أمجد نجم الزيدي - الحياد النقدي بين الموضوعية والتواطؤ

يضعنا سؤال الحياد والتواطؤفي النقد أمام موقفين وصورتين متقابلين؛ لناقد يحتكم إلى النص، وآخر تحكمه علاقاته ومصالحه، غير أن الموضوع، في تقديري، أكثر تعقيداً من هذا التقابل، حيث يجب أن يسبق ذلك تحديد واضح بما الذي نعنيه بالحياد، ومتى يتحول الانحياز إلى تواطؤ.
وقد أوضح مدير الجلسة في الجلسة التي أقامها نادي النقد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، تحت عنوان (الناقد بين الحياد والتواطؤ: أزمة نقد أم نقاد)، الأستاذ حسين محمد شريف أن اختيار كلمة (التواطؤ) أُريد بها معنى المجاملة في الأحكام النقدية، وليس معناها السلبي المتصل بالتآمر، وهذا التوضيح مهم في فهم مقصد العنوان، لكنه لا يلغي السؤال الذي أثارته الكلمة؛ فقد يتجاوز المصطلح قصد من يستخدمه، ويستدعي لدى المتلقي دلالات أخرى، وربما كان الاعتراض على اللفظة نابعاً من هذا الالتباس بين المجاملة بوصفها ممارسة شائعة في الوسط الثقافي، والتواطؤ بما يحمله من اتهام أشد وطأة.
استند النقاش إلى رولان بارت، ولا سيما كتابه (الكتابة بدرجة الصفر)، في محاولة لتحديد موقف الناقد من النص، وقد أثارني في حديث الأستاذ علي سعدون الربط بين موقف بارت من الكتابة بوصفها اختياراً تاريخياً واجتماعياً، وبين رفض الحياد النقدي، ثم الانتقال من ذلك إلى موقفه من المناهج الأكاديمية.
يميز بارت في كتابه المذكور، بين اللسان والأسلوب والكتابة، فاللسان نظام موروث يجد الكاتب نفسه داخله، والأسلوب يتصل بخصوصيته الفردية، أما الكتابة فتتعلق باختياره لطريقة التعبير وموقفه من عصره، وبذلك تحمل آثار العلاقة بين الكاتب والعالم الذي يعيش فيه.
لكن هل يعني هذا أن الناقد لا يستطيع أن يكون موضوعياً؟ أعتقد أن هذا هو موضع الإشكال، فكون الكاتب لا ينفصل عن شروطه التاريخية والاجتماعية لا يعني أن الناقد مطالب بالتخلي عن الدقة في قراءة النص، أو أن الاعتراف بالانحيازات يبرر الأحكام التي لا تسندها الشواهد، إن موقف بارت من الكتابة لا يكفي وحده دليلاً على رفضه المنهج النقدي، كما أن نقد بعض المناهج الجامدة لا يعني رفض المنهج من حيث المبدأ.
ولعلنا نحتاج إلى التمييز بين أن يدخل الناقد النص محملاً بذاكرته وذائقته وتصوراته، وهذا أمر يصعب تجنبه، وأن يجعل هذه التصورات حكماً مسبقاً لا يسمح للنص بمخالفته، في الحالة الأولى نحن أمام شرط من شروط القراءة، أما في الثانية فنحن أمام مشكلة نقدية حقيقية، فالناقد قد ينحاز إلى رؤية معينة، لكنه يظل مطالباً بأن يقدم ما يسند قراءته، وأن يراجع حكمه حين لا تؤيده تفاصيل النص.
وتكمن المشكلة، برأيي، في طبيعة هذا الانحياز وما يفعله بالحكم النقدي، فليس كل اختلاف في تقدير النصوص تواطؤاً، وليس كل مبالغة في تقويم عمل أدبي دليلاً على تعمد تزوير قيمته، قد يكون الحكم ناتجاً من اختلاف في الذائقة أو قصور في القراءة، وقد يكون وراءه ميل شخصي أو مصلحة، والتمييز بين هذه الحالات ضروري حتى لا يتحول مصطلح التواطؤ إلى وسيلة لإدانة الأحكام التي لا نتفق معها.
ولكن ذلك لا يعني عدم وجود أثر للعلاقات الشخصية في بعض الممارسات النقدية، فقد تمنح الصداقة أو المكانة أو الرغبة في تكريس اسم أدبي قيمةً لا يبررها النص، وقد تتحول المجاملة إلى حكم نقدي يتداوله الآخرون بوصفه حقيقة، عندئذ تصبح المشكلة خللاً في العلاقة بين الحكم ودليله، لا اختلافاً في القراءة، لكن إثبات ذلك يحتاج إلى قراءة الأحكام ومقارنتها بالنصوص، لا إلى الاكتفاء بالشك في نيات أصحابها.
لهذا أرى أن السؤال الذي طرحته الجلسة لا ينبغي أن ينتهي إلى المفاضلة بين ناقد محايد وآخر منحاز، بل إلى مساءلة الطريقة التي يصدر بها الناقد أحكامه، فالحياد المطلق قد يكون وهماً إذا قصدنا به أن يتخلص الناقد من تاريخه وذائقته وموقعه الثقافي، لكن الموضوعية تظل مطلباً ضرورياً حين نعني بها الدقة، والاحتكام إلى النص، والاستعداد لمراجعة الأحكام.
وربما كانت أزمة النقد، في بعض جوانبها، أزمة شروط ثقافية تسمح للأحكام غير المدعومة بأن تتحول إلى قيم مستقرة، مثلما أنها مسؤولية نقاد يخلطون أحياناً بين تقدير النص والدفاع عن صاحبه، لذلك لا يكفي أن نطالب الناقد بالتخلص من انحيازاته؛ والأهم، بتصوري، هو أن نطالبه بألا يحولها إلى سلطة تعفيه من تقديم الدليل.
#أمجد_نجم_الزيدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى