زينب الزبيدي

تلك التفاصيل التي صنعتنا. في طفولتي الأولى، لم يكن الطريق نحو دُكّان الحلوى سوى معراجٍ سرّيٍ يعبر بي إلى مجرّةٍ نائمةٍ خلف سديمٍ متلون من غبارِ الأزمنة، كان يُغلّف دكّةً خشبيةً أنهكها وقوفها في مهبِّ الخيال. أمّا العملة التي في راحتي الصغيرة فلم تكن سوى شظيّة من نجمٍ تفتّت ليلةَ البارحة حين...
في كل مجازٍ من طياتِ الزمان، هناك معبر ضيق نتسربَ منه كأنّه دعاءٌ قديمٌ علقَ في ذاكرةِ الأرواح. ولهذا وأنا أكتب عن ذاكرتي الماضية بكل ذلك التوق الماثل أمامي . فما من شذا أستوطنَ حواسَّ الطفولة كما أستوطنت رائحة خبز خالتي "بلقيس" وتنورها الدافيء، تلك التي كانت تُباغتُ الزقاقَ كله بعبقها قبل...
الصبي الذي ظل عالقاً في حضن الست أمينة، والتائه في الزمان الذي لا يشبهها. في قلب ثلاثية العم نجيب محفوظ، حيث تتقاطع الأزقة والأنفاس والأقدار معاً، ينهض "كمال عبد الجواد" لا كشخصية ثانوية تمضي مع الجموع، بل كتمثيل حيّ للتوتر الأبدي بين الذات والمدينة، بين الرغبة والفكرة، بين الجسد الذي لا يرضى...
كانت وردة واحدة، حمراء باهتة، أُعطيت في لحظة خجولة لم يُرافقها وعد، ولا قصيدة، ولا حتى نظرة طويلة. فقط وردة، كأنها أعتذار لم يجرؤ على الكلام. وضعتها أمي في كوب ماء على حافة النافذة، وظلت هناك أياماً لا تُعد. لم تكن في مزهرية أنيقة، ولا في ضوءٍ مثالي، لكنها بقيت… تتنفس بهدوء، ثم تموت بهدوء. مرت...
بالرغم من أنها قبعت لسنوات طوال في صندوقها الملون، إلا أن الصورة كانت بالأبيض والأسود، مشوشة الحواف، مأخوذة في زمنٍ لم أكن فيه بعد. جمعت أشخاصاً لم ألتقِ بهم، بعضهم رحل، وبعضهم بقي كأسم يتردد في الأحاديث و الحكايات. لكن ما لفتني في تلك اللقطة لم يكن الوجوه، بل ضحكة واحدة، لامرأة في طرف الصورة،...

هذا الملف

نصوص
5
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى