في مجتمعاتنا نساء كثيرات أفنين أعمارهن داخل بيوت ظننها المرفأ الأخير لهن. سنوات طويلة من السهر على الأبناء ورعايتهم وتنظيم شئون البيت، وتخلين عن عملهن وطموحاتهن من أجل استقرار الأسرة. امرأة تنازلت كثيرًا عن أحلامها لتعوض بها راحة من حولها، وظنت أن ماتمنحه من عمرها سيعود يومًا تقديرًا وأمانًا...
اليوم كان عصيبا، ازدحمت الطرقات بالصراخ والبشر والجهامة، وطرق أفئدة الناس لهاث ممرض من أعباء الخلق المنحور على أبواب العصر اللاهث، وصحائف التدافع العنيف.
وزع نظرات الأسى على الخلائق وقد لفتهم سحائب من ضباب معتم نفثته عوادم النفوس.
سؤال جوال في ذاته، يمشط وجدانه جيئة وذهابا: كيف يكون الحال هكذا...
حين أطفأ الضوء نفسه
كان الضوء الليلي لا يزال مكانه
نفس الزاوية، نفس الزرّ،
ونفس الهالة الصغيرة التي كان يلقيها على الحائط المجاور
كأنه يرسم قصةً لطمأنينةٍ لا تحمل كلامًا كثيرًا.
لم تكن تحبّ العتمة،
ولم تصرح بذلك
بل كانت تترك للضوء أن يبقى ساهرًا عنها،
كأنها تقول له:
"ابقَ… لأجلها، لا لأجلي."...
كل عام وأنتن بخير..
إلى تلك التي لا تعرف المستحيل، التي تمضي رغم الرياح العاتية، وتصنع من التعب إرادة، ومن العقبات طريقًا. إلى المرأة التي تحمل في قلبها قدرة مدهشة على العطاء، وتزرع الأمل في البيوت والقلوب.
لقد عرفت البشرية عصورًا طويلة لم تُنصف فيها المرأة، فحُرمت من أبسط حقوقها الإنسانية،...
وقفت عند عمود الإنارة المهترئ تتنفس هواء الشتاء البارد، كأول نسمة حرية تلمس رئتيها بعد عمرٍ طويل.. ظلها يتطاول على الرصيف شاهدًا على سنواتٍ ذهبت سدى.
الغروب يلف المحطة بألوان حزينة، برتقالية كجرح قديم وبنفسجية ككدمة فى الروح.
البرد يخترق عظامها. جلست على المقعد الحجري.. تذكرت كيف كانت تأتى...