إسماعيل أزيات - سُرّاقُ اللّغة

"سُرّاق اللّغة"¹، هذا العنوان قد يفتح آفاقا للسّؤال والبحث. نحن نستفظع لفظة "سرقة" ونستقبحها في الحياة العمومية، لكن أعتقد أنّه بعد الفراغ من قراءة هذا المؤلَّف، ربّما تصير هذه اللّفظة مستساغة، مستأنسة بل محمودة. ولاسيما في مجالات الأدب والفكر والكتابة، أو، على الأقلّ، أن تغدو، في حدود ما، موضوعا للتدبّر. هذه ميزة بعض العناوين التي تحملك حملا إلى سلوك درب تقليب تربة الفكر على أكثر من وجه. قد تبدو هذا الاعتقاد فجّا، فيه قدر من التّبسيط أو من الغلوّ، لكن لا بأس من تدقيق النّظر فيه. ربّما بعد قليل سأمارس "السّرقة" بدوري. لننتبهْ لهذا الأمر!
"السّرقة" موضوع تناوله الأستاذ عبد الفتاح كيليطو بشكل موسّع في كتابه المبكّر "الكتابة والتناسخ" (1985)، والآن في سنة 2026 نحن بصدد كتاب يتطرّق، في جزء منه، إلى موضوع السّرقة. فهناك إذن خيط واصل رفيع بين الكتابين رغم تباعدهما في الزّمن. الآن تصبح قراءة هذا الكتاب، أقصد "الكتابة والتناسخ" ذات فائدة كبيرة وثمينة لأنّ هذه القراءة على الأقل ستجدّد التّفكير في الموضوع على أكثر من صعيد، سيتشعّب النّظر؛ هذه الكلمة الجميلة والعزيزة على صديقنا الأستاذ خالد بلقاسم². نعم، كتابة الأستاذ كيليطو هي كتابة التشعّب: الانتشار والتّداخل. منجزه كلّه، سرودا ونقودا، هو فسيفساء هائلة، والفسيفساء فنّ راق يستعصي على الاندثار والزّوال.
كما تعلمون، العزيزات والأعزّاء، إنّ موضوعة السّرقة شغلت كثيرا نقاد الشعر العربي القدامى. بعضهم تناولها بإيجاز، وبعضهم بإسهاب، وكانوا يدرجونها ضمن باب اسمه "باب السّرقات" كأنّ السّرقات لها مستودع ومن ثمّ عتبة تدلّ عليها، هكذا بكلّ وضوح وبلا حرج. والسّبب أنّ قدماءنا لم يكن أغلبهم يرى في السّرقة نقيصة، بل يرون أنّها، على العكس من ذلك، جزء صميم من عملية كتابة الشعر وديمومته. لا شاعر، ولنقلْ لا أديب بمنجاة من السّرقة. هذا ما يقوله، على سبيل المثال، ابن رشيق: "هذا باب متّسع جدّا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدّعي السّلامة منه". واضح من هذا الكلام نبرته الجازمة والحاسمة، وهو ناقد صاحب "العمدة" وهو عمدة.
هنا لا بدّ أن نتوغّل قليلا في الموضوع. لنُحص عدد المفردات الدالة على السرقة كما وردت عند هؤلاء النقّاد، وهو ما يجدر الانتباه إليه. قبل ذكر هذا المعجم، من المفيد أن نفهم ماذا يفيد فعل "سرق" لغويا: سرق، يسرق: خفي، بقي مستترا. انسرق: اختفى. سرق النّظر: نظر متخفيّا، بالإضافة إلى المعنى المتعارف عليه "السارق عند العرب من جاء مستترا إلى حرز، فأخذ منه ما ليس له" (لسان العرب). نلاحظ أنّ السرقة لا تحدث إلاّ في السّتر وفي الخفاء؛ فهي إذن عمل غامض ، سرّي، مستتر، متوار لا تدركه الأبصار، أو بالأحرى لا يبلغه إلاّ البصراء نافذي الفهم. هذا المعنى مهمّ للغاية لأنّه يكشف لنا أنّ السّرقة عمل يجري في الظّلام، وهو بالنتيجة مثير ومريب (كلّ فعل يحدث في العتمة هو كذلك!).
لننظرْ إلى هذا المعجم عند القدماء:
من معاني السرقة: الأخذ ، النّقل؛ النّسخ، السّلخ، المسخ؛ الانتحال، الاختلاس، الاجتلاب، الاحتذاء؛ الاقتباس، التّضمين، الحلّ، العقد؛ الاستعارة، المحاكاة؛ التحوير، التقليد، التقليب، التلفيق، التوليد؛ الإغارة، الغصب...
نلاحظ أنّ هذا المعجم شبكة معقّدة الخيوط إلى درجة أنّ الأدباء لا يمكنهم النّجاة منها! فهم، بمعنى من المعاني، مرضى بهذا الدّاء الذي لا شفاء منه. ولذلك قال ناقد قديم وهو الآمدي: "السّرقة باب ما تعرّى (تخلّص) منه متقدّم ولا متأخّر"، فكأنّها السمّ الذي أعدّه الشاعر جرير للشعراء حين قال:
أعددتُ للشّعراء سُمّا ناقعا ... فسقيتُ آخرهم بكأس الأوّلِ.
لنا أن نذكر في هذا السياق شاهدين اثنين:
لبشار بن برد بيت شعر جميل يقول فيه:
من راقبَ النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللّهجُ
وجاء تلميذه سلْم الخاسر، وهو شاعر من المجّان فقال:
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذة الجسورُ
ذاع البيت الثاني "المسروق" وخمُل بيت بشّار الذي قد يكون بدوره (من يدري؟) اختلسه من قائل ما ! لهذا الشاعر قصّة طريفة من المستحسن أن نرويها. لُقّب بالخاسر لأنّه "لمّا مات عمرو أبو سلم الخاسر اقتسموا ميراثه فوقع في قسط سلم مصحف فردّه، وأخذ مكانه دفاتر شعر كانت لأبيه". هكذا ورد الخبر في كتاب الأغاني مترادفا مع أخبار أخرى تخصّ نفس اللّقب. ويوما مدح أحد الخلفاء وكان قد علم بقصّة لقبه، فأعطاه مالا كثيرا، فخرج على الملأ يقول: "لقد استرددت ما أنفقتُ في سبيل الأدب، ثمّ ربحتُ الأدب، فأنا سلْم الرّابح، لا سلم الخاسر".
أمّا الشاهد الثاني فيقول جميل بثينة:
ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقّفوا
سمعه الفرزدق فتعجّب، كيف لشاعر غزل من قبيلة لا مُلك فيها أن يفتخر بهذا البيت الملكي؟ فطلب منه أن يتنازل له عنه، واتّقاء لشرّ لسانه "تجافى له عنه"، فأصبح البيت جزءا لا غنى عنه في قصيدته ! هكذا يكون الفرزدق قد سرق بيت جميل غصبا وعنوة. لكن للأستاذ كيليطو ملحوظة نبيهة بهذا الخصوص. السّارق في نظره ليس الفرزدق وإنّما هو جميل³ لأنّه تسلّل إلى غرض شعري ليس له ولا يلائم صورته وطريقته وهو الفخر، كأنّه "سرق" ما شاع أنّه ملكية للفرزدق. أمّا حسان بن ثابت فكان حذرا ومحترسا حين قال:
لا أسرقُ الشّعراء ما نطقوا ... بل لا يوافق شعرهم شعري.
السّرقة، في كلّ الأحوال إذن، إغواء وإغراء وغواية. السّرقة غرام وهيام كالطفل الصغير حين يرى ما يفتنه يمدّ إليه يده أو كالمحبّ حين يقول لمحبوبه: "سرقتَ منّي قلبي". والمكتبات هي محبوبات الأدباء الفاتنات السّاحرات، هي مستودع ومستقرّ "سرقاتهم"، فيها يخزّنون غنائمهم ومنها يقتبسون نقولهم. ألا نقول للمكتبة أيضا خزانة كتب؟ من ذا الذي لا "يسرق" من هذه الخزانة أو بالأحرى من هذا المخزن؟
تبقى إشارة أخيرة. هل موضوعة السرقة، في بعض وجوهها، حاضرة في محكيّات الأستاذ كيليطو القصصية والروائية؟ الجواب نعم. وللتّدليل على ذلك، سنعرض لبعض المشاهد المنتقاة:
في "حصان نيتشه" (2003)، ثمّة قصّتان ملفتتان للنّظر؛ قصّة "القرد الخطّاط" وقصّة "العقوبة". في الأولى نحن أمام تلميذ تعوّد على النّسخ؛ نسخ العقوبات المدرسية في المرحلة الابتدائية، ثمّ نسخ روايات بأكملها في المرحلة الإعدادية. انخرط في هذا التمرين الشاق والمتعب بصدق وصرامة ولمدّة مديدة، وحين حاول أن يتوقّف عن النّسخ في أحد الأيّام وأن ينتقل إلى الكتابة وجد نفسه عاجزا تماما، فسقط مريضا يعاني آلاما فظيعة في الرأس. لم ينجح أيّ دواء في التّخفيف من حالته إلى أن أبصر علب الأدوية، فاستخرج بيانات الاستعمال وشرع في نسخها. ما كاد ينتهي حتى اختفى الصّداع، ثمّ استأنف النّسخ الذي كان له شفاء. من بين القضايا الأدبية والفكرية التي تضمرها هذه القصة هناك العلاقة بين القراءة والانتساخ "كنتُ عاجزا عن القراءة (...) الوسيلة الوحيدة للقراءة بالنسبة لي ، كانت أن أنسخ"، والعلاقة بين الكتابة والانتساخ "كنتُ أفتح دفترا فارغا وأنتظر أن تحصل المعجزة. كلّ ما كان يحضر أمامي ، كان جملا من الكتب التي كنتُ قد نسختها. كنت مسكونا بكلمات الآخرين. إنّها بالتصاقها بذاكرتي، تشكّل ثروة مربكة لا أستطيع الفكاك منها". هذه العلاقة الأخيرة بالضبط هي نواة قصّة "العقوبة". أراد كاتب أن يتباهى أمام طفلته الصغيرة بكتابه الجديد، حديث الصدور. رفعه أمام عينيها الحلوتين قائلا: "انظري، أنا الذي كتبتُ هذا الكتاب"، مشيرا إلى اسمه فوق العنوان. كان ينتظر منها أن تقفز لمعانقته وإن لم تدرك تماما مغزى المشهد كلّه، لكنّها، على العكس، صاحت ساخطة وحانقة "أنت نسخت كلّ هذا؟". الطفلة نفت عنه صفة المؤلّف وأعادته إلى صفة النّاسخ كما لو كان تلميذا ينسخ عقوبة ما. حاول الكاتب المسكين أن يوضّح لها الاختلاف بين الكتابة والانتساخ، وإن اعترف هو نفسه بصعوبة استيضاح هذه المسألة، إلاّ أنّه آثر "أن يتركها في براءتها، في ذلك العالم السحري حيث لا أصالة ولا سرقة ولا انتحال، حيث كلّ نص هو النّسخ الأمين لنص آخر". أمّا اسمه البارز على الغلاف، فلم يكن ليثير دهشتها، فهي أيضا "تدوّن اسمها على بطاقات تلصقها على دفاترها وكتبها المدرسية".
وفي "بحث" (1999)، ثمّة قصّة مثيرة تتعلّق بحجرة كتب مغلقة وبطفل ظلّ وحيدا في البيت. هذا الطفل قادته قدماه إلى باب هذه الحجرة المسدود، وقاده الفضول إلى محاولة فتحه. انفرج الباب وولج الغرفة فوجد نفسه في مواجهة خزانة كتب كبيرة صُفّت فيها الكتب بشكل منظّم ومتلاصق للغاية. حاول استخراج كتاب من الرّفوف الدنيا، فلم يتمكّن، فاستعان بسلّم صغير لعّل الكتب التي في الأعلى تكون يسيرة التّناول. لكنّها استعصت عليه هي الأخرى. بعد جهد جهيد "اختلس كتابا ظلّ مكانه شاغرا، فاغرا". ترتّبت على هذه "السّرقة" أحداث متلاحقة تنبئ جميعها عن هواجس الطفل من أن يُفتضح انتهاكه للمحظور. حاول إرجاع الكتاب المختلس إلى مكانه إلاّ أنّ المكتبة رفضت المجلّد الذي "اغتُصب منها، ما عادت ترغب في استقباله وقبوله في حضنها". ما العمل؟ حاول مرّة أخيرة، لكنّ الكتاب وقد أُفسدت زوايا غلافه، يفلت من قبضته وفي محاولة الإمساك به، يسقط من أعلى السلّم الصغير ويقع على الأرض وعلى مقربة منه الكتاب، مفتوحا. ما هذه المكتبة الغامضة؟ ولماذا هذا الهلع من أن يكشفه شخص ما في حالة تلبّس بجرم الولوج إليها وهي التي "لم ير أحدا يأخذ منها كتابا، ويفتحه، ويراجعه"؟ وماذا تحوي تلك المجلّدات ذات الطباعة المزحومة؟ لا جواب واضحا. لكن وهو على تلك الحالة من السّقوط، يُفتح باب الشقّة، وتقترب من الحجرة امرأة بحذاء ذي كعب، وتلج المكتبة. لا توبيخ، بل على النقيض إسعاف وطمأنة. من تكون؟ يوحي الوصف شبه الإيروتيكي الذي تقدّمه عنها الحكاية "حذاء ذو كعب أسود لامع، ساقان بيضاوان جميلتان، ركبتان لحيمتان ناعمتان، تنورة سوداء". أنّها ليست الأمّ أو الأخت بالتّأكيد، ولا حتى الخادمة. من المحتمل أن تكون شهرزاد وقد أتت من سالف الزّمن لتواسي طفلا تجرّأ أن يقتحم المكتبة المغبرّة التي اغترفت منها حكاياتها المدهشة والسّاحرة⁴.
أمّا في رواية "أنبئوني بالرؤيا"(2011)، فنحن أمام عملية انتحال صريحة. عثر السارد في طبعة ريشارد بيرتون لألف ليلة وليلة على مخطوط عربي قديم، يحمل عنوان "حكاية نور الدين والحصان"، وهي حكاية من الليالي العربية "لم يسبق نشرها" حسب ملحوظة وجيزة كُتبت على هامشها. حاكت الحكاية أسلوب ألف ليلة وليلة بشكل متقن لتخفي التّزييف، وكذلك أبقت على العنصر العجيب والخارق. ماذا تقول الحكاية؟ الأمير نور الدين خرج إلى الصيد، فلاحق غزالا شاردا، لكنّه تاه عن أصحابه. وبعد برهة اغتمضت فيها عيناه، وجد نفسه أمام أرض الظلمات التي لا أحد يعود منها. أراد نور الدين الدخول إليها، لكن حصانه امتنع. نزل من على ظهره وأخذ يجره من عنانه، لكن الحصان عاند وبرك، فأخذ الأمير يضربه بالسّوط، ثمّ تركه وسار نحو أرض الظلمات، غير أنّ الحصان نهض وحاول منعه من السير، فتعاركا حتى انهار الحصان من ضربات السوط وندم نور الدين على ما فعله بالدابة فعانقها وأجهش بالبكاء. ومع ذلك اقتحم أرض الظلمات وصهيل الحصان يصل مسمعيه راجيا منه العودة، لكنّه تابع طريقه. هكذا انتهت الحكاية، غير أنّ ما تضمّنته من اقتباسات (ابن بطوطة وأرض الظلمات، نيتشه والحصان) تظلّ مشرعة على التأويل.
لنختمْ بهذه الملاحظة: أحد النقاد العرب القدامى يقول : "السرقة داء قديم" بمعنى أنّها مستشرية في كلّ الثقافات الإنسانية ماضيا وحاضرا، ومن ضمنها الثقافة الغربية. فعلى غرار نقّادنا، اهتمّ النقّاد الغربيون بهذه القضية. يكفي أن نذكر هذا الكتاب الصادر عام 1990 "معجم المنتحلين أو معجم السّرّاق" لرولان دو شودنايRland De chaudenay, Dictionnaire des plagiaires ، والذي يشتمل على ما يقارب ثلاثمائة حالة من الكتّاب الفرنسيين من مختلف الأزمنة الأدبية. كما أنّه شاعت في النقد الغربي الجديد مفاهيم كالتناص (حضور نصوص أخرى داخل النص حضورا جليّا أو خفيّا)، والطِّرس (النص الجديد هو عبارة عن طبقة فوق نص أقدم لازال حاضرا)، والأثر (العلامة التي تدلّ على ما لم يعد حاضرا، لكنّه لم يختف تماما، ما لا يمكن محوه)، والتكرار(هو ما يعود ويحمل اختلافا). هذه الكلمات اللّطيفة جاءت ربّما لتخفي قسوة كلمة "سرقة"، لكن مع كتاب "سُرّاق اللّغة" للأستاذ كيليطو، وكما قلتُ في البدء، ستصبح هذه اللفظة مقبولة ولا نشعر بالحرج منها. وماذا لو كانت ضربا من لعب أدبي؟

هوامش:
1ـ الكلمة التي ألقيتها بمناسبة تقديم كتاب "سُرّاق اللّغة" للأستاذ عبد الفتاح كيليطو بالمعرض الدولي للكتاب بالرباط يوم فاتح مايو 2026. ترجمة إسماعيل أزيات، منشورات المتوسط ، إيطاليا، 2026.
2 ـ انظر خالد بلقاسم، "مرايا القراءة، الحكي والتأويل عند كيليطو، المركز الثقافي العربي، 2017.
3 ـ انظر عبد الفتاح كيليطو، "الكتابة والتناسخ"، دار توبقال، 2008، ص24.
4 ـ انظر عبد الفتاح كيليطو، "خزانة شهرزاد" ضمن كتاب "العين والإبرة"، ترجمة مصطفى النحال، مراجعة محمد برادة، منشورات الفنك 1996.

(الملحق الثقافي لجريدة "العلم"، الخميس 21 مايو 2026).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى