موسى مليح - الإرادة والانتخابات في المغرب

Moussa
الإرادة والانتخابات في المغرب:
بين الاختيار الشعبي والتدبير الحزبي
تُعبّر الإرادة عن حرية الاختيار والتصرف بعيدًا عن الإكراه والوصاية. وفي المجال السياسي، تشكل أساس العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الناخب وممثليه، وبين المؤسسات المتولية لتدبير الشأن العام. وفي المغرب، تتفاعل ثلاثة أبعاد للإرادة السياسية: الإرادة الشعبية، والإرادة الحزبية، والإرادة الملكية، داخل إطار دستوري يحدد اختصاصات كل طرف وحدود تدخله.
الإرادة الشعبية بين الاستفتاء والانتخابات
تتجلى الإرادة الشعبية من خلال الاستفتاء، الذي يتيح للمواطنين التصويت مباشرة على قضية محددة، والانتخابات التي يختارون عبرها ممثليهم. غير أن قياس هذه الإرادة لا يرتبط بالنتائج وحدها، بل يشمل أيضًا نسب المشاركة والعزوف.
ففي استفتاء فاتح يوليوز 2011، بلغت نسبة الموافقة المعلنة على الدستور 98.49 في المائة من الأصوات المعبر عنها، بعد حراك 20 فبراير وإعلان الملك محمد السادس، في 9 مارس، عن إصلاح دستوري أعقبته مشاورات وإعداد مشروع الدستور وعرضه على الاستفتاء. وقد جسّد هذا المسار تفاعل المطالب المجتمعية والمبادرة الملكية والمشاركة السياسية، كما أبرز أهمية التمييز بين التصويت على قضية دستورية محددة والمشاركة في الانتخابات التشريعية، التي تتأثر بعوامل متعددة، في مقدمتها الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
الانتخابات ومؤشرات العزوف
لا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد الفائزين، بل تشمل قياس مدى انخراط المواطنين في الحياة السياسية. وبحسب المعطيات الواردة بشأن انتخابات 23 شتنبر 2026، بلغ عدد المسجلين 15,801,162 شخصًا، مقابل 6,017,082 مصوتًا، أي بنسبة مشاركة تقارب 38.1 في المائة. كما تشير المعطيات إلى تفاوت جهوي في المشاركة، وإلى أن الفئة التي تتجاوز 45 سنة تمثل 60 في المائة من الهيئة الناخبة.
وتستدعي هذه الأرقام التحقق من مصادرها الرسمية وتحليل أسباب العزوف، سواء ارتبطت بضعف الثقة في الأحزاب، أو محدودية البدائل السياسية، أو عدم الاقتناع بجدوى التصويت. فالعزوف ليس مجرد غياب عن مكاتب الاقتراع، بل ظاهرة سياسية واجتماعية تستوجب البحث في دوافعها، مع التمييز بين مختلف الفئات والمجالات الجغرافية.
الإرادة الحزبية وحدود الاختيار الشعبي
تتجلى الإرادة الحزبية في اختيار المرشحين ومنح التزكيات، وانتخاب القيادات، وصياغة البرامج والمساهمة في تشكيل المؤسسات. وتتمثل الوظيفة الأساسية للأحزاب في تأطير المواطنين وتحويل مطالبهم إلى بدائل سياسية قابلة للتنفيذ. غير أن معايير منح التزكيات تثير إشكالات تتعلق بمدى حضور الكفاءة والنزاهة في مقابل النفوذ والاعتبارات الانتخابية والقدرة المالية.
ويمتد الدور الحزبي إلى تشكيل الحكومة؛ فرئيس الحكومة لا يُنتخب مباشرة، بل يعينه الملك من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، وفق الفصل 47 من الدستور. أما رئيس مجلس النواب، فيُنتخب داخل المؤسسة البرلمانية وفق القواعد المنظمة لذلك، في ظل التحالفات والتوافقات السياسية. وتُبرز هذه الآليات أهمية تطوير الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتعزيز الشفافية في اختيار المرشحين، وتقديم برامج واضحة تساعد الناخبين على المفاضلة بين البدائل المتاحة.
الإرادة الملكية والإطار الدستوري
يحدد الفصل الأول من الدستور نظام الحكم باعتباره ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية. ويبرز الفصل 41 مكانة الملك بصفته أمير المؤمنين، فيما ينص الفصل 42 على صفته رئيسًا للدولة ورمزًا لوحدة الأمة وضامنًا لدوام الدولة واستمرارها وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي.
وتُمارس الاختصاصات الملكية في إطار الدستور والقواعد القانونية المنظمة لها. لذلك يقتضي فهم الحياة السياسية التمييز بين اختصاصات المؤسسة الملكية، وأدوار الأحزاب، ومجالات القرار التي يشارك المواطنون في حسمها انتخابيًا. وقد شكّل مسار دستور 2011 مثالًا على تفاعل المبادرة الملكية والمطالب المجتمعية والمشاركة السياسية ضمن مسار دستوري انتهى بالاستفتاء وإصدار الوثيقة الدستورية.
نحو تمثيلية أكثر مصداقية
تتطلب مصداقية الانتخابات، إلى جانب المشاركة الواسعة، شروطًا تضمن نزاهة المنافسة وتكافؤ الفرص. فارتفاع كلفة الحملات الانتخابية يطرح إشكالات تتعلق بشفافية التمويل وتأثير الإمكانات المالية في فرص الوصول إلى المؤسسات. كما أن اقتراح حد أدنى للمشاركة حتى تكتسب الانتخابات صلاحيتها يستدعي دراسة قانونية وسياسية متأنية، تفاديًا لاحتمال تكرار الاقتراع أو تعطيل المؤسسات.
إن فعالية الإرادة السياسية لا تتحقق بمجرد تنظيم الانتخابات، بل تتوقف على الثقة في الأحزاب، ووضوح البرامج، وعدالة المنافسة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويظل تعزيز مشاركة المواطنين رهينًا بقدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعاتهم، وبمدى شعورهم بأن أصواتهم تؤثر في القرار العام، وأن الوعود الانتخابية تخضع للمساءلة، وأن التمثيلية السياسية تستند إلى مشاركة شعبية واسعة وثقة متجددة.
موسى مليح
الدار البيضاء، 20 أكتوبر 2026
00:03
Moussa
الصورة الشعرية في زجل سعاد لبنين:

خيط من الشمس يدفّئ السرّ

حين تكتب سعاد لبنين قصيدة زجلية، تكتبها بحرفية واضحة وجميلة. فهي لا تنصب الأفخاخ بين أغصان السطور، ولا تتصنع إدراج الألفاظ الغريبة والأشد بداوة، ولا تتقمص دور الواعظ في الزجل، كما أنها لا تدّعي امتلاك الحقيقة أو المعرفة المطلقة. إنها، ببساطة، تنقل رؤيتها إلى محيطها، مستندة إلى إحساس مرهف تشكّل عبر طبقات من المعاناة وتجارب حلوة ومرة عاشتها، وعززتها برؤية اجتماعية وفنية متميزة.

ولعل أول ما يستوقف القارئ أو المستمع في قصائد سعاد لبنين هو الحضور القوي للصورة الشعرية، حتى ليخيّل إليه أن الشاعرة تحيا بالصورة وتتنفس من خلالها. فالصورة عندها ليست زينة لغوية، بل وسيلة لاكتشاف التجربة الإنسانية والتعبير عن خباياها، وتحويل المشاعر والأفكار إلى مشاهد محسوسة تنفتح على دلالات متعددة.

في هذه الومضة الزجلية، المكتوبة بتاريخ 27/08/2026، تتأسس التجربة الشعرية على مجموعة من العناصر المتشابكة: السر، والكلمة، والحرف، والعشق، والباب، والشمس. وهي عناصر تنتقل من دلالاتها الحسية المباشرة إلى رموز نفسية ووجدانية، لتشكّل في مجموعها عالمًا شعريًا تحكمه ثنائية الداخل والخارج، والخفاء والانكشاف.

تبدأ الشاعرة بقولها:

«ماقدرتش نعطيك بالظهر
وانت ماشي وحداني»

إن عبارة «ماقدرتش نعطيك بالظهر» تتجاوز معناها المباشر لتصبح كناية عن العجز عن التخلي عن المخاطَب أو التنكر له. فالظهر هنا ليس مجرد عضو جسدي، بل علامة على القطيعة والهجر وإدارة الوجه بعيدًا عن الآخر. ويأتي الشطر الثاني ليضيف إلى هذا الارتباط بُعدًا غامضًا، حين تؤكد الشاعرة أن مخاطَبها ليس وحيدًا. غير أن هذا الحضور لا يتضح تمامًا إلا عندما تربطه بمعرفة السر، وكأن العلاقة بينهما تتأسس على معرفة مشتركة لا يملكها الآخرون.

تقول الشاعرة:

«حيث انت لي عارف السر
والباقي براني»

هنا تنشأ مقابلة دلالية بين المخاطَب العارف بالسر، والآخرين الذين يظلون خارجه. ولا تعود كلمة «براني» مجرد وصف لما هو خارجي، بل تصبح تعبيرًا عن المسافة التي تفصل الآخرين عن عمق التجربة. فهناك من يستطيع النفاذ إلى الداخل، وهناك من يبقى على العتبة، عاجزًا عن إدراك ما تخفيه الذات وراء كلماتها وصمتها.

وتتعمق هذه الدلالة في قولها:

«سر الكلمة من خرجت بالجهر
الحرف عود حراني»

تضعنا الصورة الأولى أمام مفارقة لافتة: للكلمة سرّ، لكن خروجها إلى العلن قد يكشفه أو يغيّر طبيعته. فالكلام ليس مجرد إعلان عما في الداخل، بل انتقال من الخفاء إلى الانكشاف، وربما فقدان لجزء من خصوصية التجربة بمجرد الإفصاح عنها.

أما صورة «الحرف عود حراني»، فتفتح مجالًا للتأويل. إذ يتحول الحرف إلى عود، بما يحمله اللفظ من احتمالات موسيقية ومادية، فيما توحي صفة «حراني» بالحرارة أو الاحتراق. وهكذا يغدو الحرف، في أحد وجوه قراءته، أداة لإنتاج النغم والألم معًا؛ فهو لا ينقل التجربة في براءة، بل يحمل حرارة الانفعال وأثره في النفس. وتظل هذه الصورة مفتوحة على دلالات أخرى يحددها السياق الزجلي وطريقة أداء الشاعرة.

وفي المقطع التالي، ينتقل العشق من المجال العاطفي إلى المجال الروحي والأخلاقي:

«سر العشق ملي تاب وتقهر
وكفر عاودت تاني»

تمنح الشاعرة العشق صفات الإنسان القادر على التوبة والخضوع والقهر، ثم العودة إلى ما يشبه الكفر. إنها استعارة تشخيصية تنقل الحب إلى لغة دينية، فيصبح العشق تجربة تتأرجح بين الإيمان والإنكار، والخضوع والتمرد، والابتعاد والعودة. ويكشف هذا التداخل عن تناقضات العاطفة الإنسانية، حين لا تستطيع الذات التخلص من حبها، حتى وهي تحاول مقاومته أو التنصل منه.

وتبلغ الصور كثافتها في قولها:

«سر الباب لي بلا ساروت تحل»

فالباب الذي ينفتح من دون مفتاح يتجاوز وظيفته المادية ليصبح رمزًا للقلب أو المعرفة أو النفاذ إلى عالم الآخر. أما «الساروت»، أي المفتاح، فيمثل الوسيلة المعتادة للعبور، لكن غيابه يطرح احتمالًا شعريًا آخر: ثمة أبواب تنفتح بفعل الألفة أو الحب أو المعرفة الباطنية، من غير حاجة إلى مفاتيح ظاهرة. ولعل هذه الصورة تتصل بما سبقها؛ فالمخاطَب الذي يعرف السر يبدو قادرًا على الوصول إلى ما يظل مغلقًا أمام الآخرين.

ثم تأتي الصورة الأكثر إشراقًا في القصيدة:

«دخل خيط
من الشمس دفاني»

إنها صورة شديدة التكثيف، تقوم على انتقال دلالي من الشمس إلى الخيط، ومن الخيط إلى الدفء. فالشمس، على اتساعها وقوتها، لا تدخل كاملة، وإنما يتسلل منها خيط رفيع، لكنه يكفي لمنح الذات دفئًا تحتاج إليه. وهنا تتحول أشعة الشمس إلى حضور حميم، وتصبح الإضاءة فعلًا وجدانيًا، لا مجرد ظاهرة طبيعية.

يمكن لهذا الخيط أن يرمز إلى الحب أو الأمل أو المعرفة أو كلمة صادقة تنفذ إلى أعماق النفس. وما يمنح الصورة قوتها هو التناسب بين ضآلة الداخل واتساع الأثر: خيط واحد يستطيع أن يبدد شيئًا من البرد الداخلي، وأن يمنح الذات إحساسًا بالحماية والطمأنينة.

وتعود القصيدة في نهايتها إلى الثنائية التي افتتحت بها عالمها:

«عارف شلا اسرار
والباقي فيا براني»

فالذات تعرف أسرارها، لكنها لا تكشفها كلها. وما عدا ذلك يظل خارجها، حتى إن بدا قريبًا منها. وبذلك تستعيد النهاية صورة الداخل المحفوظ والخارج الممنوع، وتؤكد أن العلاقة بالمخاطَب ليست علاقة عادية، بل علاقة تقوم على معرفة استثنائية لا تتاح للجميع.

إن الصورة الكبرى التي تنتظم هذه الومضة هي صورة السر بوصفه عالمًا داخليًا مغلقًا، تتوزع حوله بقية الصور: الكلمة التي تكشف وتخفي، والحرف الذي يحمل حرارة التجربة، والعشق الذي يتقلب بين التوبة والتمرد، والباب الذي ينفتح بلا مفتاح، والشمس التي ترسل خيطًا من الدفء إلى الداخل.

وتستمد القصيدة تماسكها من هذه العلاقات، لا من استقلال كل صورة عن الأخرى. فكل صورة تضيف معنى إلى تجربة وجدانية يظل جانب منها غامضًا، لأن السرّ لا يُقال كله، ولأن الإفصاح لا يعني بالضرورة الكشف الكامل.

ولعل أبرز ما يميز هذه الكتابة أن الصور الشعرية لا تسعى إلى الإبهار البلاغي المجرد، بل تنبع من حاجة داخلية إلى التعبير عن تجربة يصعب قولها بصورة مباشرة. ومن هنا تكتسب صورة «دخل خيط من الشمس دفاني» قيمتها الخاصة؛ فهي لا تختصر القصيدة فحسب، بل تضيء عالمها كله. فبينما يظل السرّ محاطًا بأبواب مغلقة، يكفي خيط صغير من النور كي يمنح الداخل دفئًا، ويجعل ما تعجز الكلمات عن كشفه قابلًا للإحساس.

موسى مليح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى