خالد الحديدي - النُّخبة بين المثال النظري وواقع الإنسان

من أكثر الظواهر إثارة للتأمل في التاريخ العربي الحديث أن النُّخب، رغم امتلاكها للمعرفة والخطاب والتنظير، لم تستطع أن تُحدث الأثر الذي كانت تتصوره لنفسها. لقد كتبت آلاف الكتب، وأُقيمت المؤتمرات، وارتفعت الشعارات الكبرى حول النهضة والتحرر والعدالة والتنوير، ومع ذلك بقيت المجتمعات تتحرك في اتجاهات أخرى، وكأن هناك انفصالًا خفيًا بين ما تقوله النخبة وما يعيشه الناس فعلًا.
وهنا لا تبدو المشكلة في غياب الأفكار، فالعالم العربي لم يكن فقيرًا في إنتاجه الفكري، بل ربما عانى أحيانًا من تضخم نظري هائل، لكن الأزمة كانت أعمق من ذلك بكثير؛ إذ تمثلت في تلك الفجوة الخطيرة بين الفكر بوصفه بناءً نظريًا مجردًا، والحياة بوصفها واقعًا يوميًا مليئًا بالخوف والحاجة والقلق والصراع من أجل البقاء.
لقد تصورت النخبة، في لحظة تاريخية طويلة، أن امتلاك النظرية يعني امتلاك الحقيقة، وأن قراءة الفلاسفة الكبار تمنحها تلقائيًا حق قيادة المجتمع. ومن هنا بدأ التماهي الواسع مع الأنساق الفكرية الغربية؛ فصار المثقف العربي يتحدث بلسان هيجل عن الجدل التاريخي، أو بلسان ماركس عن الصراع الطبقي، أو بلسان فوكو عن السلطة والمعرفة، أو بلسان غرامشي عن الهيمنة الثقافية، لكنه كثيرًا ما كان عاجزًا عن فهم البنية النفسية والثقافية والاجتماعية للإنسان الذي يعيش في الحي الشعبي أو القرية أو المدينة المرهقة اقتصاديًا.
ولم يكن الخطأ في قراءة هؤلاء المفكرين، فالفكر الإنساني ملك للجميع، لكن الخطأ كان في التعامل مع هذه النظريات وكأنها قوانين جاهزة للتطبيق، دون إعادة تفكيكها داخل السياق العربي. وهنا بدأت أزمة “الترجمة الثقافية”؛ إذ تحوّلت الأفكار إلى لغة نخبوية مغلقة، تتحدث عن المجتمع أكثر مما تتحدث معه.
فالإنسان البسيط الذي يواجه التضخم والبطالة والخوف من المستقبل لا يفكر بالطريقة التي تتخيلها النخبة الأكاديمية. إنه لا يعيش داخل البنية الجدلية للتاريخ، بل داخل سؤال الخبز والأمان والكرامة. وحين تأتيه النخبة بخطاب معقّد لا يلامس واقعه المباشر، يشعر أن هذا الخطاب لا ينتمي إلى عالمه، مهما بدا عميقًا أو متماسكًا فلسفيًا.
ومن هنا نشأت واحدة من أخطر أزمات الثقافة العربية الحديثة: تحوّل الفكر إلى نشاط لغوي منفصل عن الحياة. لقد أصبحت بعض النخب تنتج خطابًا موجهًا للنخب فقط؛ أي إن المثقف صار يكتب للمثقف، ويتحدث داخل دائرة مغلقة من المصطلحات والمفاهيم والإشارات النظرية التي لا تصل إلى المجتمع الحقيقي.
وهذا ما جعل كثيرًا من الأفكار الكبرى تموت قبل أن تتحول إلى قوة اجتماعية. فالأفكار لا تنتصر لأنها صحيحة نظريًا فقط، بل لأنها قادرة على بناء علاقة عضوية مع الناس. والتاريخ نفسه يؤكد أن الجماهير لا تتحرك عبر العمق الفلسفي المجرد، بل عبر الشعور بأن الفكرة تمسّ حياتها اليومية وتمنحها أفقًا واقعيًا للخلاص أو التغيير.
إن إحدى الإشكاليات التي وقعت فيها النخبة العربية أنها تعاملت مع الإنسان باعتباره “موضوعًا” للفكر، لا باعتباره شريكًا في إنتاج المعنى. ولهذا ظهر نوع من التعالي الثقافي؛ إذ أصبحت الجماهير تُتهم دائمًا بالجهل أو الشعبوية أو التخلف كلما رفضت الخطاب النخبوي. لكن السؤال الذي تجاهلته النخبة طويلًا هو: لماذا فشلت هذه الأفكار في الوصول إلى الناس أصلًا؟
والحقيقة أن الجماهير ليست كتلة غبية كما تخيل بعض المثقفين، بل تمتلك حساسية عميقة تجاه الخطاب الذي يقترب من واقعها أو يبتعد عنه. فالناس قد لا تمتلك اللغة النظرية، لكنها تمتلك خبرة الحياة، وتستطيع أن تكتشف بسرعة ما إذا كان المثقف يتحدث من داخل الواقع أم من فوقه.
ومن منظور الحفر الثقافي الجدلي، فإن إخفاق النخبة ليس مجرد فشل سياسي أو تنظيمي، بل هو تصدع في البنية الثقافية للوعي العربي الحديث. فهذه النخبة وُلدت داخل لحظة تاريخية مرتبكة، بين الانبهار بالنموذج الغربي والرغبة في التحرر من الهيمنة الغربية نفسها. ولهذا نشأ المثقف العربي الحديث ممزقًا بين مرجعيتين: مرجعية محلية مثقلة بالتاريخ والدين والبنية التقليدية، ومرجعية غربية حديثة تقوم على العقلانية والعلمانية والمفاهيم الحديثة للدولة والمجتمع.
هذا التمزق أنتج خطابًا يعيش حالة اغتراب مزدوج؛ فهو لا ينتمي بالكامل إلى الواقع المحلي، ولا يستطيع أن يكون امتدادًا حقيقيًا للواقع الغربي الذي استعار منه مفاهيمه. ومن هنا ظهر التناقض الداخلي في بنية النخبة نفسها: فهي تدعو إلى التغيير لكنها كثيرًا ما تستخدم أدوات لغوية وثقافية لا يفهمها المجتمع، وتتحدث عن التحرر بينما تعيد إنتاج مركزية معرفية مغلقة.
لقد ظنت النخبة أن المشكلة في تأخر المجتمع، لكنها لم تسأل نفسها إن كانت هي ذاتها متأخرة عن فهم المجتمع. فالمجتمعات لا تتحرك فقط عبر الأفكار الكبرى، بل عبر الاقتصاد والثقافة والرموز والدين والعاطفة والخوف والأمل. وحين تفشل النخبة في فهم هذه العناصر، تتحول إلى مراقب نظري للتاريخ بدل أن تكون جزءًا حيًا من حركته.
ولذلك رأينا في العقود الأخيرة صعود قوى وخطابات أقل عمقًا فكريًا لكنها أكثر قدرة على مخاطبة الناس. فبعض التيارات الدينية أو الشعبوية أو الإعلامية استطاعت الوصول إلى الجماهير لأنها تحدثت بلغتها، ولم تدخل إليها من بوابة التنظير المعقّد. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: النخبة التي امتلكت المعرفة خسرت التأثير، بينما نجحت خطابات أبسط لأنها فهمت البنية النفسية والاجتماعية للإنسان العادي.
لكن هذا لا يعني أن الحل هو التخلي عن الفكر أو السقوط في الشعبوية، بل يعني إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والحياة. فالمثقف الحقيقي ليس من يكدّس المصطلحات، بل من يستطيع تحويل الفكرة إلى طاقة اجتماعية حيّة. والمعرفة لا تصبح قوة إلا حين تتحول إلى جزء من الوعي اليومي للناس.
إن أزمة النخبة العربية ليست أزمة ذكاء، بل أزمة موقع. لقد وقفت طويلًا خارج حركة المجتمع، تتأمله من برج اللغة، بينما كانت التحولات الحقيقية تجري في الشارع والسوق والهامش والفضاء الرقمي والتحولات الاقتصادية العنيفة التي غيّرت الإنسان نفسه.
ولهذا فإن أي مشروع نهضوي جديد لا بد أن يبدأ من مراجعة جذرية لمعنى النخبة ودورها ووظيفتها. فالمثقف ليس كاهنًا للحقيقة، ولا وصيًا على الجماهير، بل هو وسيط بين الفكر والحياة، بين المعنى والواقع، بين التاريخ والإنسان.
وحين تفقد النخبة قدرتها على الإصغاء، تتحول المعرفة إلى عزلة، ويتحول الفكر إلى صدى يدور داخل غرف مغلقة، بينما يستمر التاريخ في التحرك بعيدًا عنها، بلا اكتراث.


كاتب و ناقد و باحث / مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى