العقل الإنساني المنير: شروط التَّحرر والنُّهوض

عبد الرحمن بسيسو

العقل الإنساني المنير: شروط التَّحرر والنُّهوض

تنويه سياقي:
في أصل هذا الحوار ومساراته


يندرج هذا المقال في سياق حوار فكري ونهضوي ممتد عبر منبر موقع "الأنطولوجيا" الثقافي، وهو المقال الثالث والتعقيب الثاني من قبلي في هذا المسار الذي حفرته دعوتي التأسيسية المُضَمَّنة في مقالي المكثف المنشور في صحيفة "العرب" اللندنية في شباط/ فبراير من العام 2015؛ وهو المقال الذي استهدف إنهاض وعي عربي يبنيه عقل إنساني منير، على نحو يؤهله لأن يكون وعياً إنسانياً حيوياً قادراً على تحفيز إطلاق نهضة عربية شاملة، تتوخى بناء "حداثة عربية خاصة". ويمثل هذا النص التفاعلي استجابة من قبلي للمقال التعقيبي الثاني، والعميق، الذي نشرته الدكتورة غانية ملحيس مسائلة فيه شروط عمل العقل وآلياته البنيوية حذراً من سقوطه في فخ "العقلانية الأداتية".

إِن هذا الحوار السجالي، أو السجال الحواري المفتوح، لا يتوخى أن يكون "مبارزة خطابية" تتغيا الانتصار لآراء ذاتية، بل هو يسعى جاداً، بإرادة طرفيه ورغبتهما العميقة وأملهما المشترك، إلى الانخراط الحيوي في تفاعل فكري خلاق، يسهم في بلورة شروط النهضة وتمكين "الأمة" من الاستجابة الفعالة لمتطلباتها، وفي إعادة بناء المفاهيم التأسيسية التي أخفقت المشاريع النهضوية العربية السابقة في صهرها بجدلية واعية، خلاقة ومفتوحة على صيرورة مستمرة وتحولات؛ حيث أتوخى أن أنتقل بالحوار، هنا، بهذه المفاهيم من حيز التعريف الفلسفي المجرد إلى رحاب التشريح الإجرائي ورسم خارطة الطريق، مستلهماً كتاباتي السابقة، والراهنة، حول آليات الاستلاب، وشعرية الفضاء الوجودي، وجدلية الكينونة الحرة، وكذلك كتابات الصديقة الدكتورة غانية العديدة والمتنوعة، وكتابات آخرينا من "المثقفين العضويين الجمعيين الإنسانيين"، متعددي الاهتمامات المعرفية والمناهج والمنظورات، والذين يعانون معنا الهم عينه، ويشاركوننا دروب وجهود السعي النهضوي التحرري عينها، ويقاسموننا الطموح عينه، والآمال الإنسانية الحياتية الوجودية عينها.

مدخل تأسيسي:
ثالوثية العقل ومفترق الكينونة


لا تبدأ النهضة من ابتكار الأدوات، بل من مراجعة الشروط الوجودية والمنطلقات الإبستمولوجية التي تحكم حركة الفكر في الواقع. وحين نقارب شروط إشعاع العقل الإنساني المنير، فإننا لا نتحدث عن ترف نظري أو آلية ذهنية مجردة، بل عن معركة وجودية يخوضها الكائن البشري لانتزاع حقيقته العليا، وتوليد الوعي النهضوي التحرري، الإنساني الأخلاقي. ومن هنا، يصبح من الضروري إقامة تمييز تأسيسي حاسم بين "الكائن البشري" بوصفه معطى بيولوجياً أولياً، وبين "الإنسان" بوصفه منجزاً فكرياً، أخلاقياً، وتحققاً وجودياً لا يُنال إلا بالجهد الواعي والمكابدة الدؤوبة.

إِن "البشرية"، في جوهرها، ليست مستقراً نهائياً، بل هي حالة برزخية وانتقالية تقف على مفترق خيارين وجوديين: إما السمو صوب "الإنسانية" والارتقاء بخصائصها، وإما التخلي عنها والانحطاط الأعمى نحو التوحش. ولهذا التمايز أن يفرض، بالضرورة، فرزاً موازياً في بنية العقل ذاته؛ فالبشر جميعاً يشتركون في الخصائص البيولوجية، لكنهم لا يرتقون جميعاً إلى مرتبة الإنسانية.

بين "العقل الإنساني المنير" المحكوم بقيم الحري والكرامة، وبين "العقل البشري المتوحش" الذي يُختزل في كفاءته الأداتية والتدميرية الموظَّفة من قبل "التوحش البشري الجشع" لتحقيق الهيمنة، يقبع "العقل البشري البيولوجي المحض". وما هذا العقل إلا "حالة انتقالية"، إذ هو يختزن، في ذاته، العقلين الآخرين: "الإنساني المنير" و"البشري المتوحش" وهما معاً في حالة إمكان مجردة، ومؤجلة الوجود. إنه، إذن، العقل في حالته "الخامية الأولى"؛ التي تسمه بالجمود والتكلس، وعدم الانشغال في أي أمر يتجاوز الآليات التي تحقق البقاء الغريزي، والتكيف اللحظي مع مقتضيات الواقع الاجتماعي الطاحن، بكل مستوياته وتجسداته.

إن "العقل البشري البيولوجي المحض" هو طاقة كامنة مجمدة؛ ولا يمكنه الخروج من دائرة التكلس والعبور نحو "الإنارة الإنسانية" إلا بصدمة فكرية تتأسس على اختيار "خيار السمو"، وبخلاف ذلك، وتحت وطأة ظروف الاستبداد والقهر وانسداد الآفاق التي يسهم تجميد هذا العقل والتخلي عن إعماله في تكريس وجودها، فإنه ينزلق سريعاً، وبقوة القصور الذاتي، ومحفزات وعوامل أخرى، نحو اكتساب ماهية "العقل البشري المتوحش" وهويته.

أولاً: تشريح بنى التوحش والاستلاب الراهن

تنطلق مقاربتنا التفكيكية للمؤسسات والبيئة الراهنة من هذا الفهم الثالوثي لبنية العقل؛ حيث يتبدى لنا أن الأزمة الراهنة التي يعيشها العقل العربي ليست عيباً تكوينياً في آليات التفكير، بل هي نتاج مباشر لإبقائه قسراً في مربع "العقل البشري البيولوجي المحض"، أو دفعه—لأسباب عديدة ومتغايرة—نحو "العقل البشري المتوحش". ويأتي ذلك عبر توظيف بنيوي متشابك للمؤسسات التربوية، والثقافية، والسياسية، والعشائرية، والقبلية، والتشظوية Tالتفتيتية السائدة التي تحول دون تشكل الوعي النهضوي التحرري، الإنساني الأخلاقي. إن صياغة أي خارطة طريق للمستقبل تقتضي أولاً ممارسة نقد تفكيكي صارم وشجاع لهذه البيئات الطاردة للإنسانية، لاستخراج معطيات الأزمة وخلاصاتها البنيوية:
  • مُؤسسات الامتثال والتكلّس التراثي: لقد تحولت جلّ البنى التربوية والتعليمية الحالية من حاضنات لبذور الأنسنة إلى مصانع لإعادة إنتاج "الجمود والتلقين". إنها مؤسسات تغذي العقل البشري البيولوجي المحض بما يكفي لتأمين بقائه الوظيفي، وتمنعه في الوقت عينه من ممارسة القلق المعرفي والنقد، مما يبقي الوعي الجمعي في حالة تكلس تام تُعجزه عن مجرد التفكير في الاشتغال بأي قدر—مهما ضَؤل—في أي نمط من أنماط التفكير التجاوزي وآلياته القابلة للتخليق.
  • آليات الاستلاب والتوحش الأداتي: في المقابل، تقع بعض المؤسسات الثقافية والتغريبية في فخ "العقل الأداتي" الذي لا تكف الدكتورة غانية ملحيس عن التحذير منه؛ حيث يُفصل العقل عن حمولته الأخلاقية والقيمية، ويُدرب الكائن البشري على امتلاك مهارات أداتية مفرطة في الذكاء، لكنها مجردة من أي التزام بقضايا الكرامة الإنسانية والحرية. وهذا هو، بالضبط، التجسيد الصريح لوضع بشري انتقالي شديد البؤس، لا نراه مفضياً إلا إلى الارتداد المتسارع نحو "العقل البشري المتوحش" في لبوسه الحداثي المشوه، الذي نراه مجسداً، بامتياز منقطع النظير، في الرأسمالية الصهيونية العنصرية الإسرائيلية الجشعة المتوحشة، قرينة وحليفة مثيلاتها في بلاد الغرب الحداثي الرأسمالي الجشع، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية.
  • قهر الفضاء الوجودي واستهلاك البقاء: تعمل البيئة السياسية والاجتماعية القمعية بشكل ممنهج على حصار الكائن البشري في شروط حياتية ضاغطة، تُوجّه جهده الذهني بأكمله للاستغراق في تلبية الحاجات الغريزية الاستهلاكية الأساسية (الأمن اللحظي، الغذاء والماء، والتكيف مع القمع). ولهذا الإغراق المتعمد in إنفاق العمر كله في تلبية حاجات العيش البيولوجي، ولهذا الإفقار الممنهج للفضاء البشري الوجودي، أن يحرم الكائن البشري الفرد من بيئة التضامن المشترك، وأن يحول دونه وامتلاك رفاهية الجهد اللازم لالتقاط بذور إنسانيته الكامنة في أعماق كينونته، للشروع في تعهدها وسقايتها ورعايتها حتى تزهر وتثمر وتفتح أمامه مراقي الصعود الواثق على سلم السمو الإنساني المفتوح.
والحق أن لخلاصة هذا التحليل التشريحي المتأني أنْ تضعنا أمام الحقيقة العارية التالية: ليس العقل العربي الراهن عقلاً عاجزاً، وإنما هو عقل مستلب ومحاصر داخل حاضنات بنيوية تعيد إنتاج تكلّسه بيولوجياً، أو توحّشه أداتياً. ولن يكون بمقدور هذا العقل أن يتوافر على شروط فاعليته المنيرة، إلا إذا تضافر خيار الفرد الحياتي الوجودي مع سعي الجماعة الحرة، لإعادة بناء المحيط والتربية على منظومات المبادئ والقيم الإنسانية العليا، وفي صلبها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهود والبروتوكولات والمواثيق الملحقة بها، وجميع مكونات الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وضمنها القانون الإنساني الدولي، التي أرى أنها - دون إغفال الحاجة إلى تطويرها على نحو يستجيب لأعلى مراتب الإنسانية الجوهرية - تمثل "دين العصر الإنساني الحديث" الذي ننشده.

ثانياً: جدلية الفرد والجماعة الحاضنة

يتجلى الانتقال الواعي من "العقل البشري البيولوجي المجمد" إلى "العقل الإنساني المنير" في كونه ليس خياراً فردياً معزولاً، أو متعالياً عن شروطه، وإنما هو سيرورة تفاعلية وتشاركية محكومة بالبيئة والمحيط. إن اختيار "الكائن البشري" أن يكون "إنساناً" يرتهن، ارتهاناً عضوياً، بشرط وجود حاضنة اجتماعية وثقافية جامعة تدفع ببذور الأنسنة الكامنة في أعماق كينونته الكلية - ولا سيما في مداراتها العقلية والشعورية والوجدانية والنفسية المتشابكة والمتفاعلة - نحو الرقي والسمو. وتفتح هذه الحاضنة آفاق التأسيس الواعي لجميع مكونات "الوعي النهضوي التحرري، الإنساني الأخلاقي"، وتتيح أوسع الإمكانيات لمتابعة مراجعته ونقده وتطويره وتعميق تأصيله، وذلك في دورات متعاقبة على مدى صيرورة الحراك العربي النهضوي التحرري الجمعي بجميع مساراته ومجالاته النوعية المتكاملة:
  • المحيط كشرط للسمو الوجودي: لا يولد "الكائن البشري الفرد" إنساناً، بل لعله يشرع، في لحظة معينة، في خوض تجربة شعورية ترسل لعقله المتفتح لتوّه إشارات تشعره أنه قد بدأ يهيم محلقاً في فراغين؛ معرفي وقيمي. وقد يكون لهذا الشعور أن يولّد لديه، بدوره، احتياجاً للمساعدة، فتراه يرسل لمن حوله إشارات وإيماءات، وربما كلمات وعبارات، تفصح عن هذه الحاجة. إنه، إذن، في حاجة ماسَّة لوجود "التربة الصالحة" التي يمكنه زرع بذور إنسانيته فيها. وما هذه التربة إلا البيئة الاجتماعية البشرية السويّة التي تدفع أبناءها، أفراداً وجماعات، نحو مباشرة السعي المستقل والمتضافر لتصعيد إنسانيتهم الكامنة في أعماقهم، ولتجلية حضور وفاعلية هذه "الإنسانية الذاتية الفردية" المتكاملة مع "الإنسانية الآخرية الجمعية" في الفضاء الخارجي الموضوعي، الذي يحق لكلتا الذاتين، وعلى نحو تبادلي، أن تتمتعا في رحابه - باعتباره مجالهما الوجودي الحيوي وعالمهما الإنساني المشترك - بالاعتراف، والحرية، والكرامة الإنسانية، وبكل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وبهذا نفهم أن الوعي النهضوي التحرري والأخلاقي للذات الفردية لا يكتمل إلا في مرآة "الآخر" أفراداً كان هذا الآخر أم جماعة؛ حيث لا يمكن ممارسة الكرامة الإنسانية والحرية كفعل فردي نرجسي مغلق، بل كسعي جمعي مشترك ومفتوح على نضال دائب لإدراك أعلى مراتب السمو الإنساني المنشود.
  • الجماعة كرافعة للعقل الجمعي: يتطلب التغلب على التكلس والتوحش الانتقال من "العقل الفردي المستلب" إلى "العقل الجمعي المنير"؛ وجود جماعة بشرية تتوافق إرادياً، محفّزة بسعيها الوجودي لإدراك حياة أفضل، على مغادرة الحالة البشرية الغريزية لتأسيس بيئة إنسانية تحمي قيم العدالة والإنارة، وتصد نوازع الارتداد البنيوي إلى الغريزية الحيوانية والتوحش البشري.
  • منصات الثقافة والفكر منارات إنسانية: في هذا السياق المعرفي المحفّز على إشعال كل منارات الوعي العربي الإنساني الأصيل والمؤصَّل لإطلاق الحراك النهضوي التحرري الجمعي الشامل، يبرز دور الفضاءات الثقافية والمعرفية الحرة، والمنابر الفكرية الملتزمة قيم الإنسانية الجوهرية ومبادئها—مثل موقع الأنطولوجيا الذي يحتضن، بترحاب، هذا الحوار وحوارات عديدة أخرى تصب في اتجاه إنهاض الحراك المنشود—وذلك بوصفها مجتمعات إنسانية افتراضية مصغرة، ومختبرات حية تجسد سعي الجماعة الإنسانية الجوهرية الحرة نحو العلو بإنسانيتها وسط مناخ عام يتسم بتشظي المجال العام، وتلوث البيئات الرقمية، وتفاقم التوحش البشري بشتى أنماطه وأشكاله وممارساته السلوكية وتجسداته.
ثالثاً: معالم خارطة البديل المعرفي

تتأسس خطوط البديل الإجرائي والمعرفي للنهضة العربية، بصورة صارمة، على معطيات التشخيص التحليلي العميق وخلاصاته البنيوية؛ ذلك أنَّ إنقاذ العقل وحمايته من السقوط في "الأداتية التدميرية" لـ "العقل البشري المتوحش" يقتضي رسم ملامح واضحة للحاضنة التربوية والاجتماعية البديلة القادرة على تفعيل الوعي النهضوي التحرري، الإنساني الأخلاقي، وتحويل الإمكان الفلسفي المجرد إلى فعل تاريخي فاعل ومشهود
  • من التلقين إلى التنوير النقدي: يتطلب البديل تفكيك بنى الامتثال التراثي في الأنظمة التعليمية واستبدالها بـ "تربية التنوير والنقد الإنساني البنَّاء"؛ فهذه التربية لا تحقن العقل بالمعلومات وتمضي في سبيلها، بل هي تعلمه الفرز، وتوقظ العقل البشري البيولوجي الخام من سباته وتكلسه، وتدربه على التساؤل، والإنارة، والاستمرار في تحويل جميع الإجابات إلى أسئلة جديدة تنشد العثور على إجابات صائبة عنها.
  • مأسسة الأخلاق الحاضنة للعقلانية: تستدعي حماية العقل من التحول إلى أداة قمع بكفاءة تقنية مفرطة حرصاً مركزاً على التأكد، باستمرار لا ينقطع، من ربط العقلانية بالمنظومة الإنسانية الأخلاقية التأسيسية العليا. وذلك التزاماً بأهمية اعتماد قيمتي الكرامة الإنسانية والحرية، الإنسانيتين التأسيسيتين الجوهريتين، موجهاً معرفياً (إبستمولوجياً) يحكم مسار المعرفة، مثلما يحكم جميع التطبيقات العلمية والسياسية في المجتمع بأسره.
  • إعادة بناء المجال العام المنير: يتجاوز مفهوم المجال الحيوي العام هنا مجرد كونه مساحة مادية، أو منصة افتراضية للحوار، ليتأسس بوصفه "فضاءً وجودياً تضامنياً" يحرر "الكائن البشري الإنسان، كما الكائن البشري الساعي لالتقاط بذرة إنسانيته، والمهيئ نفسه لإدراك كماله الإنساني المحتمل" من ربقة التكلس الفكري، وضغوط البقاء البيولوجي الطاحن. ويقتضي السعي الضروري إلى تعميق هذا الفضاء وتوسيعه أن يتم انتزاعه من براثن آليات الهيمنة التي تسعى إلى تفتيت المجتمع وتحويله إلى جزر معزولة من الأفراد المستلبين، أو تشويهه عبر الفضاءات الرقمية السائلة التي تكرس التفاهة، والنزوع الاستهلاكي، ومجافاة المعرفة الإنسانية إلى حد إنكار وجودها.
حين يكون "المجال الحيوي العام" مجالاً إنسانيَّاً منيراً، فإنه يكون مؤهلاً بكل ما يتيحُ له إمكانية التحوُّل إلى حاضنةً هيكلية تمنح الكائن البشري فرصة الانعتاق من "عقل البقاء الغريزي" والتوجه نحو رحاب "الفعل التاريخي المنظم"، الذي سينهض على مخرجاتِ تَمَكُّنِه من إشعال جذوة إنسانيته الممكنة.

وإني لأحسب أن مفهوم "المواطنة الإنسانية" غير قابل لإعادة الصوغ والتجلي على نحو يستجيب لمقتضيات عصرنا إلا في هذا الفضاء الحيوي المنير؛ المؤهل وحده لإفساح المجال أمام صوغ إنساني جمعي جديد لهذا المفهوم، لا يعزله عن حقيقة أن الصراع الواسم عصرنا هو صراع بين الإنسانية الجوهرية والتوحش البشري. وأن فلسطين هي المجال الجيوسياسي الأول لهذا الصراع المفتوح، وأنَّ مظلوميتها المأساوية الجسيمة، مقرونة بمقاومة شعبها الدؤوبة الباسلة للتوحش البشري الصهيوني الأمريكي، تجعلها رافعة لتحرر الإنسانية من هذا التوحش، وطوقاً لنجاتها، وجوهراً أصيلاً يميز معناها الحضاري الوجودي العميق في هذا العصر.

وفي هذا المجال الحيوي العام سيتعلم المرء كيف يمارس نقده الذاتي والجمعي، وكيف يحول الحوار الفكري - عبر واحات ومنابر حية ومنارات وضاءة كمنصة الأنطولوجيا - إلى قوة دافعة وموجهة للمؤسسات الثقافية والسياسية والتربوية، مما يمكن "الأمة العربية" من حيازة زمام المبادرة والاستجابة الفعالة لشروط نهضتها وحداثتها الخاصة.

رابعاً: ثبات الأخلاق بوجه السيولة

إن دعوة العقل الإنساني المنير لنقد ذاته، ومراجعة آلياته بانتظام، لا تنطوي على أي قدر من التساهل - مهما ضؤل- إزاء إمكانية السقوط الفج في فوضى المصطلحات والمفاهيم، أو الانزلاق نحو "لا أدرية قيمية"، تفكيكية، وما بعد حداثية، تحيل الثوابت الوجودية الكبرى إلى مجرد نسبية سائلة ورخاوة جوفاء. وثمة بون شاسع بين مرونة المراجعة المعرفية الجذرية القابلة متضمناتها للحوار والتدقيق وإعادة البلورة والصوغ، وبين التفكيك العدمي الذي يفرغ مصطلحات من قبيل "الإنسانية" و"التوحش" من محتواها المعرفي الوجودي الراسخ.

وإني لأتساءل، مندهشاً، كيف تسنى للدكتورة الصديقة غانية ملحيس التي تتميز بوفائها لفلسطينيتها، وبسالة رؤيتها الإنسانية للعالم، أن تتساءل، وأن تكرر التساؤل موسعةً مجالاته في أكثر من موضعٍ وسياقٍ، في نصها هذا، كتساؤلها: "أفلا ينبغي أن يمتد هذا النقد إلى المعايير التي نحدد بها ما هو منير وما هو متوحش، وما هو إنساني وما يناقض الإنسانية؟" وأن تطالب بأن "نخضع أيضَاً تصوراتنا للأخلاق والإنسانية للنقد والمراجعة" حَذَراً من أن "يحتكر هذا العقل (المنير) تعريف الإنسانية التي يدافع عنها".

إن الخُباَل التفكيكيَّ ما بعد الحداثي الذي يمارسه كتاب طارئون يسلمون عقولهم للذكاء الاصطناعي ظانين أنهم يمارسون النقد الجذري الرصين، إنما يقود موضوعياً إلى تجريد الذات الفلسطينية الإنسانية المقاومة من سلاحها القيمي الأخلاقي في اللحظات التاريخية الحرجة. ولا سيما في زمن التوحش الأقصى الجاري تجسيده منذ نحو ثلاث سنوات في جرائم التدمير الكلي والإبادة الجماعية الصهيونية الأمريكية التي تستهدف فلسطين وشعبها بدءاً من قطاع غزة:
  • تهافت النسبية والأخلاق الصلبة: إن معايير العقل الإنساني المنير في التمييز بين النور والعتمة ليست صكوكاً اعتباطية أو احتكاراً سلطوياً للتعريف، بل هي استجابة واعية للمبادئ الإنسانية التأسيسية الكونية المشتركة ضد الظلم والاستبداد والتوحش والقهر. وحين يطالب هذا العقل بإخضاع مبتدئه الإنساني الأخلاقي لسيولة لا تنتهي، فإنه يتحول إلى ترف أكاديمي احترافي معزول يعجز عن إدانة الجريمة، بل ويتماهى خطره اليوم مع ما تبثه تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المعولمة، المبرمجة صهيونياً، لتمييع الحقائق ومساواة الضحية بالجلاد وفق ما تمليه منظومة الدعاية العالمية الصهيونية الإسرائيلية "هسبرا".
  • الأنسنة كمنجز يواجه التوحش: بناءً على تمييزنا التأسيسي الحاسم، فإن "الإنسانية" منجز وجودي يكتسب بالجهد الأخلاقي وليست معطى بيولوجياً مسبقاً. وترى الدكتورة غانية أن "الدفاع عن الفلسطينيين وحقهم في الحياةوالحرية والكرامة لا يحتاج إلى نزع الإنسانية عن غيرهم". والواقع أن كائنات التوحش الصهيوني—كنتنياهو وأضرابه—الذين يمارسون الإبادة المنظمة بأعلى درجات الأداتية التقنية، قد اختاروا طواعية الانحطاط صوب "العقل البشري المتوحش". إن نعتهم بالتوحش هو توصيف علمي ووجودي عار لواقع إيديولوجيتهم وأفعالهم التي نزعت عنهم صفة الإنسان، وليس نتاج "احتكار للتعريف".
  • رفض فخ الحياد أمام الإبادة: إن المطالبة بمراجعة "حدود سلطة العقل باسم التحرر" في لحظة مواجهة وجودية مع حرب إبادة، ينطوي على تعمية أخلاقية بالغة الخطورة. هذا النهج يضع فعل التحرر والمقاومة الوجودية في كفة نقدية واحدة مع فعل الإبادة الاستعمارية. إن الحياد المعياري أو التشكيك في مفاهيم الإنسانية أمام الإبادة ليس نقداً للذات، بل هو تواطؤ موضوعي مع منظومة القهر وتتويج معرفي لما تريده سردية الاحتلال وتسعى إلى تعميمه وتسييده.
خاتمة: العقل والتحول وأفق الحقيقة

إن إصلاح العقل العربي وتفعيل حضور منظومات القيم والمبادئ الإنسانية العليا لا يكمن في استعارة آليات تفكيكية تفرغ الوعي الإنساني من مرتكزاته الأخلاقية الجوهرية، بل في الجهد الجمعي الواعي لإعادة إنتاج شروط البيئة التربوية والمجتمعية الحاضنة التي ينبثق منها الوعي النهضوي التحرري، الإنساني الأخلاقي.

ولعل لأولى أوليات وأولويات حوارنا الفكري المتواصل أن تتمثل في سعينا الدؤوب لبلورة وعي تنويري نهضوي تحرري جديد يمكننا من الشروع في صوغ "البيان التأسيسي للنهضة العربية التحررية التنويرية" المنشودة، وذلك تمهيداً للانتقال إلى الخطوات التأسيسية اللاحقة؛ حيث ينبغي للتحليل البنيوي الرصين أن يلتحم بالبناء المعرفي الأخلاقي، ليعبر بالكائن العربي من ضيق التكلّس البيولوجي والتوحش الأداتي إلى رحاب العقل الإنساني المنير، والأنسنة الصاعدة صوب أعلى الذرى.

وليس لهذا الطموح الوجودي أن يأتي إلا محمولاً على أكُفِّ صيرورة عربية تاريخية شاملة تتهيأ لاندلاع عظيم يفضي بها إلى إحداث تحول تاريخي لم يكف الإنسانيون الأحرار ذوو الكرامة من العرب عن نشدانه والتوق إلى حدوثه منذ "سقوط بغداد" في يد المغول قبل نحو ثمانية وستين وسبعمائة عام (768 عاماً)، وهو الأمر الذي تجدد نشداته والتوق إليه مع الارتطام الفاجع بـ"صدمة الحداثة" التي جسدتها "حملة نابليون على مصر" التي وقعت قبل نحو ثمانية وعشرين ومائتي عام (228 عاماً). ولم يكن أمام هؤلاء الإنسانيين من مفكري العرب ومثقفيهم العضويين الجمعيين من غاية قصوى ينشدون تحققها إلا التحرر من الاستعمار الأجنبي، والنهوض الحضاري، والانطلاق، بكل قوة وثقة، في فتح أبواب الشروع في "بناء الحداثة العربية التحررية النهضويّة الخاصة".

وبطبيعة الحال، فإن غايتنا الأسمى من هذا الحوار لم تتمثل يوماً في كسب نقاط، أو تسجيل أهداف غايتها إشباع غرور ذاتي غير سوي بأي حال، بل ظلت متمثلة، طوال الوقت، في نشدان الحقيقة الصافية المؤصلة، وبثها نقية من أي شائبة في وعي الناس، وكبح جماح الخبال التفكيكي وتطبيقاته التقنية المستلبة صهيونياً.

وإذا كُنَّا قد أسسنا في هذا المقال لشروط العبور من ضيق التكلّس البيولوجي والتوحش الأداتي إلى رحابة العقل الإنساني المنير، فإننا نغلق هذا التعقيب دون أن نغلق المسار؛ إذ يبقى الباب مشرعاً لمزيد من الحفر المعرفي، والمساءلة النقدية الصارمة، وتعميق الحوار الخلاّق مع كل فكر رصين يسعى، بصدق وأمانة معرفية، إلى تجلية آفاق النهضة والحداثة العربية الخاصة في مجرى صيرورة التحول التاريخي الفعَّال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى