امين كعابنة (ابن البادية) - حين يحتكر العقل تعريف النور نقد أطروحة العقل الإنساني المنير وشروط النهضة

ليست المشكلة في أن ندعو إلى عقل منير، أو أن نميز بين الفعل الأخلاقي والفعل المتوحش، أو أن نبحث عن شروط نهضة تحرر الإنسان من القهر والاستلاب. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المفاهيم من أدوات لفهم الواقع ونقده إلى أحكام نهائية نصنف بها البشر، وحين يصبح الخطاب الذي يدعو إلى تحرير العقل أقل استعدادا لإخضاع مقدماته الخاصة للمساءلة.

من هنا، فإن أطروحة السفير الدكتور عبد الرحمن بسيسو حول الانتقال من «العقل البشري البيولوجي المحض» إلى «العقل الإنساني المنير»، والتحذير من الانزلاق نحو «العقل البشري المتوحش»، تثير أسئلة تتجاوز اختيار المصطلحات إلى الأساس المعرفي والأخلاقي الذي تقوم عليه. فهل نحن أمام نظرية تفسر تشكل العقل الإنساني، أم أمام تصنيف قيمي يمنح بعض أنماط التفكير منزلة الإنارة، ويضع أنماطا أخرى في دائرة التوحش؟ ومن يحدد هذه المنزلة، وبأي معايير، ومن يضمن ألا تتحول المعايير نفسها إلى أداة للهيمنة التي يفترض أن النهضة جاءت لمقاومتها؟

أولا: الإنسان ليس مشروعا ينتظر شهادة بالإنسانية

يقيم المقال تمييزا بين الكائن البشري بوصفه معطى بيولوجيا، والإنسان بوصفه منجزا فكريا وأخلاقيا. وقد يكون لهذا التمييز معنى حين نريد التأكيد أن الإنسانية لا تكتمل بمجرد امتلاك القدرات العقلية، بل تتجلى في الممارسة والمسؤولية واحترام الآخرين. لكنه يصبح إشكاليا حين يتحول إلى تقسيم وجودي يجعل الإنسانية مرتبة يبلغها بعض البشر، بينما يظل آخرون أسرى حالة أدنى.
فالإنسان لا يولد خارج التاريخ والمجتمع، ولا يصنع وعيه بإرادة منفصلة عن شروط حياته. إنه يتشكل في علاقات القوة والتربية والثقافة والاقتصاد، ويتأثر بالفرص والحرمان، ويكتسب قيمه ويتعلم مراجعتها. لذلك لا يمكن فهم سلوكه بمعزل عن البيئة التي تصوغ إمكاناته، كما لا يمكن اختزال مسؤوليته في الظروف التي أحاطت به.
والتمييز الضروري هنا ليس بين بشر يستحقون الإنسانية وآخرين فقدوها، بل بين أفعال تحترم الكرامة وأفعال تنتهكها، وبين ممارسات توسع الحرية وأخرى تقمعها. فالإنسان مسؤول عن أفعاله، ويجب أن يخضع للمساءلة والمحاسبة، لكن حقوقه الأساسية لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز مشروط بحكم أخلاقي يصدره غيره على مقدار إنسانيته.
إن إدانة الجريمة لا تستلزم نزع الإنسانية عن مرتكبها، كما أن الاعتراف بإنسانيته لا يخفف من مسؤوليته عن الجريمة. وهذه ليست مساواة أخلاقية بين الجاني والضحية، بل تمييز ضروري يحفظ معنى العدالة، ويمنع تحويل الإدانة إلى تفويض مفتوح للإقصاء.

ثانيا: ثلاثية العقل لا تصبح نظرية بمجرد تسميتها
يقسم المقال العقل إلى بيولوجي محض، وإنساني منير، وبشري متوحش، ثم يجعل الانتقال بينها مفتاحا لتفسير الأزمة العربية وشروط النهضة. لكن هذا البناء يحتاج إلى أكثر من التمييز الاصطلاحي: يحتاج إلى تحديد دقيق لمفاهيمه، وبيان طبيعتها، وتقديم ما يسندها من حجج وأدلة.
هل هذه أنماط نفسية قابلة للقياس؟ أم حالات فلسفية مجازية؟ أم أحكام أخلاقية على طرائق التفكير والسلوك؟ إن اختلاف الإجابة يغير طبيعة الأطروحة كلها. فإذا كانت تصنيفا علميا، وجب تحديد مؤشراته وإمكان اختبارها. وإذا كانت استعارة فلسفية، وجب ألا تقدم بوصفها تفسيرا علميا شاملا لحركة العقل والمجتمع.
ثم إن العقل الإنساني لا يتحرك بالضرورة في اتجاه تصاعدي من التكلس إلى الإنارة، ولا ينقسم الناس بصورة مستقرة إلى فئات متمايزة. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة ويستخدمها في الظلم، وقد يفتقر إلى التعليم النظامي لكنه يتحلى بالحكمة والعدل والتضامن. وقد يجمع الشخص نفسه بين التفكير النقدي في مجال والامتثال في مجال آخر.
وهذا يعني أن وصف العقل بالإنارة لا يجوز أن يتحول إلى شهادة تمنح لصاحب خطاب بعينه، كما لا يكفي وصف موقف بأنه متوحش لإثبات صحة التحليل الذي أنتجه. المطلوب هو فحص الأفعال والحجج والنتائج، لا الاكتفاء بتسمية أصحابها.

ثالثا: المفارقة الكبرى: عقل يدعو إلى النقد ويضع حدودا لنقده
يدعو المقال إلى تحرير العقل من التكلس، وإلى تحويل الإجابات إلى أسئلة جديدة، وإلى ممارسة النقد الذاتي والجمعي. وهذه مبادئ جوهرية لأي مشروع معرفي جاد. لكنه، حين يصل إلى المعايير التي تحدد ما هو منير وما هو متوحش، ينتقل إلى التحذير من مراجعتها، ويصف بعض صور هذه المراجعة بأنها تفكيك عدمي يفضي إلى تمييع القيم.
هنا تظهر المسألة الأساسية: إذا كان العقل لا يكتسب صفة الإنارة إلا بقدرته على النقد، فلماذا تتراجع هذه القدرة حين يصبح موضوع النقد هو تعريفه الخاص للإنارة؟
لا تعني مراجعة معايير الأخلاق إنكار الأخلاق، ولا يعني نقد مفهوم الإنسانية إلغاء الكرامة، ولا تعني مساءلة حدود العقل التسليم بالنسبية المطلقة. فثمة فرق بين التشكيك في وجود الظلم، ومراجعة المفاهيم التي نستخدمها لفهمه؛ وبين إنكار الجريمة، وفحص اللغة التي نصفها بها؛ وبين التخلي عن القيم، ومساءلة من يدعي احتكار تفسيرها.
إن القيم الإنسانية تحتاج إلى ثبات يحميها من العبث، لكنها تحتاج كذلك إلى نقد يحميها من التوظيف السلطوي. ولا تناقض بين الأمرين: يمكن أن نتمسك بالكرامة الإنسانية، وأن نرفض التمييز والقهر، وفي الوقت نفسه نسأل عن مدى اتساق تطبيق هذه المبادئ، وعن حدود فهمنا لها، وعن احتمال أن نمارس باسمها ما يناقضها.
أما تحصين تعريفاتنا من المراجعة، بحجة حماية القيم من التفكيك، فينطوي على مفارقة: إذ قد يتحول الدفاع عن العقل النقدي إلى وسيلة لتقييد النقد حين يمس المقدمات التي يفضلها أصحاب الخطاب.

رابعا: حين تصبح اللغة بديلا عن تفسير الواقع
يمتلئ المقال بمفاهيم مثل «التكلس البيولوجي»، و«الاستلاب»، و«العقل الجمعي المنير»، و«الفضاء الوجودي التضامني». ولا تكمن المشكلة في كثافة المصطلحات بذاتها، بل في اتساع الوظائف التفسيرية التي تسند إليها من دون تحديد كاف لآلياتها وحدودها.

فما المؤشرات التي تتيح لنا القول إن العقل قد جُمّد بيولوجيا؟ وكيف نميز أثر القهر السياسي من أثر الفقر أو ضعف التعليم أو انعدام الفرص؟ وكيف نقيس قدرة الحاضنة الاجتماعية على تنمية الاستقلال الفكري والمسؤولية الأخلاقية؟
إن تسمية الظاهرة ليست تفسيرا لها، والمصطلح لا يتحول إلى دليل لمجرد وضعه داخل بناء فلسفي متماسك لغويا. وحين يراد لمفهوم واحد أن يفسر أزمة التعليم والسياسة والثقافة والمجتمع، تصبح الحاجة إلى التفصيل والتحليل أشد، لا أقل.
والنهضة لا تحتاج إلى لغة تصف تعقيد الواقع فحسب، بل إلى معرفة تكشف آلياته الفعلية، وتحدد مواضع التدخل الممكنة، وتسمح باختبار النتائج. وإلا بقيت خارطة الطريق أقرب إلى إعلان عن الغايات منها إلى تحديد الطريق المؤدي إليها.

خامسا: لا المجتمع كتلة متوحشة، ولا الفرد عقل معزول
يحمّل المقال المؤسسات التربوية والثقافية والسياسية والاجتماعية مسؤولية إعادة إنتاج الامتثال والتكلس، ويجعل البيئة الحاضنة شرطا للانتقال إلى العقل المنير. غير أن هذا التصور، على أهميته في إبراز أثر المجتمع، يحتاج إلى تجاوز النظرة التعميمية للمؤسسات والبنى الاجتماعية.
فالمدرسة قد تعيد إنتاج التلقين، لكنها قد تفتح أيضا مجالا للتساؤل والاستقلال. والبنية العشائرية قد تفرض بعض أشكال الامتثال، لكنها قد تؤدي كذلك وظائف التضامن والتكافل وحماية الضعيف. ولا يمكن فهم أي مؤسسة من خلال اسمها أو انتمائها وحده، بل من خلال ممارساتها الفعلية، وعلاقات القوة داخلها، والنتائج التي تنتجها.

كما أن الإنسان ليس مجرد نتاج سلبي لبيئته؛ فقد يقاومها ويغيرها، مثلما قد يعيد إنتاجها من دون وعي. ولذلك فإن تفسير الأزمة يحتاج إلى فهم جدلي للعلاقة بين الفرد والمؤسسة: كيف تصوغ البنى خيارات الناس، وكيف يستطيع الناس، عبر المعرفة والتنظيم والممارسة، تغيير تلك البنى.
أما القول إن العقل ينتقل إلى الإنارة حين يجد الحاضنة المناسبة، فلا يكفي وحده لتفسير شروط هذا الانتقال. فمن يبني الحاضنة؟ وكيف توزع السلطة داخلها؟ ومن يراقبها إذا ادعت احتكار تعريف الوعي الصحيح؟ وكيف نحميها من إعادة إنتاج الامتثال تحت اسم جديد؟
هذه أسئلة لا تعطل مشروع النهضة، بل تمنعه من إعادة إنتاج المشكلة التي يسعى إلى حلها.

سادسا: فلسطين والكرامة الإنسانية: وضوح الموقف لا يلغي نقد أدواته
تحتل فلسطين مكانة مركزية في المقال بوصفها ساحة للصراع بين الإنسانية والتوحش. ولا خلاف على ضرورة إدانة الاحتلال والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، والدفاع عن حقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
لكن قوة الموقف الفلسطيني لا تحتاج إلى تحويل مرتكبي الجرائم إلى فئة بشرية خارجة عن الإنسانية، ولا إلى اعتبار مراجعة المفاهيم الأخلاقية تواطؤا مع الاحتلال. فالإدانة الواضحة للجريمة يمكن أن تجتمع مع نقد اللغة التي نصفها بها، ومع مساءلة الأسس التي نبني عليها أحكامنا، دون أن يؤدي ذلك إلى مساواة الضحية بالجلاد.
إن وصف الإبادة بالإبادة، والاحتلال بالاحتلال، والعنصرية بالعنصرية، يستند إلى وقائع ومعايير أخلاقية وقانونية، لا إلى إعلان هوية أخلاقية لمرتكبيها. والمحاسبة تقتضي تحديد الأفعال والمسؤوليات والأدلة، لا الاكتفاء بتصنيف وجودي شامل.
كما أن التمسك بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان لا يستلزم تحصين تطبيقاتها من النقد. فقيمتها الأساسية أنها توفر مرجعية للدفاع عن الحقوق ومساءلة السلطة، بينما تظل ممارسات الدول ومؤسساتها وتفسيراتها موضع فحص ومحاسبة.
والموقف الأخلاقي الأكثر صلابة هو الذي يتمسك بالحق الفلسطيني، ويرفض تمييع الجرائم، ولا يتخلى في الوقت نفسه عن النقد الذي يحمي القيم من الانتقائية والتوظيف.

سابعا: من بيان النهضة إلى شروط التغيير الفعلي
ينتهي المقال إلى الدعوة لصوغ بيان تأسيسي للنهضة العربية التحررية التنويرية، وإلى بناء حاضنة تربوية واجتماعية تتيح الانتقال إلى الفعل التاريخي. لكن الانتقال من الرؤية إلى المشروع يقتضي تحديد أولويات عملية، وآليات تنفيذ، ومسؤوليات واضحة، ومعايير يمكن من خلالها تقييم النتائج.
فلا يكفي أن ندعو إلى تعليم منير؛ ينبغي أن نحدد كيف نغير المناهج وأساليب التدريس وعلاقات السلطة داخل المدرسة. ولا يكفي أن ندعو إلى مجال عام حر؛ ينبغي أن نحدد كيف نحمي حرية التعبير والاختلاف، وكيف نضمن مساءلة المؤسسات. ولا يكفي أن ندعو إلى الكرامة؛ ينبغي أن نكشف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تجعل انتهاكها أمرا متكررا.
كما أن الوعي لا يسبق التغيير دائما، بل يتشكل من خلال المشاركة والتجربة والممارسة. لذلك لا يمكن انتظار اكتمال العقل المنير حتى تبدأ النهضة، ولا افتراض أن المجتمع سينتقل دفعة واحدة من التكلس إلى الإنارة. النهضة سيرورة تاريخية تتقدم بالتجربة، وتتعثر، وتراجع أدواتها، وتتعلم من أخطائها.

وهنا يكون السؤال الأهم: هل نريد مشروعا يحدد مسبقا صورة العقل الصحيح ثم يطلب من المجتمع أن يلتحق بها، أم مشروعا يبني مؤسسات تتيح للناس التفكير والمشاركة والاعتراض وتصحيح المسار؟ الفرق بينهما هو الفرق بين نهضة تعيد إنتاج الوصاية، ونهضة تجعل التحرر ممارسة اجتماعية فعلية.

خاتمة: لا عقل منيرا خارج المساءلة
إن المأخذ الجوهري على أطروحة بسيسو ليس دفاعها عن الإنسانية والكرامة والحرية، بل ميلها إلى تحويل بعض هذه المفاهيم إلى تصنيفات وجودية للبشر، وإلى التحفظ على مراجعة المعايير التي تحدد العقل المنير، مع أن النقد والمراجعة من أهم الشروط التي يمنح بها العقل نفسه شرعية معرفية.
فالإنسانية ليست امتيازا يحتكره خطاب، ولا العقل المنير رتبة يمنحها صاحبها لنفسه أو لمن يتفق معه. إنهما مفهومان ينبغي أن يظلا مفتوحين على المساءلة، لا لأن القيم بلا ثبات، بل لأن ادعاء تمثيلها لا يعصم أحدا من الخطأ.
نستطيع أن نتمسك بالكرامة الإنسانية دون أن نجعلها تعريفا مغلقا، وأن ندين الظلم دون أن نحول الإدانة إلى إقصاء، وأن ندافع عن فلسطين دون أن نساوي بين الحق والباطل أو نحصن خطابنا من النقد. فثبات المبدأ لا يتطلب جمود تفسيره، والوضوح الأخلاقي لا يتعارض مع الصرامة المعرفية.
إن العقل الذي يطالب الآخرين بمراجعة أفكارهم، ثم يضع حدودا لاختبار مقدماته الخاصة، لم يستكمل شروط الإنارة التي يدعو إليها. والنهضة التي لا تراجع مفاهيمها، ولا تسمح بمساءلة من يتحدث باسمها، قد تعيد إنتاج الوصاية التي جاءت لتحرير الإنسان منها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى