تضايق كثير من الناس مما قاله المتلمس عن طرفة. رأى كثير منهم أن الواجب يتطلب منهم أن يتدخلوا لمنع المتلمس من إبداء آرائه. " الجميع سيموت "، " لا تدري نفس بأي أرض تموت "، كانوا يقولون هذا ليدافعوا عن سلوك طرفة. وأصر آخرون على مجابهة المتلمس حتى لو أدّى ذلك إلى العراك، والتزم بعض الناس الصمت، ربما لأنهم اقتنعوا بوجهة نظر المتلمس، أو ربما لأنه شاخ مبكراً فأخذ يهذي. وكاد الحديث الذي تواصل، حول مقتل طرفة، أن يؤدي إلى خلافات حادة الناس في غنى عنها في هذا الوقت، ولهذا فقد رأى عقلاء القوم أن مصرع طرفة خاص به، وإن كانت حالته ليست حالة فردية، فكثيرون هم الذين يهاجرون، وللمشكلة أبعاد أخرى يجب أن ينظر فيها، وما طرفة إلا ضحية من الضحايا التي تزداد كل يوم، والموت في الغربة مأساة.
-2-
كان المتلمس يروي قصة طرفة على النحو التالي:
كنا نسير معاً، وكان تأثيرنا كبيراً لدرجة أن عمرو بن هند لم يحتمل وجودنا. ولقد أثاره طرفة. حاول عمرو أن ينفيه، لكنه لجأ إلى طريقة ذكية، فالنفي سيثير نقمة الناس، وربما يؤدي إلى المجابهة. وفكر في أن يقتله، ولكن قتله في حدود مملكته سيحرك قبيلة طرفة، وربما تقتل هذه شخصاً يفوق في مركزه مركز القتيل الأول. وفكر عمرو أن يسجن طرفة، وتراجع لأن القبيلة أيضاً قد تتمرد وقد لا تهدأ الأحوال. وهنا استغل عمرو ذكاءه: لا النفي ولا السجن ولا القتل داخل حدود المملكة، ولما اقترح على مساعديه إبداء رأيهم، قال بعضهم: طرفة دون عمل، ولا بد أنه سيهاجر، فلنضيق عليه سبل العيش، وقال آخرون لن يهاجر طرفة، سيستف ترب الأرض، وليس لك إلا أن تغريه من خلال كبار تجار البلد. يتظاهر هؤلاء بعطفهم عليه، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن يتخلصوا منه. إنهم يخشون لسانه، الذي سرعان ما يمتد ليهجوهم إنّ جاع.
وحين التقى عمرو بن هند بالتجار، أعلمهم بهجاء طرفة له، وخاطبهم قائلاً: إن لم تفعلوا شيئاً لإبعاده فسيعود ويهجو الجميع، إنه عاق لم يعد يؤمن بالحَسَبِ والنسب والجاه. ما يهمه الرغيف، الرغيف فقط. لعلنا إنْ أطعمناه اكتشف أننا نخشاه، وربما يزداد وقاحة، ولا حل إلا أن يهاجر، لا بد من إبعاده إلى البحرين. هناك أصدقاؤنا وسيتدبر هؤلاء أمره. أخبروه أننا سنعينه في منصب مهم، وسنعطيه ما يريد من مال وأشياء أخرى.
-3-
لما جاع طرفة أخذ يبحث عن رزقه. تمكن في البداية من توفير لقمة عيشه، لكن ارتفاع الأسعار سرعان ما جعله يحتاج إلى المزيد من المال حتى يُصرّف بقية أيام شهره. بدأ طرفة يشكو. أسمع الكثيرين عن ضائقته التي يمر بها. اقترح عليه بعض أصدقائه أن يغادر، فيم حثه آخرون على ضرورة البحث عن عمل إضافي، له ولغيره ممن يهمه أمرهم، فالمشكلة ليست خاصة به، وثمة كثيرون يعانون مما منه طرفة يعاني.
تردد طرفة في البداية، وتساءل: هل أغادر؟ هل أظل هنا؟ وفكر في أن يعرض الأمر على المتلمس فهذا مجرب خبر الأمور والدنيا جيداً.
" أيها المتلمس " قال طرفة " لقد اقترح علي أحد التجار أن أغادر إلى البحرين فثمة عمل هناك، وفرص العمل مغرية.. السكن والنقود والخادمة وأشياء أخرى لا تحصى.
وحين أعود، بعد خمس سنوات سأمكثها هناك، سأفتح متجراً وأبني مسكناً وأتزوج المرأة التي تروق لي. لقد أعجبتني ابنة التاجر، ولقد لاحظتها اليوم وهي تقدم لنا بعض الشراب. ابتسمت لي فابتسمت لها، ولما رآني والدها التزم الصمت، والسكوت علامة الرضا.
" لقد قال لي التاجر ما اقوله لك يا طرفة، ولكنني تساءلت عن سبب هذا الاهتمام الزائد. هناك أمور لا أستطيع الإجابة عنها. أعطاني ظرفاً مغلقاً كالذي أعطاك إياه، ولكنني قررت، بعد طول تفكير، البقاء هنا. وحين تخيلت ما سأكون عليه هناك بصقت على نفسي: النقود النقود، سوف أصبح رقماً يتحدث عن أرقام. سأبدأ أعد سنواتي الباقية، ولسوف أحتقر لأنني سأصبح أجنبياً، على الرغم من أن الناس هناك يتكلمون لغتي. وفوق هذا ما الذي سيفعله الناس الذين يظلون هنا، ممن لا يستطيعون المغادرة إلى هناك، سوف يموتون جوعاً، ولذا يجب أن نبقى هنا يا طرفة، ويجب أن نعمل معاً وأن نفكر معهم في خلاص لنا ولهم.
واستمر المتلمس في محاولاته لإقناع طرفة بالبقاء وبعدم الرحيل، غير أن طرفة سافر. " وعرفت فيما بعد أن التاجر اتهمني أمامه بالخرف والكهولة المبكرة، وأنني أعيش كما يعيش أجدادي ممن يكتفون بكأس الحليب ورغيف الخبز، ويؤثرون الجلوس على الأرض، وأن التاجر خاطبه: أتريد يا طرفة أن تحيا كما يحيا المتلمس؟ أتريد أن تقيم في خيمة واحدة مع أهلك؟ هناك النقود التي من خلالها تنال احترام الناس، النقود التي تستطيع بها أن تتزوج ممن تريد، وأمّا إن بقيت هنا فقيراً فلن ترضى بك إلاّ الفقيرة مثلك، وحتى هذه قد تفضل عليك واحداً ممن يعودون من تلك البلاد، فالناس، كما تقول، يريدون لبناتهم أن يرفلن بأثواب السعادة والهنا، وكما يقولون من يملك درهماً يواز درهماً.
-4-
قبل أن يصل جثمان طرفة إلى المكان الذي نشأ فيه، كان المكان هائجاً ومائجاً، وكانت حركة الناس مثل حركة الناس يوم الحشر، دخول وخروج وذهاب وإياب وتساؤلات كثيرة يثيرها الصغار والكبار والنساء، أصوات ترتفع وأخرى تنخفض، ومجموعات من البشر لا حصر لها، حتى أن أحداً من أهل المكان لم يمكث خارجه: " شاب مثل عود الخيزران… يا للخسارة، ومن لم يبك طرفة بكى والده الذي مزق الرسالة التي جاءه فيها نعي ابنه.
لقد بكى والده حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ولم يجرؤ أحد على أن يسأله إن كانت الورقة توضح سبب الموت.
وقال أحد الموجودين، وكان حلف بالطلاق ألاّ يعود إلى البحرين حتى لو هلك هنا جوعاً، لأنه ذاق من الغربة ما ذاق، قال:
هناك يموت الإنسان من الحر، هناك لا يستطيع المرء أن يسير، في النهار، خمس دقائق. ومن ضربته الشمس مات على الفور. الجو هناك خانق، ولربما مات طرفة لشدة حرارة الجو. هناك النار ". وقال آخر:
" ربما مات طرفة فجأة. ربما توقف قلبه لأنه لم يستطع احتمال الأوضاع السيئة التي يعاني منها المغتربون.
ربما قالوا له: أجنبي ما الذي جاء بك إلى هنا، هل نبذتك القبيلة، وبعت ما لديك من أشجار النخيل. لقد قال لي الملاعين هذا ".
" يتحول الإنسان هناك إلى عابد أرقام، كل ما يهمه مقدار المال الذي يملك. هناك تنتهي العلاقات الإنسانية، وهناك يطردك من يملك البيت متى أراد. يطالبك بالمزيد من الأموال، وإن لم تدفع تجد نفسك بلا منزل. وهناك يحللون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم. لو بقيت هناك لانفجر قلبي. ربما انفجر قلب طرفة المسكين.
كان المتلمس يصغي إلى هذا الكلام كله، ولم يستطع تمالك أعصابه، وانفجر صارخاً:
" يا ناس، لم ينفجر قلب طرفة، ولم يمت من شدة الحرارة، فنحن في مكان يعاني أيضاً من ارتفاع درجتها، هنا أيضاً نار موقدة. يا ناس، كان طرفة هنا أيضاً يرى الفساد، ولم يمت غيظاً لهذا. لقد كان يحتمل هذه الأمور كلها. كان يدرك أن الصبر مهم جداً، وكان غالباً ما يكرر: لم يحن الوقت بعد! "
وصمت المتلمس… حدق فيه الحضور وكلهم آذان صاغية… كان هؤلاء يريدون أن يصغوا إلى وجهة نظره، وحتى الذين أرادوا مواجهته يوم قال: " طرفة من أراد هذا ولا داعي للحزن " أصغوا إليه وصمتوا وهو يتكلم.. ولما صمت وطال صمته قالوا له: قل ! هات ما عندك! وحين أجابهم: " ما نفع الكلام، ستقولون إنني أخرف وأهذي بما لا أدري، وإنما أتشفى بطرفة لأنه عصى أمري "، قالوا: نحن لم نتهمك، لقد أردنا مواجهتك لأنك لم تكترث لموته. لقد تصرفت أمام والده تصرفاً شاذاً. كأنه ليس من أبناء القبيلة، كأنك عدوه.
" لقد قتل طرفة نفسه.. أراد المال والذهب… أراد الزواج من تلك التي ابتسمت له… تخيل أن التاجر يحبه.. أراد كل شيء، لنفسه ولم يسأل عنكم… صحيح أنهم غرروا به ولكنهم نجحوا في قتله. كان لسانه سليطاً، فأرادوا التخلص منه… هم الذين قتلوه " وارتفعت الأصوات:
من… من هم؟ كأنك….
كأني… ماذا؟
لا شيء…. تكلم
طرفة مات ب……
ب… ب…. ماذا. قل!
لم يكن التاجر مغفلاً، وكذلك عمرو بن هند. لقد هجاهما.
ونسي أنه هجاهما. ظنهما ينسيان. اعتقد أنهما طيباً القلب، ولكن عمرو بن هند قرر التخلص منه. وأما التاجر فلم ينس تلك النظرات التي رآها في عيني طرفة يوم زاره في بيته.. أدركت هذا، وحين قرأ لي الطفل الرسالة التي أرسلها معي عمرو بن هند لم يصدق طرفة أننا ذاهبان إلى حتفنا، وواصل طريقه إلى البحرين.
نابلس 1979.
نشرت في جريدة " الفجر "،
وأجري عليها بعض التغييرات
-2-
كان المتلمس يروي قصة طرفة على النحو التالي:
كنا نسير معاً، وكان تأثيرنا كبيراً لدرجة أن عمرو بن هند لم يحتمل وجودنا. ولقد أثاره طرفة. حاول عمرو أن ينفيه، لكنه لجأ إلى طريقة ذكية، فالنفي سيثير نقمة الناس، وربما يؤدي إلى المجابهة. وفكر في أن يقتله، ولكن قتله في حدود مملكته سيحرك قبيلة طرفة، وربما تقتل هذه شخصاً يفوق في مركزه مركز القتيل الأول. وفكر عمرو أن يسجن طرفة، وتراجع لأن القبيلة أيضاً قد تتمرد وقد لا تهدأ الأحوال. وهنا استغل عمرو ذكاءه: لا النفي ولا السجن ولا القتل داخل حدود المملكة، ولما اقترح على مساعديه إبداء رأيهم، قال بعضهم: طرفة دون عمل، ولا بد أنه سيهاجر، فلنضيق عليه سبل العيش، وقال آخرون لن يهاجر طرفة، سيستف ترب الأرض، وليس لك إلا أن تغريه من خلال كبار تجار البلد. يتظاهر هؤلاء بعطفهم عليه، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن يتخلصوا منه. إنهم يخشون لسانه، الذي سرعان ما يمتد ليهجوهم إنّ جاع.
وحين التقى عمرو بن هند بالتجار، أعلمهم بهجاء طرفة له، وخاطبهم قائلاً: إن لم تفعلوا شيئاً لإبعاده فسيعود ويهجو الجميع، إنه عاق لم يعد يؤمن بالحَسَبِ والنسب والجاه. ما يهمه الرغيف، الرغيف فقط. لعلنا إنْ أطعمناه اكتشف أننا نخشاه، وربما يزداد وقاحة، ولا حل إلا أن يهاجر، لا بد من إبعاده إلى البحرين. هناك أصدقاؤنا وسيتدبر هؤلاء أمره. أخبروه أننا سنعينه في منصب مهم، وسنعطيه ما يريد من مال وأشياء أخرى.
-3-
لما جاع طرفة أخذ يبحث عن رزقه. تمكن في البداية من توفير لقمة عيشه، لكن ارتفاع الأسعار سرعان ما جعله يحتاج إلى المزيد من المال حتى يُصرّف بقية أيام شهره. بدأ طرفة يشكو. أسمع الكثيرين عن ضائقته التي يمر بها. اقترح عليه بعض أصدقائه أن يغادر، فيم حثه آخرون على ضرورة البحث عن عمل إضافي، له ولغيره ممن يهمه أمرهم، فالمشكلة ليست خاصة به، وثمة كثيرون يعانون مما منه طرفة يعاني.
تردد طرفة في البداية، وتساءل: هل أغادر؟ هل أظل هنا؟ وفكر في أن يعرض الأمر على المتلمس فهذا مجرب خبر الأمور والدنيا جيداً.
" أيها المتلمس " قال طرفة " لقد اقترح علي أحد التجار أن أغادر إلى البحرين فثمة عمل هناك، وفرص العمل مغرية.. السكن والنقود والخادمة وأشياء أخرى لا تحصى.
وحين أعود، بعد خمس سنوات سأمكثها هناك، سأفتح متجراً وأبني مسكناً وأتزوج المرأة التي تروق لي. لقد أعجبتني ابنة التاجر، ولقد لاحظتها اليوم وهي تقدم لنا بعض الشراب. ابتسمت لي فابتسمت لها، ولما رآني والدها التزم الصمت، والسكوت علامة الرضا.
" لقد قال لي التاجر ما اقوله لك يا طرفة، ولكنني تساءلت عن سبب هذا الاهتمام الزائد. هناك أمور لا أستطيع الإجابة عنها. أعطاني ظرفاً مغلقاً كالذي أعطاك إياه، ولكنني قررت، بعد طول تفكير، البقاء هنا. وحين تخيلت ما سأكون عليه هناك بصقت على نفسي: النقود النقود، سوف أصبح رقماً يتحدث عن أرقام. سأبدأ أعد سنواتي الباقية، ولسوف أحتقر لأنني سأصبح أجنبياً، على الرغم من أن الناس هناك يتكلمون لغتي. وفوق هذا ما الذي سيفعله الناس الذين يظلون هنا، ممن لا يستطيعون المغادرة إلى هناك، سوف يموتون جوعاً، ولذا يجب أن نبقى هنا يا طرفة، ويجب أن نعمل معاً وأن نفكر معهم في خلاص لنا ولهم.
واستمر المتلمس في محاولاته لإقناع طرفة بالبقاء وبعدم الرحيل، غير أن طرفة سافر. " وعرفت فيما بعد أن التاجر اتهمني أمامه بالخرف والكهولة المبكرة، وأنني أعيش كما يعيش أجدادي ممن يكتفون بكأس الحليب ورغيف الخبز، ويؤثرون الجلوس على الأرض، وأن التاجر خاطبه: أتريد يا طرفة أن تحيا كما يحيا المتلمس؟ أتريد أن تقيم في خيمة واحدة مع أهلك؟ هناك النقود التي من خلالها تنال احترام الناس، النقود التي تستطيع بها أن تتزوج ممن تريد، وأمّا إن بقيت هنا فقيراً فلن ترضى بك إلاّ الفقيرة مثلك، وحتى هذه قد تفضل عليك واحداً ممن يعودون من تلك البلاد، فالناس، كما تقول، يريدون لبناتهم أن يرفلن بأثواب السعادة والهنا، وكما يقولون من يملك درهماً يواز درهماً.
-4-
قبل أن يصل جثمان طرفة إلى المكان الذي نشأ فيه، كان المكان هائجاً ومائجاً، وكانت حركة الناس مثل حركة الناس يوم الحشر، دخول وخروج وذهاب وإياب وتساؤلات كثيرة يثيرها الصغار والكبار والنساء، أصوات ترتفع وأخرى تنخفض، ومجموعات من البشر لا حصر لها، حتى أن أحداً من أهل المكان لم يمكث خارجه: " شاب مثل عود الخيزران… يا للخسارة، ومن لم يبك طرفة بكى والده الذي مزق الرسالة التي جاءه فيها نعي ابنه.
لقد بكى والده حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ولم يجرؤ أحد على أن يسأله إن كانت الورقة توضح سبب الموت.
وقال أحد الموجودين، وكان حلف بالطلاق ألاّ يعود إلى البحرين حتى لو هلك هنا جوعاً، لأنه ذاق من الغربة ما ذاق، قال:
هناك يموت الإنسان من الحر، هناك لا يستطيع المرء أن يسير، في النهار، خمس دقائق. ومن ضربته الشمس مات على الفور. الجو هناك خانق، ولربما مات طرفة لشدة حرارة الجو. هناك النار ". وقال آخر:
" ربما مات طرفة فجأة. ربما توقف قلبه لأنه لم يستطع احتمال الأوضاع السيئة التي يعاني منها المغتربون.
ربما قالوا له: أجنبي ما الذي جاء بك إلى هنا، هل نبذتك القبيلة، وبعت ما لديك من أشجار النخيل. لقد قال لي الملاعين هذا ".
" يتحول الإنسان هناك إلى عابد أرقام، كل ما يهمه مقدار المال الذي يملك. هناك تنتهي العلاقات الإنسانية، وهناك يطردك من يملك البيت متى أراد. يطالبك بالمزيد من الأموال، وإن لم تدفع تجد نفسك بلا منزل. وهناك يحللون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم. لو بقيت هناك لانفجر قلبي. ربما انفجر قلب طرفة المسكين.
كان المتلمس يصغي إلى هذا الكلام كله، ولم يستطع تمالك أعصابه، وانفجر صارخاً:
" يا ناس، لم ينفجر قلب طرفة، ولم يمت من شدة الحرارة، فنحن في مكان يعاني أيضاً من ارتفاع درجتها، هنا أيضاً نار موقدة. يا ناس، كان طرفة هنا أيضاً يرى الفساد، ولم يمت غيظاً لهذا. لقد كان يحتمل هذه الأمور كلها. كان يدرك أن الصبر مهم جداً، وكان غالباً ما يكرر: لم يحن الوقت بعد! "
وصمت المتلمس… حدق فيه الحضور وكلهم آذان صاغية… كان هؤلاء يريدون أن يصغوا إلى وجهة نظره، وحتى الذين أرادوا مواجهته يوم قال: " طرفة من أراد هذا ولا داعي للحزن " أصغوا إليه وصمتوا وهو يتكلم.. ولما صمت وطال صمته قالوا له: قل ! هات ما عندك! وحين أجابهم: " ما نفع الكلام، ستقولون إنني أخرف وأهذي بما لا أدري، وإنما أتشفى بطرفة لأنه عصى أمري "، قالوا: نحن لم نتهمك، لقد أردنا مواجهتك لأنك لم تكترث لموته. لقد تصرفت أمام والده تصرفاً شاذاً. كأنه ليس من أبناء القبيلة، كأنك عدوه.
" لقد قتل طرفة نفسه.. أراد المال والذهب… أراد الزواج من تلك التي ابتسمت له… تخيل أن التاجر يحبه.. أراد كل شيء، لنفسه ولم يسأل عنكم… صحيح أنهم غرروا به ولكنهم نجحوا في قتله. كان لسانه سليطاً، فأرادوا التخلص منه… هم الذين قتلوه " وارتفعت الأصوات:
من… من هم؟ كأنك….
كأني… ماذا؟
لا شيء…. تكلم
طرفة مات ب……
ب… ب…. ماذا. قل!
لم يكن التاجر مغفلاً، وكذلك عمرو بن هند. لقد هجاهما.
ونسي أنه هجاهما. ظنهما ينسيان. اعتقد أنهما طيباً القلب، ولكن عمرو بن هند قرر التخلص منه. وأما التاجر فلم ينس تلك النظرات التي رآها في عيني طرفة يوم زاره في بيته.. أدركت هذا، وحين قرأ لي الطفل الرسالة التي أرسلها معي عمرو بن هند لم يصدق طرفة أننا ذاهبان إلى حتفنا، وواصل طريقه إلى البحرين.
نابلس 1979.
نشرت في جريدة " الفجر "،
وأجري عليها بعض التغييرات