وارد بدر السالم - مَن هو الكاتب النظيف؟

الموجز:
قبـل أسٍســبوعين نشــرت مقالاً عـن هيبـة الكتــابة ونظافتها
وتوقعتُ أن تُثار أســئلة من " نوع خاص" تبتغي اسـتكشـاف
المعنى الملتبس في أن تكون الكتابة نظيفة، وأن يكون الكاتب
نظيفاً.
هذا مقال "توضيحي" باتبدو بعض الأسئلة كإنها تجيب على نفسها كونها تدور في فراغ السؤال ذاته. بعضها مثل اختبار معرفي للكاتب وكشف مقدرته على السجال والتبرير في الاستنتاج. بعض الأسئلة تتوخى الوضوح والمباشَرة لا التعمية. ودائماً عندنا الإجابة من محتوى السؤال وقصديته. ولمّا يكون التبرير مقصوداً في مقال سابق لي، فسؤال الآخر لا بد وأن ينطوي على قصدية مسبقة. أحياناً يكون مبرراً وأحياناً لا يكون.
أسئلة وإشكالات أثارها مقال سابق لنا تحدث عن (هيبة الكتابة ونظافتها)* لدى بعض القرّاء الذين وجدوا فيه إشارات تبعث على الشك حول "نظافة الكتابة" وما هو القصد الملتبس فيها. ومعنى أن يكون ذلك من هوامش السرد لا في مركزيته.
يحق للقارئ أن يستوضح عن أي مفهوم وموضوع بعيداً عن التورية والقناع فهذا ليس من تخصصه، وهو حق مشروع لمنع التباس القصد، على أن نفهم ؛ولو جزئياً؛ بأن نظافة الكتابة هي من ذات كاتبها عندما يكون الواقع أمامه مطروحاً مثلما هو من دون زيف وتزوير. فالأدباء - مستقبلاً- سيكونون في مواجهة أجيال تبحث وتصارع حتى تعرف الكثير من الحقائق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سبقتها قبل أن تعرف الحقيقة الأدبية منها؛ فالنتائج تبحث عن الأسباب، بدلاً من خديعتها تحت أوهام وحقائق مغلوطة وأحقاد ملوثة تُحرّف الوقائع بدلاً من أن تضعها في مجهر الكتابة الفني.
(2)
المبدع ليس بالضرورة أن يكون صحفياً، حتى وإن استفاد من بعض التقنيات الصحفية في ما يكتب، كالوثيقة الرسمية والفيلم والصور والمساجلات المختلفة في الأراشيف القديمة. فالصحافة جنس شخصي، لكنها كشّافة استقصائية في أقل تقدير، تغني الموضوعة الأدبية؛ ففي "الحرب والسلام- 1865" كان تولستوي أكثر أمانة وهو يعرض الاجتياح النابليو- بونابرتي لموسكو وأكثر دقة في وصف طبقة النبلاء والشخصيات الأخرى في واقع الاتحاد السوفيتي آنذاك. مع أن كثيراً من الخيال الفني صاحب تلك الرواية الكبيرة. ولعب الخيال الفني دوراً مهماً في صنع بعض الشخصيات السردية لتتواق مع واقعية المجتمع السوفيتي أثناء الحرب، وهكذا يكون القاريء أمام ملحمة تاريخية- واقعية فذّة ما تزال تُقرأ حتى اليوم. كما نجد في رواية " للحب وقت وللموت وقت" لأريش ريمارك بأن العاطفة الإنسانية هي الخيال الموضوعي فيها أمام الحرب. فالعلاقات الإنسانية الأكثر تماسّاً مع العاطفة هي التي تبقى في نهاية الأمر. أما "صمت البحر" لفيركور وهي رواية قصيرة (نوفيلّا) فهي عن المقاومة غير المسلحة، تبيّن بأن الاحتلال الأجنبي هو احتلال الروح الإنسانية لكل فرد اجتماعي فبل أن يكون احتلال أرض.
كثير من الروايات ذات النزعة الفنية الجمالية التي لم تزيّف الواقع ولم تتطاول عليه. بل كانت "نظيفة" من الكذب، والكتّاب أكثر نظافة أمام حقائق ومواجهات التاريخ الفعلي. لذلك تقصدتُ أن أوازن الجواب في أمثلة من روايات عالمية فيها ثيمة الحرب كقاسم مشترك بينها. كون أجيالنا ولدت وعاشت في ظروف أكثر من حرب عبثية ومجانية، مثلما شهدت الاحتلال الأميركي عام 2003 وقبلها عاشت بمرارة تجربة الحرب العراقية - الإيرانية، وكيف تغير المجتمع تغيراً طوباوياً جذرياً، فأظهر الكثير من الكامن في الحلقات البشرية الاجتماعية قبل أن تظهر في "النفوس الأدبية" منعكسة في الروايات والقصص والقصائد. ولهذا كانت الأسئلة التي اخترتها بدايةً هي التي دعتني الى هذا التعقيب.
(3)
أربعة أسئلة استخلصتها بعد نشر المقال آنف الذكر:
• هل هناك كاتب غير نظيف؟
• ماذا تقصد في الكتابة (غير النظيفة) ؟
• ما القصد من إثارة هكذا مواضيع ؟
• هل ثمة تفصيل في المعنى الكامن وراء عدم نظافة الكتابة؟
لا أجيب عن هذه الأسئلة إجابة مباشرة، فلستُ أمام محققين قضائيين، بل أتجاوب معها كونها أسئلة، بمعنى من الضروري أن أُبقي المسافة ملتبسة بين السؤال والجواب، توخياً لدقّة الإشارة التالية في موضوعٍ كهذا الموضوع الذي يخرج - أصلاً- من أدبيته الى اجتماعيته، فأي كاتب في العالم هو إنتاج بيئته ومجتمعه وتقاليده ودينه وتاريخه وجغرافيته. والالتباس الذي يحدث بين الكاتب وقارئه هو التباس في مفهوم الكتابة، الذي عادة ما تكون فيه حزمة من الخيال ما يساوي فيها الواقع، لكن علينا أن ننظر الى الواقع المحلي قبل أن نتوسع في الواقع الآخَر. ننظر الى المشروع الاجتماعي والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والوظيفة الادبية ومعرفة السلوك الاجتماعي المهيمن بعد ظروف الحروب والاحتلال الأميركي والتغيير السياسي.
هذا يستدعي لغة مواكبة للاتساق الخلاق الذي يعيد وقائع الماضي القريب الى وقائع فنية، فالأمر لا يقتضي المغالطة النفسية، وكل محاولة لتزييف السلوك الاجتماعي، هو قطعاً محاولة بائسة لتشتيت الكتابة ومن ثم القراءة، وجعل المفاهيم السطحية هي التي تطغى على المفهوم الأدبي في معالجة الأزمات القوية التي يعاني المجتمع منها. بمعنى ضرورة إيجاد لغة تنافس الواقع بل تتفوق عليه، لإعادة انتاجه على وفق مفهوم فني لا يميل الى التزييف حتى لو كانت فيه حزمة الخيال أكثر من حزمة الواقع. فنحن بالنتيجة كائنات اجتماعية / يستهوينا الخيال/ ولسنا كائنات أدبية أصلاً، لهذا نحتاج الى إتساق نفسي خلّاق، يعدّ الزمان والمكان عنصرين من عناصر الوجود الطبيعي لنا. وأية مخادعة في الكتابة وتزييف لها، نراها وساخة كتابية يتوجب فضحها والوقوف النقدي غير المجامل أمامها.
(4)
لكي نكون أكثر وضوحاً فإن إشاعة الزيف والخديعة هي من مواصفات الكاتب غير النظيف. والتجاوز على حقوق المواطنَة الاجتماعية عبر الرواية والقصيدة والقصة هي ما يتصف به الكاتب غير الأمين. والمرواغة في الكتابة المقالية هي لكاتب غير موهوب وغير نظيف أمامنا. والقصيدة التي تشيع الفتنة الدينية والطائفية، هي اقتحام ساتر اجتماعي بريء. وهكذا تتعدد الأمثلة الى مديات أبعد مما نتصور.
هذا يدعونا أن ننظر الى الآتي من السنوات. الى التاريخ الأدبي. بدعوة أخلاقية أن نترك للمستقبل ما يعين قارئ المستقبل على أن يفهم ماذا كان يجري في الداخل وما هي علاماته، وكيف أُعيد تشكيله بناءً على متغيرات حربية وسياسية جوهرية غير متوقعة. بدلاً من إطلاق شائعات كتابية ليس لها رصيد في الواقع، ولا رصيد فني معتبَر وهذا ما يجعلها ضعيفة لا تتقدم الى مستقبل القراءة الذي سيغدو هو البصمة العالمية للإبداعات المتنوعة والمختلفة في العصر الإلكتروني الخلاق..كما أعتقد.
(4)
الإجابة على أية أسئلة ليس بالضرورة أن تكون واضحة كما هي إجابات التلاميذ في المدارس. وعندما يبقى الالتباس قائماً بين السائل والمجيب، سنكون قد كسبنا الأسئلة والأجوبة معاً.
----
* نشر مقال (هيبة الكتابة ونظافتها) في جريدة الصباح بتاريخ 18- 8-2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى