مصطفى الصميدي

غداً ترى وجهكَ في المرايا يُشارِف على التَّكسُّر، وأنت تحاول لمْلمَة ما تبقى من انعكاسك، سيُخبركَ أحدهمْ بارتباككَ الأخير: وصلتَ إلى ما يشبه النهاية! حِينئذٍ ستدرك كيف سقط كبرياؤُكَ أمام عينيك في غفلةٍ منك أنتَ، أنتَ. لن يكون لك فكرةٌ خضراءُ، ستغدو ملامِحكَ مُتصحِّرةً، تجاعِيدكَ أكثر من أيّ...
كالبرقِ يضرب في قلب السـماءِ سَـنا يا قصفة الرَّعد مالي عن سَناك غِنَى هُزِّي بقلبي جـذور العشق مـن جهـةٍ ومَـزّقي مـن شِـغَـافي كل مـا سَـكَنا حِيكِي من اللّمحِ مَـوتـاً ناضِـجــاً أَمِـنَــاً وطرِّزي وجـهكِ المِشْكاة لِي كَـفَـنَـا ما عُدّتُ أحتمل اللـيـل الـطــويـل فَـقَــد بُرِقْتُ في...
في عالم كالهواءِ مبهمٌ لونُهُ، ما زال الحلم الذي ينبض بي يتعثَّر خفقهُ الصَّداح، حتى بعد أن تعلَّمَ السماء، أتقنَ آمادها. كُلما مررتُ بمرآةٍ أمام ناصية البدايات، كثيراً، كثيراً تأخَّرَ انعكاسي، كأنهُ لمْ يُقرر بعد أنْ يكُونني. كم سألتُ عنِّي الزمان: أَلِكِتابك المَرقوم صوتاً ينطق بي؟! كم...
رأيتكِ حلماً ليلة الأمس مُنْـطَـقَـا سـوَياً تلاقـيـنا خـيـالاً ومَـنْـطِـقَـا جلـسنا على سفـحٍ ترَامـى عُـلُـوّهُ ودَلَّىَ السحاب لنا ظِلالاً مُعـمْلَـقـا وقلتُ دعِ دمعـي يقـول حـروفـهُ وقالتْ دموعكِ: يا لِموْعدنا اللِّـقا! ضَـمَـمْـتُكِ فـي قلـبـي كأنكِ كُـلّـهُ وطـارَ بنا الحب الـشَّـهِيّ...
لِتشرق على ملامحي، لستُ عبّاد الشمس، رحلتُ قبل بزوغها الآتي، وفي عينيّ نهرانِ من ملح، أحملُ جُرحاً عتيقاً بحجم أوطانٍ كِثَار، كِثَار، لم تتسع يوماً لاحتواءِ دائي. كم أنزفتُ صوتي لمنْ في آذانِهمْ وَقْرٌ، وكانَ كَأنينِ دورِيٍّ حَطَّ مكسوراً على صخرٍ أصم، كلسانِ حال الرمل يشكو الماء للصَّبار: كل...
ها هي من فناء الدار تنبثق القصيدةُ التي كنتُ أبحثُ عنها في المساءات، مرتجفة من بردِ كانون، تبحث عن دفءٍ يُقِيها النَّشاز. تتلمَّس دربها عبر أستار الضباب، كأنها تصيغ من طبقاتهِ أوراقيَ الأولى. تُناغي الحفيف لأوراقِ خَمْطٍ وأَثْلٍ، وشيءٍ من سليلِ ريحٍ تهبُّ لِحملِها إلى حوافِ شُرفتي. هنا على...
بحجمِ الأرضِ أنتِ، لا بلونها؛ بوجهِها حربٌ وتراب، بِسِيماكِ سلامٌ، وحدائق غَنَّاء صِيغَتْ من أقباس نور، كأنك القطعة الأنقى من عيون الشمس، الومضة الأصفَى من خدود الفرقدين. قولي إنكِ والقمر توأمان، ولن أُكلِّف بعد الآن ناظري عناء التحديق في العلياء، فثمَّةَ آخر يمشي على الدنيا. ليس في عينيك زرقة...
لَا أَعْرِفُ مِنْكِ سِوَى الْفَرَاغِ، ظِلُّكِ الَّذِي يَمُرُّ عَلَى الْمَسَاءِ كَصَدًى يَذُوبُ عَلَى نَاصِيَةِ الرِّيحِ، لا يفيق..! كَأَنَّكِ وَهْمٌ نَسِيَ كَيْفَ يَكُونُ الْحَنِينُ، لَكِنَّنِي مَا زِلْتُ عَنِيدًا، أَزْرَعُ الْوَرْدَ عَلَى شِفَاهِ الْمِلْحِ، وَأَنْتَظِرُ الْمَطَرَ عَلَى أَرْضٍ...
اِثْقُبِي رأسي لِتجدي هناك صورتك مُعلَّقةً على جدارِ دماغي، تُمسِكُ الوَعْي بتلافيفَ إطارِها. كلُّ حديثٍ أفوهُ بهِ يصطَبِغُ بوجهكِ الوضَّاء، يخرجُ بنكهتك، برائحتك، بلونك. مشغولٌ بكِ عقلي، أَصَفَدْتِيهِ بالسَّلاسل، كي لا يزُورَ لغتي سِواكِ والسَّجان أنتِ؟! لقد تفَنَّنتِ في تقْنِينِ أفكاري كما...
للنسيمِ حكاية لا تشبه غيرها... حين يهِبُّ باكراً، وأنت مُطِلٌّ على الصباح، يجِيئكَ العطرُ لطيفاً من الأوراق، كأنَّ للطبيعةِ أيادٍ تصيغهُ خامات من بواكيرِ الربيع، تُنشِرُهُ جَمَّاً كُلَّما تهجّأهُ الحفِيفُ بِلغةٍ خفيفةٍ كضوءِ النَّدى، رقيقةٍ كظِلِّ الفراشات. لعطرِ النسيم حكاية تُنسِيكَ ما على...
لاهِثاً كفتيلٍ نافد، ذلك الومِيض الذي ترَاءَى لي من بين أَعتام الدُّجى... يدٌ من ظلالٍ أزْجتها الرِّياح من اللامكان، رأيتُهَا كأجنحةِ الجواثم، تطوف لِنفخهِ بالرَّفرَفاتِ السُّود، قبلَ أنْ أمتلِئ به ولو بمقاسِ خطوة واحدة، تزيحُ عنِّي عرَاقِيلَ المَطالِع. تبسَّمتُ في وجه الحيالكِ، وكتَائهٍ في...
فسيحٌ هذا العالم: واحد وسبعون ماء، تِسعٌ وعشرون يابسة! ليس لي من كثير مائهِ سوى زُرقةٍ لا أراها إلا رسْما، رغم امتداد الشواطئ! من قليلهِ ما يهِب من الجبال آَسِنا... ومن بَرِّهِ ملاذٌ كما لوْ كان في ثُقبِ إبرة! لا بأس... سأصنع عالمي رسماً في لوحةٍ جداريةِ، أرسمُ بالرصاص قوسَ قزح، ومساحة أرض من...
كنتُ أعرف أنه لن يَكتَمِل، حلُمٌ عشتهُ أمسَ القريب... وقتها، كوجه شمسٍ تجلَّى من وراء غيمٍ كثيف، تسَلَّلْتُ من بينها رغم جراحيَ الجمر، أكوام الرماد تلك. هذا الصباح، عِيدَ بي خوناً إليها، سماءً تمور بنارٍ رأيتُ، أطلالاً بعضها فوق بعض، دُخاناً يحجبني عن الأحلام، عهداً لم يجفّ مِدَادهُ الخَدَّع...
سأكتبُ غَيْثاً ولوْ جفَّ نبعُ الغَمَام، ربِيعاً ولوْ كانَ مِنْ وردةٍ لا أراها سِوى في المنام، ملَلتُ جَفَافِي الجَثُوم بصيفِ الأنام، وعُمْرَ الخَرِيف المُصَلِّي بصدري صلاة القِيام. سَأكتبُ فجراً ولوْ مِنْ مِجَازَاتِ شَمْسٍ أبَتْ أنْ تزاور عني الصباح أُيَمِّمُ شَطرَ الشُّرُوق يراعي، لعَلَّ...
كلُّ ما ذَرفتُهُ بالأمسِ من دمعٍ، أودعتُه اليوم في ودائعِ الغيم، علَّ ريحاً تُزجِيهِ إلى سمائكِ ذات يومٍ ليس ببعيد. قبل أن تمطركِ بما أنزَفَتْهُ عيناي مِن بحرٍ أُُجَاج، يسبقكِ بوحُ قلبي بالتخاطر ألاّ تخافي من موجهِ الظُّلل، حتى وإنْ طغى الماء. فقط افتحي أبواب قلبك، لرسائلٍ تراكمتْ عبر الزمن،...

هذا الملف

نصوص
51
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى