غانية ملحيس - حين ينقد العقل نفسه تعقيب على رد الدكتور عبد الرحمن بسيسو: في العلاقة بين العقل والأخلاق والإنسانية

أثمن عاليا تعقيب الدكتور عبد الرحمن بسيسو على قراءتي النقدية لمقاله «خطاب العقل المنير»، وأقدّر انفتاحه على الحوار واستعداده لتوسيع النقاش حول طبيعة العقل المنير وشروط فاعليته. فالحوار الفكري لا تكتمل قيمته بالاتفاق أو الاختلاف، بل بما يتيحه من مراجعة للأفكار واختبار لمقدماتها وفتح لأسئلة جديدة.
ولعل أهم ما في رد الدكتور بسيسو تأكيده أن العقل المنير لا يكون منيرا ما لم يكن قادرا على نقد نفسه ومراجعة آليات عمله ونتائجه. وهذا يتقاطع مع فكرتي الأساسية: إن الانتقال من نقد التراث والواقع والآخر إلى نقد العقل ذاته شرط لاستمراره وتجديده.
لكن اتفاقنا على ضرورة النقد الذاتي يفتح سؤالا آخر: هل يكفي أن نعلن أن العقل المنير أخلاقي وإنساني بطبيعته، أم ينبغي أن نخضع أيضا تصوراتنا للأخلاق والإنسانية للنقد والمراجعة؟
من العقل المنير إلى مساءلة معايير الإنارة
يميّز الدكتور بسيسو بين «العقل الإنساني المنير» و«العقل البشري المتوحش»، ويرى أن الأول يستمد نوره من إنسانيته، بينما يعكس الثاني انحدارا إلى التوحش. وأتفهم ما ينطوي عليه هذا التمييز من إدانة للعنف والاستعمار والإبادة، ودفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية. لكن إذا كان العقل المنير مطالبا بنقد نفسه، أفلا ينبغي أن يمتد هذا النقد إلى المعايير التي نحدد بها ما هو منير وما هو متوحش، وما هو إنساني وما يناقض الإنسانية؟
لا يعني ذلك التردد في إدانة الجرائم أو التخفيف من مسؤولية مرتكبيها، بل التمييز بين إدانة الأفعال والسياسات، ونزع الصفة الإنسانية عن أصحابها.
فالمحاسبة الأخلاقية والقانونية تقتضي تحديد المسؤولية ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، لكنها لا تستلزم التخلي عن مبدأ الكرامة الإنسانية بوصفها قيمة لا تتوقف على الهوية أو الانتماء أو الاستحقاق الأخلاقي.
فالكرامة ليست مكافأة يحصل عليها الإنسان حين يبلغ مرتبة أخلاقية معينة، إنها مبدأ يحمي الإنسان من الإقصاء ونزع الإنسانية، مع بقاء مسؤوليته عن أفعاله قائمة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف ندين التوحش ونقاومه من دون أن نعيد إنتاج منطقه في لغتنا وتصنيفاتنا؟ وكيف نحافظ على التمييز بين الضحية والجلاد، وبين المعتدي والمعتدى عليه، من دون أن نجعل الإنسانية مرتبة يمنحها بعض البشر لبعضهم الآخر؟
هل يمكن للعقل أن يصبح سلطة باسم الإنسانية؟
يكشف التاريخ أن العنف لا يُمارس دائما في غياب الأفكار والقيم، بل قد يُبرَّر باسم النظام، أو التمدين، أو الحقيقة، أو بناء الإنسان الجديد. ولذلك ينبغي أن يمتد نقد العقل الأداتي إلى مساءلة الغايات التي يخدمها، والمعايير التي يحاكم الآخرين بموجبها، والسلطة التي قد يكتسبها حين يتحدث باسم الحقيقة أو التنوير أو الإنسانية.
إن العقل المنير الذي أدعو إليه لا يتخلى عن الحكم الأخلاقي ولا يتردد في إدانة الظلم، لكنه يميز بين وضوح الموقف الأخلاقي وادعاء امتلاك الحقيقة النهائية؛ فيدين الجريمة ويطالب بمحاسبة مرتكبيها، مع إبقاء لغته ومفاهيمه وحدود سلطته موضع مراجعة.
غزة: اختبار للكرامة الإنسانية
تظل مأساة غزة اختباراً قاسيا لمصداقية الخطاب الإنساني المعاصر. فهي تكشف كيف يمكن أن تتقدم القدرة التقنية على الرصد والحساب والاستهداف والتدمير، من دون أن يتقدم بالضرورة الالتزام الأخلاقي الذي يحدد ما يجوز فعله وما ينبغي الامتناع عنه.
ولم يكن استحضار غزة في قراءتي لمقال الدكتور بسيسو مطالبة لمقال كُتب قبل أكثر من عقد بأن يتناول حدثا وقع بعده، بل محاولة لاختبار أسئلته في ضوء واقع معاصر. فالمأساة تضعنا أمام مفارقة العقل الأداتي: التقدم في المعرفة والتنظيم والقدرة لا يضمن، في ذاته، تقدما في الالتزام بالقيم الإنسانية.
لكن الدفاع عن الفلسطينيين وحقهم في الحياة والحرية والكرامة لا يحتاج إلى نزع الإنسانية عن غيرهم، بل إلى التمسك بمبدأ إنساني وقانوني يجعل حقوقهم غير قابلة للمساومة، ويقتضي تحديد المسؤوليات ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. وهكذا تصبح الكرامة معيارا نلتزم به في إدانة الظلم، وفي لغتنا ومواقفنا أيضا.
نحو استكمال مشروع العقل المنير
يتيح تعقيب الدكتور بسيسو الانتقال من الاتفاق على ضرورة النقد الذاتي إلى مساءلة مقتضياته. فإذا كان العقل المنير مطالبا بمراجعة نفسه، فينبغي أن تشمل هذه المراجعة تصوره للإنسان، ومعاييره الأخلاقية، وعلاقته بالمختلف، وحدود سلطته باسم التحرر.
وإذا كانت «الحداثة العربية الخاصة» تسعى إلى جعل الحرية والكرامة أساسا لمشروع النهضة، فإن نجاحها يقاس بقدرتها على حماية الإنسان من أن يتحول إلى مادة لمشروع فكري، مهما سمت غاياته المعلنة.
ومن هنا يعود السؤال الذي انطلقت منه قراءتي الأولى: كيف نبني عقلا يحرر الإنسان من سلطات الماضي والحاضر، من دون أن يتحول هو نفسه إلى سلطة جديدة عليه؟
لا تكمن الإجابة في التخلي عن الحكم الأخلاقي، بل في إقامة علاقة نقدية متواصلة بين العقل وغاياته، وبين القيم التي يدافع عنها والممارسات التي ينتجها، وبين قدرته على التمييز واستعداده لمساءلة أحكامه.
إن اتفاقي مع الدكتور بسيسو على مركزية النقد الذاتي لا ينهي الحوار، بل يفتح له أفقا جديدا. فالسؤال لم يعد فقط كيف نبني عقلا منيرا، بل كيف نضمن ألا يحتكر هذا العقل تعريف الإنسانية التي يدافع عنها.
ولعل إحدى أهم مهام التنوير أن يظل العقل مستعدا لفحص الظلال التي قد يصنعها هو نفسه، وأن يجعل الكرامة الإنسانية مبدأً يلتزم به في نقده وحكمه وممارسته، وليس مجرد قيمة يدافع عنها، ولا أداة في يد أي مشروع، مهما كانت نواياه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى