من الحوار الفكري إلى برنامج بحث وعمل
لا تكتمل القيمة التحليلية للحوار بمجرد توضيح الفروق بين الحدث والصدى والتحول، أو بتحديد ما تكشفه المساهمات من زوايا مختلفة، بل تتطلب تحويل الأسئلة التي أثارها النقاش إلى برنامج بحث وعمل يستطيع متابعة التغيرات، وتوثيق الشواهد، واختبار الفرضيات، وتطوير أدوات التأثير.
ولا يعني ذلك الانتقال من التحليل إلى برنامج تنفيذي منفصل عنه، بل بناء صلة واضحة بين كل مشكلة كشفها النقاش وبين مسار مناسب لدراستها أو معالجتها.
فالسؤال عن استمرار الصدى يقتضي أدوات للرصد والمتابعة، والسؤال عن العلاقة بين المواقف الشعبية والسياسات الرسمية يحتاج إلى دراسات مؤسسية ومقارنة زمنية،
والسؤال عن الفاعلية الفلسطينية يتطلب بحثا في التمثيل والمساءلة والتنظيم،
فيما يقتضي سؤال إنتاج الحياة دراسة الاحتياجات الاجتماعية والمادية والمؤسسات القادرة على الاستجابة لها.
ويمكن تنظيم البرنامج في ثلاث مسارات مترابطة: مسار فلسطيني يعنى بإعادة بناء الفاعلية الوطنية، ومسار بحثي يطور المعرفة اللازمة لفهم آثار الطوفان وتقييمها، ومسار عربي ودولي يدرس أشكال التضامن والعلاقة بين المجتمعات والمؤسسات والسياسات.
وتلتقي هذه المسارات في هدف مشترك، هو وصل المعرفة بالقدرة على الفعل، مع الحفاظ على التمييز بين ما يحتاج إلى بحث وتوثيق، وما يتطلب قرارا سياسيا أو عملا مؤسسيا، وما يمكن إنجازه عبر مبادرات المجتمع وشبكات التضامن.
1. المسار الفلسطيني: استعادة الفاعلية الوطنية
يتمثل المسار الأول في إعادة بناء القدرة الفلسطينية على الفعل، من خلال مراجعة بنية المشروع الوطني ومؤسساته التمثيلية، وآليات المشاركة والمساءلة، والانقسام، والصلات السياسية والمجتمعية بين الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. واعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني القادر على معالجة المشكلات وأوجه القصور.
ولا تبدأ هذه المهمة من افتراض أن جميع المشكلات التي تواجه المشروع الوطني ظهرت مع طوفان الأقصى، بل من الاعتراف بأنها سابقة عليه بعقود، وأن الحدث كشف أسئلة كانت قائمة قبله بشأن مرجعية الأهداف وعلاقتها بالحقوق، وأخرى تتعلق بالتمثيل وآلية اتخاذ القرار، وبالخيارات والاستراتيجية والقدرة على التأثير. ومن ثم، ينبغي أن تستند المراجعة إلى فهم تاريخي لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية، بما لها من إنجازات وإسهامات، وما واجهته من إخفاقات وأزمات، وما تتحمل مسؤولية مراجعتها من خيارات وأشكال تنظيم وممارسات سياسية.
ويقتضي ذلك دراسة التحولات التي طرأت على الحركة الوطنية ومؤسساتها عبر مراحلها المختلفة، وتحليل العلاقة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، وبين التغيرات في البيئة الإقليمية والدولية والخيارات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية.
كما يتطلب فحص العوامل الداخلية التي أسهمت في إضعاف التمثيل أو تعميق الانقسام، من دون إغفال القيود التي فرضها الاستعمار الاستيطاني والاحتلال والحصار والتدخلات الخارجية.
ولا تستهدف المراجعة التاريخية إصدار أحكام عامة على التجربة، بل استخلاص معرفة تساعد على تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، وما يحتاج إلى تغيير، وما الدروس التي يمكن أن تدعم بناء مشروع وطني أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات. فالتاريخ هنا مورد للتعلم السياسي، وليس مجرد سجل للإنجازات أو الإخفاقات.
ويتصل بذلك تطوير أطر تمثيلية قادرة على وصل المجتمع بالسياسة، ووصل الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق عام 1948 ببعضهم، ووصلهم بالمخيمات والشتات، مع مراعاة اختلاف أوضاعهم القانونية والسياسية والاجتماعية.
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بالشعارات وحدها؛ إذ يحتاج إلى آليات واضحة للمشاركة، وتحديد الصلاحيات، وتداول المسؤولية، ومساءلة المؤسسات، وضمان أن تكون القرارات الوطنية قابلة للنقاش والمراجعة والمساءلة.
كما ينبغي أن يتضمن المسار تطوير آليات لإدارة التعدد السياسي والاجتماعي، بحيث لا تتحول الاختلافات إلى سبب للإقصاء ولتعطيل العمل الوطني، ولا تُفرض الوحدة على حساب المشاركة والمساءلة.
فالمطلوب إطار مشترك يتيح الاتفاق على الأهداف الأساسية، وإدارة الخلافات بشأن الوسائل والبرامج، وبناء قواعد واضحة لاتخاذ القرار، وآليات شفافة للمساءلة.
ويشمل المسار كذلك ربط الفاعلية السياسية بشروط الحياة اليومية. فإعادة بناء المشروع الوطني لا تقتصر على إصلاح المؤسسات التمثيلية، بل تشمل أيضا تحديد الأهداف انطلاقا من الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، وحماية المجتمع الفلسطيني، وصون مقومات وجوده، وتطوير أشكال العمل التي تساعد الفلسطينيين على الاستمرار في أرضهم وبناء مستقبلهم. وبهذا، تصبح الفاعلية الوطنية مرتبطة بقدرة المشروع على تمثيل الناس وحماية حقوقهم، لا بمجرد وجود هياكل سياسية تحمل أسماء وطنية.
وتتمثل مخرجات هذا المسار في :
صياغة أهداف وأولويات وطنية واضحة،
وإصلاح التمثيل والمساءلة،
وتحديد مجالات العمل المشترك،
وتطوير آليات للتواصل والتفاعل بين مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. ففلسطينيي الشتات يمثلون نصف الشعب الفلسطيني، وليسوا جمهورا متضامنا، وإنما جزء أصيل له ذات الحقوق الوطنية والسياسية، وشريك له حق متساو في صنع القرار وبناء المستقبل.
ووضع معايير لمتابعة التقدم في تعزيز المشاركة ومعالجة الانقسامات.
ولا تُعد هذه المخرجات بديلا من القرار السياسي اللازم لتحقيق التغيير، لكنها تساعد على تحديد مواضع المشكلة، وبناء أرضية معرفية وتنظيمية يمكن الاستناد إليها في عملية اعادة البناء الوطني.
2. المسار البحثي: توثيق الأثر وفهم آليات التحول
يتمثل المسار الثاني في بناء برنامج بحثي يدرس آثار طوفان الأقصى وتفاعلاته على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية، ويتجاوز الانطباعات العامة إلى توثيق التغيرات وتحليلها ومقارنتها عبر الزمن.
ويبدأ هذا العمل بتحديد ما يراد قياسه أو فهمه. فدراسة أثر الحدث في الوعي، تختلف عن دراسة الممارسات الناتجة عنه، وكلتاهما تختلف عن تحليل التغيرات في المؤسسات والسياسات. ومن ثم، ينبغي ألا تُجمع مؤشرات متباينة في مقياس واحد من دون توضيح ما يدل عليه كل منها، أو افتراض أن تغيرا في مستوى واحد يثبت حدوث تغير مماثل في المستويات الأخرى.
ويتطلب البرنامج البحثي توثيق الفعاليات والمواقف والمبادرات، وتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي، ودراسة التغيرات في استطلاعات الرأي حيث تتوافر بيانات موثوقة، ومراجعة القرارات الرسمية والممارسات المؤسسية. كما يتطلب بناء قاعدة بيانات تسمح بمقارنة النتائج عبر فترات زمنية مختلفة، وتوضح مصادر المعلومات وحدودها، وتساعد على التمييز بين التغير المستمر والاستجابة المرتبطة بلحظة معينة.
ولا تقتصر أهمية التوثيق على جمع المواد، بل تشمل التحقق من موثوقيتها، وتحديد سياق إنتاجها، ومراعاة حدود ما تسمح به من استنتاجات. فالبيانات التي تصف اتجاهات الرأي العام تحتاج إلى معرفة منهجية اختيار العينة وصياغة الأسئلة وتوقيت الاستطلاع، كما أن أعداد المشاركين في فعالية عامة لا تكفي وحدها لتقدير اتجاهات المجتمع كله. وينبغي كذلك التمييز بين البيانات التي تصف حدثا محددا، وتلك التي تسمح بمقارنة تغيرات أوسع عبر الزمن.
وتكتسب المقارنة بين المجتمعات أهمية خاصة في هذا السياق. فالحالتان المغربية والسودانية تفتحان أسئلة مختلفة بشأن تفاعل الحدث مع السياقات المحلية، ويمكن أن تشكلا بداية لبرنامج مقارن يشمل مجتمعات عربية وإقليمية ودولية أخرى، بما فيها مجتمعات أوروبية وأمريكية، مع مراعاة اختلاف أنظمتها السياسية والاجتماعية والقانونية. ولا ينبغي أن تستهدف المقارنة ترتيب المجتمعات وفق مقدار التضامن، بل فهم العوامل التي تؤثر في الاستجابة، وأشكال التعبير والتنظيم، والعلاقة بين الرأي العام والسياسات الرسمية.
كما ينبغي أن يتناول البرنامج البحثي دور الصورة والشهادة في تشكيل الوعي والذاكرة، وطرق تداول المواد المرئية وتوثيقها، والعلاقة بين الانتشار الإعلامي واستمرار الاهتمام، وبين الاستجابة الوجدانية والممارسة المنظمة. ويشمل ذلك دراسة الكيفية التي تتحول بها الشهادات إلى مواد للتوثيق والمساءلة، والشروط التي تساعد على حفظها في الذاكرة العامة، والقيود التي قد تؤثر في تلقيها أو تفسيرها.
ويمكن لهذا المسار أن يطور مؤشرات لتقييم التحول، على أن تكون محددة ومتصلة بأسئلة البحث، لا مجرد قائمة عامة من المؤشرات. فمن الممكن، مثلا، التمييز بين مؤشرات تغير المواقف، ومؤشرات استمرار المشاركة، ومؤشرات بناء شبكات العمل، ومؤشرات التأثير في المؤسسات والسياسات. وينبغي تحديد ما يمكن إثباته من كل مؤشر، والفترة الزمنية المناسبة لقياسه، والعوامل الأخرى التي قد تفسر التغير المرصود.
ولا تنفصل هذه المهمة عن سؤال الفاعلية الفلسطينية؛ إذ ينبغي أن يشمل البحث دراسة العلاقة بين التغيرات في البيئة الدولية وقدرة الفلسطينيين على التأثير فيها، وبين أشكال التضامن الخارجي والأولويات التي يحددها الفلسطينيون، وبين استدامة الوعي والقدرة
وتكمن قيمة هذه المخرجات في أنها تجعل النقاش قابلا للمراجعة والتطوير، وتتيح اختبار الاستنتاجات بدل الاكتفاء بتكرارها، وتساعد على تحديد المجالات التي تحتاج إلى مزيد من البحث أو إلى تدخل عملي.
3. المسار العربي والدولي: العلاقة بين المجتمعات والسياسات وشبكات التضامن
يتعلق المسار الثالث بدراسة كيفية تفاعل المجتمعات العربية والدولية مع القضية الفلسطينية، وبحث العلاقة بين المواقف الشعبية والسياسات الرسمية، وبين المبادرات المدنية وأدوات التأثير المؤسسي، وبين شبكات التضامن والأولويات الوطنية الفلسطينية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء التفاوت بين اتساع التضامن الشعبي في بعض المجتمعات، وبين استمرار سياسات رسمية لا تعكس بالضرورة هذه المواقف. ولا ينبغي افتراض أن الرأي العام يؤدي تلقائيا إلى تغيير القرار السياسي؛ فالعلاقة بينهما تتأثر ببنية النظام السياسي، وموازين القوى الداخلية، ومصالح الدولة، والتحالفات الخارجية، وأشكال التنظيم المدني، ومدى قدرة الجمهور على التأثير في المؤسسات.
ومن هنا، يتطلب فهم هذه العلاقة دراسة الحالات على نحو منفصل ومقارن، وتحليل أدوات الضغط المتاحة، والقيود القانونية والسياسية التي تواجهها، والكيفية التي يمكن من خلالها تحويل المواقف المجتمعية إلى نقاشات ومبادرات مؤسسية مستمرة. كما يقتضي عدم اختزال المواقف الرسمية في عامل واحد، أو افتراض أن جميع الدول والمجتمعات تتحرك وفق الحسابات نفسها.
ويشمل هذا المسار دراسة شبكات التضامن القائمة، وأشكال التعاون بين المؤسسات الحقوقية والأكاديمية والثقافية والإعلامية، ودور الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية في توثيق القضية وإيصالها إلى المجال العام. كما يتطلب بحث أدوار المؤسسات الدبلوماسية والبعثات الرسمية والجهات المعنية بالعلاقات الدولية، من دون افتراض أن هذه الجهات تتبنى أهدافا متطابقة أو تمتلك الأدوات نفسها.
ولا يقتصر الهدف على توسيع عدد المبادرات، بل يشمل تحسين قدرتها على التعاون وتبادل المعرفة وتجنب تكرار الجهود. ويمكن أن يساعد توثيق المبادرات ومتابعة نتائجها على تحديد مجالات العمل التي تتطلب تنسيقا أكبر، والمجالات التي تكون فيها المبادرات المستقلة أكثر ملاءمة، والفرص التي تسمح بربط الجهود الشعبية بالمسارات الحقوقية والسياسية.
كما ينبغي أن يظل هذا المسار متصلا بحقوق الفلسطينيين وأولوياتهم. فشبكات التضامن تكتسب قوتها من وضوح الغاية التي تعمل من أجلها، ومن قدرتها على توسيع المجال المتاح للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وليس من مجرد اتساع حضورها أو تنوع أنشطتها. ولذلك، من المهم أن تستند مبادراتها إلى معرفة موثوقة بالواقع الفلسطيني، وأن تميز بين أشكال الدعم التي تعزز قدرة الفلسطينيين على الفعل، وتلك التي قد تعيد إنتاج صورتهم بوصفهم موضوعا للتعاطف وحده.
ويمكن أن تتمثل مخرجات هذا المسار في دراسات دورية للعلاقة بين الرأي العام والسياسات الرسمية، وخرائط لشبكات التضامن ومجالات عملها، وتقارير عن المبادرات والنتائج التي أمكن توثيقها، وأدوات لتبادل الخبرات والتنسيق. وتساعد هذه المخرجات على بناء معرفة تراكمية بشأن شروط التأثير وحدوده، بدل الاعتماد على تقديرات عامة عن اتساع التضامن أو تراجعه.
4. من المسارات الثلاثة إلى برنامج عمل قابل للتقييم
لا تتحول المسارات الثلاثة إلى برنامج عمل لمجرد جمعها في إطار واحد. فهي تحتاج إلى تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وتعيين المخرجات المتوقعة، ووضع أطر زمنية مناسبة، وآليات لمراجعة التقدم وتعديل المسار. ويجب أن تنطلق هذه العملية من المشكلات التي كشفها التحليل، لا من قائمة أنشطة منفصلة عنه.
فالمسار الفلسطيني يحتاج إلى تحديد ما يمكن بحثه وما يتطلب قرارا سياسيا أو إصلاحا مؤسسيا، والمسار البحثي يحتاج إلى أسئلة قابلة للدراسة وأدوات موثوقة لجمع البيانات وتحليلها، أما المسار العربي والدولي فيحتاج إلى تحديد مجالات التأثير الممكنة، وطبيعة الجهات المعنية، والنتائج التي يمكن متابعتها والتحقق منها.
وتضيف مساهمة خالد عطية إلى هذا الجانب ضرورة التمييز بين اتساع الأثر ومستويات تحوله وآلياته. فبدل الاكتفاء بالسؤال عن حجم التضامن أو مدى حضور القضية الفلسطينية، ينبغي تحديد ما إذا كان هذا الحضور قد أدى إلى تغير في المعرفة أو الممارسة، وما إذا كانت الممارسة قد أثرت في مؤسسة أو سياسة، وما إذا كان لهذه التغيرات أثر في قدرة الفلسطينيين على الفعل. ويساعد هذا التمييز على صياغة أهداف أكثر دقة، وتجنب الخلط بين النشاط والنتيجة.
ويمكن تنظيم العمل وفق مراحل مترابطة:
تبدأ المرحلة الأولى بتحديد الأسئلة والأولويات، وجمع ما يتوافر من بيانات موثوقة، وتحديد الثغرات المعرفية والمؤسسية.
وتتجه المرحلة الثانية إلى تنفيذ الدراسات والمبادرات ذات الأولوية، مع توثيق ما يجري وتحديد المسؤوليات والمخرجات.
أما المرحلة الثالثة فتخصص لتقييم النتائج، ومقارنة ما تحقق بالأهداف المحددة، وتحديد أسباب النجاح أو التعثر، ثم تعديل الخطط بناءً على ما تكشفه الخبرة.
ولا ينبغي أن تكون المراحل جامدة أو أن يُفهم التقييم بوصفه إجراء نهائياً يأتي بعد انتهاء العمل. فبعض النتائج يحتاج إلى زمن أطول للظهور، وقد تستدعي الوقائع الجديدة تعديل الأولويات أو تطوير أدوات البحث والتدخل. ومن ثم، ينبغي أن يكون التقييم جزءا من العمل نفسه، وأن يتيح التعلم المستمر، لا أن يقتصر على إصدار أحكام بالنجاح أو الفشل.
وتتطلب قابلية البرنامج للتقييم التمييز بين الأنشطة، والمخرجات، والنتائج، والأثر. فالفعالية أو الدراسة نشاط، والتقرير أو قاعدة البيانات مخرج، والتغير في المعرفة أو الممارسة نتيجة محتملة، أما الأثر الأوسع في المؤسسات والسياسات وعلاقات القوة فقد يحتاج إلى متابعة زمنية طويلة وتحليل لعوامل متعددة.
ويساعد هذا التمييز على عدم المبالغة في تقدير نتائج العمل، وعلى الاعتراف في الوقت نفسه بقيمة المخرجات التي تهيئ لشروط تأثير لاحق.
كما ينبغي أن تتضمن عملية التقييم أسئلة بشأن صلة الأنشطة بالمشكلة التي صُممت لمعالجتها، ومدى وصولها إلى الجمهور المقصود، وجودة المعرفة التي أنتجتها، وقدرتها على بناء تعاون مستمر، ومدى استفادة الجهات المعنية من نتائجها. ولا يقتصر التعلم على المبادرات التي حققت أهدافها؛ فالتعثر نفسه يمكن أن يوفر معرفة مهمة إذا جرى توثيقه وتحليله بدل إخفائه أو تجاوزه.
وتحتاج المسارات الثلاثة كذلك إلى آليات للتواصل وتبادل المعرفة. فالبحث في السياقات المحلية يمكن أن يرفد المبادرات العربية والدولية بفهم أدق لحدود تأثيرها، فيما يمكن أن تكشف خبرات التضامن عن أسئلة بحثية جديدة، ويمكن أن تساعد المراجعات المتعلقة بالفاعلية الوطنية على تحديد أولويات تحتاج إلى معرفة أو توثيق إضافي. ويتيح هذا التفاعل بناء علاقة متبادلة بين المعرفة والعمل، بدل التعامل مع البحث بوصفه نشاطا منفصلا عن الممارسة.
ولا يعني بناء برنامج قابل للتقييم أن جميع جوانب المشروع الوطني أو التضامن أو التحول يمكن تحويلها إلى أرقام.
فبعض التغيرات يحتاج إلى تحليل نوعي، وبعض النتائج لا يمكن نسبتها إلى عامل واحد، وبعض الأهداف السياسية والتاريخية لا تختزل في مؤشرات كمية. لكن وضوح الأسئلة، وتوثيق الأدلة، وتحديد حدود الاستنتاجات، ومراجعة النتائج، كلها تساعد على تحسين جودة القرار والعمل.
وبذلك، يصبح برنامج البحث والعمل امتدادا عمليا للتحليل الذي بدأ بالتمييز بين الحدث والصدى والتحول. فهو يربط كل مستوى بأسئلة وأدوات مناسبة، ويحول الأفكار العامة إلى مجالات يمكن دراستها ومتابعتها، مع الحفاظ على الفرق بين ما يمكن للبحث أن يفسره، وما يحتاج إلى فعل سياسي ومؤسسي، وما يتطلب تعاونا مجتمعيا ودوليا مستمرا.
تاسعًا: من أثر الحدث إلى القدرة على صناعة المآل
يكشف التحليل والمساهمات التي تناولتها هذه الورقة أن طوفان الأقصى لا يمكن فهمه من خلال آثاره المباشرة وحدها، ولا من خلال اتساع التضامن الذي أثاره، ولا من خلال التغيرات التي قد تنتج عنه في الوعي والممارسة والسياسات. فكل مستوى من هذه المستويات يجيب عن سؤال مختلف، ولا يكتمل فهمه من دون النظر إلى علاقته بالمستويين الآخرين.
فقد أظهر الطوفان قدرة على إرباك مسارات إقليمية ودولية سعت إلى تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها، وأعادها إلى مركز اهتمام سياسي وشعبي واسع. لكنه لم يجعل تفكيك البنية الاستعمارية الاستيطانية أمرا تلقائيا، ولم يحسم طبيعة المسار الذي يمكن أن يحل محل المسارات التي أربكها. وبذلك، تظل المسافة قائمة بين تعطيل مسار قائم وصناعة مآل تاريخي مختلف.
وكشف اتساع الصدى، بدوره، أن القضية الفلسطينية تتفاعل مع مجتمعات تتباين في ظروفها السياسية والاجتماعية وتجاربها التاريخية، وأن اتساع الاهتمام بها لا يعني بالضرورة تحوّل هذا الاهتمام إلى تغيير في الممارسة أو السياسات. فالانتقال من الصدى إلى التحوّل يتطلب أكثر من تغير الخطاب أو الوعي؛ إذ يحتاج إلى شروط تتيح تحويل التفاعل إلى أثر مؤسسي وسياسي مستدام، وإلى قدرة فلسطينية منظمة تستطيع التأثير في المآلات.
ولا ينفصل هذا التحوّل عن توفير شروط بقاء الشعب الفلسطيني وأمانه، وحماية الأرض والتماسك الاجتماعي والمؤسسات التي تتيح للمجتمع الاستمرار. كما أن التضامن الخارجي يمكن أن يوسّع مجال الحركة ويعزز المساءلة، لكنه لا يحل محل المشروع الوطني، مثلما أن المشروع الوطني لا يستطيع الاستغناء عن علاقات تضامن تستند إلى الحقوق والعدالة.
ومن هنا، لا يمثل البرنامج البحثي المقترح ملحقا تقنيا بالتحليل، بل استجابة للحاجة إلى الانتقال من الانطباعات العامة إلى معرفة قابلة للمراجعة، تساعد على التمييز بين التغيرات الظاهرة والتحولات المستدامة، وفهم الشروط التي تتيح الانتقال من إرباك المسارات القائمة إلى بناء بدائل مختلفة.
وبذلك، لا تدّعي الورقة أنها تقدم إجابات نهائية عن مآلات الطوفان، بل تقترح إطارا يسمح بتطوير الأسئلة وفهم العلاقات بين مستويات الحدث والصدى والتحوّل. وتتمثل أهمية هذا الإطار في أنه يمنع الخلط بين إرباك المسارات القائمة وبناء البديل، وبين انتشار التضامن واستدامة أثره، وبين استعادة مركزية القضية الفلسطينية واستعادة الفلسطينيين قدرتهم على تقرير مآلاتها.
فالتعطيل يكسر المسار، والصدى يوسّع مجال التأثير، أما التحوّل فيحتاج إلى قدرة تصنع المآل. والمستقبل لا تصنعه آثار الحدث وحدها، بل قدرة الفلسطينيين على تحويل ما أتاحه من إمكانات إلى مشروع وطني وفعل تاريخي منظم يستند الى حقوقهم، ويستثمر التضامن معها، ويفتح أفق الحرية وتقرير المصير.
تبحث هذه الورقة في المسافة بين الأثر الذي أحدثه طوفان الأقصى في المسارات السياسية والاستراتيجية القائمة، وامتداد تفاعلاته إلى مجتمعات وسياقات مختلفة، وإمكان ترجمة هذه الآثار إلى تحولات تاريخية مستدامة.
وتنطلق من حوار فكري شارك فيه كتاب فلسطينيون وعرب، لتطوير إطار تحليلي ينقل النقاش من قراءة الحدث وآثاره إلى مساءلة شروط المستقبل ومآلاته.
تميز الورقة بين ثلاثة مستويات مترابطة: جغرافية الحدث، التي تتناول المواجهة في سياقها المباشر وآثارها الأولية؛ وجغرافية الصدى، التي تبحث امتداد أثر الحدث وتفاعله مع السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية لمجتمعات أخرى؛ وجغرافية التحوّل، التي تختبر ما إذا كان هذا الأثر قد أفضى إلى تغيّر فعلي ومستدام في الوعي أو الممارسة أو المؤسسات أو السياسات. وتتمثل إضافتها المفاهيمية الأساسية في وصل هذه المستويات، والتمييز بين إرباك المسارات القائمة وبناء بدائل لها، وبين اتساع التضامن وحدوث تغيير قابل للاستمرار.
وتطور هذا الإطار بالاستفادة من مساهمات فكرية تتناول السياقين المغربي والسوداني، والعلاقة بين الصورة والشهادة والذاكرة، والقدرة على إنتاج الحياة، وإعادة بناء الفاعلية الوطنية الفلسطينية. كما تناقش واقع غزة وضرورة عدم اختزال الفلسطينيين في صورة المأساة، وتؤكد أن حماية شروط الحياة والوجود ترتبط بالحقوق الوطنية والحرية وتقرير المصير.
وتخلص إلى أن استعادة القضية الفلسطينية مركزيتها في الوعي العالمي، على أهميتها، لا تعني تلقائيا استعادة الفلسطينيين القدرة على التأثير في مآلات قضيتهم. ويتطلب تحويل الصدى إلى أثر سياسي مستدام مشروعا وطنيا فاعلا، ومؤسسات تمثيلية خاضعة للمساءلة، وقدرة على تنظيم الطاقات الفلسطينية، وتضامنا خارجيا يدعم أولويات أصحاب القضية وحقوقهم.
وتقترح الورقة برنامج بحث وعمل يتوزع على ثلاثة مسارات مترابطة: استعادة الفاعلية الوطنية الفلسطينية، وتوثيق آثار الحدث وتقييم التحولات، وتطوير شبكات التضامن العربي والدولي.
وغاية الورقة وصل المعرفة بالفعل، والتمييز بين التغيرات المرصودة والاحتمالات المفتوحة، بما يساعد على تحويل الإمكانات التي أتاحها الحدث إلى مسار يؤسس للحرية وتقرير المصير.
المقال الكامل: طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل
حين يتحول الحوار من قراءة الحدث إلى مساءلة المستقبل
تنطلق هذه الورقة من النقاش الذي أثاره مقال «أبعاد طوفان الأقصى في مسار الصراع مع الاستعمار الاستيطاني والنظام الإقليمي»، وما تلاه من مداخلات شارك فيها كتاب فلسطينيون وعرب. وهي لا تستهدف تلخيص النقاش أو إعادة عرض مواقف المشاركين فيه، بقدر ما تسعى إلى توسيع الأسئلة التي أثارها، ونقل الحوار من قراءة دلالات الحدث وآثاره إلى مساءلة شروط المستقبل الذي يمكن أن يفضي إليه.
فلم يعد السؤال مقتصرا على وقائع السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أو على التحولات التي أحدثها طوفان الأقصى في صورة إسرائيل ومكانتها، وفي موقع القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، بل بات يتصل بكيفية التمييز بين ما أحدثه الطوفان من إرباك للمسارات القائمة، وما أثاره من تفاعلات تجاوزت حدوده المباشرة، وما يمكن أن يتحول من هذه الآثار إلى تغيير تاريخي مستدام.
وتنبع أهمية الحوار من أنه يتيح الانتقال من قراءة طوفان الأقصى بوصفه حدثا منفردا إلى بحث العلاقة بين وقوعه، وامتداد أثره إلى مجتمعات وسياقات مختلفة، وإمكان نشوء تحولات جوهرية عنه. فالأحداث الكبرى قد تُحدث تصدعات في مسارات سياسية واستراتيجية قائمة، وتعيد طرح قضايا سعى فاعلون إلى تجاوزها أو تهميشها، وتفتح إمكانات لم تكن حاضرة بالقدر نفسه قبل وقوعها.
غير أن ما يتيحه الحدث لا يتطابق بالضرورة مع ما ينتج عنه؛ فتعطيل مسار قائم لا يعني تلقائيا بناء مسار بديل، واتساع الصدى لا يثبت تحقق التحوّل، واستعادة القضية الفلسطينية مركزيتها في الوعي العالمي لا تعني بالضرورة استعادة الفلسطينيين القدرة على تقرير مآلات قضيتهم.
من هنا، تميز الورقة بين ثلاثة مستويات مترابطة: جغرافية الحدث، وجغرافية الصدى، وجغرافية التحوّل.
تشير جغرافية الحدث إلى المواجهة في سياقها المباشر، وما أحدثته من آثار أولية في فلسطين والمنطقة، وفي المسارات السياسية والاستراتيجية المحيطة بهما.
وتشير جغرافية الصدى إلى امتداد أثر الحدث إلى مجتمعات وسياقات تتجاوز مجاله المباشر، وتفاعله مع ذاكرتها السياسية ومواقفها الأخلاقية وأسئلتها المتعلقة بالدولة والسلطة والسيادة.
أما جغرافية التحوّل، فتتعلق بما إذا كان هذا الأثر قد أفضى إلى تغيير فعلي ومستدام في الوعي أو الممارسة أو المؤسسات أو السياسات، وما الشروط التي تسمح له بالتراكم والتأثير.
وهنا تتمثل الإضافة المفاهيمية الأبرز في الورقة: ليس في مجرد التمييز بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى، بل في وصل هذين المستويين بجغرافية التحوّل، واستخدام هذا الإطار لفحص المسافة بين اتساع التأثير وحدوث التغيير، وبين التحولات في الوعي والمواقف والقدرة على ترجمتها إلى ممارسات ومؤسسات وفاعلية سياسية.
ولا تُستخدم هذه المفاهيم بوصفها أوصافا مكانية منفصلة، ولا باعتبارها مراحل يتبع بعضها بعضا بصورة حتمية، بل بوصفها مستويات تحليلية تساعد على فهم المسافة بين وقوع الحدث ومآلاته. وتؤدي هذه المستويات وظائف تحليلية متمايزة: فجغرافية الحدث تحدد مجال الوقوع وآثاره المباشرة، وجغرافية الصدى تكشف امتداد التأثير وتفاعله مع سياقات مختلفة، أما جغرافية التحوّل فتختبر ما إذا كان هذا التأثير قد تجاوز الاستجابة الآنية إلى تغيير قابل للاستمرار، وفي أي مجالات تحقق ذلك، وما حدوده وشروطه. فقد ينجح الحدث في إرباك مسار استراتيجي من دون أن يفكك البنية التي يستند إليها، وقد يتسع الصدى من دون أن يتحول إلى تغيير في السياسات، وقد تتراكم تحولات في الوعي والمواقف من دون أن تنشأ عنها قدرة منظمة على التأثير.
لذلك، لا يُقاس الصدى باتساع التفاعل وحده، ولا يُستدل على التحوّل بمجرد استمرار التضامن أو تغير الخطاب. بل يتطلب الأمر البحث فيما تغير بالفعل، وكيف حدث، وما العوامل التي أسهمت فيه، وما القيود التي حدّت من نطاقه وانتشاره، وما حدود استمراره وإمكاناته. ويقتضي ذلك التمييز بين التغيرات التي يمكن رصدها والتحقق منها، والتوقعات التي تظل احتمالات مفتوحة، وبين التزامن بين حدث وتغير لاحق، وإثبات العلاقة السببية بينهما.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية؛ إذ ينبغي الفصل بين التحولات التي قد تطرأ على البيئة المحيطة بالقضية، والتحولات التي تصيب قدرة الفلسطينيين أنفسهم على الفعل والتأثير. فتغير الرأي العام العالمي، واتساع مساءلة إسرائيل سياسيا وأخلاقيا وقانونيا، ومراجعة بعض المواقف والسياسات، قد تفتح مجالات جديدة للحركة، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى مكاسب وطنية. ويتوقف استثمار هذه الإمكانات، إلى حد كبير، على قدرة الفلسطينيين على تنظيم طاقاتهم، وبلورة أهدافهم وأولوياتهم، وبناء مؤسسات تمثيلية فاعلة، وربط التحولات الخارجية بمشروع وطني تحرري قادر على مواصلة السعي إلى إحقاق الحقوق.
من هنا، تحتل الفاعلية الفلسطينية موقعا مركزيا في الورقة، بوصفها مسألة مستقلة لا يُغني عنها اتساع هذا التضامن.
فاستعادة القضية الفلسطينية حضورها في الوعي العالمي تطرح سؤالا يتجاوز حجم التأييد الذي تحظى به إلى طبيعة القدرة الفلسطينية على توظيف التحولات المحيطة بها، والتأثير في المسار السياسي لقضيتها.
ومن هذا التمييز تنطلق الورقة في بحث شروط الانتقال من اتساع الصدى إلى إمكان التحوّل.
وتتيح المساهمات التي أثارها الحوار الفكري مقاربة هذه المسافة من زوايا متكاملة. فمساهمة نزهة الإدريسي تفتح سؤال تفاعل الحدث مع الوعي الوطني وقضايا السيادة والعلاقة بين المجتمع والدولة في المغرب. وتوسّع مساهمة هاشم عبد السلام، من السودان، مفهوم جغرافية الصدى إلى مجتمع يعيش حربا داخلية، بما يطرحه ذلك من أسئلة حول استقبال مأساة مجتمع آخر وتفسيرها في ضوء التجربة المحلية والأولويات اليومية.
أما أمين كعابنة، فيلفت إلى ضرورة الانتقال من الصمود بوصفه احتمالا للمعاناة إلى بناء البديل واستمرار المجتمع وإنتاج الحياة، ويطرح أيضا سؤال ما يكشفه الحدث عن المجتمع الذي يستقبله، لا عن أثره فيه وحده. وتتيح مساهمة يحيى بركات مساءلة ما يبقى بعد التعبئة، واحتمال استعادة المسارات القديمة، ودور الصورة والشهادة في تشكيل الوعي والذاكرة. فيما تبرز مساهمة خالد عطية المسافة بين الحدث والوعي من جهة، والقدرة المنظمة وإعادة بناء الفاعلية الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.
لا تتطابق هذه المساهمات في موضوعاتها أو أسئلتها، ولا تؤدي وظيفة واحدة. وتكمن قيمتها في أنها تتيح اختبار الإطار التحليلي من زوايا مختلفة: من علاقة الصدى بالسياق المحلي، إلى حدود التعبئة، ومن استمرار المجتمع إلى بناء القدرة المنظمة، ومن أثر الشهادة والصورة إلى شروط التأثير في المؤسسات والسياسات. ومن ثم، لا تتعامل الورقة معها بوصفها مداخلات متجاورة فحسب، بل بوصفها فرصا لتطوير الإطار التحليلي واستخلاص معرفة جديدة من المقارنة بينها.
بناء على ذلك، تبدأ الورقة بمساءلة العلاقة بين تعطيل المسار الاستراتيجي وإمكان صناعة مآل تاريخي مختلف، ثم تنتقل إلى جغرافية الصدى من خلال حالتي المغرب والسودان، قبل أن تبحث شروط الانتقال من الصدى إلى التحوّل. وبعد ذلك تعيد غزة والواقع الفلسطيني المعيش إلى مركز التحليل، وتناقش العلاقة بين استعادة مركزية القضية الفلسطينية وإعادة بناء المشروع الوطني، وبين الصمود والقدرة على إنتاج الحياة. وتنتقل من ذلك إلى إمكان تحويل التضامن الخارجي إلى قوة مؤثرة، وصولا إلى برنامج بحث وعمل يهدف إلى نقل الأسئلة التي يثيرها الحوار من مستوى التفسير العام إلى مسارات قابلة للدراسة والتقييم والتطوير.
إن السؤال الناظم لهذه الورقة ليس فقط: ماذا غيّر طوفان الأقصى في فلسطين والعالم؟ بل أيضا: ما الذي عطّله؟ وما الذي أثاره من أصداء؟ وما الذي تغير بالفعل؟ وما الشروط اللازمة لتحويل أثره إلى مآل مختلف؟
فالتعطيل قد يفتح المجال أمام احتمالات جديدة، والصدى قد يوسّع مجال التأثير، لكن التحوّل يظل رهينا بالقدرة على بناء أدواته وشروط استمراره.
ومن هنا، تبدأ مساءلة المستقبل بفهم الحدث، لكنها لا تكتمل إلا بالبحث في قدرة الفلسطينيين على تحويل تضحياتهم الجسيمة، وما أتاحه الحدث من إمكانات، إلى مشروع وطني وفعل تاريخي يفتحان أفق الحرية وتقرير المصير.
أولًا: التعطيل الاستراتيجي ليس مآلا تاريخيا
من أبرز ما كشفه طوفان الأقصى، كما يوضح المقال الذي أثار النقاش، قدرته على إرباك مسار استراتيجي كان يتشكل في المنطقة، يقوم على توسيع التطبيع والاندماج الاقتصادي والأمني مع إسرائيل، بالتوازي مع تهميش القضية الفلسطينية ودفعها إلى هامش الحسابات الإقليمية والدولية.
وضع الطوفان هذا المسار أمام اختبار لم يكن متوقعا بهذه الصورة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام السياسي والإعلامي والشعبي. كما كشف أن تهميش القضية ومحاولة تجاوزها من دون معالجة حقوق الشعب الفلسطيني لم يؤدّيا إلى إنهاء الصراع، بل أبقيا تناقضاته الأساسية قائمة وقابلة للانفجار. وبذلك، أعاد الحدث طرح أسئلة بشأن قدرة الترتيبات الإقليمية والدولية التي تسعى إلى تجاوز القضية الفلسطينية على الاستقرار، ما دامت جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني من دون حل.
لكن تعطيل المسار القائم، مهما كانت دلالاته، لا يعني بالضرورة بناء مسار بديل. فالحدث قد يربك حسابات المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وحماته وداعميه، ويكشف حدود قوته، ويضع شرعيته السياسية والأخلاقية والقانونية موضع مساءلة، لكنه لا يؤسس تلقائيا لمعادلة سياسية مختلفة، ولا ينتج وحده نظاما جديدا للعلاقات. فالتصدع في مسار قائم قد يفتح مجالا للمراجعة والتغيير، لكنه قد يكون مؤقتا أيضا، أو قابلا للاحتواء وإعادة إنتاج المسار نفسه بأدوات مختلفة.
ويقتضي ذلك التمييز بين كشف تناقضات المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وبين تفكيك البنية التي يقوم عليها. فقد أعاد الطوفان طرح المسألة الفلسطينية في ساحات كانت تحاول تجاوزها، وأظهر أن الصراع لم يفقد مركزيته لمجرد تراجع حضوره في بعض الحسابات السياسية. غير أن هذا لا يعني أن بنية السيطرة قد تفككت، أو أن بديلا قادرا على إنهائها وتحقيق الحرية أصبح جاهزا. فالمساءلة الدولية، وتراجع شرعية بعض السياسات، واتساع الاعتراض الشعبي، كلها تطورات تستحق الدراسة، لكن أثرها في موازين القوة وفي الواقع الفلسطيني يحتاج إلى فحص وتدقيق.
إن المسافة بين تعطيل المسار وصناعة المآل هي المسافة بين الحدث بوصفه لحظة فاصلة، والعمل التاريخي المنظم بوصفه عملية ممتدة تتطلب رؤية ومشروعا وقدرة على الفعل. ومن دون إدراك هذه المسافة، قد يتحول الاحتفاء بأثر الحدث إلى بديل عن التفكير في شروط استدامة نتائجه، أو إلى افتراض أن التناقضات التي كشفها ستقود بالضرورة إلى زوالها.
لذلك، لا يكفي أن نسأل: ما الذي عطّله الطوفان؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ما الذي يمكن بناؤه على هذا التعطيل؟ ومن القوى القادرة على تحويل التصدعات التي أحدثها إلى تحولات فعلية؟ وكيف يمكن منع إعادة إنتاج المسار السابق بأدوات مختلفة بعد أن تفقد اللحظة الاستثنائية زخمها؟ وما الشروط السياسية والاجتماعية والتنظيمية التي تجعل التغيير ممكنا وقابلا للاستمرار، بدل أن يظل مرتبطا بظرف استثنائي؟
تتصل هذه الأسئلة بما تطرحه مساهمة يحيى بركات بشأن احتمال استعادة المسارات القديمة وما يبقى بعد التعبئة. فإرباك مسار سياسي لا يمنع القوى المستفيدة منه من محاولة استعادته، كما أن تراجع شرعية بعض الممارسات لا يؤدي وحده إلى زوال البنية التي تتيح استمرارها. وقد تترك لحظة التعبئة آثارا طويلة الأمد في الوعي والذاكرة، حتى إذا تراجعت مظاهرها المباشرة، لكن هذا الاحتمال لا يجوز افتراض تحققه من دون دراسة.
وتضيف هذه المساهمة، بذلك، بعدا زمنيا إلى مفهوم التعطيل: فالمسألة لا تتعلق فقط بما يحدث في لحظة الصدمة، بل بما يبقى منها بعد انحسارها، وبقدرة القوى القائمة على احتواء آثارها، وبما إذا كانت التحولات التي أحدثتها قد تركت وراءها معرفة أو ممارسة أو أدوات عمل يصعب التراجع عنها. وهنا يلتقي سؤال ما يبقى بعد التعبئة مع السؤال الأوسع عن قدرة الفاعلين على منع احتواء آثار الحدث وبناء مسارات بديلة.
وعليه، فإن السؤال عن مآلات التعطيل ليس سؤالا عن حجم الصدمة التي أحدثها الطوفان فحسب، بل عن قدرة الفاعلين على تطوير أدوات تجعل التغيير قابلا للتراكم. ويبرز هنا دور المشروع الوطني الفلسطيني، ليس بوصفه نتيجة تلقائية للحدث، بل بوصفه أحد الشروط التي يمكن من خلالها وصل التصدعات التي أحدثها بالفعل السياسي المنظم.
إن تعطيل المسار يفتح المجال أمام احتمالات جديدة، لكنه لا يحسم أيّا منها. وصناعة المآل تتطلب فاعلا قادرا على تحويل الاحتمال إلى فعل يؤسس لمستقبل مغاير. وتظل هذه المهمة مرتبطة باستعادة الفاعلية الوطنية الفلسطينية، وإعادة بناء مشروع وطني تحرري ذي أفق إنساني، مناقض للاستعمار والاستيطان والإحلال، وقادر على وصل تضحيات الشعب الفلسطيني بأهدافه السياسية.
كما ترتبط باستنهاض الحالة العربية والإقليمية والدولية، وتوسيع إمكانات العمل المشترك من أجل عالم أكثر عدلا، لا يُترك فيه تقرير مصير الشعوب رهينا بموازين القوة وحدها.
ثانيًا: من جغرافية الحدث إلى جغرافية الصدى
لم يقتصر صدى طوفان الأقصى على المجال العربي والإسلامي، بل بدا في عدد من المجتمعات الغربية الراعية والداعمة للكيان الصهيوني أوسع وأكثر كثافة من مظاهر التفاعل في المجال العربي والإسلامي نفسه. وقد تجلّى ذلك في الاحتجاجات الشعبية في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وحضور القضية الفلسطينية في النقاش العام، والتحركات الحقوقية والقانونية، ومنها الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
ويثير هذا التفاوت أسئلة لا تتعلق بحجم التفاعل وحده، بل بالسياقات التي تشكّلت فيها الاستجابات، والعوامل التي أتاحت لبعض المجتمعات تحويل مواقفها إلى حراك علني، فيما واجه التعبير عن الموقف في مجتمعات أخرى قيودا سياسية أو اجتماعية مختلفة.
وفي هذا الإطار، تتيح مساهمتا نزهة الإدريسي وهاشم عبد السلام قراءة جغرافية الصدى من خلال سياقين مختلفين: المغرب، حيث تتقاطع الاستجابة للقضية الفلسطينية مع أسئلة التطبيع والسيادة والعلاقة بين المجتمع والدولة؛ والسودان، حيث يتفاعل التضامن مع فلسطين في مجتمع يعيش حربا داخلية، ويواجه تحديات البقاء واستعادة الاستقرار.
ولا تنبع أهمية الحالتين من كونهما تمثلان جميع أنماط الاستجابة، أو من افتراض أن أثر الطوفان فيهما يفوق أثره في غيرهما، بل من اختلاف السياقين وما يتيحانه من إمكانات للمقارنة والتحليل.
1. المغرب: التضامن وأسئلة السيادة والعلاقة بين المجتمع والدولة
تتيح مساهمة نزهة الإدريسي مقاربة الاستجابة المغربية للقضية الفلسطينية من زاوية تتجاوز رصد مظاهر التضامن الشعبي، إلى بحث علاقتها بقضايا التطبيع والسيادة وحدود المشاركة المجتمعية في القرار السياسي. فالتفاعل مع فلسطين لا ينفصل عن السياق الذي تتشكل فيه المواقف، ولا عن العلاقة بين الخيارات الرسمية ومواقف قطاعات من المجتمع.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح التضامن مع الفلسطينيين مدخلا إلى نقاش أوسع بشأن موقع الرأي العام واتجاهاته في المجال العام، وحدود تأثيره في السياسات الرسمية، والعلاقة بين الالتزامات السياسية للدولة والتصورات المجتمعية للعدالة والسيادة. ولا تفترض هذه المقاربة أن المواقف الشعبية تؤدي بالضرورة إلى تغيير القرار، بل تتيح التمييز بين اتساع التعبير المجتمعي، وتأثيره في النقاش العام، وقدرته على إحداث تغيير في الممارسة المؤسسية.
فقد تتسع المواقف المؤيدة لفلسطين وتكتسب حضورا واضحا في المجال العام، من دون أن تقترن بمراجعة مباشرة للسياسات الرسمية. وقد يظهر أثرها في الخطاب العام أو في المبادرات المدنية والثقافية، أو في إبقاء قضايا التطبيع والسيادة موضع نقاش، حتى إن لم يتبلور هذا الأثر في صورة تغيير سياسي مباشر. ويتطلب التمييز بين هذه المستويات دراسة أشكال التعبير والتنظيم، ومضامين الخطاب، وصلات المبادرات المجتمعية بالمؤسسات، والتغيرات التي قد تطرأ عليها بمرور الوقت.
وتتمثل الإضافة التحليلية الأهم هنا في أن الاستجابة في المغرب للقضية الفلسطينية رغم انها تسبق طوفان الأقصى بعقود، إلا أنها بعده لا تكشف فقط الموقف من فلسطين وحده، بل قد تكشف أيضا أسئلة المجتمع الذي يستقبل الحدث وتوتراته الداخلية. فالتفاعل مع فلسطين يتيح بحث تصورات السيادة والتمثيل والمشاركة السياسية، وكيفية فهم العلاقة بين التيارات السياسية والاجتماعية، وبين المجتمع والدولة. وبذلك، تصبح الحالة المغربية مدخلا لدراسة الصدى بوصفه تفاعلا مع قضية تاريخية ذات امتداد جغرافي عابر للحدود، وسياق محلي له قضاياه وأسئلته الخاصة.
غير أن هذه الدلالة لا يمكن استخلاصها من مظاهر التضامن وحدها، ولا يجوز اعتبار الاحتجاجات أو المواقف المعلنة متماثلة، أو دليلا كافيا على حدوث تحول في العلاقة داخل المجتمع، أو بينه وبين والدولة. فذلك يحتاج إلى فحص طبيعة الخطاب العام، وأشكال التنظيم، ومدى استمرار المبادرات، وما إذا كانت قد أثرت في النقاش السياسي أو في الممارسة المؤسسية.
ومن ثم، لا تثبت الحالة المغربية تحقق التحول أو انتفاءه، بل تتيح دراسة المسافة بين وضوح الموقف المجتمعي وقدرته على التأثير في القرار الرسمي.
2. السودان: التضامن في ظل الحرب وتجربة البقاء
تطرح مساهمة هاشم عبد السلام سياقا مختلفا، يتمثل في استقبال المأساة الفلسطينية داخل مجتمع يعيش حربا مدمرة، وما يرافقها من نزوح وفقدان للمساكن ومصادر الرزق، وتراجع للخدمات واضطراب في الحياة العامة. ويجعل هذا السياق دراسة التفاعل مع فلسطين مرتبطة بأسئلة عن كيفية استقبال مجتمع يواجه محنته الخاصة لمأساة تقع خارج حدوده، وعن أثر الخبرة المحلية في فهم الحدث الخارجي ومتابعته.
ولا يعني ذلك تطابق التجربتين الفلسطينية والسودانية، أو أن تشابه بعض مظاهر المعاناة يؤدي إلى استجابات متطابقة. فلكل من الحربين سياقها وأسبابها وفاعلوها وحقوق المتضررين منها. وتكمن أهمية الحالة السودانية في السؤال الذي تطرحه عن العلاقة بين التضامن مع فلسطين والأولويات التي يفرضها العيش في ظل الحرب، بما في ذلك السعي إلى وقفها، وحماية السكان، وصون وحدة البلاد، واستعادة مؤسساتها وشروط الحياة فيها.
ومن هنا، لا يقتصر البحث على معرفة مدى حضور القضية الفلسطينية في المجال العام السوداني، بل يتناول كيفية تفسيرها في ضوء الخبرة المباشرة بالعنف والفقد والنزوح. فما الذي يبرز في استقبال المأساة الفلسطينية لدى مجتمع يعيش حربا داخلية؟ وكيف تتفاعل الذاكرة المحلية مع الصور والشهادات الواردة من غزة؟ وما أثر الانشغال بالأخبار المحلية والاحتياجات اليومية في متابعة القضية الفلسطينية؟ وهل يسهم التشابه في بعض الخبرات الإنسانية في بناء روابط تضامن أعمق، أم تتنافس الأزمات على الانتباه والموارد والقدرة على الفعل؟
لا تسمح المعطيات العامة وحدها بإجابات حاسمة عن هذه الأسئلة؛ فهي تحتاج إلى شواهد وتحليل يراعيان اختلاف التجارب وظروف التعبير عنها. كما ينبغي ألا تتحول الحرب السودانية إلى مجرد خلفية لتفسير الموقف من فلسطين، فهي تجربة قائمة بذاتها، لها أسبابها وفاعلوها واحتياجات مجتمعها، مثلما أن القضية الفلسطينية ترتبط بسياقها الاستعماري وحقوق شعبها الوطنية. وفهم الصدى في هذه الحالة يقتضي احترام خصوصية التجربتين، من دون عزلهما عن الروابط الإنسانية والسياسية التي قد تنشأ بينهما.
وتضيف مساهمة هاشم عبد السلام بُعدا منهجيا إلى دراسة الصدى، إذ تلفت إلى ضرورة الانتقال من تسجيل مظاهر التضامن إلى التحقق من طبيعتها ودلالتها واستمرارها. فلا تكفي الفعاليات الشعبية أو المواقف المعلنة أو نتائج استطلاعات الرأي، كلٌّ على حدة، لتكوين صورة متكاملة عن اتجاهات المجتمع. فالمظاهرة توثق شكلا من أشكال المشاركة في لحظة معينة، وتحليل الخطاب يساعد على فهم المعاني التي يحملها المشاركون، فيما يمكن لاستطلاعات الرأي المنهجية أن تكشف اتجاهات أوسع، شريطة مراعاة طبيعة العينات والأسئلة وتوقيت إجراء الاستطلاع وحدود نتائجه.
وتتمثل الإضافة هنا في الجمع بين البعد السياقي والبعد المنهجي: فالحرب لا تشكل مجرد ظرف محيط بالتفاعل مع فلسطين، بل عاملا ينبغي أخذه في الاعتبار عند تفسير البيانات وتحديد ما يمكن الاستنتاج منها. وبذلك، تفتح الحالة السودانية مجالا لدراسة اختلاف الاستجابات من دون افتراضها مسبقا، وتؤكد ضرورة بناء الاستنتاجات على التوثيق والمقارنة، لا على إسقاط التوقعات على المجتمع.
3. الدلالة المقارنة: من رصد المواقف إلى فهم سياقاتها
تكشف المقارنة بين الحالتين المغربية والسودانية أن التفاعل مع القضية الفلسطينية لا يحمل الدلالة نفسها في جميع المجتمعات.
ففي المغرب، تتيح المساهمة بحث الصلة بين التضامن وأسئلة التطبيع والمصالح والسيادة والعلاقات داخل المجتمع، وبين المجتمع والدولة؛ أما في السودان، فتتيح دراسة أثر الحرب الداخلية في استقبال المأساة الفلسطينية، وتلفت إلى ضرورة مراعاة ظروف البقاء والتعبير والتنظيم عند تفسير مظاهر التضامن.
ولا تستهدف هذه المقارنة ترتيب المجتمعات بحسب مقدار تضامنها، أو تحديد أيّها أكثر استجابة للقضية الفلسطينية، بل فهم العوامل التي تفسر اختلاف التفاعل، والقنوات التي يظهر من خلالها، والقيود التي قد تؤثر في استمراره. كما تساعد على التمييز بين الموقف المعلن، والمعاني التي يحملها، وأشكال الممارسة التي قد تنشأ عنه؛ وهي مستويات مترابطة، لكنها ليست متطابقة. وعلى هذا الأساس، لا تقدم حالتا المغرب والسودان إجابة نهائية عن مآلات الصدى، بل تحددان ما ينبغي أن يتناوله البحث عند الانتقال إلى السؤال التالي: ما الشروط التي تسمح للتفاعلات التي يثيرها الحدث بأن تتجاوز حدود الاستجابة، وتتحول إلى تغيرات مستدامة في الممارسة أو المؤسسات أو السياسات؟
ثالثًا: من جغرافية الصدى إلى جغرافية التحوّل
إذا كانت جغرافية الصدى تتيح فهم كيفية تفاعل الحدث مع مجتمعات وسياقات تتجاوز مجاله المباشر، فإن جغرافية التحوّل تنقل النقاش إلى مستوى آخر: ما الذي تغيّر بالفعل؟ وما طبيعة هذا التغيير وعمقه؟ وهل يمكن أن يستمر ويتراكم ويؤثر في الممارسة أو المؤسسات أو السياسات؟ وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد الانتقال من مساحة جغرافية إلى أخرى، بل بالتمييز بين اتساع الأثر وقدرته على إحداث تغيير مستدام.
قد يترك الحدث أثرا واضحا في الوعي العام، ويعيد قضايا إلى مركز النقاش، ويغيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الصراع أو إلى الجهات الفاعلة فيه.
غير أن تغير الوعي لا يعني بالضرورة تغير السلوك، كما أن تغير السلوك لا يفضي تلقائيا إلى تغيير مؤسسي أو سياسي. وبين هذه المستويات علاقات معقدة تتأثر بالمصالح وبطبيعة المؤسسات، وموازين القوة، وإمكانات التنظيم، والموارد المتاحة، والقيود التي تواجه الفاعلين.
لذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة للتحول. يتمثل المستوى الأول في تغير الوعي والتصورات، بما يشمل مراجعة المواقف السابقة، وتبدل فهم القضية الفلسطينية، واتساع إدراك أبعاد الاستعمار الاستيطاني وتداعياته. أما المستوى الثاني فيتمثل في تحول الوعي إلى ممارسة، من خلال المبادرات المدنية، والعمل الثقافي والإعلامي والحقوقي، وأشكال التنظيم والتضامن المستمر. ويتصل المستوى الثالث بحدوث تغيرات في المؤسسات والسياسات وعلاقات القوة، بما ينعكس في القرارات الرسمية، أو المواقف القانونية والدبلوماسية، أو أنماط العلاقات السياسية والاقتصادية.
ولا تمثل هذه المستويات مراحل متتابعة بالضرورة؛ فقد يحدث تغير في أحدها من دون أن يتبعه تغير مماثل في المستويين الآخرين، وقد تؤثر الممارسة في الوعي، أو تدفع التحولات المؤسسية إلى إعادة تشكيل المجال العام. والمطلوب هو دراسة العلاقة بين هذه المستويات، بدل افتراض أن اتساع الوعي سينتج حتما ممارسة منظمة، أو أن تراكم الممارسة سيقود بالضرورة إلى تغيير سياسي. ومن هنا، يصبح تقييم التحول محتاجا إلى معايير تتجاوز الانطباعات العامة.
أول هذه المعايير طبيعة التغيير: هل يتعلق بخطاب أو موقف عابر، أم بسلوك متكرر، أم بإجراء مؤسسي أو قرار سياسي؟
وثانيها عمق التغيير: هل يقتصر على تعديل محدود، أم يمس الافتراضات والممارسات التي كانت تسند موقفا أو سياسة سابقة؟
وثالثها استمراره: هل يبقى مرتبطا بلحظة الحدث، أم يستمر بعد تراجع التعبئة الإعلامية والشعبية؟
ورابعها إمكان رصده والتحقق منه: هل يمكن الاستدلال عليه من خلال بيانات موثوقة أو ممارسات موثقة أو قرارات معلنة؟
أما خامسها، فهو أثره في القدرة على الفعل: هل أوجد إمكانات جديدة للتنظيم والتأثير، أم بقي في حدود التعبير الرمزي؟
ولا ينبغي استخدام هذه المعايير بصورة آلية أو اختزال التحول في مؤشر واحد. فقد لا تظهر آثار التغير في السياسات مباشرة، لكنها قد تتراكم عبر تغيرات في المعرفة العامة، أو في شرعية الخطاب السياسي، أو في أنماط التنظيم والتضامن. وفي المقابل، قد يبدو تغير رسمي ما كبيرا في ظاهره، من دون أن يمس البنية التي تنتج السياسات أو العلاقات القائمة.
ولذلك، يتطلب التقييم الجمع بين المؤشرات الكمية والشواهد النوعية، ومقارنة النتائج عبر الزمن، والانتباه إلى السياق الذي يحدث فيه التغيير.
ويكتسب البعد الزمني أهمية خاصة؛ فالحكم على التحول في لحظة التعبئة قد يبالغ في تقدير استمراره، بينما قد يؤدي الاقتصار على المؤشرات الفورية إلى إغفال آثار تتضح تدريجيا. ولهذا ينبغي الفصل بين ما يمكن إثباته في الوقت الراهن، وما يُرجّح أن يتطور لاحقا، وما يظل احتمالا يحتاج إلى متابعة.
وتساعد مساهمة يحيى بركات على تعميق هذا السؤال من خلال الاهتمام بما يبقى بعد التعبئة، وبالدور الذي تؤديه الصورة والشهادة في تشكيل الوعي والذاكرة. فالصورة قد تكسر الحواجز التي تفصل الجمهور عن المأساة، وتكشف وقائع يصعب تجاهلها، وتؤثر في اللغة التي يُقدَّم بها الصراع، وفي حدود المقبول أخلاقيا وسياسيا. وقد تصبح الشهادة، بما تحمله من خبرة إنسانية مباشرة، جزءا من ذاكرة جماعية تتجاوز زمن الحدث.
لكن أثر الصورة لا يقاس بانتشارها وحده، ولا يعني تداول الشهادة أن مضمونها سيتحول تلقائيا إلى معرفة راسخة أو ممارسة مستمرة. فالصورة قد تحرك المشاعر، لكنها قد تختزل الواقع أيضا، وقد يستمر تداولها في المجال العام من دون أن ينتج عنه تغير في السياسات أو في القدرة على التأثير. ومن هنا، يقتضي تحليل أثرها التمييز بين الوصول الإعلامي، والاستجابة الوجدانية، والتغير في المعرفة والمواقف، ثم الممارسة والنتائج المؤسسية.
أما مساهمة خالد عطية، فتساعد على نقل النقاش من اتساع الأثر إلى مستويات تحوله وآلياته، وتعيد التأكيد على أن تغير الوعي لا يكفي وحده لإنتاج فاعلية وطنية. ففي الحالة الفلسطينية، لا تكتمل دلالة التحولات الخارجية إلا ببحث علاقتها بقدرة الفلسطينيين على التنظيم والتمثيل وصناعة القرار.
وقد تتسع مركزية القضية عالميا في وقت تظل فيه القدرة الفلسطينية على التأثير محدودة بفعل التشظي وانقسام النظام السياسي، وتآكل الشرعية، وهشاشة الاقتصاد، وضعف المؤسسات، وتعقيدات الواقع السياسي والأمني.
وهنا يتضح أن جغرافية التحوّل لا تقتصر على التغيرات التي تحدث خارج فلسطين، بل تشمل أيضا ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على استثمار البيئة المتغيرة بعد طوفان الأقصى لإعادة بناء أدواتهم السياسية والاجتماعية. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان العالم قد تغير في نظرته إلى فلسطين، بل ما إذا كانت هذه التغيرات تتيح للفلسطينيين أن يتغيروا، ويعوا أن فرصا جديدة متاحة لتوسيع قدرتهم على الفعل لم تكن متاحة قبل الطوفان، وكيف يمكن تحويل هذه الفرص إلى تحول في السياسات والسلوكيات تنتج مكاسب تدعم حقوقهم الوطنية.
وبذلك، لا يُقاس التحول بمدى صدى الحدث، بل بطبيعة ما ينتج عنه، وبقدرته على الاستمرار والتأثير. وهذا التمييز لا يقلل من قيمة الوعي أو التضامن أو الصورة والشهادة، وإنما يحدد ما يلزم لربطها بمسار أوسع من التغيير.
رابعًا: لا يجوز أن تختفي غزة خلف صورتها في العالم
أعاد طوفان الأقصى غزة إلى مركز اهتمام عالمي واسع، وأصبحت الصور والشهادات القادمة منها حاضرة في النقاش العام، وفي الاحتجاجات الشعبية، وفي الخطاب الحقوقي والسياسي. وقد أسهم هذا الحضور في كشف جوانب من المعاناة الفلسطينية، ومساءلة الروايات التي سعت إلى تهميشها أو تبريرها، وإعادة طرح أسئلة بشأن مسؤولية الدول والمؤسسات والجمهور في مواجهة ما يتعرض له الفلسطينيون.
غير أن هذا الحضور، على أهميته، يطرح إشكالا ينبغي الانتباه إليه: هل يصبح أثر فلسطين في وعي العالم أكثر حضورا من حياة الفلسطينيين وحقوقهم وفاعليتهم؟ وهل يمكن أن تصبح غزة، في الوعي الخارجي، صورة للمأساة أكثر منها مجتمعا حيّا؟ وهل يؤدي التركيز على مشاهد القتل والدمار والجوع والنزوح إلى حجب ما تعنيه هذه الوقائع لحياة الناس اليومية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ومستقبلهم في أرضهم؟
ليست غزة مجرد صورة تتداولها وسائل الإعلام، ولا رمزا أخلاقيا يُستدعى في النقاشات السياسية، بل مجتمع يعيش فيه الناس ويعملون ويتعلمون ويكوّنون الأسر ويحافظون على علاقاتهم وذاكرتهم ومؤسساتهم. ولذلك، فإن النظر إليها من خلال صور الدمار وحدها، مهما كانت ضرورية لكشف حجم المأساة، قد يختزل الفلسطينيين في موقع الضحية، ويربط حضورهم في المجال العام بما يتعرضون له من عنف، بدل الاعتراف بهم أصحابَ حقوق وإرادة وقدرة على الفعل.
ولا ينفصل الاعتراف بالمأساة عن الاعتراف بالحياة التي تتعرض للتدمير. فالمسألة لا تقتصر على عدد الضحايا أو حجم الدمار أو مدى انتشار الصور، بل تشمل فقدان المساكن ومصادر الرزق، والعوز والجوع، وتعطل التعليم والرعاية الصحية، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع إمكان الوصول إلى الخدمات الأساسية. كما تشمل الصعوبات التي يواجهها الناس في رعاية الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، والحفاظ على علاقاتهم وذاكرتهم، وصون مجتمعهم من التفكك.
ومن هنا، تقتضي استعادة غزة إلى مركز التحليل الانتقال من سؤال كيف يراها العالم إلى سؤال كيف يعيش أهلها، وما الذي يحتاجون إليه للحفاظ على وجودهم واستعادة قدرتهم على بناء مستقبلهم.
وتلتقي هذه المقاربة مع ما تطرحه مساهمة أمين كعابنة بشأن الأرض وإنتاج الحياة. فالأرض ليست مجرد موضوع للسيادة أو رمز للهوية، على الرغم من أهميتها السياسية والتاريخية، بل هي المجال الذي يمارس فيه المجتمع قدرته على الاستمرار وإعادة بناء شروط وجوده. ومن ثم، فإن الدفاع عن الحق الفلسطيني في الأرض لا يقتصر على رفض الاستيلاء عليها أو تهجير سكانها، بل يشمل حماية إمكان العيش فيها، واستعادة شروط السكن والعمل والتعليم والصحة والأمان، وصون الروابط التي تجعل منها فضاء اجتماعيا حيّا. وبهذا المعنى، لا يكون الحفاظ على الأرض منفصلا عن الحفاظ على المجتمع الذي يعيش عليها، ولا تكون استعادة الحقوق مكتملة من دون العمل على استعادة شروط الحياة. ولا يقتصر هذا الاعتبار على قطاع غزة، بل يشمل الوجود الفلسطيني بتنوعه الجغرافي والاجتماعي: الفلسطينيين في مناطق عام 1948، وفي الضفة الغربية والقدس، وفي المخيمات والقرى والبادية، وفي الشتات. فلكل سياق تحدياته الخاصة، لكن هذه التحديات ترتبط بحق الشعب الفلسطيني في البقاء والحرية وتقرير المصير، وبضرورة الحفاظ على روابطه الاجتماعية والوطنية، وعدم اختزال وجوده في مكان واحد، أو صورة واحدة، أو تجربة واحدة.
وتكشف هذه المسألة أحد حدود الخطاب التضامني حين ينشغل بما تمثله غزة للعالم، ولا يمنح ما يحتاج إليه أهلها لمواصلة الحياة المكانة نفسها. فالتضامن لا ينبغي أن يجعل الفلسطينيين موضوعا للشفقة أو مادة لإثارة المشاعر، بل ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بهم أصحابَ حقوق، وأن يستجيب لأولوياتهم واحتياجاتهم، وأن يساند قدرتهم على اتخاذ القرار بشأن مستقبلهم. ولا يعني ذلك إهمال صورة الضحية أو التقليل من شأن المعاناة؛ فالمأساة حقيقة ينبغي توثيقها ومساءلة المسؤولين عنها. لكن اختزال الفلسطينيين فيها يحجب تعدد تجاربهم واحتياجاتهم وقدرتهم على الفعل.
كما أن الاحتفاء بالصمود، إذا انفصل عن الحقوق وشروط الحياة، قد يتحول من الاعتراف بقدرة الناس على مواجهة التدمير إلى تطبيع غير مقصود مع استمرار معاناتهم.
وعليه، فإن المعيار ليس مقدار ما تحظى به غزة من اهتمام عالمي فحسب، بل ما إذا كان هذا الاهتمام يسهم في حماية حقوق أهلها، وصون وجودهم على أرضهم، واستعادة شروط حياتهم، ودعم قدرتهم على تقرير مستقبلهم. فالصورة قد تفتح باب المعرفة والتضامن، لكنها لا تغني عن العمل الذي يحمي المجتمع ويستجيب لاحتياجاته.
وتكمن أهمية الصدى العالمي، في نهاية المطاف، في قدرته على الانتقال من التفاعل مع المأساة بوصفها حدثا مرئيا، إلى مساندة الفلسطينيين في مواصلة حياتهم في مختلف مناطق تواجدهم داخل الوطن وخارجه، واستعادة حقوقهم، والمشاركة في صناعة مستقبلهم
خامسًا: استعادة مركزية القضية الفلسطينية وإعادة بناء المشروع الوطني
أعاد طوفان الأقصى القضية الفلسطينية إلى موقعها المستحق على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي، وأظهر أن تجاوزها أو تهميشها لم ينه الصراع ولم يسقط حقوق الشعب الفلسطيني، بل يبقي عليها صاعق تفجير تتجاوز تأثيراته الشعب الفلسطيني وتمتد لكامل الإقليم والعالم.
غير أن استعادة المركزية في الخطاب العربي والإقليمي والعالمي لا تعني بالضرورة استعادة القدرة الفلسطينية على التأثير في المآلات السياسية.
فهناك فرق بين أن يصبح العالم أكثر انشغالا بفلسطين، وبين أن يمتلك الفلسطينيون الأدوات التي تمكّنهم من تحويل هذا الاهتمام إلى تقدم فعلي نحو الحرية وتقرير المصير.
وهذا الفرق يجعل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني أولى الأولويات الفلسطينية، وأحد القضايا الأساسية التي يطرحها النقاش. فالمشروع الوطني ليس مجرد خطاب جامع أو استعادة لشعارات تاريخية، بل إطار سياسي يحدد الأهداف والأولويات، وينظم العلاقة بين مكونات الشعب الفلسطيني، ويتيح التمثيل والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرار، ويربط النضال الوطني بقدرة المجتمع على الاستمرار وبناء مؤسساته.
وقد كشفت التحولات التي أعقبت الطوفان عن أهمية هذا السؤال، ليس لأن الحدث يحسم مسبقا طبيعة المشروع المطلوب، بل لأنه يجعل المسافة بين مركزية القضية والقدرة على الفعل أكثر وضوحا. فالمجتمعات والحركات المتضامنة قد تسهم في توسيع المجال السياسي والأخلاقي المتاح لفلسطين، لكن هذه الفرص لا تتحول تلقائيا إلى استراتيجية فلسطينية متماسكة. ويتطلب استثمارها وجود رؤية وطنية قادرة على تحديد ما ينبغي تحقيقه، وترتيب الأولويات، وبناء أشكال من العمل تتجاوز الاستجابة المؤقتة للحدث.
ويبدأ ذلك باعادة وصل الشعب الفلسطيني بالسياسة، ومراجعة العلاقة بينه وبين مؤسساته التمثيلية والسياسية. ففاعلية المشروع الوطني تتطلب مؤسسات تتمتع بالشرعية، وتتيح المشاركة والمساءلة، وتستوعب التعدد السياسي والاجتماعي، وتربط الفلسطينيين في مواقع وجودهم المختلفة.
كما تتطلب معالجة الانقسام بما يتجاوز الدعوة العامة إلى الوحدة، من خلال بناء آليات عملية لإدارة الاختلاف، وتحديد قواعد اتخاذ القرار، وضمان مشاركة المكونات المختلفة في صياغة الأهداف الوطنية.
ولا تعني الوحدة إلغاء التعدد أو تجاهل الاختلافات في الرؤى والبرامج، بل إيجاد إطار سياسي يتيح إدارتها ضمن أهداف مشتركة، ويمنع تحولها إلى عائق دائم أمام العمل الوطني. فالمشروع الذي لا يستطيع تنظيم الاختلافات داخل المجتمع، أو يفتقر إلى آليات واضحة للمساءلة وتجديد التمثيل، يظل محدود القدرة على تحويل الطاقات الشعبية والتضامن الخارجي إلى فعل منظم.
وهنا تبرز ضرورة إعادة التفكير في المؤسسات والأطر التي تنظم التمثيل الوطني، وفي قدرتها على التعبير عن مجمل الشعب الفلسطيني، لا عن جزء منه فقط. فاستعادة الفاعلية الوطنية لا تتحقق بمجرد إعلان الوحدة، وإنما من خلال إعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وتوفير قنوات المشاركة، وربط القرار السياسي بمساءلة واضحة، وتطوير قدرة مؤسسية على متابعة الأهداف الوطنية وتقييم النتائج.
وتضيف مساهمة خالد عطية إلى هذا النقاش تمييزا أساسيا بين اتساع الوعي بالقضية الفلسطينية وبين القدرة المنظمة على الفعل. فالمركزية العالمية لفلسطين، مهما كانت أهميتها، لا تعوّض ضعف التمثيل أو غياب أدوات القرار، ولا تضمن أن يكون الفلسطينيون قادرين على استثمار التحولات التي تجري حولهم. ومن ثم، فإن السؤال عن أثر الطوفان لا يكتمل إلا بالسؤال عن قدرة المشروع الوطني على تحويل البيئة المتغيرة إلى إمكانات سياسية تخدم الحقوق الوطنية الفلسطينية.
أما مساهمة أمين كعابنة، فتدفع نحو توسيع مفهوم المشروع الوطني بحيث لا يقتصر على التمثيل السياسي أو إدارة الصراع، بل يرتبط أيضا بقدرة المجتمع على الاستمرار وإنتاج الحياة. فالمشروع الذي ينفصل عن احتياجات الناس اليومية، أو يعجز عن حماية مقومات وجودهم، يفقد جانبا أساسيا من قدرته على التعبير عنهم. ولا يمكن فصل إعادة بناء المؤسسات الوطنية عن صون المجتمع الذي يفترض أن تمثله هذه المؤسسات، وعن توفير الشروط التي تمكّن الناس من المشاركة في الحياة العامة وصناعة مستقبلهم.
ويترتب على ذلك أن إعادة بناء المشروع الوطني لا ينبغي أن تُختزل في إصلاح المؤسسات السياسية وحدها، كما لا يمكن اختزالها في توفير الاحتياجات الاجتماعية بمعزل عن الحقوق الوطنية. فالحياة اليومية للفلسطينيين والحقوق السياسية والتاريخية ليست مسارات متنافسة؛ إذ تتطلب حماية المجتمع في ظل الاستعمار والاستيطان رؤية تربط بين صون الوجود، وبناء المؤسسات، وإنهاء السيطرة الاستعمارية، وتحقيق الحرية وتقرير المصير.
ومن هنا، فإن استثمار لحظة المركزية يتطلب تحويل ما أتاحته من معرفة وتضامن إلى موارد مستدامة للعمل الوطني والحقوقي والسياسي. ويشمل ذلك تطوير أدوات التوثيق والمساءلة، وتعزيز التواصل مع الحركات والمؤسسات المتضامنة، وربط الجهود الخارجية بالأولويات التي يحددها الفلسطينيون، وعدم ترك العلاقة بالقضية رهينة موجات الاهتمام الإعلامي أو الاستجابة العاطفية.
ولا يعني هذا أن المشروع الوطني الفلسطيني يستطيع التحكم في جميع العوامل الخارجية أو تجاوز اختلال موازين القوة بمجرد إعادة تنظيم نفسه. لكنه يعني أن القدرة على التأثير تتطلب وجود فاعل وطني قادر على تحديد أهدافه، وتنظيم موارده، وإدارة اختلافاته، وبناء تحالفاته وعلاقاته الخارجية على أساس من الوضوح والاستقلالية والمساءلة. فالتضامن الدولي يوسع مجال الحركة، لكنه لا يحل محل المشروع الوطني، مثلما أن المشروع الوطني لا يستغني عن بناء علاقات تضامن تستند إلى الحقوق والعدالة والمصالح المشتركة.
سادسًا: من الصمود إلى القدرة على إنتاج الحياة
يحتل الصمود موقعا مركزيا في التجربة الفلسطينية، بوصفه تعبيرا عن التمسك بالأرض والحقوق والوجود في مواجهة الاستعمار والاستيطان والحصار والقتل والتدمير والتهجير والتجويع.
غير أن الصمود، إذا اقتصر على احتمال الألم أو البقاء في ظروف قاسية، لا يكفي وحده لوصف ما يحتاج إليه المجتمع الفلسطيني أو لتحديد أفق العمل من أجل المستقبل. فالمطلوب ليس استمرار صمود الناس في مواجهة المعاناة فحسب، بل تمكينهم بحماية قدرتهم على مواصلة الحياة وإعادة بنائها، وصون شروط وجودهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ولا يعني ذلك الانتقاص من قيمة الصمود أو من المعاني الوطنية والإنسانية التي يحملها، بل توسيع دلالته وربطه بالشروط التي تجعله قابلا للاستمرار. فالصمود ليس صفة مجردة يمتلكها المجتمع بمعزل عن ظروفه، وإنما يتأثر بتوافر مقومات الحياة والسكن والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والعمل والأمان، وبوجود شبكات اجتماعية ومؤسسات قادرة على الاستجابة للحاجات، وتنظيم الموارد وحماية الفئات الأكثر تعرضا للمخاطر.
وفي الحالة الفلسطينية، تتضح أهمية هذا التمييز في ضوء ما يتعرض له قطاع غزة من تدمير واسع للبنية العمرانية والخدمات الأساسية، وما يواجهه الفلسطينيون في المخيمات والقرى والبادية في الضفة الغربية والنقب والجليل من تهديدات تمس استقرار حياتهم، ومن قيود على الحركة والعمل والوصول إلى الأرض والموارد، ومن قدرتهم على التخطيط للمستقبل. وما يعانيه الفلسطينيون في مخيمات الشتات من تهديدات أمنية وحصار وقيود وتقليص للخدمات الأساسية التعليمية والصحية التي تقدمها الأونروا.
فصمود الشعب الفلسطيني في ظل هذه الظروف لا يتحقق بالخطاب وحده، بل يتطلب رؤى واستراتيجيات ومبادرات وموارد ومؤسسات وعلاقات اجتماعية قادرة على حماية الحياة وإعادة إنتاجها. ويتطلب ذلك نقل النقاش من الصمود بوصفه موقفا في مواجهة المعاناة، إلى الصمود بوصفه قدرة اجتماعية على الاستمرار والبناء. فالمجتمع لا يحافظ على وجوده من خلال الرفض والمقاومة وحدهما، مهما كانت أهميتهما، بل من خلال قدرته على إعادة تنظيم حياته، وحماية روابطه، واستعادة أنشطته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبناء البدائل التي تمكّنه من مواجهة محاولات تدميره أو اقتلاعه. ويقتضي هذا المنظور التمييز بين ثلاثة أمور مترابطة:
الأول هو استمرار المجتمع، بما يشمل حماية الناس ومقومات وجودهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
والثاني هو إنتاج الحياة وبناء البديل، أي استعادة الخدمات والمؤسسات ومصادر الرزق، وتطوير أشكال من التنظيم والتعاون تسمح للمجتمع بمواجهة التدمير وتجاوز آثاره.
أما الثالث فهو التحول السياسي، الذي يتصل بتغيير علاقات القوة وإنهاء السيطرة الاستعمارية وتحقيق الحقوق الوطنية.
ولا يحل أحد هذه المستويات محل الآخر. فاستمرار المجتمع شرط ضروري لبناء البديل، لكنه لا يضمن وحده تحقيق التحول السياسي. كما أن المبادرات التي تساعد على استعادة الحياة وتخفيف المعاناة لا تغني عن النضال من أجل الحقوق وإنهاء أسبابها البنيوية. وفي المقابل، لا يكفي التمسك بالأهداف السياسية الكبرى إذا انفصل عن احتياجات الناس المباشرة وعن حماية قدرتهم على مواصلة الحياة.
وتبرز هنا ضرورة عدم تحويل الصمود إلى مطالبة أخلاقية موجهة إلى الفلسطينيين كي يتحملوا المزيد من المعاناة. فالصمود لا ينبغي أن يصبح مبررا للتقاعس عن توفير شروط الحياة أو لتطبيع الحرمان، كما لا يجوز أن تُحمّل المجتمعات المتضررة وحدها مسؤولية الاستمرار في ظروف تدميرية.
إن الاعتراف بقدرة الفلسطينيين على الصمود ينبغي أن يقترن بالاعتراف بحقهم الجمعي في الحياة الكريمة والأمان والحرية، وبالمسؤولية السياسية والمادية والأخلاقية الجماعية عن مواجهة الظروف التي تجعل استمرار حيات أي منهم محفوفا بهذا القدر من المخاطر.
ومن هنا، فإن إنتاج الحياة ليس بديلا من المقاومة أو من المشروع الوطني، بل أحد أبعاد القدرة على الاستمرار في مواجهتهما.
كما أن إنتاج الحياة لا يمكن اختزاله في إعادة بناء ما دُمّر ماديا. فإعادة الإعمار، على أهميتها، ترتبط أيضا بمسائل الملكية والعودة إلى الأرض، وتوافر الموارد، وحرية الحركة، والسيطرة على شروط البقاء والتنمية، وقدرة الفلسطينيين على تحديد أولوياتهم. وإذا جرت إعادة البناء من دون معالجة الظروف التي تتيح تكرار التدمير أو من دون تمكين المجتمع من تقرير احتياجاته، فقد تستعيد بعض المرافق والخدمات وظائفها، من دون أن تتغير الشروط الأساسية التي تجعل الحياة عرضة للانقطاع والتدمير.
وتقتضي هذه المقاربة النظر إلى المؤسسات المحلية وشبكات التكافل والمبادرات المجتمعية باعتبارها مكونات مهمة في حماية المجتمع، مع الانتباه إلى حدود قدرتها حين تواجه تدميرا واسعا وقيودا سياسية واقتصادية. فلا ينبغي تحميل المبادرات الأهلية ما يتجاوز إمكاناتها، أو اعتبارها بديلا من المسؤوليات العامة والحقوق السياسية، بل فهم دورها ضمن منظومة أوسع تتطلب موارد وتنسيقا ومؤسسات فاعلة.
وتتصل القدرة على إنتاج الحياة أيضا بمستقبل الأجيال الجديدة. فالتعليم والرعاية والصحة والعمل ليست خدمات منفصلة عن المشروع الوطني، بل شروط لتكوين المعرفة والمهارات، وحماية الإمكانات الإنسانية، وضمان مشاركة الفلسطينيين في بناء مجتمعهم. كما أن حماية الذاكرة والثقافة والروابط الاجتماعية تساعد على استمرار المجتمع بوصفه جماعة سياسية لها تاريخ وحقوق وتطلعات، وليس مجرد مجموعة من الأفراد الذين يواجهون آثار الحرب بصورة منفردة.
بهذا المعنى، لا يُقاس الصمود بمدى قدرة الفلسطينيين على تحمل ما يُفرض عليهم من تدمير وحرمان فحسب، بل أيضا بما يتاح لهم من إمكانات لحماية حياتهم، واستعادة مؤسساتهم، وبناء مستقبلهم على أرضهم بحرية وكرامة. وتصبح القدرة على إنتاج الحياة جزءا من معيار التحول نفسه، لأنها تكشف ما إذا كان التغيير يوسع إمكانات المجتمع الفلسطيني في الاستمرار والفعل، أم يتركه محاصرا في شروط البقاء وحدها.
سابعًا: تحويل الصدى إلى قوة مؤثرة
إذا كان الصدى يكشف مدى انتشار أثر طوفان الأقصى وتفاعله مع مجتمعات مختلفة، فإن السؤال العملي يتمثل في كيفية تحويل هذا الأثر إلى قوة قادرة على التأثير. ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى استثمار التضامن الخارجي بصورة عامة فحسب، بل بفهم الشروط التي تسمح بالانتقال من التعاطف إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الممارسة المنظمة، ومن الممارسة إلى أثر يمكن رصده في المجال العام أو في المؤسسات والسياسات.
فالتضامن ليس مستوى واحدا من الفعل. قد يبدأ باستجابة وجدانية أو موقف أخلاقي، ويتخذ شكل احتجاج أو حملة إعلامية أو مبادرة ثقافية أو حقوقية، وقد يتطور إلى شبكات تعاون مستمرة، أو إلى جهود مؤسسية وقانونية وسياسية. لكن هذه الأشكال ليست متكافئة في أهدافها أو أدواتها أو نتائجها، ولا يلزم أن تتطور جميعها على مسار واحد.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس قياس التضامن بحجم الحشود، أو كثافة المنشورات، أو عدد البيانات وحدها، بل فهم ما تؤديه المبادرات المختلفة، وما إذا كانت تسهم في بناء معرفة موثوقة، أو توسيع المشاركة، أو تعزيز القدرة على المساءلة، أو التأثير في قرارات المؤسسات.
وقد تكون لمبادرة صغيرة قيمة تراكمية مهمة إذا استمرت وطورت أدواتها، بينما قد يتراجع أثر فعالية واسعة إذا لم تتصل بمسار لاحق، أو لم تترك وراءها معرفة أو تنظيما أو علاقات قابلة للاستمرار.
ويتطلب تحويل الصدى إلى قوة مؤثرة وضوحا في الأهداف. فالمبادرات التي تتوجه إلى الجمهور العام لا تستخدم بالضرورة الأدوات نفسها التي تستخدمها الحملات الحقوقية، أو جهود التأثير في المؤسسات وصناع القرار. كما تختلف إمكانات العمل باختلاف السياق السياسي والقانوني والاجتماعي؛ فما يمكن تحقيقه في بيئة تسمح بالتظاهر والتنظيم، قد يتطلب وسائل أخرى في بيئة تفرض قيودا على النشاط العام.
ولذلك، لا توجد أداة واحدة صالحة لجميع السياقات، ولا يمكن استنساخ تجربة تضامن من مجتمع إلى آخر من دون مراعاة اختلاف الظروف والقيود. والمهم هو تحديد الهدف، والجمهور المعني، والأدوات الملائمة، والنتيجة التي يُراد تحقيقها، ثم مراجعة ما تحقق في ضوء هذه العناصر.
ويمكن تقييم المبادرات من خلال مجموعة من الأسئلة العملية:
ما القضية المحددة التي تسعى المبادرة إلى معالجتها؟ ومن الجمهور الذي تستهدفه؟ وما المعرفة أو الأدلة التي تستند إليها؟ وهل نجحت في الوصول إلى الجمهور المقصود؟ وهل أسهمت في تغيير فهمه أو مواقفه؟ وهل أنتجت ممارسة مستمرة أو علاقة تعاون جديدة؟ وهل انعكس أثرها في موقف مؤسسة أو قرار أو إجراء؟ وما الذي يمكن تعلمه من النتائج، سواء كانت إيجابية أو محدودة؟
ولا ينبغي أن تتحول هذه الأسئلة إلى معيار ضيق يرفض كل عمل لا ينتج نتيجة سياسية فورية. فالتغيير في المعرفة العامة، وتوثيق الانتهاكات، وبناء شبكات التعاون، وحفظ الذاكرة، وتوسيع المجال المتاح للنقاش، كلها قد تكون مخرجات مهمة، حتى إذا لم تؤدِّ مباشرة إلى تغيير في سياسة رسمية. لكن من الضروري التمييز بين هذه المخرجات وبين النتائج النهائية، حتى لا يُنسب إلى المبادرة ما لم تحققه، أو يُحكم عليها بالفشل لأنها لم تحقق في وقت قصير ما يتطلب تراكما طويلا.
ويتيح هذا التمييز تطوير علاقة أكثر فاعلية بين المبادرات الشعبية والمؤسسات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والسياسية. فالمبادرات الشعبية قد توسع المشاركة وتكشف اتجاهات الرأي العام، فيما تسهم المؤسسات البحثية والحقوقية في التوثيق والتحقق وتحليل الأدلة، وتتيح الشبكات المنظمة تحويل بعض النتائج إلى حملات مستمرة أو جهود قانونية ودبلوماسية. ولا تعمل هذه المستويات تلقائيا في انسجام، لكنها قد تتكامل حين تتضح أهدافها وتُبنى بينها علاقات تعاون ومساءلة.
وتظل الصلة بالفاعلية الفلسطينية معيارا أساسيا في هذا المسار. فالتضامن الأكثر اتساقا مع حقوق الفلسطينيين هو الذي يعترف بهم شركاء في تحديد الأولويات، ويستند إلى ما يعبّرون عنه من احتياجات وأهداف، ولا يحل محلهم في اتخاذ القرار، أو يتعامل معهم بوصفهم موضوعا لحملات الآخرين.
ولا يعني ذلك أن كل مبادرة تضامن يجب أن ترتبط تنظيميا بمؤسسة فلسطينية، أو أن قيمة التضامن تتوقف على وجود تنسيق مباشر في جميع الحالات. بل يعني أن العلاقة بين التضامن والحقوق الفلسطينية تحتاج إلى وعي واضح بموقع الفلسطينيين بوصفهم أصحاب القضية والحقوق، وإلى الحرص على ألا تتحول المبادرات الخارجية إلى مسارات مستقلة تعيد تعريف الأولويات من دون مراعاة الواقع الفلسطيني.
كما يقتضي استمرار الأثر بناء ذاكرة مؤسسية للمبادرات. فكثيرا ما تتراجع الخبرة المتراكمة مع انحسار الفعاليات أو تبدل المشاركين، فتُعاد الأخطاء نفسها وتُفقد المعرفة التي أنتجها العمل السابق. ويمكن الحد من ذلك عبر توثيق المبادرات وأهدافها ونتائجها، وحفظ المواد التي أنتجتها، وتبادل الخبرات بين المجموعات، وتقييم ما نجح وما تعثر، وتحديد المجالات التي تستحق مواصلة العمل فيها.
وبذلك، لا يكون تحويل الصدى إلى قوة مؤثرة مرهونا بحجم التضامن وحده، بل بقدرته على تطوير أشكال مستدامة من المعرفة والتنظيم والتعاون والتأثير. ويحتاج هذا الانتقال إلى أهداف قابلة للتحقق، وأدوات ملائمة للسياقات المختلفة، ومعايير تقييم تراعي الفروق بين المخرجات والنتائج، وآليات للتعلم والتطوير.
ثامنًا: من الحوار الفكري إلى برنامج بحث وعمل
لا تكتمل القيمة التحليلية للحوار بمجرد توضيح الفروق بين الحدث والصدى والتحول، أو بتحديد ما تكشفه المساهمات من زوايا مختلفة، بل تتطلب تحويل الأسئلة التي أثارها النقاش إلى برنامج بحث وعمل يستطيع متابعة التغيرات، وتوثيق الشواهد، واختبار الفرضيات، وتطوير أدوات التأثير.
ولا يعني ذلك الانتقال من التحليل إلى برنامج تنفيذي منفصل عنه، بل بناء صلة واضحة بين كل مشكلة كشفها النقاش وبين مسار مناسب لدراستها أو معالجتها.
فالسؤال عن استمرار الصدى يقتضي أدوات للرصد والمتابعة، والسؤال عن العلاقة بين المواقف الشعبية والسياسات الرسمية يحتاج إلى دراسات مؤسسية ومقارنة زمنية،
والسؤال عن الفاعلية الفلسطينية يتطلب بحثا في التمثيل والمساءلة والتنظيم،
فيما يقتضي سؤال إنتاج الحياة دراسة الاحتياجات الاجتماعية والمادية والمؤسسات القادرة على الاستجابة لها.
ويمكن تنظيم البرنامج في ثلاث مسارات مترابطة: مسار فلسطيني يعنى بإعادة بناء الفاعلية الوطنية، ومسار بحثي يطور المعرفة اللازمة لفهم آثار الطوفان وتقييمها، ومسار عربي ودولي يدرس أشكال التضامن والعلاقة بين المجتمعات والمؤسسات والسياسات.
وتلتقي هذه المسارات في هدف مشترك، هو وصل المعرفة بالقدرة على الفعل، مع الحفاظ على التمييز بين ما يحتاج إلى بحث وتوثيق، وما يتطلب قرارا سياسيا أو عملا مؤسسيا، وما يمكن إنجازه عبر مبادرات المجتمع وشبكات التضامن.
1. المسار الفلسطيني: استعادة الفاعلية الوطنية
يتمثل المسار الأول في إعادة بناء القدرة الفلسطينية على الفعل، من خلال مراجعة بنية المشروع الوطني ومؤسساته التمثيلية، وآليات المشاركة والمساءلة، والانقسام، والصلات السياسية والمجتمعية بين الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. واعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني القادر على معالجة المشكلات وأوجه القصور.
ولا تبدأ هذه المهمة من افتراض أن جميع المشكلات التي تواجه المشروع الوطني ظهرت مع طوفان الأقصى، بل من الاعتراف بأنها سابقة عليه بعقود، وأن الحدث كشف أسئلة كانت قائمة قبله بشأن مرجعية الأهداف وعلاقتها بالحقوق، وأخرى تتعلق بالتمثيل وآلية اتخاذ القرار، وبالخيارات والاستراتيجية والقدرة على التأثير. ومن ثم، ينبغي أن تستند المراجعة إلى فهم تاريخي لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية، بما لها من إنجازات وإسهامات، وما واجهته من إخفاقات وأزمات، وما تتحمل مسؤولية مراجعتها من خيارات وأشكال تنظيم وممارسات سياسية.
ويقتضي ذلك دراسة التحولات التي طرأت على الحركة الوطنية ومؤسساتها عبر مراحلها المختلفة، وتحليل العلاقة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، وبين التغيرات في البيئة الإقليمية والدولية والخيارات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية.
كما يتطلب فحص العوامل الداخلية التي أسهمت في إضعاف التمثيل أو تعميق الانقسام، من دون إغفال القيود التي فرضها الاستعمار الاستيطاني والاحتلال والحصار والتدخلات الخارجية.
ولا تستهدف المراجعة التاريخية إصدار أحكام عامة على التجربة، بل استخلاص معرفة تساعد على تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، وما يحتاج إلى تغيير، وما الدروس التي يمكن أن تدعم بناء مشروع وطني أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات. فالتاريخ هنا مورد للتعلم السياسي، وليس مجرد سجل للإنجازات أو الإخفاقات.
ويتصل بذلك تطوير أطر تمثيلية قادرة على وصل المجتمع بالسياسة، ووصل الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس ومناطق عام 1948 ببعضهم، ووصلهم بالمخيمات والشتات، مع مراعاة اختلاف أوضاعهم القانونية والسياسية والاجتماعية.
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بالشعارات وحدها؛ إذ يحتاج إلى آليات واضحة للمشاركة، وتحديد الصلاحيات، وتداول المسؤولية، ومساءلة المؤسسات، وضمان أن تكون القرارات الوطنية قابلة للنقاش والمراجعة والمساءلة.
كما ينبغي أن يتضمن المسار تطوير آليات لإدارة التعدد السياسي والاجتماعي، بحيث لا تتحول الاختلافات إلى سبب للإقصاء ولتعطيل العمل الوطني، ولا تُفرض الوحدة على حساب المشاركة والمساءلة.
فالمطلوب إطار مشترك يتيح الاتفاق على الأهداف الأساسية، وإدارة الخلافات بشأن الوسائل والبرامج، وبناء قواعد واضحة لاتخاذ القرار، وآليات شفافة للمساءلة.
ويشمل المسار كذلك ربط الفاعلية السياسية بشروط الحياة اليومية. فإعادة بناء المشروع الوطني لا تقتصر على إصلاح المؤسسات التمثيلية، بل تشمل أيضا تحديد الأهداف انطلاقا من الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، وحماية المجتمع الفلسطيني، وصون مقومات وجوده، وتطوير أشكال العمل التي تساعد الفلسطينيين على الاستمرار في أرضهم وبناء مستقبلهم. وبهذا، تصبح الفاعلية الوطنية مرتبطة بقدرة المشروع على تمثيل الناس وحماية حقوقهم، لا بمجرد وجود هياكل سياسية تحمل أسماء وطنية.
وتتمثل مخرجات هذا المسار في :
صياغة أهداف وأولويات وطنية واضحة،
وإصلاح التمثيل والمساءلة،
وتحديد مجالات العمل المشترك،
وتطوير آليات للتواصل والتفاعل بين مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. ففلسطينيي الشتات يمثلون نصف الشعب الفلسطيني، وليسوا جمهورا متضامنا، وإنما جزء أصيل له ذات الحقوق الوطنية والسياسية، وشريك له حق متساو في صنع القرار وبناء المستقبل.
ووضع معايير لمتابعة التقدم في تعزيز المشاركة ومعالجة الانقسامات.
ولا تُعد هذه المخرجات بديلا من القرار السياسي اللازم لتحقيق التغيير، لكنها تساعد على تحديد مواضع المشكلة، وبناء أرضية معرفية وتنظيمية يمكن الاستناد إليها في عملية اعادة البناء الوطني.
2. المسار البحثي: توثيق الأثر وفهم آليات التحول
يتمثل المسار الثاني في بناء برنامج بحثي يدرس آثار طوفان الأقصى وتفاعلاته على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية، ويتجاوز الانطباعات العامة إلى توثيق التغيرات وتحليلها ومقارنتها عبر الزمن.
ويبدأ هذا العمل بتحديد ما يراد قياسه أو فهمه. فدراسة أثر الحدث في الوعي، تختلف عن دراسة الممارسات الناتجة عنه، وكلتاهما تختلف عن تحليل التغيرات في المؤسسات والسياسات. ومن ثم، ينبغي ألا تُجمع مؤشرات متباينة في مقياس واحد من دون توضيح ما يدل عليه كل منها، أو افتراض أن تغيرا في مستوى واحد يثبت حدوث تغير مماثل في المستويات الأخرى.
ويتطلب البرنامج البحثي توثيق الفعاليات والمواقف والمبادرات، وتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي، ودراسة التغيرات في استطلاعات الرأي حيث تتوافر بيانات موثوقة، ومراجعة القرارات الرسمية والممارسات المؤسسية. كما يتطلب بناء قاعدة بيانات تسمح بمقارنة النتائج عبر فترات زمنية مختلفة، وتوضح مصادر المعلومات وحدودها، وتساعد على التمييز بين التغير المستمر والاستجابة المرتبطة بلحظة معينة.
ولا تقتصر أهمية التوثيق على جمع المواد، بل تشمل التحقق من موثوقيتها، وتحديد سياق إنتاجها، ومراعاة حدود ما تسمح به من استنتاجات. فالبيانات التي تصف اتجاهات الرأي العام تحتاج إلى معرفة منهجية اختيار العينة وصياغة الأسئلة وتوقيت الاستطلاع، كما أن أعداد المشاركين في فعالية عامة لا تكفي وحدها لتقدير اتجاهات المجتمع كله. وينبغي كذلك التمييز بين البيانات التي تصف حدثا محددا، وتلك التي تسمح بمقارنة تغيرات أوسع عبر الزمن.
وتكتسب المقارنة بين المجتمعات أهمية خاصة في هذا السياق. فالحالتان المغربية والسودانية تفتحان أسئلة مختلفة بشأن تفاعل الحدث مع السياقات المحلية، ويمكن أن تشكلا بداية لبرنامج مقارن يشمل مجتمعات عربية وإقليمية ودولية أخرى، بما فيها مجتمعات أوروبية وأمريكية، مع مراعاة اختلاف أنظمتها السياسية والاجتماعية والقانونية. ولا ينبغي أن تستهدف المقارنة ترتيب المجتمعات وفق مقدار التضامن، بل فهم العوامل التي تؤثر في الاستجابة، وأشكال التعبير والتنظيم، والعلاقة بين الرأي العام والسياسات الرسمية.
كما ينبغي أن يتناول البرنامج البحثي دور الصورة والشهادة في تشكيل الوعي والذاكرة، وطرق تداول المواد المرئية وتوثيقها، والعلاقة بين الانتشار الإعلامي واستمرار الاهتمام، وبين الاستجابة الوجدانية والممارسة المنظمة. ويشمل ذلك دراسة الكيفية التي تتحول بها الشهادات إلى مواد للتوثيق والمساءلة، والشروط التي تساعد على حفظها في الذاكرة العامة، والقيود التي قد تؤثر في تلقيها أو تفسيرها.
ويمكن لهذا المسار أن يطور مؤشرات لتقييم التحول، على أن تكون محددة ومتصلة بأسئلة البحث، لا مجرد قائمة عامة من المؤشرات. فمن الممكن، مثلا، التمييز بين مؤشرات تغير المواقف، ومؤشرات استمرار المشاركة، ومؤشرات بناء شبكات العمل، ومؤشرات التأثير في المؤسسات والسياسات. وينبغي تحديد ما يمكن إثباته من كل مؤشر، والفترة الزمنية المناسبة لقياسه، والعوامل الأخرى التي قد تفسر التغير المرصود.
ولا تنفصل هذه المهمة عن سؤال الفاعلية الفلسطينية؛ إذ ينبغي أن يشمل البحث دراسة العلاقة بين التغيرات في البيئة الدولية وقدرة الفلسطينيين على التأثير فيها، وبين أشكال التضامن الخارجي والأولويات التي يحددها الفلسطينيون، وبين استدامة الوعي والقدرة
وتكمن قيمة هذه المخرجات في أنها تجعل النقاش قابلا للمراجعة والتطوير، وتتيح اختبار الاستنتاجات بدل الاكتفاء بتكرارها، وتساعد على تحديد المجالات التي تحتاج إلى مزيد من البحث أو إلى تدخل عملي.
3. المسار العربي والدولي: العلاقة بين المجتمعات والسياسات وشبكات التضامن
يتعلق المسار الثالث بدراسة كيفية تفاعل المجتمعات العربية والدولية مع القضية الفلسطينية، وبحث العلاقة بين المواقف الشعبية والسياسات الرسمية، وبين المبادرات المدنية وأدوات التأثير المؤسسي، وبين شبكات التضامن والأولويات الوطنية الفلسطينية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء التفاوت بين اتساع التضامن الشعبي في بعض المجتمعات، وبين استمرار سياسات رسمية لا تعكس بالضرورة هذه المواقف. ولا ينبغي افتراض أن الرأي العام يؤدي تلقائيا إلى تغيير القرار السياسي؛ فالعلاقة بينهما تتأثر ببنية النظام السياسي، وموازين القوى الداخلية، ومصالح الدولة، والتحالفات الخارجية، وأشكال التنظيم المدني، ومدى قدرة الجمهور على التأثير في المؤسسات.
ومن هنا، يتطلب فهم هذه العلاقة دراسة الحالات على نحو منفصل ومقارن، وتحليل أدوات الضغط المتاحة، والقيود القانونية والسياسية التي تواجهها، والكيفية التي يمكن من خلالها تحويل المواقف المجتمعية إلى نقاشات ومبادرات مؤسسية مستمرة. كما يقتضي عدم اختزال المواقف الرسمية في عامل واحد، أو افتراض أن جميع الدول والمجتمعات تتحرك وفق الحسابات نفسها.
ويشمل هذا المسار دراسة شبكات التضامن القائمة، وأشكال التعاون بين المؤسسات الحقوقية والأكاديمية والثقافية والإعلامية، ودور الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية في توثيق القضية وإيصالها إلى المجال العام. كما يتطلب بحث أدوار المؤسسات الدبلوماسية والبعثات الرسمية والجهات المعنية بالعلاقات الدولية، من دون افتراض أن هذه الجهات تتبنى أهدافا متطابقة أو تمتلك الأدوات نفسها.
ولا يقتصر الهدف على توسيع عدد المبادرات، بل يشمل تحسين قدرتها على التعاون وتبادل المعرفة وتجنب تكرار الجهود. ويمكن أن يساعد توثيق المبادرات ومتابعة نتائجها على تحديد مجالات العمل التي تتطلب تنسيقا أكبر، والمجالات التي تكون فيها المبادرات المستقلة أكثر ملاءمة، والفرص التي تسمح بربط الجهود الشعبية بالمسارات الحقوقية والسياسية.
كما ينبغي أن يظل هذا المسار متصلا بحقوق الفلسطينيين وأولوياتهم. فشبكات التضامن تكتسب قوتها من وضوح الغاية التي تعمل من أجلها، ومن قدرتها على توسيع المجال المتاح للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وليس من مجرد اتساع حضورها أو تنوع أنشطتها. ولذلك، من المهم أن تستند مبادراتها إلى معرفة موثوقة بالواقع الفلسطيني، وأن تميز بين أشكال الدعم التي تعزز قدرة الفلسطينيين على الفعل، وتلك التي قد تعيد إنتاج صورتهم بوصفهم موضوعا للتعاطف وحده.
ويمكن أن تتمثل مخرجات هذا المسار في دراسات دورية للعلاقة بين الرأي العام والسياسات الرسمية، وخرائط لشبكات التضامن ومجالات عملها، وتقارير عن المبادرات والنتائج التي أمكن توثيقها، وأدوات لتبادل الخبرات والتنسيق. وتساعد هذه المخرجات على بناء معرفة تراكمية بشأن شروط التأثير وحدوده، بدل الاعتماد على تقديرات عامة عن اتساع التضامن أو تراجعه.
4. من المسارات الثلاثة إلى برنامج عمل قابل للتقييم
لا تتحول المسارات الثلاثة إلى برنامج عمل لمجرد جمعها في إطار واحد. فهي تحتاج إلى تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وتعيين المخرجات المتوقعة، ووضع أطر زمنية مناسبة، وآليات لمراجعة التقدم وتعديل المسار. ويجب أن تنطلق هذه العملية من المشكلات التي كشفها التحليل، لا من قائمة أنشطة منفصلة عنه.
فالمسار الفلسطيني يحتاج إلى تحديد ما يمكن بحثه وما يتطلب قرارا سياسيا أو إصلاحا مؤسسيا، والمسار البحثي يحتاج إلى أسئلة قابلة للدراسة وأدوات موثوقة لجمع البيانات وتحليلها، أما المسار العربي والدولي فيحتاج إلى تحديد مجالات التأثير الممكنة، وطبيعة الجهات المعنية، والنتائج التي يمكن متابعتها والتحقق منها.
وتضيف مساهمة خالد عطية إلى هذا الجانب ضرورة التمييز بين اتساع الأثر ومستويات تحوله وآلياته. فبدل الاكتفاء بالسؤال عن حجم التضامن أو مدى حضور القضية الفلسطينية، ينبغي تحديد ما إذا كان هذا الحضور قد أدى إلى تغير في المعرفة أو الممارسة، وما إذا كانت الممارسة قد أثرت في مؤسسة أو سياسة، وما إذا كان لهذه التغيرات أثر في قدرة الفلسطينيين على الفعل. ويساعد هذا التمييز على صياغة أهداف أكثر دقة، وتجنب الخلط بين النشاط والنتيجة.
ويمكن تنظيم العمل وفق مراحل مترابطة:
تبدأ المرحلة الأولى بتحديد الأسئلة والأولويات، وجمع ما يتوافر من بيانات موثوقة، وتحديد الثغرات المعرفية والمؤسسية.
وتتجه المرحلة الثانية إلى تنفيذ الدراسات والمبادرات ذات الأولوية، مع توثيق ما يجري وتحديد المسؤوليات والمخرجات.
أما المرحلة الثالثة فتخصص لتقييم النتائج، ومقارنة ما تحقق بالأهداف المحددة، وتحديد أسباب النجاح أو التعثر، ثم تعديل الخطط بناءً على ما تكشفه الخبرة.
ولا ينبغي أن تكون المراحل جامدة أو أن يُفهم التقييم بوصفه إجراء نهائياً يأتي بعد انتهاء العمل. فبعض النتائج يحتاج إلى زمن أطول للظهور، وقد تستدعي الوقائع الجديدة تعديل الأولويات أو تطوير أدوات البحث والتدخل. ومن ثم، ينبغي أن يكون التقييم جزءا من العمل نفسه، وأن يتيح التعلم المستمر، لا أن يقتصر على إصدار أحكام بالنجاح أو الفشل.
وتتطلب قابلية البرنامج للتقييم التمييز بين الأنشطة، والمخرجات، والنتائج، والأثر. فالفعالية أو الدراسة نشاط، والتقرير أو قاعدة البيانات مخرج، والتغير في المعرفة أو الممارسة نتيجة محتملة، أما الأثر الأوسع في المؤسسات والسياسات وعلاقات القوة فقد يحتاج إلى متابعة زمنية طويلة وتحليل لعوامل متعددة.
ويساعد هذا التمييز على عدم المبالغة في تقدير نتائج العمل، وعلى الاعتراف في الوقت نفسه بقيمة المخرجات التي تهيئ لشروط تأثير لاحق.
كما ينبغي أن تتضمن عملية التقييم أسئلة بشأن صلة الأنشطة بالمشكلة التي صُممت لمعالجتها، ومدى وصولها إلى الجمهور المقصود، وجودة المعرفة التي أنتجتها، وقدرتها على بناء تعاون مستمر، ومدى استفادة الجهات المعنية من نتائجها. ولا يقتصر التعلم على المبادرات التي حققت أهدافها؛ فالتعثر نفسه يمكن أن يوفر معرفة مهمة إذا جرى توثيقه وتحليله بدل إخفائه أو تجاوزه.
وتحتاج المسارات الثلاثة كذلك إلى آليات للتواصل وتبادل المعرفة. فالبحث في السياقات المحلية يمكن أن يرفد المبادرات العربية والدولية بفهم أدق لحدود تأثيرها، فيما يمكن أن تكشف خبرات التضامن عن أسئلة بحثية جديدة، ويمكن أن تساعد المراجعات المتعلقة بالفاعلية الوطنية على تحديد أولويات تحتاج إلى معرفة أو توثيق إضافي. ويتيح هذا التفاعل بناء علاقة متبادلة بين المعرفة والعمل، بدل التعامل مع البحث بوصفه نشاطا منفصلا عن الممارسة.
ولا يعني بناء برنامج قابل للتقييم أن جميع جوانب المشروع الوطني أو التضامن أو التحول يمكن تحويلها إلى أرقام.
فبعض التغيرات يحتاج إلى تحليل نوعي، وبعض النتائج لا يمكن نسبتها إلى عامل واحد، وبعض الأهداف السياسية والتاريخية لا تختزل في مؤشرات كمية. لكن وضوح الأسئلة، وتوثيق الأدلة، وتحديد حدود الاستنتاجات، ومراجعة النتائج، كلها تساعد على تحسين جودة القرار والعمل.
وبذلك، يصبح برنامج البحث والعمل امتدادا عمليا للتحليل الذي بدأ بالتمييز بين الحدث والصدى والتحول. فهو يربط كل مستوى بأسئلة وأدوات مناسبة، ويحول الأفكار العامة إلى مجالات يمكن دراستها ومتابعتها، مع الحفاظ على الفرق بين ما يمكن للبحث أن يفسره، وما يحتاج إلى فعل سياسي ومؤسسي، وما يتطلب تعاونا مجتمعيا ودوليا مستمرا.
تاسعًا: من أثر الحدث إلى القدرة على صناعة المآل
يكشف التحليل والمساهمات التي تناولتها هذه الورقة أن طوفان الأقصى لا يمكن فهمه من خلال آثاره المباشرة وحدها، ولا من خلال اتساع التضامن الذي أثاره، ولا من خلال التغيرات التي قد تنتج عنه في الوعي والممارسة والسياسات. فكل مستوى من هذه المستويات يجيب عن سؤال مختلف، ولا يكتمل فهمه من دون النظر إلى علاقته بالمستويين الآخرين.
فقد أظهر الطوفان قدرة على إرباك مسارات إقليمية ودولية سعت إلى تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها، وأعادها إلى مركز اهتمام سياسي وشعبي واسع. لكنه لم يجعل تفكيك البنية الاستعمارية الاستيطانية أمرا تلقائيا، ولم يحسم طبيعة المسار الذي يمكن أن يحل محل المسارات التي أربكها. وبذلك، تظل المسافة قائمة بين تعطيل مسار قائم وصناعة مآل تاريخي مختلف.
وكشف اتساع الصدى، بدوره، أن القضية الفلسطينية تتفاعل مع مجتمعات تتباين في ظروفها السياسية والاجتماعية وتجاربها التاريخية، وأن اتساع الاهتمام بها لا يعني بالضرورة تحوّل هذا الاهتمام إلى تغيير في الممارسة أو السياسات. فالانتقال من الصدى إلى التحوّل يتطلب أكثر من تغير الخطاب أو الوعي؛ إذ يحتاج إلى شروط تتيح تحويل التفاعل إلى أثر مؤسسي وسياسي مستدام، وإلى قدرة فلسطينية منظمة تستطيع التأثير في المآلات.
ولا ينفصل هذا التحوّل عن توفير شروط بقاء الشعب الفلسطيني وأمانه، وحماية الأرض والتماسك الاجتماعي والمؤسسات التي تتيح للمجتمع الاستمرار. كما أن التضامن الخارجي يمكن أن يوسّع مجال الحركة ويعزز المساءلة، لكنه لا يحل محل المشروع الوطني، مثلما أن المشروع الوطني لا يستطيع الاستغناء عن علاقات تضامن تستند إلى الحقوق والعدالة.
ومن هنا، لا يمثل البرنامج البحثي المقترح ملحقا تقنيا بالتحليل، بل استجابة للحاجة إلى الانتقال من الانطباعات العامة إلى معرفة قابلة للمراجعة، تساعد على التمييز بين التغيرات الظاهرة والتحولات المستدامة، وفهم الشروط التي تتيح الانتقال من إرباك المسارات القائمة إلى بناء بدائل مختلفة.
وبذلك، لا تدّعي الورقة أنها تقدم إجابات نهائية عن مآلات الطوفان، بل تقترح إطارا يسمح بتطوير الأسئلة وفهم العلاقات بين مستويات الحدث والصدى والتحوّل. وتتمثل أهمية هذا الإطار في أنه يمنع الخلط بين إرباك المسارات القائمة وبناء البديل، وبين انتشار التضامن واستدامة أثره، وبين استعادة مركزية القضية الفلسطينية واستعادة الفلسطينيين قدرتهم على تقرير مآلاتها.
فالتعطيل يكسر المسار، والصدى يوسّع مجال التأثير، أما التحوّل فيحتاج إلى قدرة تصنع المآل. والمستقبل لا تصنعه آثار الحدث وحدها، بل قدرة الفلسطينيين على تحويل ما أتاحه من إمكانات إلى مشروع وطني وفعل تاريخي منظم يستند الى حقوقهم، ويستثمر التضامن معها، ويفتح أفق الحرية وتقرير المصير.