أسماء محمد مصطفى

هبط الليلُ على الفضاء حولي، وخيّم على بيتي الكارتوني الملأى حيطانه وجدرانه بالثقوب والتشققات، حين بدأت أسأل أين عساني ذهبت؟! لم أدر ِ متى كانت آخر مرة رأيُتني فيها، ومنذ متى لم أعد اليّ. كان بيتي خاوياً مني، لكنني شعرت بافتقاده لي. لم تردعني الظلمة التي زحفت على المكان بسرعة، عن البدء بالبحث...
(الى ابنتي الراحلة الحاضرة، الرسامة الملهمة سماء الأمير التي نشرت الأمل والفرح بالرغم من معاناتها مع المرض والإعاقة) في ظهيرة آب، بعد انقشاع غيوم الحرب التي أمطرت على البيوت والقلوب سخاماً، أرسلت الشمس جدائل مختلفة الألوان الى تلك البلدة، ماجعلَ الناس يفتحون أفواههم مذهولين أمام ذلك الحدث...
"أهدي هذه القصة القصيرة الى ابنتي الراحلة الحاضرة ، الرسامة والإنسانة الملهمة سماء الأمير" وحيدة ، يدور بي دولاب الهواء المطل من المتنزه العام على حديقة داري ، أفكر بمصير خصلة الشعر الشقراء التي عثرت عليها في مجفف الشعر ، ووقعت من يدي في الحديقة وأنا في طريقي للمتنزه ، فدفنتها ، وأكملت سيري ...
كل شيء يمضي الى زوال بلعبة عبثية مكشوفة ، حتى ذلك الطريق الذي اعتاد اجتيازه بسيارته الفارهة ، رواحاً ومجيئاً ، بين بيته ومؤسسته المهمة التي يديرها . كلما جلس الى مكتبه ، ماداً قدميه على مقربة من سلة المهملات يرتفع أنين مزدوج يصطدم بسجادة غرفته الفخمة دون أن يعرف مصدره ، فقد انشغل ، دوماً ، برأسه...
يتصاعد أنين المرأة ذات الثوب الأسود بين الأشواك ، وهي مستلقية عند الجرف وشعرها سجادة تمتد الى نهر أحمر .. فمنذ وقت ليس ببعيد ، وجدت نفسها حبيسة الأسوار الشوكية التي كلما تتكاثر حولها ، يشتد أنينها. يتداخل مع الانين صراخ يتصاعد من وراء الأسوار ، تكاد لاتسمعه .. فهي منهكة لاتقوى إلاّ على البكاء...
قرعت الحرب طبولها ، واُستدعيَ شباب القرية للالتحاق بالخدمة العسكرية . ذهبَ مع الملتحقين من نظرائه . في يوم مغادرته عثرت والدته على حمامته ميتة في باحة الدار . لم تكن الحمامة تشكو مرضاً او تعاني شيئا كما كان ظاهراً ، الامر الذي جعل الأم تستغرب موتها ، وتبكي أيضاً ، لأن ابنها ربى الحمامة مذ كانت...
عتدتُ يومياً، أن امسح زجاج مقدمة السيارة الفارهة التي تمر بهذا التقاطع المروري، وأن أتأمل ذلك الفتى الوسيم الذي يجلس على المقعد الامامي الى جانب السائق الأنيق. لم يقل الفتى عنه اناقة، وحقيبته جميلة جدا، ويغيرها كل شهر تقريبا. بعد ان انتهي من تلميع الزجاج اناول السائق صحيفة، واحصل على رزقي...
ـ أنتَ نقطة ! هذا ماسمعته من المرأة المسنة الغريبة التي جلست قربي في محطة القطار ، وهي تراني أكتب شيئا ما في دفتر ملاحظاتي الصغير ، واتحدث بهاتفي الجوال بقوة الى أحد موظفي شركتي حتى وصفته بالغباء والعته، ورحت أعدد صفاتي العظيمة التي أوصلتني الى تكوين شركة كبرت شيئا فشيئا بذكائي حتى وصلت الى...
لم يكن بيني وبين حافة النهر سوى بضع خطوات حين غربت الشمس تماماً ، وبدا الشفق يتموج على جسد الماء وسط الظلمة . شعرت بحركة ما في النهر . استطعت أن اتبينها مع استمرار خطواتي ، تحت ضوء قمر يتوسد السماء بخجل وراء أشرطة الغمام الأسود . شعرت بالفزع حين رأيتُ أياديَ وأرجلاً تمتد من النهر وهي تفرد...
صباح اليوم، ضرب منبه الساعة على أبواب سكينتي بقسوة . وحين مددتُ يدي لأوقفه، بقي يواصل ضربه حتى كأنّه وَجَّهَ معولاً أخذ يحفر في رأسي . بالكاد استطعت سحب ستائر بقايا النعاس من على عينيّ، وفوجئت باختفاء الأرقام والعقربين من الساعة ! كان الضباب يكتسح الغرفة، والإتجاهات حولي قد التبست عليّ، فهممتُ...

هذا الملف

نصوص
26
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى