يسرا طارق - ثورة الذكاء الاصطناعي

قامت الثورة الصناعية على ركيزة أساس تمثلت في تعويض الجهد الجسدي للإنسان بعمل الآلة، وفتحت الباب، وبتوالي الاكتشافات والاختراعات إلى تعطيل عمل الجسد في الصناعة. بواسطة الآلة التي قد تتعطل لكنها لا تسهو ولا تتكاسل ولا تخطئ تمكنت الدول الصناعية من أن تنتج أكثر، وبشكل أسرع، وأن تغطي الحاجات المتزايدة للأسواق. كان العامل في البداية ضروريا لتشغيل الآلة ومراقبتها لكن التطور التقني صار يوكل هذه المهمة لحواسيب ذات طاقة على التسيير تتجاوز بكثير طاقة البشر. حين تخلص التطور من الحاجة للجسد البشري سجنه في حمى الاستهلاك وجعله زبونا دائما لمنتوجات فيها ما تتوقف عليه حياته، وفيها مواد لا قيمة استعمالية لها، قيمتها تبادلية ورمزية فقط. مرت الرأسمالية بعد الثورة الصناعية من أزمات خانقة، مثل أزمة 1929، لكنها، وبعكس التوقعات، كانت تخرج منها أقوى، بحيث تجدد جلدها وآلياتها، بل إنها تمكنت من جعل الأزمة نفسها وسيلة من وسائل تطوير الذات واستكشاف آفاق جديدة للرأسمال. راهنت الرأسمالية على التطور التقني، ورصدت الأموال الباهضة لتحقيق سيطرة مالية احتكارية قوامها التحكم في العالم الرقمي، بطرقه السيارة للمعلومات، وببرامجه التي تتحكم في الأبناك، وببرامجها التي تقوم عليها الصناعات الدقيقة، مثل صناعة الرقائق الإلكترونية التي نجدها في كل منتوج صناعي من آلات الفلاحة حتى أعقد الطائرات العسكرية، سيقود هذا التطور السريع إلى "ثورة الذكاء الاصطناعي"، فإن كانت الثورة الصناعية قد عطلت الجسد البشري، ولم تعد في حاجة له، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي ستوجه ضد العقل البشري لتعطيله هو أيضا. لأول مرة وبعد ألفيات من تفوق العقل البشري فوق الكرة الأرضية، جاء الوقت ليتخلى هذا العقل عن مركزيته وتفوقه، مع ثورة الذكاء الاصطناعي لم تعد هناك حاجة للإنسان نفسه، وكل ما تمكن الإنسان، و عبر تاريخه الطويل من إتقانه، سيتمكن الذكاء الاصطناعي من إنجازه بشكل أسرع وأفضل، وبلا مقابل. ستنتهي معظم المهن، بما فيها تلك التي أعتبرت رفيعة كالطب والهندسة والبرمجة، وحيثما كان الإنسان يعمل ذكاءه وتفوقه سيقول له الذكاء الاصطناعي: إرتح وتفرج.
اشتكت البشرية كثيرا من مثالب الثورة الصناعية، وها هي في سنوات قليلة ستواجه ويلات الذكاء الاصطناعي، الذي يبشر بـإنسان جديد، لا يفكر، ولا يجتهد، ولا يبدع، ولا يتخيل، ولا ينخرط في مشاريع عظيمة تتطلب سنوات من الصبر والجهد والعرق، كل شيء سيصير قريبا وجاهزا، يكفي أن تطلب وستجد من يلبي طلبك في لمح بصر. إن أردت استشارة وفي كل مجال من المجالات فالمجيب العارف جاهز لإعطائك المشورة بسرعة، وبدقة، وبدون مقابل، وفوق هذا سيعفيك من حرج اللجوء للناس، سيحفظ لك الذكاء الاصطناعي حميميتك وشرفك وهو ينجز كل ما تطلبه منه، غير أن الذكاء الاصطناعي لن يقنع بخدمة البشر، فسرعان ما بدت علامات مقلقة جدا، لاستقلال هذا الذكاء عن البشر، وشروعه في العمل باستقلالية تامة، مما يفتح الباب على إمكانية تحوله إلى أداة لتخريب كل ما بنته البشرية، وقد بدأ علماء كبار يدقون ناقوس الخطر وينبهون للمخاطر التي سيشكلها الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشر، ما لم توضع مواثيق صارمة لمراقبة عمل الذكاء الاصطناعي وإخضاعه لمعايير أخلاقية تضع حدود ما ينبغي إنجازه وما ينبغي منعه بشدة.

يسرا طارق



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى