علي عبيد عيسى - ليلة وحشة...

كانت ليلة واحدة فقط، لكنها اتسعت في داخله حتى بدت كعمر كامل.
الجدران عيون تنظر إليه والهواء يتكلم بلغة لا حروف لها. أما الصمت فكان عربات ثقيلة، تمر فوق صدره ببطء مزعج، لا تترك وراءها سوى المزيد من التآكل . كل شيء يثرثر حوله النافذة، الشقوق الممتدة داخل الجدران، حتى الظلال تراقب بصمت. قلبه لم يكن يثرثر، بل كان يهدر كالنهر ، هدير لا يتوقف.
في الغرفة الصغيرة المليئة بالأوساخ وذكريات الذين سبقوه ، جدران تؤرخ لأعمارٍ عبرت من هنا، وتركت شيئًا من أحلامها عالقًا في الشقوق تتنفس وتسري بأوردته و شرايينه . الغرفة مساحتها من الركن إلى الركن خطوتان لا أكثر لكنها تضيق كلما اتسعت أحلامه . رفع رأسه نحو النافذة الصغيرة القريبة من السقف . لم تكن هناك قطارات تصفر ، ولا نجوم تنبض . الغيوم وحدها ثابتة كأنها بقع زيتية داكنة . بدت السماء بعيدة على نحو يشبه الأحلام حين تكبر أكثر مما تسمح به الحياة.
بعيدا عن العيون، سمح لدموعه أخيرا أن تنحدر على خديه المتجعدين. لم يكن يبكي حدث بعينه. كان يبكي تراكم طويل من الخيبات . خيبات العالم و خيباته من نفسه. كلما حاول أن يحمل الآخرين مسؤولية ما وصل إليه، عاد شيء في داخله يهمس: وأنت أيضا.
في الخارج كانت هناك طرق وحدود لم يطأها قط، أما في داخله فكانت هناك حدود أكبر من جوازات السفر ، لا ترسمها الخرائط ولا تعترف بها الدول ، لفها الخوف والتردد والانكسار. لطالما أراد أن يعبرها ، لكنه كان يعود كل مرة إلى النقطة نفسها، كمن يدور في حلقة مفرغة .
تذكر كيف كان يؤمن يوما بأن أفكاره قادرة على تغيير شيء، وأن لصوته صدى ، أما الآن فقد صار يشعر أن رأسه أثقل من أن يحمله، وأن العالم يمضي دون أن يلتفت إليه . ترك العالم خلف الغرفة ، ثم أغلقت الباب عليه بإحكام، على العالم و على نفسه أيضا.
في تلك الليلة أدرك أنه لم يخسر الناس وحدهم، ولم يخسر أحلامه وحدها. لقد خسر الرغبة في التنفس . وهذا ما كان يؤلمه أكثر من أي شيء آخر.
ظل جالس يعيش ذوبان الليل ببطء. لم يحدث شيء يكسر الصمت ساعة واحدة تفصله قبل أن ينفصل ، لم تأتِ نجدة، ولم تتبدد الغيوم. الفجر بدأ يمد أول خيوطه أول خيط ، شعر أن الوحشة نفسها قد تعبت منه و بقي كما هو رجل مهزوم يحمل عمر كامل من الخذلان داخل ليلة واحدة قبل أن يأتي موعده ويترك الغرفة لعابرٍ آخر سوف يقرأ الجدران ويكتشف انه لم يكن العابر الوحيد ولا الأخير.

علي عبيد عيسى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى