جورج عازار

الجُّرْحُ غَائرٌ فإنْ بَرِئَتْ عِلَلُ الجَّسدِ فَكيفَ جِراحُ السَرائِرِ تَلتئِمُ؟ هِضَابُ الحُزنِ شَاهِقَةٌ والشَّجوُ في دَاخلي لفَضاءاتِ الرُّوحِ لا يَنفكُّ يَلتَهِمُ بِحَارُ الشَّجَنِ عَميقَةٌ وبيداءَ صَارتْ مُهجَتي والبِشْرُ ذِكرى وآفةُ النِّسيانِ تَأتي عَلى ما تَبَقَّى كيفَ أُداوي الأسْقَامَ...
مِثلَ وَمضَةٍ تَعبُرُ ذَاكرتي تَعدوغَيرَ مُباليةٍ مِثلَ خَيالٍ يَتردَّدُ ألافَ المرَّاتِ في مِرآةٍ مُهشمةٍ مثلَ صَدى أُغنيَةِ قَديمةِ ووشوشاتِ هَمسةٍ مَنسيةٍ في الجُدرانِ العَتيقةِ دَوماً تَقرأ ذاتي وتَعرِفُ مَا في الطَّويَّةِ أحسَبُها مِثلَ يَنبوعِ أغترِفُ بِكَفي عَميقاً في جَنَباتِها أَنهَلُ...
في النِّصفِ تَصغُرُ الأشياءُ وتَكبُرُ لا تَبلُغُ المُنتهى أبداً ولا تَكمُلُ في مُنتصَفِ الدَّربِ حيثُ الإيابُ مَرصوفٌ بالخَيباتِ وإتمامُ المَسالكِ دَواماتٌ وإعصَارٌ فأينَ المفرُّ؟ بين أُفقِ عَينيكِ المُمتدِّ على بَحرٍ من الأسئلَةِ وبين حَريقِ الشِّفاهِ حيث الشَّياطينُ تَسكُنُ وقبلَ حَرائقِ...
أتفتكُ بِنا الأعمارُ أمْ نحرِقُها؟ تطوي ما تبقّى من سنينَ وعلى شواهدِنا مُجرَّدَ أرقامٍ تَدَعُ هو الشَّجنُ يقودُنا في المَفارِقِ وفي المَعارجِ القَصَيَّةِ يبعثُرُنَا في انتطارِ شَمسٍ أبدَاً لا تَجيءُ ومنذُ دهورٍغائبةٌ من غيرِ ذاكرةٍ نسيتْ على حينِ غرَّةٍ موعِدَنا أكانَ الحُزنُ في وجهِكِ يرتسمُ...
يا قهوةَ الصُّبحِ يا نكهةَ الهالِ في أيامي يا زغرودةَ العنادلِ في البراري القصيِّةِ يا قطرةَ نَدى تغسلُ وجهَ الفَجرِ وتداعبُ وجنتَي قَرَنفُلةٍ فَتيَّةٍ يُؤرِّقُني الوَجدُ يجتاحُ ذاكرتي مثلَ حُمَّى البَرداءِ تارةً زَمهريراً منه الجِرمُ يرتعش وتارةً بركاناً يشتعلُ وطوفاناً يستَعرُ مسكونٌ أنا بذلكَ...
أنا الثُمالةُ في قَعرِ العُمرِ وأنا بعضُ ما تبقَّى في خريفِ النِّهاياتِ أنا سُنبلةُ الحَصادِ وأنا زَغرودةُ السُنونو في أنشودةِ الوَداعِ حينَ يأزَفُ أوانُ الرَّحيلِ حَيرتي وَجَعٌ صرخاتُ الأرضِ تَصِمُّ أذنيَّ ونداءُ السَّماءِ يرقُصُ داخلي مثلَ جَذوةٍ على وشكِ الفَناءِ ماتتْ الحُروفُ والسَّراديبُ...
ظامئٌ أنا هل بقي في ضَرعِ المُزنِ بعضٌ من المطرِ صادٍ أنا مثلُ بيداءَ والمسالكُ عَسيرةٌ والخلُّ الذي قد سُقيتُ منه في الجُلجُثةِ ذاتَ مَرَّةٍ يُعجِّلُ في طريقِ الوصولِ غريبٌ أنا وكُلُّ الوجوهُ خاويةٌ والملامحُ قَفرٌ والأفئِدةٌ عَراءٌ رماحُ الغَدرِمَسمومةٌ وطقوسُ العَزاءِ مَحظورةٌ والأعمارُ في...
من غيرِ مَرسى عيناكِ بِحارٌ وقلبي سفينةٌ كيف العبورُ والهُدْبُ تُطفِئُ كُلَّ المناراتِ وتوصِدُ بوَّاباتِ المرافئِ ... أسوارُكِ شاهِقةٌ وما تبقَّى لي من الصَّبوةِ غيرُ شَهقةٍ لا تقوى على ارتقاءٍ ولا على صُعودِ طودٍ ولا حتَّى رابيةٍ ... في صَقيعِ الغُربةِ نُزوعٌ إلى دِفءِ أنفاسِكِ والرُّوحُ ظَمأى...
سيزيفُ، متى تنتهي اللعبةُ؟ ملَّتْ منكَ الصُّخورُ وأنت ترفعُ... عبَثاً كانتْ تلكَ الحياةُ ولكَ زيوسُ لا يشفعُ مَن قالَ لك أنَّ الآلهةَ يمكنُ أنْ تُجابَهَ أو أنْ تُعانَدَ؟ فلا عَرَقٌ سيغفرُ لكَ ما اقترفتَ مِن إثمٍ ولا جهدٌ... سيزيفُ، مَن علَّمكَ الدَّسيسةَ؟ عقيمٌ هو الجِدالُ ومحكومٌ أنتَ بالقدَرِ...
سِياطُ الحِيرةِ تَكوي ذاكرتي وتمتدُّ من هُنا حتَّى أخرِ طريقِ الجُلجُلةِ تُوزِّع مُزَقَ أشلائي على أطرافِ دُروبِ العَتمةِ وعلى بَواباتِ العرَّافاتِ تُلقي أكواماً من الأسئلةِ ليتَ رُوحي ترتاحُ في الَّلامكانِ وليتَني أحيا في زمنٍ لا يُشبه في شيءٍ طُقوسَ هذا الزَّمانِ أخوضُ في لُججِ الدَّمعِ...

هذا الملف

نصوص
10
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى