الصبي الذي ظل عالقاً في حضن الست أمينة، والتائه في الزمان الذي لا يشبهها.
في قلب ثلاثية العم نجيب محفوظ، حيث تتقاطع الأزقة والأنفاس والأقدار معاً، ينهض "كمال عبد الجواد" لا كشخصية ثانوية تمضي مع الجموع، بل كتمثيل حيّ للتوتر الأبدي بين الذات والمدينة، بين الرغبة والفكرة، بين الجسد الذي لا يرضى والروح التي لا تهدأ. فهو أصغر أبناء السيّد أحمد عبد الجواد، ذلك الطاغية المنزلي المهول، والذي ينهض بسلطان الأبوة خارج البيت، فيتطاول كعملاق أخرق بلا عقل، بينما ينحني لغرائزه كقزم محتال خارجه،
وكمال أيضاً نسخة رجولية من أمه، المترف والمدلل للست أمينة، المرأة الطيّبة، الناعمة، التي تمشي في البيت على أطراف قدريّتها وتظل توقد شمعة الصبر دون أن تشتكي من الظلال وظلاميتها.
لكن سرّ كمال لا يكمن في أبيه. بل في أمّه.
أمينة ليست فقط الحضن، بل هي الكون الذي صاغ له حدوده الأولى. هي تلك العتمة الرحمية التي استحال فيها المعنى دفئًا قبل أن يُولد اسمه، وهي الصورة التي ستقف لاحقًا كأيقونة مبلّلة بالحنين في قلبه كلما تكسرت وجوه النساء من حوله. لم تكن أمينة امرأة تقفز من كتب الفلسفة أو تقرأ القصائد، لكنها كانت – ببلاغة صمتها – تشكّل قصيدته الكبرى التي لم يكتبها.
كمال، وهو يخوض مراهقته بعيون مشتعلة بالأسئلة، يجد في أمه صورة الطهر القديم، ذلك الطهر الذي لم يُدنسه الفهم ولا تلوثه الرغبة. يرى في سكونها لغة أعلى من اللغة، وفي ترديدها لعبارات الخضوع نوعاً من التسليم الكوني الذي لا تُدرَك حكمته. فكيف له، وقد شبّ في ظل هذه الطهارة، أن يعانق حياةً من لحمٍ ورغبة؟ كيف يمكنه أن يحب امرأة لا تُشبه أمّه، أو بالأحرى، امرأة لا تماثل الفكرة المتسامية التي رسمها قلبه المتورّط بها؟
ولعل المأساة الأشدّ عمقاً في سيرة كمال هي أنه لم يعرف كيف يخرج من حضن أمّه دون أن يفقد ذاته. ظلّ يتجوّل في مدنٍ من النساء، يجرّب المحبة كمن يجرّب قناعاً لا يلائم ملامحه. كل حبّ في حياته كان محاولة فاشلة للبحث عن نسخة مكرّرة من الست أمينة، لكنه ما كان يبحث عن إمرأة، بل عن إحساسه الأول، عن سكينة الطفولة، عن عطر الأمان الممزوج بطحين البيت وتهاليل المساء.
أحبّ عايدة، وانهار أمام فتنتها، لكن عايدة لم تكن الست أمينة. كانت صاخبة، حرّة، تقرأ، تجادل، تضحك بصوت مرتفع. كانت مشروعاً حديثاً لحياة لا يتقنها، أو ربما لحياة لا تعرف التواطؤ مع الحياء الشرقي. أحبّها كأنما يعاقب أمه، وكأنما يصفع مثاله الأعلى. ثم ما لبث أن سقط في فجوة التناقض، فعاد متعبًا، خالي القلب، ليُدفن في الكتب والأفكار.
كمال، كائن فلسفي بطبعه، لم يكن يناقش العالم بقدر ما كان يحاول أن يفهم لماذا لا تشبه الحقيقة وجه أمه. كل فلسفةٍ قرأها كانت نداءً إلى تلك السكينة القديمة. ولم يكن يدرك، وهو يخوض في دهاليز الفلسفة المثالية، أن المسألة ليست أن العالم ناقص، بل أن الصورة التي حملها في داخله أكبر من أن تسكنه.
أمينة، من ناحيتها، لم تكن تعرف أي شرخ خلّفته في أبنها. كانت تحبه بنعومة ماء الحوض، تطبخ له الأرز والحنان، تمسح على رأسه بدعاء صامت، وتتركه يغيب في أفكاره كأنما تعتذر له عن صرامة أبيه بصمتها المتواصل. لكنها، في حبها الصامت، رسّخت في روحه نموذجاً مقدسًا للمرأة، لم يعد بالإمكان الانفكاك عنه.
كمال لم يكن عاجزًا عن الحب، بل كان خائفاً من أن يتحول الحب إلى خيانة لذاك الحنين النقي. وكأن كل امرأة تقترب منه تُهدد تلك الضحكة المخبأة في عيون أمّه، وكل قبلة محتملة تبدو كأنها مسح لمخطوطة مقدسة. لقد أراد أن يحب، لكنه أراد أيضاً أن يبقى طفلًا في حضنها، لا يكبر، لا يُجرّب، ولا يخسر تلك البراءة.
وهنا تتجلّى المأساة الأكبر: أن كمال بقي أسير المثال. لم يخرج من قيد الطهارة الأولى. كان يسير في الزمن، لكن قلبه مشدود إلى اللحظة الأولى، إلى المطبخ، إلى فُرش النوم البسيطة، إلى نظرات أمينة التي لا تعاتب ولا تنهر، بل تحزن وتنظر بصمتٍ فيه رجاءٌ دائم.
وهكذا ماتت فيه الحياة قبل أن يعيشها. لم يستطع أن يُصالح بين المرأة التي كانت أمه، والنساء اللواتي مررن في حياته، فظلّ على الضفاف، يشرب من نهر الكتب، لكنه لا يقوى على السباحة في خضمها.
كمال، في جوهره، هو أبن أمه أكثر من أبيه.
هو بطلٌ لا يشبه الأبطال، ضعيفٌ لأن قلبه كبير، وحزينٌ لأن ذاكرته أقوى من رغبته. وفي كل امرأةٍ عرفها، كان يبحث عن الظل الذي لم يفارقه يومًا:
ظلّ الست أمينة، تلك التي لم تدرِ أن حنانها الهادئ كان سيمنعه – للأبد – من الأنتماء الكامل إلى أية امرأةٍ أخرى.
ربما لهذا السبب، ظلّ كمال معلقاً في منتصف الطريق بين المعرفة والعاطفة، بين أن يكون مفكراً أو محباً، بين أن ينتمي للعالم أو ينعزل في صور الطفولة.
وربما لهذا السبب أيضاً، كلنا فينا شيء من كمال… وكلنا نتوق، في سرٍّ خفي، إلى حضنٍ نزيه وأبيض، يشبه حضن أمينة.
في قلب ثلاثية العم نجيب محفوظ، حيث تتقاطع الأزقة والأنفاس والأقدار معاً، ينهض "كمال عبد الجواد" لا كشخصية ثانوية تمضي مع الجموع، بل كتمثيل حيّ للتوتر الأبدي بين الذات والمدينة، بين الرغبة والفكرة، بين الجسد الذي لا يرضى والروح التي لا تهدأ. فهو أصغر أبناء السيّد أحمد عبد الجواد، ذلك الطاغية المنزلي المهول، والذي ينهض بسلطان الأبوة خارج البيت، فيتطاول كعملاق أخرق بلا عقل، بينما ينحني لغرائزه كقزم محتال خارجه،
وكمال أيضاً نسخة رجولية من أمه، المترف والمدلل للست أمينة، المرأة الطيّبة، الناعمة، التي تمشي في البيت على أطراف قدريّتها وتظل توقد شمعة الصبر دون أن تشتكي من الظلال وظلاميتها.
لكن سرّ كمال لا يكمن في أبيه. بل في أمّه.
أمينة ليست فقط الحضن، بل هي الكون الذي صاغ له حدوده الأولى. هي تلك العتمة الرحمية التي استحال فيها المعنى دفئًا قبل أن يُولد اسمه، وهي الصورة التي ستقف لاحقًا كأيقونة مبلّلة بالحنين في قلبه كلما تكسرت وجوه النساء من حوله. لم تكن أمينة امرأة تقفز من كتب الفلسفة أو تقرأ القصائد، لكنها كانت – ببلاغة صمتها – تشكّل قصيدته الكبرى التي لم يكتبها.
كمال، وهو يخوض مراهقته بعيون مشتعلة بالأسئلة، يجد في أمه صورة الطهر القديم، ذلك الطهر الذي لم يُدنسه الفهم ولا تلوثه الرغبة. يرى في سكونها لغة أعلى من اللغة، وفي ترديدها لعبارات الخضوع نوعاً من التسليم الكوني الذي لا تُدرَك حكمته. فكيف له، وقد شبّ في ظل هذه الطهارة، أن يعانق حياةً من لحمٍ ورغبة؟ كيف يمكنه أن يحب امرأة لا تُشبه أمّه، أو بالأحرى، امرأة لا تماثل الفكرة المتسامية التي رسمها قلبه المتورّط بها؟
ولعل المأساة الأشدّ عمقاً في سيرة كمال هي أنه لم يعرف كيف يخرج من حضن أمّه دون أن يفقد ذاته. ظلّ يتجوّل في مدنٍ من النساء، يجرّب المحبة كمن يجرّب قناعاً لا يلائم ملامحه. كل حبّ في حياته كان محاولة فاشلة للبحث عن نسخة مكرّرة من الست أمينة، لكنه ما كان يبحث عن إمرأة، بل عن إحساسه الأول، عن سكينة الطفولة، عن عطر الأمان الممزوج بطحين البيت وتهاليل المساء.
أحبّ عايدة، وانهار أمام فتنتها، لكن عايدة لم تكن الست أمينة. كانت صاخبة، حرّة، تقرأ، تجادل، تضحك بصوت مرتفع. كانت مشروعاً حديثاً لحياة لا يتقنها، أو ربما لحياة لا تعرف التواطؤ مع الحياء الشرقي. أحبّها كأنما يعاقب أمه، وكأنما يصفع مثاله الأعلى. ثم ما لبث أن سقط في فجوة التناقض، فعاد متعبًا، خالي القلب، ليُدفن في الكتب والأفكار.
كمال، كائن فلسفي بطبعه، لم يكن يناقش العالم بقدر ما كان يحاول أن يفهم لماذا لا تشبه الحقيقة وجه أمه. كل فلسفةٍ قرأها كانت نداءً إلى تلك السكينة القديمة. ولم يكن يدرك، وهو يخوض في دهاليز الفلسفة المثالية، أن المسألة ليست أن العالم ناقص، بل أن الصورة التي حملها في داخله أكبر من أن تسكنه.
أمينة، من ناحيتها، لم تكن تعرف أي شرخ خلّفته في أبنها. كانت تحبه بنعومة ماء الحوض، تطبخ له الأرز والحنان، تمسح على رأسه بدعاء صامت، وتتركه يغيب في أفكاره كأنما تعتذر له عن صرامة أبيه بصمتها المتواصل. لكنها، في حبها الصامت، رسّخت في روحه نموذجاً مقدسًا للمرأة، لم يعد بالإمكان الانفكاك عنه.
كمال لم يكن عاجزًا عن الحب، بل كان خائفاً من أن يتحول الحب إلى خيانة لذاك الحنين النقي. وكأن كل امرأة تقترب منه تُهدد تلك الضحكة المخبأة في عيون أمّه، وكل قبلة محتملة تبدو كأنها مسح لمخطوطة مقدسة. لقد أراد أن يحب، لكنه أراد أيضاً أن يبقى طفلًا في حضنها، لا يكبر، لا يُجرّب، ولا يخسر تلك البراءة.
وهنا تتجلّى المأساة الأكبر: أن كمال بقي أسير المثال. لم يخرج من قيد الطهارة الأولى. كان يسير في الزمن، لكن قلبه مشدود إلى اللحظة الأولى، إلى المطبخ، إلى فُرش النوم البسيطة، إلى نظرات أمينة التي لا تعاتب ولا تنهر، بل تحزن وتنظر بصمتٍ فيه رجاءٌ دائم.
وهكذا ماتت فيه الحياة قبل أن يعيشها. لم يستطع أن يُصالح بين المرأة التي كانت أمه، والنساء اللواتي مررن في حياته، فظلّ على الضفاف، يشرب من نهر الكتب، لكنه لا يقوى على السباحة في خضمها.
كمال، في جوهره، هو أبن أمه أكثر من أبيه.
هو بطلٌ لا يشبه الأبطال، ضعيفٌ لأن قلبه كبير، وحزينٌ لأن ذاكرته أقوى من رغبته. وفي كل امرأةٍ عرفها، كان يبحث عن الظل الذي لم يفارقه يومًا:
ظلّ الست أمينة، تلك التي لم تدرِ أن حنانها الهادئ كان سيمنعه – للأبد – من الأنتماء الكامل إلى أية امرأةٍ أخرى.
ربما لهذا السبب، ظلّ كمال معلقاً في منتصف الطريق بين المعرفة والعاطفة، بين أن يكون مفكراً أو محباً، بين أن ينتمي للعالم أو ينعزل في صور الطفولة.
وربما لهذا السبب أيضاً، كلنا فينا شيء من كمال… وكلنا نتوق، في سرٍّ خفي، إلى حضنٍ نزيه وأبيض، يشبه حضن أمينة.