مصطفى الصميدي

لَا أَعْرِفُ مِنْكِ سِوَى الْفَرَاغِ، ظِلُّكِ الَّذِي يَمُرُّ عَلَى الْمَسَاءِ كَصَدًى يَذُوبُ عَلَى نَاصِيَةِ الرِّيحِ، لا يفيق..! كَأَنَّكِ وَهْمٌ نَسِيَ كَيْفَ يَكُونُ الْحَنِينُ، لَكِنَّنِي مَا زِلْتُ عَنِيدًا، أَزْرَعُ الْوَرْدَ عَلَى شِفَاهِ الْمِلْحِ، وَأَنْتَظِرُ الْمَطَرَ عَلَى أَرْضٍ...
اِثْقُبِي رأسي لِتجدي هناك صورتك مُعلَّقةً على جدارِ دماغي، تُمسِكُ الوَعْي بتلافيفَ إطارِها. كلُّ حديثٍ أفوهُ بهِ يصطَبِغُ بوجهكِ الوضَّاء، يخرجُ بنكهتك، برائحتك، بلونك. مشغولٌ بكِ عقلي، أَصَفَدْتِيهِ بالسَّلاسل، كي لا يزُورَ لغتي سِواكِ والسَّجان أنتِ؟! لقد تفَنَّنتِ في تقْنِينِ أفكاري كما...
للنسيمِ حكاية لا تشبه غيرها... حين يهِبُّ باكراً، وأنت مُطِلٌّ على الصباح، يجِيئكَ العطرُ لطيفاً من الأوراق، كأنَّ للطبيعةِ أيادٍ تصيغهُ خامات من بواكيرِ الربيع، تُنشِرُهُ جَمَّاً كُلَّما تهجّأهُ الحفِيفُ بِلغةٍ خفيفةٍ كضوءِ النَّدى، رقيقةٍ كظِلِّ الفراشات. لعطرِ النسيم حكاية تُنسِيكَ ما على...
لاهِثاً كفتيلٍ نافد، ذلك الومِيض الذي ترَاءَى لي من بين أَعتام الدُّجى... يدٌ من ظلالٍ أزْجتها الرِّياح من اللامكان، رأيتُهَا كأجنحةِ الجواثم، تطوف لِنفخهِ بالرَّفرَفاتِ السُّود، قبلَ أنْ أمتلِئ به ولو بمقاسِ خطوة واحدة، تزيحُ عنِّي عرَاقِيلَ المَطالِع. تبسَّمتُ في وجه الحيالكِ، وكتَائهٍ في...
فسيحٌ هذا العالم: واحد وسبعون ماء، تِسعٌ وعشرون يابسة! ليس لي من كثير مائهِ سوى زُرقةٍ لا أراها إلا رسْما، رغم امتداد الشواطئ! من قليلهِ ما يهِب من الجبال آَسِنا... ومن بَرِّهِ ملاذٌ كما لوْ كان في ثُقبِ إبرة! لا بأس... سأصنع عالمي رسماً في لوحةٍ جداريةِ، أرسمُ بالرصاص قوسَ قزح، ومساحة أرض من...
كنتُ أعرف أنه لن يَكتَمِل، حلُمٌ عشتهُ أمسَ القريب... وقتها، كوجه شمسٍ تجلَّى من وراء غيمٍ كثيف، تسَلَّلْتُ من بينها رغم جراحيَ الجمر، أكوام الرماد تلك. هذا الصباح، عِيدَ بي خوناً إليها، سماءً تمور بنارٍ رأيتُ، أطلالاً بعضها فوق بعض، دُخاناً يحجبني عن الأحلام، عهداً لم يجفّ مِدَادهُ الخَدَّع...
سأكتبُ غَيْثاً ولوْ جفَّ نبعُ الغَمَام، ربِيعاً ولوْ كانَ مِنْ وردةٍ لا أراها سِوى في المنام، ملَلتُ جَفَافِي الجَثُوم بصيفِ الأنام، وعُمْرَ الخَرِيف المُصَلِّي بصدري صلاة القِيام. سَأكتبُ فجراً ولوْ مِنْ مِجَازَاتِ شَمْسٍ أبَتْ أنْ تزاور عني الصباح أُيَمِّمُ شَطرَ الشُّرُوق يراعي، لعَلَّ...
كلُّ ما ذَرفتُهُ بالأمسِ من دمعٍ، أودعتُه اليوم في ودائعِ الغيم، علَّ ريحاً تُزجِيهِ إلى سمائكِ ذات يومٍ ليس ببعيد. قبل أن تمطركِ بما أنزَفَتْهُ عيناي مِن بحرٍ أُُجَاج، يسبقكِ بوحُ قلبي بالتخاطر ألاّ تخافي من موجهِ الظُّلل، حتى وإنْ طغى الماء. فقط افتحي أبواب قلبك، لرسائلٍ تراكمتْ عبر الزمن،...
هناك بين الزَّهرِ كُنتِ وكانتِ الأرض النّدِية ترسِمُ الــ لوحاتها زَهْواً بريشةِ خطوكِ الألوان، تضفِي إلى الإزهار ما قد بانَ مِن ألوانكِ الأخرى جمالاً يضمِرُ الأسرارْ.... ومَرَرتِ فصلاً كالربيع على الثَّرى إنْ لم تكوني قطعةً مِن جنةٍ شاءَ الإله لها التّرجُل فَجأةً في دوحة النُّوارْ. ☆☆☆ ورأيتُ...
أتنفَّس عصراً تتناسل فيه الوجوه كمرايا السراب، عصراً تحتار في أدرانهِ روحي وما ملكتْ يداها من هَرمٍ تسقيه بارات دمي المسموم منذ فجر وجودي ... أُعيدُني قسراً إلى رفوفِ الغابرين، أستعيد حزماً من سرديات ضوءٍ كاذب لثورة العصر ... أجرجرُ ذاكرتي نحو أبواب صَدِئة كتبها البارود بلغةٍ واحدة، أُسَاءلها...
لستُ أنا الذي كنتُ أعرفُنِي... لمْ أعد مثلكمْ مِن صلصالٍ كالفَخَّار، سَقطتُ مع سقف داري دفعةً واحدة، لمْ يعثُر علَيّ أحدٌ بعدها... لم أحلم يوماً أن أحظى بقبرٍ، أو موتٍ رحِيم، كنتُ أعرفُ خاتمتِي، كمَا تعرفون - اللحظة - كيف كان الخِتام، ولأن الرّمَاد أخبرني عَنِّي ذاتَ حلم في المَنام، صِرتُ خبراً،...
لوْ لمْ يُدَنَّس ضَمِيرهُ، لَمَا ظَلَّ يَركُض مَوْجُهُ خَاوياً مِنْ الجَوَار، لا يَمْتَطِي كَتِفَيْهِ إِلاَّ مَا أبحَرَ فِي نَشْرَةِ الأَخبَار، أوْ ظِلالُ لازَوردٍ تُشَيِّعُ حَقِيقةَ العَدَسَات! لوْ لمْ يُدَنَّس، لَرَتَّلَ بَعدكِ سُورَةِ الجُوع فِي الخِيَام، وَخَرَّ صَعِقَاً مِنْ دُعَائكِ...
ماذا لو كنتُ فضاءً مفتوحاً يضِلّ في رحابتِي من اسْتَنسَر الغَيْم وصَبَّ الحِقد أطناناً على أرضِنا الجُرح؟ ماذا لوْ كُنتُ والرِّيح مِلْكُ يمِينِي أَجنِحةً ترِدّ النّار بِريشها العَاتِي؟ لعَلِّي أُغلقُ سقفَ المَدِينة الآن أمناً، كي تضمِدُّ جُرحَها النّزفَ دونَ خوفها الآخِر، أُعِيد للأمهاتِ...
لَستِ مدينةً ولا جُرحا، ولا سجناً ولا جوعاً يعضّ أنامله، ولا موتاً يُشيِّع نفسهُ تِباعاً كلّ حين، ولا قبراً حُفِرَ في المَدى مرَّة، وجَرَّفَته يد العِدَاء مرتين... لستِ حَدثاً سَرابِياً تنامى في حديث المَرِيدين، ولا هُويّةً ذُبِحتْ في ذاكرةِ النَّخاسةِ، وكُفِّنتْ بسَرابيلِ هُنودها الحُمرْ،...

هذا الملف

نصوص
29
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى