د. سامي عبدالعال

بعضُ الخطيئةِ– كما يوضح تاريخُ الأديان- يُشبِه الأوبئةَ لمَنْ يصادفُها. الاجتياح واحد والفعل واحد وكذلك ردود الأفعال واحدة، هذا عدا تأثيرهما الذي يتجاوز الأفراد ... هكذا قد يصور رجال الدين خطورة الخطايا التي يرتكبها البشر، يصفونها بلغة العدوى معتمدين على نبرة التعميم ويقين النتائج وانتظار...
في دائرة التداول العام، من يُعطِّكَ حبْلاً، ضَّعه( لِفه) حول رقبتهِ. تقول الأمثال الشعبية" من ذقنهِ وافتلْ له" كأحد الأساليب لكشف تناقضات المتحدث( الكاتب/ الخطاب) ونقض مبرراته وإظهار زيفها. وبخاصة إذا كانت صيغ الكلام عنيفة ولا تترك المتلقي وشأنه إنما تلاحقه بقيود غير مرئية. إنَّ أعمق ما يُفكِّك...
كمْ راجتْ مقولةُ: "السياسة فن الممكن" art of possible ردحاً طويلاً ومازالت، تعلقت بما هو متاح، رسخّت احتمالات بعينها( هي الممكن لا غير). وبدا الحاكم العربي مهتماً بإدارة ممكناته كما يدير خِرافه الضالة، لأنَّ مقولات الأنظمة العربية بمثابة الخبز السياسي الوحيد، يعجنونه بماء القهر ليلاً ونهاراً،...
تبدو المجتمعات عاريةً كأشجارِ الخريف، عندما تفتقد الأسئلةَ الضرورية لحياتها. الحياة بدون أسئلةٍ مجرد أوقات تصادفُ أخرى بلا آفاقٍ للمستقبل. من هنا كان السؤال خارج التوقُّع، كما لا يُطرح في الغالب إلاَّ بمهامٍ أكثر جذرية. إنَّه يصوِّب سهامه المارقة نحو الحقائق الإنسانية التي لا تتزحزح. والمثير...
البحر معنى، فكرة، حقيقة، كذلك خيال وأوهام، هو الكائن واللاكائن، الحياة والموت... إنه يشكل رقعة أحلامنا وهواجسنا.. هذا التناقض هو مجمل صورته. لماذا لا يكون موضُوعاً فلسفياً؟! كيف نقرأ دلالات البحر ( في اللاهوت والفكر والسياسة) بحيث يكون لدينا تاريخ فكري للماء؟ إذ اعتبرت التقاليد الفلسفية أنَّ...
ليس هذا السؤال ساذجاً رغم أنَّه مألُوف الطرح، وفيما يبدو لن تكون إجابتُه بسيطةً. صحيح أنَّ الكراهية جزءٌ من نسيج الحياة الإنسانية، وأنَّها جانب مُراوِغ يتم تبريره على مستوياتٍ عدةٍ، ولكنها لا تُعْطّىَ مجاناً، فهي ليست واقعةً عشوائيةً. إذن يتجدد الاستفهامُ بطرقٍ أخرى: لماذا تكره( أنتَ) شيئاً ما؟...
ما أضيق حدود السياسة لدرجة التداخل قديماً وحتى الآن، وما أقربها من وسائل للهيمنة على الشعوب. فالحروب هي الاختبار الوجودي لكل ما يحمله الإنسان من ذاكرة وتاريخ، يكون أو لا يكون، لكنه يقتفي آثار مآسيه ولا يتعلم منها. "كتاب السلطان" لآل عثمان يُشبه " كتاب الأمير" لمكيافيللي، بعدما ظهرت نوايا تركيا...
لا نحتاج عناءً كبيراً لتخيُل أنَّ دونالد ترامب يماثل أوديباً في مسرحية الكاتب اليوناني سوفوكليس(أوديب ملكاً Oedipus the King )، حيث الأسطورة القائلة بنبوءة الابن الذي سيقتل أباه الملك ويتزوج أمه. السؤال إذن: من(الأب) بالنسبة لترامب ومن(الأم) وكيف سيحدث ذلك؟! أحياناً تكرر السياسة الأساطير بشكل...
بعد أيّةِ تحولاتٍ سياسيةٍ كبرى تمُر بها مجتمعاتُنا الإنسانية ( مثل الثورات، تغيير الأنظمة الحاكمة، الاصلاحات الجذرية في أبنية الدول...)، ثمة حاجةٌ إلى التذكير بأهمية كلِ فعلٍ عامٍ. أقصد ضرورة الكشف عن معناه ورواسبه الضمنية والعوالق التي تعلق به، لأنه كشأن يخص المجتمع ربما يتعرضُ للانحراف طالما...
حجمُ الإهانةِ داخل أيِّة ثقافةِ متعثرةٍ لا يتم باجترار كهوفها المظلمة ومواضِع التخلف فيها، إنما بإفشال إمكانية نقد وغربلة الأسس القائمة عليها، والحيلولة دون فهمِ الأحداث والقضايا فهماً حقيقياً. والإهانةُ ليست أخلاقيةً هنا، لكنها معرفية، لأن الأخلاقيات لدينا تنفذُ إلى كافة المستويات وتتشكل بأكثر...
ظهرت صناعة الرعاع ( السوقة والغوغاء) في جسد الثقافة لدى العرب مبكراً ومن ثمَّ عبر تراث المجتمعات العربية. إذ شكلوا ظاهرةً عصيةً على التفسير لأول وهلةٍ، لأنَّهم بمثابة الوجه الضروري لغلبة نمط السلطة واستبدادها. و لن تُدرك أية سلطة أحوالَّهم ولن تضعهم بين قوسين ما لم تُدرك أولاً ماذا تفعل هي، بل...
لم يَكُّن التاريخُ ليقْصُد تعطيل المُراقبة الدينية على المؤمنين مثلما يفْعل حالياً بسبب الأوبئة، لأنَّ تاريخ المعتقدات قد كُتِبَ بطريقة المُراقبة تدخُلاً فيما لا يجب. الفقهاء والقساوسة والحاخامات والشُراح جميعهم نهضوا بفرْز الأنفاس والحركات والسكنات والأعمال الخاصة باتباع الأديان وتصنيفها...
" كُلَّما سمعت كلمةَ مثقفٍ.. تحسسْتُ مسدسي" ... عبارةٌ ذات رائحةٍ نفاذة كرائحة البارود لبول جوزيف جوبلز Paul Joseph Goebbels وزير دعاية هتلر في الحقبة النازية. وبخاصة أنّه شخص قد انشغلَّ بحياكة الأكاذيب وتضخيم السلطة وتمجيد النزعة الهتلرية. وأمثال هذا الجوبلز (شرقاً وغرباً) تتحول أدمغتُهم إلى...
" أنّا مَسْؤولٌّ عَمَا أَقُوْله لكُّمْ...، ولَكْنَنِي لسْتُ مَسْؤُولاً عَمّا تَسْمَعُونّهُ مِنْي..." أحياناً قد نمسكُ الكلمات بين أناملنا ونقلبها ذات اليمين وذات الشمال، ولكن سرعان ما نكتشف - بطريقة سورة الكهف- أنَّ كلْبَنا هو الفكر الذي يبطّنها من الداخل، ".. وكلبهم باسطٌ ذراعيه...
في أفعال الكلام والخطاب، تبدو اللغةُ دوماً كفرشاةٍ ترسمُ لوحةَ الفكرِ وتعيد تأسيسه بعدما كان دون معالم، هي تقف عند الجذور منه لا مجرد وعاء فارغ له. المُباعدة أو المُبارحة بين اللغة والفكر أمران غير واردين بالمرة، لدرجة أنَّه إذ نعبرُ تعبيراً ما في سياقٍ معين، نستغرق بالفكر فيما نقول. وما قد نراه...

هذا الملف

نصوص
163
آخر تحديث
أعلى