لا يبدأ الاستيطان دائمًا بجرافة كبيرة، ولا بقرار حكومي معلن،
ولا بخطاب صاخب في الكنيست.
أحيانًا يبدأ بكرفان.
بيت متنقل صغير يوضع فوق تلّة، كأنه تفصيل عابر في مشهد طويل.
ثم يأتي طريق ترابي.
ثم عمود كهرباء.
ثم خزان ماء.
ثم جندي يحرس.
ثم مستوطن يحمل بندقية.
ثم لافتة عبرية.
ثم يصبح المكان "حقيقة على الأرض".
هكذا تُسرق البلاد.
لا دفعة واحدة.
بل لقطة بعد لقطة.
في جبل عيبال، فوق نابلس، لا تبدو الكرفانات مجرد بيوت معدنية. تبدو كأنها عيون مراقبة زُرعت فوق صدر المدينة. من هناك لا يرى المستوطن الأرض فقط. يرى الطريق والبيت والقرية والحقل والذاكرة.
كأنه يقول للفلسطيني:
أنا لم آتِ لأجاورك.
أنا جئت لأطوّقك.
وهنا يجب ألا نخدع أنفسنا باللغة.
ما يجري في الضفة الغربية ليس "عنف مستوطنين" فقط.
هذه عبارة ناقصة.
العنف هنا ليس خروجًا على الدولة.
إنه أحد أذرعها.
المستوطن لا يتحرك في الفراغ.
خلفه جيش.
ووزارة.
وميزانية.
وقانون.
وخريطة تنتظر التنفيذ.
العالم بدأ يغضب.
فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج فرضت عقوبات على شخصيات ومنظمات مرتبطة بعنف المستوطنين.
وأسماء مثل سموتريتش وبن غفير لم تعد مجرد أسماء متطرفة في حكومة يمينية، بل أصبحت عنوانًا لسياسة بات من الصعب على كثير من الحكومات الغربية الاستمرار في تجاهلها.
لكن السؤال الأهم ليس من غضب.
السؤال:
هل يغضب العالم من المشهد أم من الفيلم كله؟
لأن المستوطن الذي يهاجم مزارعًا في حوارة أو الخضر أو الأغوار ليس مؤلف الحكاية.
إنه ممثل في فيلم طويل.
أما النص فمكتوب في مكان آخر.
وحين تعاقب الدول هذا الممثل وتترك المنتج والممول والمخرج، فإنها لا توقف الفيلم.
إنها فقط تغيّر زاوية التصوير.
في طوباس توضع اليد على آلاف الدونمات.
في قلنديا يزحف مشروع استيطاني ضخم تحت عنوان معالجة النفايات.
في إذنا ودورا تُشق طرق جديدة في الجسد الزراعي الفلسطيني.
في مسافر يطا تتوالى أوامر الهدم.
في بيت لحم تُعصب أعين نساء خرجن لقطف أوراق الكرمة.
في الأغوار يصبح الماء نفسه هدفًا للحرب.
خط يُكسر.
وبئر يتوقف.
وخزان يُثقب.
وكأن الاحتلال يعرف أن من يسيطر على الماء يكتب مستقبل المكان.
هذه ليست أحداثًا متفرقة.
هذا مونتاج واحد.
من يقرأ التقارير الأسبوعية للاستيطان لا يقرأ أخبارًا متناثرة.
إنه يشاهد خريطة تتحرك.
طريق هنا.
بؤرة هناك.
مزرعة رعوية في مكان ثالث.
أمر عسكري.
هدم.
تجريف.
كرفان.
مستوطن مسلح.
ثم يأتي السياسي ليقول:
هذا هو الواقع.
والأخطر أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تخفي نواياها.
هي لا تتصرف كمن يخجل من الجريمة.
بل كمن يستعجل تثبيتها قبل أن تتغير الظروف.
مليار شيقل تقريبًا لتطوير مستوطنات وبؤر جديدة.
طرق.
مياه.
كهرباء.
بنية تحتية.
ميزانيات مستقلة.
كل شيء يقول إن الكرفان الذي نراه اليوم ليس مؤقتًا.
إنه بروفة لمستوطنة دائمة.
وإذا كان الكرفان هو النسخة المدنية من الاستيطان في الضفة، فإن ما يجري في غزة قد يكون نسخته العسكرية الأولى.
حين يتحدث بنيامين نتنياهو عن السيطرة على معظم مساحة القطاع.
وحين يعلن وزراء في حكومته أن الجيش سيبقى في الأرض التي احتلها.
فإننا لا نكون أمام عملية عسكرية مؤقتة.
نكون أمام إعلان سياسي واضح.
في تاريخ المشروع الصهيوني لم يكن الاحتلال العسكري مرحلة منفصلة عن الاستيطان.
كان غالبًا مقدمته.
هكذا تبدأ الحكاية.
منطقة عسكرية.
ثم طريق.
ثم نقطة حراسة.
ثم بنية تحتية.
ثم مستوطنون.
ثم يصبح المؤقت دائمًا.
ولهذا فإن السؤال ليس ماذا ستفعل إسرائيل غدًا في غزة.
السؤال ماذا تقول لنا اليوم عن نواياها.
وهي تقول ذلك بوضوح غير مسبوق.
الأرض التي تسيطر عليها تريد الاحتفاظ بها.
والمساحة التي تُفرغها من سكانها تريد إعادة تشكيلها.
والمؤقت الذي يتحدث عنه الإعلام كل يوم يتحول أمام أعيننا إلى دائم.
من هنا يصبح الغضب الدولي مهمًا.
لكنه غير كافٍ.
العقوبات على بعض المستوطنين خطوة.
لكنها ليست العدالة.
منع وزير من دخول دولة أوروبية خطوة.
لكنه ليس وقفًا للضم.
البيانات الرسمية خطوة.
لكنها لا تعيد شجرة زيتون اقتُلعت.
ولا بيتًا هُدم.
ولا بئرًا جُفف.
ولا أرضًا صودرت.
العقوبة الحقيقية تبدأ حين يُعامل الاستيطان كله باعتباره جريمة منظمة.
حين تُحظر التجارة مع المستوطنات.
حين تُلاحق الشركات التي تبني الطرق وتوفر المعدات وتربح من الأرض المسروقة.
حين يُقال بوضوح إن الاحتلال ليس مشكلة أخلاقية فقط.
بل نظام مصالح كامل.
ومن يريد أن يوقفه عليه أن يضرب مصالحه.
أما نحن، فعلينا أن نرى الصورة كاملة.
لا أن ننتظر العالم كي يكتشف ما نعرفه منذ زمن.
ولا أن نكتفي بإحصاء الاعتداءات كما لو أننا نكتب يوميات الألم.
علينا أن نعيد تسمية الأشياء بأسمائها.
هذه ليست بؤرًا عشوائية.
بل مستعمرات في طور الولادة.
وهذه ليست مزارع رعوية.
بل دفيئات إرهاب.
وهذا ليس كرفانًا.
بل دبابة صغيرة بلا مدفع.
وظيفتها احتلال المكان قبل أن يصل القانون.
في السينما أحيانًا تكون اللقطة الصغيرة هي مفتاح الفيلم كله.
يد تضع حجرًا على أرض ليست لها.
جرافة تشق طريقًا في الليل.
امرأة تقف أمام بيتها المهدد بالهدم.
طفل يسأل لماذا لم يعد الماء يصل إلى خيمته.
من هذه التفاصيل الصغيرة تُصنع النكبات الطويلة.
ولهذا فإن جبل عيبال ليس جبلًا فقط.
وطوباس ليست خبرًا محليًا.
وقلنديا ليست مشروع نفايات.
والأغوار ليست هامشًا بعيدًا.
وغزة ليست حربًا عابرة.
كلها مشاهد في فيلم واحد.
فيلم الضم.
فيلم إعادة تشكيل الجغرافيا.
وفيلم تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق دائمة.
لكن الفيلم لم يتوقف عند الكرفانات والطرق الالتفافية والبؤر الرعوية.
في الأيام الأخيرة كانت الصورة تتقدم خطوة أخرى إلى الأمام.
في الطيبة المسيحية أضرمت النيران.
وفي دير دبوان أُحرقت منازل ومركبات وأراضٍ زراعية.
وفي برقا أُحرقت مركبات ومدخل مسجد.
وعلى مداخل رام الله والبيرة أغلق المستوطنون الطرق الرئيسية وفرضوا واقعاً جديداً، حتى وصل الأمر إلى احتكاكات مع جنود الاحتلال أنفسهم أثناء محاولتهم السيطرة على الطرق المؤدية إلى مستوطنة بيت إيل.
المشهد لم يعد مشهد مجموعات منفلتة.
ولم يعد مجرد اعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة "عنف المستوطنين".
ما نشهده اليوم هو انتقال نوعي.
انتقال من السيطرة على الأرض إلى فرض السيادة عليها.
فالمستوطن الذي يحرق قرية، ويغلق طريقاً عاماً، ويمنع الناس من الحركة، ويتصرف باعتباره صاحب القرار في المكان، لا يتصرف كفرد خارج القانون.
بل كمن يعتقد أن القانون بات ملكه.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
كيف نوقف اعتداءات المستوطنين؟
بل:
كيف وصلنا إلى لحظة يتصرف فيها المستوطن أمام العالم باعتباره الدولة نفسها؟
وإذا كانت العواصم الغربية تعلن العقوبات، والأمم المتحدة تصدر التحذيرات، والصور تصل مباشرة من الطيبة ودير دبوان وبرقا إلى شاشات العالم، فإن السؤال يصبح أكثر إيلاماً:
ماذا يجب أن يحدث أكثر من ذلك حتى يُفهم أن ما يجري ليس أحداث شغب، بل مشروع سياسي يتحرك بالنار؟
وهنا لا أستطيع أن أتجنب سؤالاً فلسطينياً مؤلماً.
إذا كانت الأرض هي ساحة الصراع الأولى، وإذا كان الاستيطان هو الخطر الأكثر وضوحاً والأكثر إعلاناً عن نفسه، فأين أصبحت المقاومة الشعبية التي تحدثنا عنها سنوات طويلة؟
أين هي في جبل عيبال؟
وفي الأغوار؟
وفي سنجل؟
وفي الطيبة؟
وفي دير دبوان؟
وفي برقا؟
لقد أصبح المستوطن يتحرك وفق خطة معلنة، وميزانية معلنة، وحماية معلنة، فيما يبدو الرد الفلسطيني في كثير من الأحيان وكأنه يكتفي بتسجيل الخسائر.
لا أقول ذلك من باب توزيع الاتهامات.
بل لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس اختلال ميزان القوى.
بل اختلال العلاقة مع الواقع.
وحين يعلن خصمك كل يوم ما الذي يريد فعله غداً، ثم نتعامل معه وكأنه احتمال لا كحقيقة، فإن المشكلة لا تعود في وضوح مشروعه، بل في قدرتنا نحن على رؤية ما يجري أمام أعيننا.
والسؤال الحقيقي ليس إن كان العالم قد بدأ يغضب.
ولا إن كانت العقوبات ستزداد.
السؤال:
متى نتوقف عن التعامل مع المشروع الاستيطاني وكأنه حدث طارئ؟
كل ما تفعله إسرائيل اليوم يُقال علناً.
الضم يُقال علناً.
الاستيطان يُقال علناً.
البقاء في غزة يُقال علناً.
وتغيير الجغرافيا يُقال علناً.
والخطر لا يكمن فقط في هذه السياسات.
الخطر أن نعتاد سماعها.
في السياسة، كما في السينما، هناك لحظة قاتلة لا تحدث عندما يدخل الشرير إلى الشاشة.
بل عندما يتوقف الجمهور عن الانتباه إلى وجوده.
ومنذ سنوات طويلة يتصرف كثيرون مع الاستيطان باعتباره أزمة مؤقتة ستجد طريقها إلى الحل يوماً ما.
لكن الاستيطان لا ينتظر المستقبل.
إنه يصنعه.
حجراً فوق حجر.
وكرفاناً فوق تل.
وطريقاً فوق أرض مصادرة.
وقاعدة عسكرية تتحول إلى حدود.
وحدوداً تتحول إلى واقع.
وواقعاً يتحول إلى خرائط جديدة.
لهذا لا أرى أن المشكلة الأساسية هي ضعف رد الفعل الدولي.
ولا حتى عجز المؤسسات الفلسطينية.
المشكلة الأعمق هي الغباء السياسي الذي يجعلنا نتعامل مع الوقائع المتدحرجة وكأنها مؤقتة، فيما أصحابها يعلنون كل يوم أنها دائمة.
كل شيء يُقال أمامنا بوضوح.
ومع ذلك ما زال كثيرون يتعاملون معه كأنه احتمال سياسي لا كحقيقة تتشكل كل صباح.
الأرض لا تضيع فقط عندما تُسرق.
الأرض تضيع عندما نواصل النظر إلى السرقة وكأنها احتمال.
بينما هي تحدث بالفعل أمام أعيننا.
لم يعد السؤال:
ماذا يريد المستوطن؟
فهو يقول ذلك كل يوم.
السؤال الحقيقي:
لماذا ما زال كثيرون يتصرفون وكأنهم لم يسمعوه بعد؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15حزيران 2026
ولا بخطاب صاخب في الكنيست.
أحيانًا يبدأ بكرفان.
بيت متنقل صغير يوضع فوق تلّة، كأنه تفصيل عابر في مشهد طويل.
ثم يأتي طريق ترابي.
ثم عمود كهرباء.
ثم خزان ماء.
ثم جندي يحرس.
ثم مستوطن يحمل بندقية.
ثم لافتة عبرية.
ثم يصبح المكان "حقيقة على الأرض".
هكذا تُسرق البلاد.
لا دفعة واحدة.
بل لقطة بعد لقطة.
في جبل عيبال، فوق نابلس، لا تبدو الكرفانات مجرد بيوت معدنية. تبدو كأنها عيون مراقبة زُرعت فوق صدر المدينة. من هناك لا يرى المستوطن الأرض فقط. يرى الطريق والبيت والقرية والحقل والذاكرة.
كأنه يقول للفلسطيني:
أنا لم آتِ لأجاورك.
أنا جئت لأطوّقك.
وهنا يجب ألا نخدع أنفسنا باللغة.
ما يجري في الضفة الغربية ليس "عنف مستوطنين" فقط.
هذه عبارة ناقصة.
العنف هنا ليس خروجًا على الدولة.
إنه أحد أذرعها.
المستوطن لا يتحرك في الفراغ.
خلفه جيش.
ووزارة.
وميزانية.
وقانون.
وخريطة تنتظر التنفيذ.
العالم بدأ يغضب.
فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج فرضت عقوبات على شخصيات ومنظمات مرتبطة بعنف المستوطنين.
وأسماء مثل سموتريتش وبن غفير لم تعد مجرد أسماء متطرفة في حكومة يمينية، بل أصبحت عنوانًا لسياسة بات من الصعب على كثير من الحكومات الغربية الاستمرار في تجاهلها.
لكن السؤال الأهم ليس من غضب.
السؤال:
هل يغضب العالم من المشهد أم من الفيلم كله؟
لأن المستوطن الذي يهاجم مزارعًا في حوارة أو الخضر أو الأغوار ليس مؤلف الحكاية.
إنه ممثل في فيلم طويل.
أما النص فمكتوب في مكان آخر.
وحين تعاقب الدول هذا الممثل وتترك المنتج والممول والمخرج، فإنها لا توقف الفيلم.
إنها فقط تغيّر زاوية التصوير.
في طوباس توضع اليد على آلاف الدونمات.
في قلنديا يزحف مشروع استيطاني ضخم تحت عنوان معالجة النفايات.
في إذنا ودورا تُشق طرق جديدة في الجسد الزراعي الفلسطيني.
في مسافر يطا تتوالى أوامر الهدم.
في بيت لحم تُعصب أعين نساء خرجن لقطف أوراق الكرمة.
في الأغوار يصبح الماء نفسه هدفًا للحرب.
خط يُكسر.
وبئر يتوقف.
وخزان يُثقب.
وكأن الاحتلال يعرف أن من يسيطر على الماء يكتب مستقبل المكان.
هذه ليست أحداثًا متفرقة.
هذا مونتاج واحد.
من يقرأ التقارير الأسبوعية للاستيطان لا يقرأ أخبارًا متناثرة.
إنه يشاهد خريطة تتحرك.
طريق هنا.
بؤرة هناك.
مزرعة رعوية في مكان ثالث.
أمر عسكري.
هدم.
تجريف.
كرفان.
مستوطن مسلح.
ثم يأتي السياسي ليقول:
هذا هو الواقع.
والأخطر أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تخفي نواياها.
هي لا تتصرف كمن يخجل من الجريمة.
بل كمن يستعجل تثبيتها قبل أن تتغير الظروف.
مليار شيقل تقريبًا لتطوير مستوطنات وبؤر جديدة.
طرق.
مياه.
كهرباء.
بنية تحتية.
ميزانيات مستقلة.
كل شيء يقول إن الكرفان الذي نراه اليوم ليس مؤقتًا.
إنه بروفة لمستوطنة دائمة.
وإذا كان الكرفان هو النسخة المدنية من الاستيطان في الضفة، فإن ما يجري في غزة قد يكون نسخته العسكرية الأولى.
حين يتحدث بنيامين نتنياهو عن السيطرة على معظم مساحة القطاع.
وحين يعلن وزراء في حكومته أن الجيش سيبقى في الأرض التي احتلها.
فإننا لا نكون أمام عملية عسكرية مؤقتة.
نكون أمام إعلان سياسي واضح.
في تاريخ المشروع الصهيوني لم يكن الاحتلال العسكري مرحلة منفصلة عن الاستيطان.
كان غالبًا مقدمته.
هكذا تبدأ الحكاية.
منطقة عسكرية.
ثم طريق.
ثم نقطة حراسة.
ثم بنية تحتية.
ثم مستوطنون.
ثم يصبح المؤقت دائمًا.
ولهذا فإن السؤال ليس ماذا ستفعل إسرائيل غدًا في غزة.
السؤال ماذا تقول لنا اليوم عن نواياها.
وهي تقول ذلك بوضوح غير مسبوق.
الأرض التي تسيطر عليها تريد الاحتفاظ بها.
والمساحة التي تُفرغها من سكانها تريد إعادة تشكيلها.
والمؤقت الذي يتحدث عنه الإعلام كل يوم يتحول أمام أعيننا إلى دائم.
من هنا يصبح الغضب الدولي مهمًا.
لكنه غير كافٍ.
العقوبات على بعض المستوطنين خطوة.
لكنها ليست العدالة.
منع وزير من دخول دولة أوروبية خطوة.
لكنه ليس وقفًا للضم.
البيانات الرسمية خطوة.
لكنها لا تعيد شجرة زيتون اقتُلعت.
ولا بيتًا هُدم.
ولا بئرًا جُفف.
ولا أرضًا صودرت.
العقوبة الحقيقية تبدأ حين يُعامل الاستيطان كله باعتباره جريمة منظمة.
حين تُحظر التجارة مع المستوطنات.
حين تُلاحق الشركات التي تبني الطرق وتوفر المعدات وتربح من الأرض المسروقة.
حين يُقال بوضوح إن الاحتلال ليس مشكلة أخلاقية فقط.
بل نظام مصالح كامل.
ومن يريد أن يوقفه عليه أن يضرب مصالحه.
أما نحن، فعلينا أن نرى الصورة كاملة.
لا أن ننتظر العالم كي يكتشف ما نعرفه منذ زمن.
ولا أن نكتفي بإحصاء الاعتداءات كما لو أننا نكتب يوميات الألم.
علينا أن نعيد تسمية الأشياء بأسمائها.
هذه ليست بؤرًا عشوائية.
بل مستعمرات في طور الولادة.
وهذه ليست مزارع رعوية.
بل دفيئات إرهاب.
وهذا ليس كرفانًا.
بل دبابة صغيرة بلا مدفع.
وظيفتها احتلال المكان قبل أن يصل القانون.
في السينما أحيانًا تكون اللقطة الصغيرة هي مفتاح الفيلم كله.
يد تضع حجرًا على أرض ليست لها.
جرافة تشق طريقًا في الليل.
امرأة تقف أمام بيتها المهدد بالهدم.
طفل يسأل لماذا لم يعد الماء يصل إلى خيمته.
من هذه التفاصيل الصغيرة تُصنع النكبات الطويلة.
ولهذا فإن جبل عيبال ليس جبلًا فقط.
وطوباس ليست خبرًا محليًا.
وقلنديا ليست مشروع نفايات.
والأغوار ليست هامشًا بعيدًا.
وغزة ليست حربًا عابرة.
كلها مشاهد في فيلم واحد.
فيلم الضم.
فيلم إعادة تشكيل الجغرافيا.
وفيلم تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق دائمة.
لكن الفيلم لم يتوقف عند الكرفانات والطرق الالتفافية والبؤر الرعوية.
في الأيام الأخيرة كانت الصورة تتقدم خطوة أخرى إلى الأمام.
في الطيبة المسيحية أضرمت النيران.
وفي دير دبوان أُحرقت منازل ومركبات وأراضٍ زراعية.
وفي برقا أُحرقت مركبات ومدخل مسجد.
وعلى مداخل رام الله والبيرة أغلق المستوطنون الطرق الرئيسية وفرضوا واقعاً جديداً، حتى وصل الأمر إلى احتكاكات مع جنود الاحتلال أنفسهم أثناء محاولتهم السيطرة على الطرق المؤدية إلى مستوطنة بيت إيل.
المشهد لم يعد مشهد مجموعات منفلتة.
ولم يعد مجرد اعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة "عنف المستوطنين".
ما نشهده اليوم هو انتقال نوعي.
انتقال من السيطرة على الأرض إلى فرض السيادة عليها.
فالمستوطن الذي يحرق قرية، ويغلق طريقاً عاماً، ويمنع الناس من الحركة، ويتصرف باعتباره صاحب القرار في المكان، لا يتصرف كفرد خارج القانون.
بل كمن يعتقد أن القانون بات ملكه.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
كيف نوقف اعتداءات المستوطنين؟
بل:
كيف وصلنا إلى لحظة يتصرف فيها المستوطن أمام العالم باعتباره الدولة نفسها؟
وإذا كانت العواصم الغربية تعلن العقوبات، والأمم المتحدة تصدر التحذيرات، والصور تصل مباشرة من الطيبة ودير دبوان وبرقا إلى شاشات العالم، فإن السؤال يصبح أكثر إيلاماً:
ماذا يجب أن يحدث أكثر من ذلك حتى يُفهم أن ما يجري ليس أحداث شغب، بل مشروع سياسي يتحرك بالنار؟
وهنا لا أستطيع أن أتجنب سؤالاً فلسطينياً مؤلماً.
إذا كانت الأرض هي ساحة الصراع الأولى، وإذا كان الاستيطان هو الخطر الأكثر وضوحاً والأكثر إعلاناً عن نفسه، فأين أصبحت المقاومة الشعبية التي تحدثنا عنها سنوات طويلة؟
أين هي في جبل عيبال؟
وفي الأغوار؟
وفي سنجل؟
وفي الطيبة؟
وفي دير دبوان؟
وفي برقا؟
لقد أصبح المستوطن يتحرك وفق خطة معلنة، وميزانية معلنة، وحماية معلنة، فيما يبدو الرد الفلسطيني في كثير من الأحيان وكأنه يكتفي بتسجيل الخسائر.
لا أقول ذلك من باب توزيع الاتهامات.
بل لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس اختلال ميزان القوى.
بل اختلال العلاقة مع الواقع.
وحين يعلن خصمك كل يوم ما الذي يريد فعله غداً، ثم نتعامل معه وكأنه احتمال لا كحقيقة، فإن المشكلة لا تعود في وضوح مشروعه، بل في قدرتنا نحن على رؤية ما يجري أمام أعيننا.
والسؤال الحقيقي ليس إن كان العالم قد بدأ يغضب.
ولا إن كانت العقوبات ستزداد.
السؤال:
متى نتوقف عن التعامل مع المشروع الاستيطاني وكأنه حدث طارئ؟
كل ما تفعله إسرائيل اليوم يُقال علناً.
الضم يُقال علناً.
الاستيطان يُقال علناً.
البقاء في غزة يُقال علناً.
وتغيير الجغرافيا يُقال علناً.
والخطر لا يكمن فقط في هذه السياسات.
الخطر أن نعتاد سماعها.
في السياسة، كما في السينما، هناك لحظة قاتلة لا تحدث عندما يدخل الشرير إلى الشاشة.
بل عندما يتوقف الجمهور عن الانتباه إلى وجوده.
ومنذ سنوات طويلة يتصرف كثيرون مع الاستيطان باعتباره أزمة مؤقتة ستجد طريقها إلى الحل يوماً ما.
لكن الاستيطان لا ينتظر المستقبل.
إنه يصنعه.
حجراً فوق حجر.
وكرفاناً فوق تل.
وطريقاً فوق أرض مصادرة.
وقاعدة عسكرية تتحول إلى حدود.
وحدوداً تتحول إلى واقع.
وواقعاً يتحول إلى خرائط جديدة.
لهذا لا أرى أن المشكلة الأساسية هي ضعف رد الفعل الدولي.
ولا حتى عجز المؤسسات الفلسطينية.
المشكلة الأعمق هي الغباء السياسي الذي يجعلنا نتعامل مع الوقائع المتدحرجة وكأنها مؤقتة، فيما أصحابها يعلنون كل يوم أنها دائمة.
كل شيء يُقال أمامنا بوضوح.
ومع ذلك ما زال كثيرون يتعاملون معه كأنه احتمال سياسي لا كحقيقة تتشكل كل صباح.
الأرض لا تضيع فقط عندما تُسرق.
الأرض تضيع عندما نواصل النظر إلى السرقة وكأنها احتمال.
بينما هي تحدث بالفعل أمام أعيننا.
لم يعد السؤال:
ماذا يريد المستوطن؟
فهو يقول ذلك كل يوم.
السؤال الحقيقي:
لماذا ما زال كثيرون يتصرفون وكأنهم لم يسمعوه بعد؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15حزيران 2026