حزين عمر - علم الموازنات الأدبية...

علم الموازنات الأدبية معهود لدى الباحثين والدارسين ؛ لكن لا نعلم بحث علاقات التأثير والتأثر بين الدراما والسينما ؛ تحت مظلة هذا العلم ..فلم لا نرى (علم الموازنات الدرامية)؟! هذه محاولة بين مسلسلين شهيرين: رأفت الهجان والعميل ١٠٠١ ؛ في مقالتي الأسبوعية ( انطباعات فنية) بجريدة المساء.
#حزين_عمر
انطباعات فنية
----------------- حزين عمر
رأفت الهجان..أمير الدراما
تأثيره ممتد ..في الأعمال التالية له
-----------------------------------------
التناص ؛ التضمين؛ الاقتباس؛ التأثر ؛ التقليد ؛ الاستيحاء؛ الاستلهام..مصطلحات شائعة في دراسات الأدب المقارن وعلم الموازنات الأدبية ..فإذا كنا ندرس علاقة قصة أو رواية أو قصيدة بمثيلتها من لغة أخرى؛ فالأمر يتعلق هنا بالأدب المقارن ..أما إن كانت هذه الدراسة تحدث بين عملين أدبيين أو مبدعين أثنين من اللغة نفسها ..فهذا يدخل في علم الموازنات الأدبية ..وهو عمل ثري وشائع في تراثنا العربي..الكثيرون عقدوا موازنات بين جرير والفرزدق ؛ وبين بشار بن برد وتلميذه أبي نواس ؛ وبين أبي تمام والبحتري ؛ وبين المتنبي وأبي فراس الحمداني ..وحديثا بين شوقي وحافظ .
هذا النمط من الدراسات الشيقة يكاد يغيب أو يتنحى جانبا في مجال الدراما ..فلم نر دراسات معمقة عن التأثير والتأثر مثلا بين مسلسل عربي وأخر أو عمل عربي واجنبي..ونظن في مثل هذه الدراسة ينبغي ألا نعول على اللغة وحدها: اتفاقا أو اختلافا ..بل لابد من أرضية مشتركة: قضية أو موضوع واحد يعالجه كلا المسلسلين أو أكثر من مسلسل.
الأعمال الوطنية
هنالك موضوع ثري ؛ غاصت فيه أقلام كتاب السيناريو ..وإن لم يكونوا صانعيه من "بنات أفكارهم" بل من كفاح جهاز وطني عظيم قائم على حماية مصالح الوطن والذود عنه في سرية وكتمان وإيثار : جهاز المخابرات العامة..ولا يقف دور الجهاز عند بث الروح الوطنية في الناس عبر هذه المسلسلات والأفلام الوطنية ؛ بل إن هنالك عائدا آخر فنيا ثقافيا .. فهذه الأعمال تمثل قيمة إبداعية عالية ؛ وتركت بصمة ثقافية/درامية لا تغفل ..فمن ينسى : دموع في عيون وقحة ؛ السقوط في بئر سبع ؛ الطريق إلى إيلات؛ الحفار؛ العميل ١٠٠١؛ وأمير فنون الدراما وذروتها فنيا:(رأفت الهجان) ؟؟
تقديم هذه الأعمال بصفتها ذروة إنتاجنا ؛ لا يعني التقليل من مسلسلات أخرى شامخة ؛ مثل: بوابة الحلواني ؛ ليالي الحلمية؛ المال والبنون؛ ذئاب الجبل؛ هوانم جاردن سيتي؛ أم كلثوم؛ الزيني بركات؛ زيزينيا ..لكن هذه الأعمال غالبا من نسج الخيال ؛ حتى وإن اتكأت على التاريخ والواقع الاجتماعي ..أما الأعمال الوطنية "المخابراتية" فهي جهد بشري حقيقي خارق أولا ؛ قبل أن تخرج إلى النور فنا سويا ..وهذا مكمن تأثيرها في الناس ؛ واشتهار بعض شخصياتها بحيث أصبحت رصيدا وجدانيا لدى سائر الشعب..فمثلما يتذكر الناس (سي السيد) لنجيب محفوظ ؛ ويرونه يعيش بيننا دائما؛ هم يتذكرون شخصية (محسن ممتاز) التي جسدها يوسف شعبان في (رأفت الهجان) ..وكثيرا ما يستحضرها الكتاب والفنانون في أعمالهم ..كما شاهدنا في مسلسل (الكبير) لأحمد مكي ..وقد قدم ابن محسن ممتاز بصفته رجل مخابرات ويواصل دور أبيه .
العميل ١٠٠١
ونظن الابن الشرعي لرأفت الهجان هو (العميل ١٠٠١) بطولة مصطفى شعبان ونور ونيللي كريم ورجاء الجداوي وريهام عبدالغفور وطارق لطفي ورياض الخولي وفادية عبدالغني وضياء الميرغني وأحمد خليل وحسن مصطفى وأشرف زكي وعبدالرحمن أبوزهرة.. وهكذا نكاد نذكر كل ممثلي المسلسل ؛ لأنهم أدوا أدوارا مؤثرة ..سواء من الجهة المصرية أو الجهة الأخرى ..وهذه أول سمة يتشارك فيها رأفت الهجان والعميل ١٠٠١ ..والسمة الثانية فكرة العمل: تجنيد مواطن مصري شاب داخل مصر ؛ وتحويله إلى "يهودي" وزرعه وسط اليهود المصريين ؛ وإقناعهم بأنه واحد منهم ..سواء في القاهرة أو الإسكندرية ..والمرحلة الثانية تهريبه من مصر مرورا بأوربا ..وهنالك يمر ببعض المشاكل والشكوك حتى يحتازها جميعا ويثبت أقدامه ؛ ثم يبدأ في مرحلة الحصول على المعلومات .
يتماس كذلك (موسى) أو مصطفى شعبان مع (ديفيد شارل سمحون) أو رأفت ؛ في أن كلا منهما محط اهتمامات النساء اليهوديات؛ سواء داخل مصر أو في الكيان المحتل ..فرأفت تطارده (سارة) : تيسير فهمي؛ التي عشقته في مصر ؛ حتى أنها حاولت منعه من السفر!! وتقع كذلك في عشقه ابنة شارل سمحون (حسن عبد الحميد) الثري اليهودي بالأسكندرية - والأحداث ميدانها بمصر القاهرة والإسكندرية في العملين - أما في فلسطين المحتلة فتقع في هوى رأفت كل من استر : إيمان الطوخي وصديقتها ثم يهوديت : فايزة كمال ..وغيرهن !!
الأمر نفسه يحدث لموسى : مصطفي شعبان : عشق ومطاردة داخل مصر من راشيل : ريهام عبدالغفور..وتستمر المطاردة بعد السفر ..وهنالك عشقه بصفته المصري ( عمرو) من قبل نيللي كريم ..وفي الأرض المحتلة تغرم به (هايدي) : نور؛ وحتى عضوة الكنيست : سوناتا:(فادية عبدالغني) ..وفي اليونان تعشقه امرأة كذلك..
هذا الخيط المشترك بين العملين ؛ عبر العلاقات النسائية ليس مجرد تأثر أو تناص ؛ بل يبدو الأمر مدفوعا أيضا بأهمية توظيف العنصر النسائي في الحصول على المعلومة ..فهؤلاء النسوة لهن حيثيةاجتماعية ورسمية في المسلسلين ..اللذين نجحا في تحقيق كل المستهدف منهما : فنيا ووطنيا وسياسيا ..ونرانا في حاجة دائمة إلى هذه الإبداعات ؛في ظل اشتعال حروب الجيل الخامس التي لم تتوقف ضدنا منذ توقيع اتفاقية السلام!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى