زينب الزبيدي - قطافُ النَّجمةِ الصّغيرة....

تلك التفاصيل التي صنعتنا.
في طفولتي الأولى، لم يكن الطريق نحو دُكّان الحلوى سوى معراجٍ سرّيٍ يعبر بي إلى مجرّةٍ نائمةٍ خلف سديمٍ متلون من غبارِ الأزمنة، كان يُغلّف دكّةً خشبيةً أنهكها وقوفها في مهبِّ الخيال.
أمّا العملة التي في راحتي الصغيرة فلم تكن سوى شظيّة من نجمٍ تفتّت ليلةَ البارحة حين همستُ في مسامع السّماء: «أريدُ أن أكبر بما يكفي لأبتاع وحدي».
كان البائعُ شيخاً من أساطيرٍ لا تُروى، «أبو نصير» العجوز المتدثّرُ بقميصٍ من دخانِ الحكايات، بملامحه الغامضةُ التي تشبه جدِّ لينا «الدكتور رامي» في حلقات الكارتون القديمة. فقد كان يباغتني دائماً بصمتٍ مَهيبٍ لا أجيد فكّ أسراره، كأنّه يختبر جرأتي في طقسٍ سحريٍ من طقوس الصمت والكلام.
كلّ خطوةٍ فيها كانت ترسلُ من قدميّ إرتجافةً خافتةً، تتساءل: أيحقُّ للضوء أن يضلَّ سبيلَه إلى يدٍ صغيرة؟ وهل من العدل أن يرتدي الخوفُ قناعَ النضج؟
يومها حين مددتُ كفّي، لم أكن أطلب قطعةَ سكّر، بل كنتُ أفتح راحتي للكون كي يلتقطَ منّي نبضته الأولى.
لكنّ الحلوى في برهةٍ من ذاك الزمن الضائع كانت مُرّةً، بطعمٍ لم أعرفه من قبل. فقد كنتُ دوماً أتوق للتجريب وأزهَد بالمألوف. المرارةُ تلك كانت تشبه بوابةً مُقفلة لا تُفتح إلا لمن يجرؤ أن يطرقَها بقلبٍ راجف. منذ ذلك اليوم صرتُ ألتقطُ إرتجافات الطريق كأنّها كِسَرُ نيازك، وأجمعها كمن يقطف نجوماً بأطراف أصابعه المرتعشة، لأنّ طعم المجازفة ظلّ أشهى من كلّ حلوى تذوب سريعاً في غفلةِ آلة الوقت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى