حين غادرتُ المدينةَ كانت ما تزال تحترق .. لم ألتفت ورائي لألقي عليها النظرةَ الأخيرةَ .. لكنني أحسستُ أن ألسنةَ اللهبِ ما تزالُ مرتفعةً ، أدركتُ ذلك من الهسيسِ الذي لا يكاد يُسمع ، وأخبرني بذلك الهواءُ ، ورملُ الصحراء الذي غاصتْ فيه أخفافُ راحلتي ، والكثبانُ التي اصطبغتْ بضياءٍ برتقاليٍ شفيف...
مثل كلبٍ شريد بمقلتين دامعتين
اقبض بأسناني على كتابي
وأركض من شارع لشارع
يلاحقني الرفاق
والغوغاء
والإئمة المزيفون
والسماسرة
والذباب.
وكالكلب ألهث .. لا أحمل شيئاً
غير هذا الكتاب اللعين.
-إززززز !
رصاصة فوق رأسي
وأخرى بين ساقيَّ
(أين الخرابة المهجورة
لماذا ظللت اليها الطريق؟)
-إزززز !
رصاصة بين...
لأنني ساذج ، لأنني ثخين المخ ، سأسلخ الساعات الأخيرة التي تبقت لي على هذه الأرض في شتمكم ...
تسألوني من أين واتتني الجرأة ؟
عجباً..! لقد نسيت خوفي في مكان ما .. هناك ، في الأحراش الجنوبية ….
أسألكم عن صغيري .. طفلي الحبيب الذي غادر الماء ولم يرجع ، لم قتلتموه ؟ والى أين أخذتم أنثاي .. وإخوتي...