أمين كعابنة – (ابن البادية) ، ليست كل كبوة نهاية الطريق حين يتحوّل النقد إلى تشهير

ليس من العدل أن نبرّر كل خطأ، كما ليس من الإنصاف أن نجعل من خطأ واحد محاكمة شاملة لحياة إنسان. وبين الأمرين مسافة لا يدركها إلا من عرف للحق قدره، وللكلمة مسؤوليتها، وللإنسان كرامته.

#أثار ما جرى مع وزير الأوقاف الفلسطيني الدكتور محمد نجم، إثر تداول مقطع يظهر فيه وهو يقرأ على مسبحة ويضعها في الماء بقصد الرقية الشرعية، ثم يسقي فتاة منه، جدلًا واسعًا. ومن حق الناس أن يناقشوا التصرف، ومن حق المختصين أن يبيّنوا حكمه الشرعي؛ فالمناصب لا تمنح أصحابها حصانة من النقد، والعلم لا يعصم صاحبه من الخطأ.

#لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل أخطأ الرجل؟ بل: هل يمنحنا خطؤه الحق في التشهير به والنيل من كرامته؟

النقد يناقش الفعل، أما التشهير فيستهدف صاحبه. النقد يقدم الحجة، أما التشهير فيبحث عن الفضيحة. النقد غايته التصحيح، أما التشهير فغايته الإسقاط.

من حقك أن تقول إن الرجل أخطأ، وأن تقدم حجتك، وأن تطالب بالمساءلة، لكن ليس من حقك أن تحوّل زلته إلى مناسبة للسخرية والتجريح، أو أن تختزل تاريخه كله في مشهد عابر.

#لست هنا بصدد تبرير ما فعله الوزير أو الجزم بصحة تصرفه، ولا أدّعي معرفة ما في نيته؛ فحسن القصد، إن صح، لا يغني عن العلم. لكن ما يُعرف عنه لدى كثير ممن عرفوه من تواضع وبساطة وعلم، يذكّرنا بأن الإنسان أوسع من هفوة، وأن سيرته لا تختصرها لحظة.

#فلكل جواد كبوة، ولكن ليست كل كبوة نهاية الطريق.

#كم نطالب الآخرين بأن ينظروا إلى تاريخنا، وأن يمنحونا فرصة للمراجعة والتصحيح، ثم نحرمهم من الحق نفسه حين يخطئون! نلتمس لأنفسنا الأعذار، ونتمسك لغيرنا بزلاته، وكأن الخطأ طبيعة بشرية فينا، وخطيئة لا تُغتفر في الآخرين.

#والأخطر أن تتحول الخصومة إلى تجاوز للحدود الأخلاقية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفات المنافق: «وإذا خاصم فجر». والفجور في الخصومة أن يتجاوز المرء الحق حين يختلف، فيستبيح من الكلام ما لا يليق، ويجعل خلافه مع الآخر مبررًا للتجريح والتشهير.

#فكيف نرفض تصرفًا باسم الدين، ثم نغفل عن حرمة أعراض الناس ونحن نرفضه؟ لقد شبّه القرآن الكريم الغيبة بأكل لحم الأخ ميتًا. وليس المقصود أن نساوي بين الأفعال بغير علم، بل أن نسأل أنفسنا: هل استحضرنا حرمة العرض بالجدية نفسها التي استحضرنا بها ما اعترضنا عليه؟

لا ننتصر للدين حين نتجاوز أخلاقه، ولا نخدم الحقيقة حين نخلطها بالتشهير.

#أما استقالة الدكتور محمد نجم وقبولها، فمن وجهة نظري، لو كنت صاحب القرار، لما سارعت إلى قبولها، ولتمسكت بالرجل في موقعه، مع معالجة الواقعة بمسؤولية ووضوح. فالمساءلة لا تعني بالضرورة الإقصاء، ومعالجة الخطأ لا تستوجب إهدار صاحبه. والمجتمع الواثق من نفسه يعرف كيف يحاسب دون أن ينتقم، وكيف يصحح دون أن يهين.

#وأنا أكتب من البادية الفلسطينية، حيث للكلمة وزن وللمروءة مقام، أؤمن أن احترام الإنسان لا يعني السكوت عن خطئه، كما أن نقده لا يعني هدر كرامته. تستطيع أن تقول له: أخطأت، دون أن تقول للناس: أسقطوه؛ وأن تطالب بمحاسبته دون أن تنصّب نفسك قاضيًا على تاريخه ونيته.

والسؤال الذي أتركه هنا ليس عن المسبحة وحدها، بل عنا نحن:

#هل نحاسب الإنسان على خطئه، أم نختزل حياته كلها في زلّة؟ ومتى ينتهي حقنا في النقد ليبدأ واجبنا في صون كرامة الآخرين؟ وهل نملك من الحكمة ما يكفي للتريث قبل إصدار الأحكام، ومن الشجاعة ما يكفي لمراجعة أنفسنا بالصرامة التي نحاكم بها غيرنا؟

#ليس المطلوب أن نغض الطرف عن الخطأ، بل ألا يجعلنا رفضه نقع في خطأ آخر. فالإنسان يُحاسب على ما فعل، لكنه لا يُختزل فيه، ويُدعى إلى الصواب، لكنه لا يُجرّد من كرامته.

#من حقك أن تحاسب الرجل على خطئه، وليس من حقك أن تحوّل خطأه إلى رخصة للنيل من كرامته؛ فالنقد مسؤولية، والتشهير إساءة، والفرق بينهما هو الفرق بين من يريد الإصلاح ومن يريد الإيذاء.

#فخير المجتمعات ليس ما لا يخطئ أبناؤه، بل ما يعرف كيف يردّهم إلى الصواب دون أن يفقد إنسانيته في الطريق...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى